أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / متفرقة / مدارات أزاميل / أدونيس: حروب المعنى “في النّقاش الذي يدورُ اليوم حول الأصول”

أدونيس: حروب المعنى “في النّقاش الذي يدورُ اليوم حول الأصول”

استئنافاً لحوار سابق : ما النص – الأصل ، وكيف نتواصل معه ؟

  • 1 –

في النّقاش الذي يدورُ اليوم حول الأصول، وبخاصّةٍ الدّينية، سواءٌ من حيث التّأويل والتّطبيق، ظاهرةٌ فكريّةٌ جديرةٌ بأن تستوقفَ الباحث. تتَمثّل هذه الظّاهرة في حِرْصنا جميعاً، مهما تبايَنَتْ اتّجاهاتُنا، على أن نبدوَ أكثرَ تأصيلاً في الأصول، وأشدّ تمسُّكاً بها، مِن أولئكَ الذين يُكَفّروننا، أحياناً، بِإسْمِها، ودفاعاً عنها.

الأمثلة كثيرة. أكتفي بمثالٍ أخير: قضية مارسيل خليفة، الموسيقار والمغنّي اللّبناني. فقد أكّدت البيانات والمقالات التي وقفت الى جانبه، وشاركَ فيها كتّابٌ ومفكّرون غير متديّنين، على أنّه أكثر تقديساً للأصول من أولئك الذين يَتّهمونه بتدنيسها، وعلى أنّه، تبعاً لذلك، الأصحّ تأويلاً، والأعمقُ فهماً. واتَّهمتْهم واصفةً إيّاهم بأنّهم يبتعدون عن “حقيقة” الدّين، ويشوّهون “أصوله”.

  • 2 –


لماذا، إذن، نحرصُ جميعاً هذا الحرص فنصرّ على أَنّنا لا نختلفُ مع الأصوليين على كون هذه الأصول مطلقة ثابتة، وأنّها أصولُنا جميعاً، وإنما نختلف معهم في تأويلها وفهمها؟ وفي هذا الحرص يتَساوى أصحابُ الأفكار الجذريّة – يساراً، والجذريّة – يميناً.

أهو مجرّد حِرْصٍ تُمليه السّياسَةُ، مثلاً؟ وآنذاكَ، ألاَ نشهد على أنفسنا، بوصفنا مفكّرين، أَنّنا نُغلّب السّياسيّ على الفكريّ، وهو ما نشكو منه دائماً؟ أهو مجرّد حرصٍ يمليه الخوف؟ والسؤال آنذاك: أهناك فكرٌ من دون مجابهةٍ، ومن دون شجاعةٍ؟

ومن الطريف والغريب في آنٍ، أنّ هذا الحرص ترافقه لا مبالاةٌ شبه كاملةٍ بآراء الأصوليين الذين يعاصروننا ويهاجموننا، ويهيمنون على مؤسساتِنا. بل أكثر: إنّ مناقشة آرائهم تهمةٌ عند بعضهم، خصوصاً عند بعض مَنْ يعلنون عن أنفسهم أنّهم “تقدّميون”… إلخ. فقد سبّبت لي عند واحدٍ أو اثنين منهم، الكتابة عن الإمام محمد بن عبد الوهّاب وآرائهِ في الأصول، لمناقشتها وفهمها، في سياق كتابي “الثابت والمتحوّل”، تُهماً كثيرةً أبسطها “الرجعيّة” وأَعلاها “الرّشْوة”! نعم، هكذا، ببساطةٍ “تقدميّة” كاملة، تقابل تماماً البساطة “الرجعيّة” بِـ”التكفير”!

والحقّ أنّ بين هذه “اللاّمبالاة”، وذلك “الحرص” فجوةً يملأها، موضوعياً، اعترافٌ ضمنيٌّ بأنَّ المجتمع الذي نعيش فيه ليس مجتمعَ فكرٍ وبحث وتحليل، وإنما هو ركامٌ من المسبّقات والمعتقداتِ والتّقاليد. لكن، لا بُدّ، كما يقول هذا الاعتراف، من مراعاتِها، ومسايرة الأَوضاع التي تَفرضها! أما الفكر وقضاياه، بحصر المعنى، فشأنٌ آخر!

  • 3 –

قد يعترفُ بعضهم قائلاً: هذا الذي تقوله ليس في مكانه. حسناً. ويكون ردّي آنذاك: لماذا، إذن، لم يُطْرَح في الفكر العربيّ المعاصر، سؤالٌ واحدٌ على الأصولِ ذاتِها، ولماذا يكتفي هذا الفكر بتلك الأسئلة النّافلة التي تتناول طرقَ النظر الى الأصولِ، وطرقَ فهمها؟ خصوصاً أنّ هذه الثانية تَظلّ، بشكلٍ أو آخر، “سياسيّة”، “إصلاحيّة” في أقصى ما تُوصَف به إيجابيّاً. بينما الأسئلة التي تتناول الأصولَ ذاتَها هي التي تؤدّي الى تأسيسٍ آخر لفكرٍ آخر، ذلك أنّها هي العلامَةُ على تحرّر العقل من المسبّقاتِ والمسلّمات، وعلى حرّية البحث.

وثمّة رَدٌ آخر، على مستوى آخر، أصوغه سؤالاً:

لماذا، بالمقابل وفي الوقت ذاته، ترفض جماعَةٌ منّا، وهي الكثرة الغالبة، أيّ فَهْمٍ لهذه الأصول يتعارَضُ مع فهمها الخاصّ؟ وبَدلاً من أن تنظر الى من يخالفها، بوصفه مجتهداً، تسارع على العكس الى إدانته، فتكفّره – أي تبيح دمَه، مُتنَاسيةً حتى كلامَ اللّه، الذي تزعم أنّها تدافع عنه، خصوصاً في قوله يخاطب رسوله: “إنّكَ لن تَهْديَ من أحببتَ، ولكنّ اللّهَ يهدي من يشاء”، متجاهلةً أو متناسيةً كذلك دلالة هذه الآية ومُتَضمناتِها: إذا كانت هداية الإنسان خاصّةً باللّه ومشيئتهِ، وحده، ولا يقدر أن يُحقّقها حتّى نبيه المُرسَل، أَفَلا يكونُ قيام الإنسان بتكفير إنسانٍٍ آخر، عملاً يناقض الدّينَ ويُعارِضُ مشيئةَ اللّه؟ فلا أَحَدٌ غيرُ اللّه يحقّ له أن يُقرِّرَ “كُفْرَ” إنسان!

  • 4 –

لا أقصدُ، في ما أذهب إليه، أن أبحث عن أجوبة، بل أقصدُ الكشفَ عن وَضْع ثقافّي مُهيمن. وفي ظنّي أنّ ما نحتاج اليه لا يكمن في إسراعنا الى تقديم الأجوبة، وإنّما يكمن، على العكس، في الانكبابِ على تحليل هذا الوضع وتفكيكهِ – نشأةً، وتاريخاً، وممارسة. وفيما نُحلّل ونفكّك ونفهم، قد تنبثق الأجوبة، وربّما الحلول.

  • 5 –

ربّما كان عليّ الآن أن أسأل: كيف نقرأ النصّ – الأصل؟ وكيف نَتواصَلُ معه في الزّمن؟ وأقصد هنا النصّ الدينيّ، حَصْراً.

قبل أن أحاول الإجابة، وليست سهلةً، أحبّ أن أُشيرَ، ولو سريعاً، الى كيفية قراءة النصّ – الأصل، شعريّاً، وكيفيّة التّواصل معه في الزّمن، لا على سبيل المقارنة، وإنما على سبيل الاستئناس.

النصّ الشعريّ الذي أفترضه هنا هو، بالضّرورة، نَصٌّ غنيٌ لا تَسْتَنفده قراءة واحدة، أي أَنّه “حَمّالُ أوجه”، بالنّظر الى “كثافته” – لغةً، وتجربةً، ومخيّلةً. سأرمز له بالحرف ن، وأفترض أنّه وصل إلينا في ثلاث قراءات قام بها ثلاثة نُقّاد مؤسّسين حدَثَ هذا كثيراً في تاريخنا الشعريّ أرمزُ لها تِباعاً بالحروف: ع، ص، ك. كيف أنظرُ، أنا قارىء اليوم، الى هذا النصّ والى قراءاته؟

لا شكَ أنّ عليَّ أن أقرأَ هذه القراءات، بعد أن أكونَ أنجزتُ قراءتي الخاصّة، وربّما قبلها، فآخذ منها ما أراه داخلاً في سياق فهمي، وأرفض ما عداه. وقد أرفض هذه القراءات كلّها، أو قد أتبنّاها، في بعض تفاصيلها. في كلّ ذلك، أكون حرّاً: أقبل مِن آراء هؤلاء النّقاد ما أشاء، وأرفض ما أشاء.

هكذا يظلّ النصّ مفتوحاً أمام احتمالاتٍ متنوّعة لِمعَانٍ متنوّعة. ولا تكون آراء هؤلاء النقّاد المؤسّسين إلا اجتهاداتٍ أَمْلتها أذواقهم وطبيعة ثقافتهم – أهي نَحْويّة لغويّة، أم دينيّة فقهيّة، أم إنسانية اجتماعية، أم غير هذا كلّه؟ وأملتها كذلك قليلاً أو كثيراً الظروف الثّقافية والتاريخية التي نشأوا فيها.

وطبيعيّ أَنّ آراءهم لا تلزم أحداً سواهم. بعبارة ثانية، يظلّ النصّ حرّاً لا “يملكه” أيُّ تَفسير أو أيّ شارح. ويظلّ “كثيراً” “متعدّداً”، يتجاوز الأُحَاديّة، أي يظلُّ نفسَه وأكثر من نفسه في آن: واحداً – متعدّداً.

هكذا نضع المعادلة التالية:

ن النصّ = ع ” ص ” ك القراءات الثلاث، القراءات المحتملة، المقبلة. ومعنى ذلك أنّ النصَّ الشعريَّ المفترضَ هنا هو قراءاته التي تَمّت، وهو كذلك يتجاوَزُها الى قراءاتٍ لاحقة. فهو مفتوحٌ دائماً على قراءة جديدة، ومعنىً آخر. وهويّته العميقة، إذن، لا تكمن في تَفْسيرٍ واحدٍ يتملّكه، وإنما تكمن في انفتاحهِ المتواصل على قراءاتٍ متواصلة.

إذا كان هذا هو الشأن في قراءة النصّ – الأصل، شعريّاً، وفي التواصل معه، فما تكون الحالُ بالنسبة الى قراءة النصّ – الأصل، دينيّاً، وفي التّواصل معه؟

 

نظام القراءة للنص – الأصل ، ونظام العنف 2

مهما قيل في “أسباب النزول” نزول النصّ الإسلاميّ المؤسِّس، فإن التّنزيلَ يعني أنّ هذا النصّ، في عِلّتهِ وغايتهِ، خطابٌ موجّهٌ من اللّه بوساطة رسوله إلى الإنسان، من أجل هدايتهِ وسَعادته. وضمن هذا المعنى، تحديداً، يمكن وصفه بأنّه نَصٌّ نزلَ في فتراتٍ زمنيّة، جواباً عن مشكلاتٍ متنوّعة، لكلّ منها في الفترة الخاصّة بها، فضاؤها المعرفيّ الخاصّ. وهو فضاءٌ غير ثابتٍ. وقد عَلَّمنا هذا الفضاء أنه لا يُحكَمُ برأيٍ أملتْهُ فترةٌ مُعيَّنة، على فترةٍ لاحقةٍ مغايرة. فلا بُدّ من أن تُفهمَ هذه الفترة ومشكلاتُها المغايرة، بِفَهْمٍ مغاير يؤدّي إلى رأيٍ خاصّ فيها.

يمكن إذن أن نقول عن هذا النصّ إنّه نصٌّ إلهيٌّ – إنسانيّ: إلهيٌّ بإرساله، إنسانيٌّ بِتَلقّيه. أو لنقلْ: إنه نصٌّ “مكتوبٌ” إلهياً، مقروءٌ إنسانياً: القول للّه، والتأويلُ للإنسان. فلم ينزل الوحي لكي يبقى نصاً في ذاته ولذاتِه، وإنّما نزلَ لكي تتأمّلَ فيه العقول، وتتدبّرَه، وتَستقصيَهُ، وتتحاورَ معه وفيه وحولَه، ولكي تَسْتضيء به، نظراً وعملاً. لا نصّ إلا للقراءة. والقراءة، تحديداً، متعددة ومتباينة، وإلاّ لا تكون إلا تأطيراً وتقييداً.

ولما كان مدارُ هذا النصّ سعادة الإنسان في الحياة على هذه الأرض، وفي الآخرة، فإنّ فَهْمَهُ أو تأويلَه مفتاحٌ لمعرفةِ المستوى الذي ينظر من شُرفتهِ هذا الإنسان إلى هذا النصّ وإلى نفسِه، في علاقته به، وفي نظرته إلى الكون معاً.

فمستوى النصّ إذن، هو الذي يحدّد مستوى “الصورة” التي تُقدَّمُ عنه، أوْ تُرسَمُ له: أهي “ضيّقة” أم “واسعة”؟ أهي “غنيّة”، أم “فقيرة”؟ أهي “محرِّرة” أم مقيّدة”؟ أتَرى إلى الإنسان في أفقٍ كونيٍّ – إنسانيّ، أم ترى إليه في أفقٍ صغيرٍ من الشؤون الصّغيرة؟

-2-

تعلّمنا الخبرة التاريخيّة كيف أنّ هذه “الصورة” كانت تتغيَّرُ تِبْعاً لمستوى العقول: كانت عاليةً في العقول العالية، وفقيرةً في العقول الفقيرة. وهذا مِمّا يؤكد أنَّ “أعظمَ” النّصوص و”أوسعَها” تبدو مِرآة العقولِ الصغيرة وميزانها نصوصاً “صغيرةً” و”ضيّقة”.

هكذا نُدرك أنّ الآفة التي تشوّه النّصوص الكبرى، وبخاصةٍ الإلهيّة، تكمن في العقول الصغيرة الضيّقة التي تفسّرها، لأنها تقلّص هذه النصوص وتضيّقها وتُحَجّمها جاعلةً إياها في مستواها. ولئن كانت هناك، استطراداً، أزمةٌ خانقة في كلّ ما يتعلّق بماضينا، الأدبيّ والدّيني، على السّواء، فإنها في المقام الأول، أزْمَةُ قراءة.

  • 3 –

السؤال الآن، في هذا الإطار، وفي هذه الفترة الزمنيّة هو التالي: هل الفهمُ السائدُ لهذا الأصل يسير في أفق رساليّتهِ الإنسانية – الكونيّة، وهل هو في مستوى الإجابة عن المشكلاتِ الكبرى التي تطرحها هذه الفترة الزمنيّة؟

لا أريد أن أجيب، وإنما أريد أن أرصدَ وألاحظَ، تاركاً للقارىء أن يجيب هو نفسه. ومن يرصد الكتابات “الأصولية”، اليوم بمختلف اتّجاهاتها، يلاحظ أن الفهمَ الأصوليَّ السّائد للنصّ – الأصل يُعمّم “ثقافةً” دينية، تقوم في نظْرتها ونَهْجها على أسسٍ يمكن ان نحصر أكثرَها أهميةً، كما يبدو لي، في النّقاط التالية:

أولاً: النصّ – الأصل لا يُفسَّر ولا يُفهم إلا بنصٍّ. المُجمَلُ في مكانٍ يُبسَط ويُفصَّل في مكانٍ آخر. ثمّة ترابطٌ وتداخلٌ وتعالُقٌ بين النّصوص تكشف غوامضَها، وتضيئُها.

ثانياً: إذا تعذّر تفسير النصّ بالنصّ لسببٍ أو آخر، فلا بُدّ من اللّجوء إلى النّقل، وإلى المأثور. والسنّة هي المرتبة الأولى في ذلك. تليها أقوال الصحابة الذين “شاهدوا” قرائنَ، واختُصّوا بأحوالٍ تجعلهم أكثرَ درايةً بشرح النصّ وفهمه، عدا أنّهم، كما يصفهم ابن كثير، يتّصفون “بالفهم التامّ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح”. ويلي أقوالَ الصّحابة في المرتبة بعضٌ من أقوال بعضٍ من التابعين.

ثالثاً: يترتّب على هذين الأساسين أساسٌ ثالثٌ صاغه ابن كثير في تفسيره للنص القرآني قائلاً: “تفسيرُ القرآن بمجرّد الرأي حرامٌ”، معتمداً في ذلك على حديث نبويّ يقول: “من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ”، وهو حديث يُروى بصيغةٍ ثانية تقول: “مَن قال في كتاب الله برأيه، فأصابَ فقد أخطأ”. لأن هذا القائل يكون، كما يُوضح ابن كثير شارحاً: “تكلّفَ ما لا عِلمَ له به، وسَلكَ غيرَ ما أُمِرَ به. فلو أنّه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكانَ قد أخطأ، لأنّه لم يأتِ الأمرَ من بابه”.

  • 4 –

الخلاصة الأولى التي توصِلنا إليها هذه الأسس الثلاثة هي أنَّ المسلم لا يجوز أن يتكلّم على كلّ ما يتعلّق بالنصّ – الأصل، إلا في “المعلوم” منه، وفقاً لطريقة النّقل والاتّباع. خصوصاً أنَّ السّلفَ، كما يحتجّ المعاصرون، كانوا يمتنعون “عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه”، كما يؤكّد ابن كثير، مؤيداً ما يذهب إليه بروايةٍ عن إبن عبّاس أنّه قال: “من القرآن ما استأثرَ الله بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتِها، ومنها ما لا يُعذرُ أحدٌ في جهالته”. ولا أريد هنا أن أناقش هذه الرواية، وإنما أكتفي بأن أطرح حولها أكثر الاسئلة بساطةً: كيف يمكن ان يكون الإنسان مسؤولاً أمامَ نصٍ لا يفهمه ولا يعرفه والله، هو وحده، “استأثرَ بعلمه”؟

  • 5 –

الخلاصة الثانية هي أنّ الثقافة التي تعمّمها هذه القراءة تحوّل النصّ – الأصل إلى مجرَّد “شرْعٍ”، يبدو في ألطفِ صيغةٍ يمكن ان تقال، “وديعةٌ” ائتمَنَهم الله عليها، هم وحدهم، دون سائر البشر من المسلمين الآخرين. وهم يتصرّفون في كلّ ما يتعلّق بها، كأنها “ملكٌ خاصٌّ” لهم – أعني لطرائقِ علمهم وفَهْمهم.

وهذا مِمّا أدّى عملياً، بفعل الصراع بين المذاهب والآراء والاتجاهات والمصالح، وبخاصةٍ الاقتصادية – السياسية، إلى وضعٍ ثقافيّ – دينيّ، يحتاج كما أرى إلى نَقدٍ جذريّ. ففي هذا الوضع يتحوّل النصّ – الأصل، بفعل حسّ امتلاكه المهيمن، إلى أداةٍ للسلطة والهيمنة، أي إلى أداةٍ للعنف، حيث لا يُكتفى بنبذ التآويل المعارضة، وإنما يُكفّر أصحابها كذلك، وتُباح دماؤهم، كما يحدث اليوم. لكن من يسمح لنفسه بأن يعطي نفسه سلطة إلغاء الآخر المخالف وقتلهِ، أفلا يبدو كأنّه يُعطيها سلطةً إلهيةً؟ في هذا الوضع أخيراً، يصبح النصّ – الأصل مُغلقاً على معنىً واحد، ولا يعودُ مدارَ حرّيةٍ وتأمّلٍ، بل يُصبح مدارَ طاعةٍ وخضوع، وىُصبح بوصفِه كذلك تابعاً لعالمٍ جاء أساساً لكي يستتبعه. أفلا يحق لنا آنذاك، أن نقول إنّ النص الذي جاء ليغلُبَ العالم، يعمل هؤلاء الذين يدافعون عنه، على أن يغلبه العالم؟

استئنافاً لحوارٍ سابق: 3 – حروب المعنى 3 من 4

  • 1 –

رأينا في المقالين السّابقين كيف أنّ الفهمَ السّائد للنصّ – الأصل، دينيّاً، يقدّمه في صورةٍ ضيّقةٍ ومغلقة. وهو، في ذلك، يخلق حالةً نفسيّة – ثقافيّة من الشعور بالحصار. يبدو النصّ نفسه نصّاً عُنفياً، مخيفاً.

وتزداد هذه الصّورة ضيقاً وانغلاقاً عندما نرى في الواقع الديّني الرّاهن كيفيّة اقتران الديّني بالسّياسيّ، ومستوى هذا الاقتران. ونرى كيف تصبح السياسةُ في هذا الاقتران، وتصبح المصالح والصّراعات المرتبطة بها، عنصراً غالباً في طريقة فهم النصّ وتأويله، هكذا يتحوّل النصّ – الأصل الى ميدان صراع: لا يكتفي كلّ طرَفٍ فيه بأن يُعلنَ أنَّ تأويله هو الأكثر صِحّةً، وإنّما “يضعُ يَده” على النصّ.

يمكن القول، في هذا السّياق، إنّ الصراعَ على معنى النصّ في تاريخنا السّياسيّ – الدينيّ هو في أساس الصّراع الاجتماعيّ – الثقافي. بل يمكن وصف ثقافتنا كلّها بأنّها قائمةٌ على صراع المعنى. والمعنى هنا هو بمثابة “رأسمالٍ” أو “جيشٍ” روحيّ يُهيِّىءُ للتغلّب على الرّأسمال أو الجيش الماديّ.

ولَئن كانت حروبُ المعنى محرّكةً في الثّقافات كلّها في العالم غير الإسلاميّ، فإنها في عالمنا الإسلاميّ تبدو مجمِّدةً وكابحة. ذلك أنّها ليست حروباً من أجل البحثِ والمعرفة، بقدْر ما هي حروبٌ من أَجْل تَثْبيتِ سلطةٍ أو معتقَدٍ أو اتّجاهٍ، والقضاء على ما يناقضها أو يتعارَضُ معها. ومن هنا نفهم كيف تَفْتَقِدُ الثقافة في العالم الإسلامي حرّيةَ البحث والتّساؤل، وتتحوّل الى مجرّد وظيفة. نفهم كذلك كيف يُصبح الدّين نفسه، بتأويله السائد، وسيلةً، بدلاً من أن يَظلَّ مطلوباً لنفسه، وكيف تستخدمه السّياسة في صراعاتِها ومصالحها.

ولعلّ في ذلك ما يُوضح كيف أنّ ربطَ الدّيني بالسّياسيّ يفتّت المجتمع على العكس من دعوى توحيده، محوّلاً الصّراع الثّقافيّ على المعنى من أجل مزيدٍ من المعرفة، الى صراعٍ من أجل مزيدٍ من الهيمنة: هيمنة فريقٍ في المجتمع على غيره. وهذا مِمّا يحوّل الصّراعَ في المجتمع الى نَوْعٍ من التّآكل الدّاخلي المتواصِل، بدلاً من أن يكون، كما هو الشّأنُ في المجتمعات الشعريّة، صراعاً من أجل مزيدٍ من الحريّة، ومن التقدّم، ومن البحث والمعرفة.

  • 2 –

ما يكون مصيرُ النصّ – الأصل في مثل هذه الحالات؟ هل يفقد “أصوليّته” – الأولى، أصولية “الكتابة”، ويكتسبُ أصوليّةً أخرى هي أصوليّة “القراءة” أو “التأويل”، أم أنه يظلّ هو هو، وكيف؟

وإذا كان للنصّ – الأصل، دينيّاً، أكثر من تأويل، فهل يعني ذلك، بالضّرورة، أنّ له أكثر من معنى، أو أكثر من هويّة؟ وعندما نربط هذا المعنى بالعمل، ونربطه على الأخصّ بالسّياسة، أَفَلا يؤدّي هذا الرّبط، عمليّاً، الى القول إنّ له أكثرَ من سياسة، وإنّ له، وَفقاً لذلك، أكثر من سلطة؟

وتبعاً لذلك، أفلا يُصبح النصّ “الواحد” في تأويلاته المختلفة، وتطبيقاته المتباينة نُصوصاً “عديدة”؟

وآنذاك، أين تكونُ “الهويّة” الأصليّة لهذا النصّ – الأصل؟ في أيّ تأويلٍ، وفي أيّ جانب؟ هل تكون هذه الهويّة متناثرةً في قراءاته المتعدّدة، أم أنّها تتجسّد عمليّاً وسياسيّاً في تأويله السّائد الذي تحرسه السّياسة السّائدة؟

وفي هذه الحالة، ألا يُصبح “مضمونُ” هذا التَأويل السّائد هو نفسه المعنى السّائد للنصّ – أي معناه “الأَوْحَد”؟ أوليس ذلك “تحديداً” للنصّ، و”تقييداً”؟

ولماذا أخيراً يبدو النصّ – الأصل لا نهائياً في تأويله الصّوفية، التي تزدري السّياسةَ – صراعاً ومصالح وسلطات؟

  • 3 –

أحبّ هنا أن أمضيَ الى أبعد، فأطرحَ بعض التساؤلات إمعاناً في التوغّل في إشكاليّة العلاقة بالنصّ – الأصل، دينيّاً.

مثلاً، هل تمكن اليوم العودة الى هذا النصّ القرآن والسنّة، بنسيانٍ كاملٍ للتاريخ الذي يفصل بينه وبين الحاضر؟ وكيف يمكن هذا النّسيان، والنصّ – الأصلُ نفسه لم يعد مرئيّاً إلاّ عِبْرَ تأويله؟ هل يمكن المسلم الشيعيّ أن يقرأ، اليومَ، النصَّ – الأصلَ في معزلٍ كامل عن ذاكرة عمرها خمسة عشر قرناً من الصّراع الفكري السّياسي الاجتماعي، ومن الآلام والمِحَن، بإسم هذا النصّ وحوله؟

السؤال نفسهُ يُطرح كذلك على المسلم السنّي، وعلى الأفراد الذين ينتمون الى المذاهب الأخرى. ويمكن طرحه كذلك على الباحثين غير المتديّنين، في مختلف اتّجاهاتهم.

  • 4 –

استئناساً بالنصّ الشعريّ وقد أشرت الى طبيعة العلاقة به في مقالة سابقة، تمكن، مثلاً، العودة الى نَصّ فنّي قصيدة، لوحة، منحوتة في معزلٍ عن تاريخ النّظر اليه، وتاريخ تفسيراته وتأويلاته، وربّما لنقضها جميعاً، ورؤيته من جديدٍ في ضوءٍ جديد. وهي عودة تتمُ دونَ أيّ حرجٍ، ودون أيّ مانع. بل إنّها، على العكس، مطلوبَةٌ بإلحاح من أجل تجديد أفق الفنّ – لغةً، وجسداً، وحركةً.

وهو نَصٌّ يتيحُ مثلَ هذه العودة ويتطلّبها لأنّه نَصٌ يخاطِبُ الإنسانَ بوصفه كائناً يواجه أسرار الوجود، ويرى الى هذا الوجود بوصفه فنّاً وجمالاً.

والحالُ أنّ الباحث المسلم، اليوم، ينبغي أن يعودَ الى النصّ – الأصل، لكي يقرأه قراءةً جديدة، في معزلٍ عن تأويلاته السّابقة جميعاً. غير أنّه لا يقدر أن يفعل ذلك إلاّ إذا عَزلَهُ عن تأويلاته هذه، وعن تطبيقاته السّياسية الاجتماعيّة التي واكبَتْها. فهذه حَصرتْهُ في “هويّة” فرضتها عليه، من خارج، وتحول، بالقوّة غالباً، دونَ “المَساس” بها. ولئن كان التّأويل يخضع لِلّغة ومنطقها وقوانينها، أوّلاً، ويخضع ثانياً للشّروط التّاريخية، ولئن كنّا نؤمن بأنّ للإنسان تاريخاً، وبأنه يتحرّك ويتقدّم في أفُقٍ غير محدود، خلافاً لبقيّة الكائنات، فمن المحال، استناداً الى ذلك، الاعتقادُ بأنّ على المسلم اليوم أن يقرأ النّصوصَ المؤسِّسة، كليّاً أو جزئيّاً، كما قرأها مسلم الأمس. ذلك أَنّ “المعنى” ليس ماهيّةً ثابتةً، وإنّما هو “سيرورةٌ” و”صيرورةٌ”، في حركةٍ دائمة التحوّل. “المعنى”، بعبارةٍ ثانية، ليس “مُعْطى”، وإنّما هو “نتاج” ولا “يُورَّثُ”، بل “يُبْتكر”.

وسواءٌ نُظِر الى النصّ المؤسّس بوصفه “مكيّاً” أو بوصفه “مَدَنيّاً”، فإنّه يَسْتَدْعي، لكي يُدرَك بعمقٍ وإحاطة، سيروتَه التّاريخيّة، في نشأتهِ وظروفه وسياقهِ، وتحوّله مِن ثَمَّ الى ذاكرةٍ للفعل الإنسانيّ. ومن هنا الحاجَة الطبيعيّة، إنسانيّاً وفكريّاً، الى تجاوز المُعطَى المباشر والبحث عن معانٍ ثانية يمكن أن تكونَ كامنةً فيه، تستجيب كلّها أو بعضها لتنوّع الحاجاتِ التي تولّدها الممارسة الإنسانيّة. فليست حركيّة التأويل مجرّد ضرورةٍ سياسيّة أو اجتماعيّة، وإنما هي وَعْيُ الإنسان بذاته وبالعالم وبإنتاج المعنى الذي تتلاقى فيه ذاته والعالم، ويتغيّران فيه وبه، ويتجاوزانه.

ونعرفُ أنّ المصالح السّلطوية – الاقتصادية في تاريخنا هي التي جَمّدت حركيّة التّأويل. ثم انقلبَت الى عاداتٍ شبه راسخة. وهي بذلك شَلَّت حركيّةَ الفكر، محوّلةً الثّقافة كلّها الى مُسَّبقاتٍ و”معتقداتٍ”، وأفكارٍ جاهزة.هكذا أصبحَ النّصّ المؤسّس، بفعل هذه المصالح، “مَحميّةً” دلاليّةً، تَصونُ أصحابَ هذه المصالح وسُلطاتِهم، وتُريحهم من أعباء “التغيّر” ومن “التحوّلات”.

هكذا يبدو أَنّ الدّلالة الأساسية في العودة الضّرورية لتجديد فَهْم النصّ، الأصل، في ضوء الرّاهنِ الحضاريّ، هي أنها لا يمكن أن تتمّ إلاّ بفصل الدّيني عن السّياسيّ، فصلاً كليّاً. وهو فصلٌ لا يعني عزلَه عن الحياة والفكر، وإنما يعني استمراره بوصفه تجربةً “روحيّةً” يمكن أن تؤثّر في سياسة العالم، بشكلٍ مداورٍ، كما تؤثر الفلسفة أو يؤثّر الفن أو العلم. تجربة لا تكون قانوناً لسياسة العالم، بل تكونُ، على العكس، محبّةً ونوراً.

 

أغنى النصوص، أفقر القراءات

يبدو النصّ – الأصل، استناداً الى ما عرضته في المقالات الثلاث السابقة أنه مُحصَّن، معرفيّاً، بمعرفةٍ نقليّة خالصة، قَلّما تأبه للمعارف الأخرى، الفلسفية أو العلميّة أو التّقنيّة. وهذا يَعني غياباً كاملاً لأيّ هاجسٍ عَقلي يتعلّق بضرورة ابتكار وسائلَ وطرقٍ جديدة لمعرفة هذا النصّ في أفقٍ آخر، وبشكلٍ آخر. بينما نرى، بالمقابل، أن النصوص الدينية الأخرى، خارج العالم الإسلامي، مفتوحةٌ على جميع الدراسات التي تعتمد على جميع العلوم، دونَ أيّ حَرج، ودونَ أيّ عائق.

وغياب العقل عن هذه المعرفة يتضمّن غياب الملاحظة والتّجربة، وانعداماً لفكرة التقدّم أو التغيّر في المعرفة، ممّا يعطي للمعرفة الدّينية الإسلاميّة السّائدة طابعاً أسطوريّاً لا علاقة له بالواقع، أو مِمّا يُشير، على الأقل، الى أنّها معرفة فوقيّة ومفروضةٌ، عدا أنّها غير تاريخيّة، وخارج الزّمن. هكذا يشعر المسلم أنَّ هذه المعرفة تخلق مُنَاخاً يُحسّ فيه أنه يعيش انتماءً شكليّاً للدّين الذي يؤمن به، وأنّ هويّته نفسَها شكليّة، بالإسم لا غير.

إذا أضفنا الى ذلك أنّ لهذا النصّ – الأصل معنىً مسبّقاً، محدَّداً سَلفاً، لا يُطلب من المسلم أن يُناقِشَه، بل أن يُسلّم به، فإن علينا أن نتفهَّم بعض الأسئلة الصّعبة التي يطرحها كثيرٌ من المسلمين، بينهم وبين أنفسهم غالباً، لا على ذواتهم وحدَها، وإنما كذلك على علاقتهم بالنص – الأصل.

من هذه الأسئلة، مثلاً، وأكتفي بأكثرها إلحاحاً:

كيف يمكن أن يُفرضُ عليَّ، أنا مُسْلِمَ اليوم، حتّى بصرف النّظر عن الانقلاب المعرفيّ الضّخم الذي حدث في خمسة عشرَ قرناً أن أقرأ النصّ – الأصل كما قرأه أسلافي، أيّاً كانوا، ومهما كان علمهم؟

إنّ مثلَ هذا الفرض يكشف عن موقف يبدو كأنه يقول للمسلمين: ليس هناك زمَنٌ يتغيّر أو يتجدَّد في مراحل وحقب، وليس هناك تغيّرٌ في أحوال البشر وعقولهم وعاداتهم، وإنما هناك لحظةٌ واحدة تتواصَل وتتطاول بلا نهاية، وهناك طريقةٌ واحدةٌ في التّفكير، تظلُ هي هي، وأفكارٌ واحدة تنتج عنها، تظلُّ هِيَ هيَ.

وفي هذا ما يتنَاقَضُ مع حقيقة النصّ – الأصل. فهذا الموقف لا يُرى فيه، موضوعياً، إلاّ آلة تفرض قِدمَها، بشكلٍ مُطلَقٍ، خارج الزّمان والمكان. وهو بذلك يلغي الوجهَ التّاريخيّ لهذا النصّ.

نحن نعرف جميعاً، ويعرف المؤمنون قبل غيرهم أنَّ هذا النصَّ أسَّس لتاريخٍ جديدٍ بعد الجاهلية، وتأسّسَ في التاريخ – زماناً ومكاناً، مخاطباً البشرَ بلغتهم الزّمنية المخلوقة، التي هي اللّغة العربية والتي كانت تتكلّمها الجاهليّة نفسُها، وهو إذاً موقفٌ يعزل هذا النصّ عن العالم، فيما جاء هو نفسه مُنْدَرِجاً في العالم.

مِثلُ هذا الموقف، أخيراً، يجعل من النصّ – الأصل، إناءً مغلقاً مليئاً بماءٍ يُعطى في كأسٍ واحدة لجميع العقول، ولجميع العصور، دون أيّ فرق أو تمييز بين فرد وفرد، وبين عصر وعصر، أو بين ما مَضى، وما هو حاضر، وما سيجيء.

ولنفكّر قليلاً في صورة هذا الإنسانِ، كما ينظر إليه أصحابُ هذا الموقف: ألا يبدو كأنّه مجرّد آلةٍ تسمع وتطيع وتنفّذ؟ ألا يبدو كأنّ الإبداعَ، والتجدّد، والعبقريّة أشياءُ عرفها المسلمون في الفترة الإسلاميّة الأُولى، مرّةً واحدةً وإلى الأبد؟

  • 2 –

السّؤال هنا هو: كيف يقبل المسلم، وبأيّ منطق، وبأيّة حجّةٍ عقليّةٍ أو دينيّة، كيف يقبل بأن يُؤسَرَ النصُّ – الأصل في طريقةٍ واحدةٍ للفهم، تَخطّتْها أَولّياتُ المعرفة، لكي لا نقول إنّها صارت شديدةَ الضّيق على هذا النصّ الواسع؟

كيف يقبل أن يُحصَر في بعض المسلمين حقُّ تأويله وفهمه، وهم بنشَرٌ وكائنات تاريخيّة كغيرهم من المسلمين، وبأيّة حجّةٍ عقليّة أو دينيّة، وليس هناك أيّ نَصّ دينيّ يُلزم المسلمين بقبولِ رأي هذا الفقيه، أو هذا الإمام، أو ذلك الخليفة؟

أليسَ في هذا الحَصْرِ ما يشيرُ إلى أنّ المسلمين يُحيطونَ أوسعَ الكلامِ، عنيتُ الكلامَ الإلهيّ بِسُورٍ يفسّره ويشرحه، ضيّقٍ جدّاً جدّاً؟

  • 3 –

أحبّ أن أختتم بإشارتين:

الأولى، أصوغها في شكل تساؤل هو: أَليس في كون الوحي الإسلامي خاتمةً، ما يشير الى حاجَةِ الإنسان المسلم المضاعَفَة الى قراءته قراءاتٍ عدة ومتنوّعة، خصوصاً أنّ في كونه هَبط، بعد النبوّات الأخرى، إشارة الى أن اختلاف الأزمنة والتّجارب والرّؤى استدعى هبوطه لإكمال الرّسالة السّماوية الى أهل الأرض؟

أمّا الثانية، فأصوغها في شكل ملاحظة وهي أنّ أخطر ما تنطوي عليه النظرة الأصولية السّائدة هو تجريدُ النصّ الإلهيّ من فكريّته، أو بالأحرى اقتلاعُه من فضاء الفكر، وغَرْسُهُ في فضاء الشّرع، محيلةً إياه، بكلّ ما ينطوي عليه من عوالم فكريّة، الى مجرّد قانون، أي الى إكراهٍ وعُنْف.

رُبما في تأمّل هاتين الإشارتين ما يُفيدنا كثيراً في فهمنا لما يجري، في العالم الإسلامي، في ميادين السياسة، والسّلطة، والثقافة.

المقالة المقبلة: المعنى، وحوار الكتابة – القراءة

  • تشكّل المقالات الأربع، والمقالات المقبلة حول العلاقة بالنصّ – الأصل جزءاً من دراسة بعنوان “أوهام الأصول” يتابع الكاتب إنجازها في إطار دعوة خاصّةٍ من معهد الدّراسات عبر الإقليمية للشرق الأوسط المعاصر، وشمال أفريقية، وآسيا الوسطى، في جامعة برينستون بالولايات المتحدة الأميركية. وهي دراسة يستكمل بها المؤلف ما كتبه سابقاً ويكتبه الآن عن “أوهام الحداثة” في الثقافة العربيّة، وبخاصّةٍ في الشّعر.

شاهد أيضاً

أدونيس: ما قبل الإسلام أعظم بكثير من الإسلام الذي أفسد الشعر..ولحسن الحظ لم يصغ إلى القرآن أي شاعر كبير

أدونيس يتحدث عن طفولته وأحلامه التي تحققت جميعها بشكل لا يصدق! ما قبل الإسلام اعظم …

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات