أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / العرب / شاهد مسلمي البحرين يشاركون يهودها مناسباتهم ويرقصون معا

شاهد مسلمي البحرين يشاركون يهودها مناسباتهم ويرقصون معا

لم تكن الصدفة وحدها التي قادتني لألتقي برجل الأعمال والبرلماني السابق ابراهام (إبراهيم) داوود نونو، سليل عائلة نونو البحرينية اليهودية، تلك الأسرة التي تربطنا معها صداقة قديمة منذ زمن الأجداد.

ولكن «المنامة» هي التي من قادتني إلى حديث الذكريات. من هذا المكان سرنا باتجاه الكنيس اليهودي الكائن في وسط سوق المنامة. وهنا بدأ سرد حكاية يهود البحرين ضمن سلسلة حكايات سوق المنامة القديم.

ولأول مرة زارت «الوسط» مقر كنيس يهودي شُيِّد منذ أكثر من ثمانين عاماً، والذي لم تفتح أبوابه قط منذ تعرُّضه للتخريب في أربعينات القرن الماضي، والذي أكد نونو أن هناك مساعيَ لتخصيص متحف صغير داخل هذا الكنيس يتحدّث عن تاريخ يهود البحرين.

«الوسط» زارت كنيساً يهودياً هو الوحيد في الخليج

نونو: نسعى لفتح الكنيس اليهودي من جديد وإقامة متحف عن يهود البحرين

المنامة – ريم خليفة

لم تكن الصدفة وحدها التي قادتني لألتقي برجل الأعمال والبرلماني السابق ابراهام (ابراهيم) داوود نونو، سليل عائلة نونو البحرينية اليهودية، تلك الأسرة التي تربطنا معها صداقة قديمة منذ زمن الأجداد، ولكن «المنامة» هي التي من قادتني إلى حديث الذكريات، ساعات وساعات ونحن نتكلم، نحتسي كوبا من الشاي البحريني الأحمر برائحة ماء الورد والزعفران في مقهى تقليدي داخل سوق باب البحرين الذي تم تجديده قبل عدة سنوات. من هذا المكان سرنا باتجاه الكنيس اليهودي الكائن في وسط سوق المنامة القديمة وتحديدا في شارع صعصعة. وهنا بدأ سرد حكاية يهود البحرين ضمن سلسلة حكايات سوق المنامة القديم.

ولأول مرة زارت «الوسط» مقر كنيس يهودي شيد منذ أكثر من ثمانين عاما على يد يهودي فرنسي في العام 1930 مع اسرة نونو التي قدمت من العراق في القرن التاسع عشر، وقد تعرض الكنيس للتخريب والحرق وسرقة كتاب التوارة المقدس وذلك بسبب تأثير الأحداث السياسية الإقليمية وتفاعلها مع الشارع البحريني في حقبة زمنية سابقة. وقد أعاد بناءه داوود نونو والد إبراهيم وأصبح تحت رعايته منذ ذلك الحين باسم الطائفة اليهودية في البحرين.

وهذه الزيارة تعد الأولى وسابقة في الصحافة المحلية والخليجية لان أبواب هذا الكنيس لم تفتح قط منذ تعرضه للتخريب في أربعينيات القرن الماضي. واغلب الأسر والعوائل اليهودية قطنت في حي «الحطب» أو ما يعرف بالعامية فريج الحطب بالمنامة القديمة. اذ اول يهودي وطأت قدماه ارض البحرين كان يدعى صالح يدكار وقد جاء في العام 1880 وهو الجد الأكبر لعائلة يدكار، اضف الى ذلك عائلة مراد.

لكن وضع اليهود في البحرين لا يخلو من بعض المنغصات، فمثلا كتب أحدهم في الماضي على الباب المعدني للكنيس اليهودي «عبارة معادية». ولم يعد لديهم «الرابيا» (الحاخام) الخاص بهم أي رجل الدين اليهودي، فقد كان في الماضي يلعب هذا الدور يعقوب ابراهام كوهين أما الآن يتبعون احدهم متمركزا في العاصمة لندن نظرا لوجود جالية كبيرة تعيش في شمال لندن من يهود البحرين والذين أيضا لديهم أقرباء من أهل العراق، ولكن في بعض الأحيان تتم الاستعانة بالحاخام اليهودي للأسطول الأميركي البحري الخامس التابع للقوات العسكرية الأميركية المتمركزة في البحرين.

يهود سوق المنامة

معظم يهود البحرين من كبار السن ممن درس في مدارس المنامة والإرسالية الاميركية وهناك نسبة صغيرة من الشباب ممن تخرج على يد الراهبات الايطاليات بمدرسة القلب المقدس بالمنامة. والعديد من المحلات التجارية والصرافة لاتزال تحمل أسماء يهودية في أحد الأزقة الضيّقة بالمنامة، وهو الشارع الذي كان يطلق عليه «سوق اليهود» في الماضي. ومنذ عقود من الزمان لم يعد هناك أية نزاعات معادية لليهود في البحرين كما يقول نونو: «البحرين تقبل بجميع الأديان. والجميع يعيش هنا بسلام ويحترم بعضه بعضا»، وأشار إلى أن الخلافات الدينية لم تكن قط عقبة في طريق الصداقات الحقيقية في البحرين عبر حقب مختلفة رغم الهجرات التي حدثت أولا في العام 1948 والثانية في العام 1967». واضاف «لعل السمات المحلية في النطق أصبحت ما تميز اليهودي البحريني ليس فقط نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده. أضف إلى ذلك إتقانه لغات أخرى، اذ كانت الفارسية هي لغة سوق المنامة الأساسية وهذا ما كان يستخدم بين التجار إلى جانب الهندية».

وكان في الثلاثينيات من القرن الماضي عضوا يهوديا ينتمي لعائلة نونو المعروفة وذلك في مجلس بلدية العاصمة (المنامة)، أما اليوم فهناك مازال ممثلا عن اليهود في البرلمان البحريني وحاليا تشغل هذا المقعد نانسي خضوري، وكان في وقت مضى قد تم تعيين اليهودية البحرينية هدى نونو سفيرة للبحرين في واشنطن. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها شخص يهودي سفيرا لدولة عربية.

شارع صعصعة

وفي طريقنا إلى الكنيس أو المعبد اليهودي، هكذا كان يسميه آهل المنامة، توقف نونو عند احد المحال التجارية وقال «هذا المحل في الماضي كان يملكه شخص يهودي». ومن ثم أشار إلى الجهة الأخرى من السوق قائلا: «هناك محل يملكه أول شخص يهودي قدم إلى البحرين وهو من عائلة يادكار المعروفة ببيع العطورات التقليدية».

واصلنا طريقنا إلى شارع صعصعة في زاوية لا يمكن أن تلمح بسهولة وهناك رأيت مبنى صغيرا لا يمكن أن يوصف، بل حتى لا يمكن التعرف عليه بأي حال من الأحوال على انه كنيس يهودي؛ لان المبنى كان يشبه مباني كثيرة نراها بالعادة في مناطق البحرين. وهنا قال نونو: «هو لم يعد قيد الاستخدام في الوقت الجاري ولكننا نأمل أن يتحول جزءا منه إلى متحف صغير وتتم ممارسة بعض الواجبات الدينية، هذا في حال اكتمل العدد». هكذا بدأنا حديثنا ونحن ندخل الكنيس البحريني من خلال باب معدني صغير بعد أن قطعنا سوق اليهود القديم الذي كان يمتاز ببيع الأقمشة والعطور. كما لا يمكن أن يتم تجاهل هذا الكنيس الذي يعد الأول والوحيد في دول الخليج العربية التي تحظى بالعادة بمساجد وببعض الكنائس وبعضها مثل الجارة السعودية لا تسمح بتشييد دار عبادة أخرى غير المساجد.

طائفة «السفارديم»

نظر نونو إلى الزاوية الأخرى من قاعة الكنيس ليقول:» هذا الكنيس لم يحمل لافتة تشير إلى ذلك ولكننا نسعى أن يفتح من جديد بعد أن زاره مسئولون في الدولة في العام 2014. وهناك مساع لتخصيص متحف صغير داخل هذا الكنيس يتكلم عن تاريخ يهود البحرين». وأضاف: «لقد كان هذا الكنيس في يوم من الأيام مكانا لممارسة الطقوس الدينية عند يهود البحرين (السفارديم) الذين قدموا من العراق وإيران في أواخر القرن الثامن عشر وهم المنحدرون بأصولهم ليهود أيبيريا (اسبانيا والبرتغال) ممن طرد في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وتفرقوا في شمال إفريقيا واسيا الصغرى وإيران والعراق وبلاد الشام. كما كثيرا منهم كانوا من رعايا الدولة العثمانية في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وكانت لهم لغة خاصة هي «لادينو» وكانت اللغة مزيجا من اللغة اللاتينية وتحوي كلمات عبرية، ولكنهم تحدثوا لغات البلاد التي استوطنوها، كالعربية والتركية والإيطالية.

التسامح وعادات يهود البحرين

جلس نونو على احد المقاعد الخشبية في الكنيس الذي لايزال تنقصه بعض المقتنيات والأدوات مثل الشمعدان اليهودي وكتاب التوراة وهو يشرح: «يهود البحرين الذين يبلغ عددهم اليوم نحو 50 فردا وصل عددهم إلى هذا الرقم بسبب الهجرات المتكررة وعاداتنا تأثرت كثيرا بأهل المنامة رغم احتفاظنا بعاداتنا اليهودية. فنحن يهود محافظون في شتى نواحي الحياة وقد يرى البعض أوجه تشابه في بعضها مع إخواننا المسلمين من شيعة المنامة خاصة في طريقة مجالس العزاء، كما أننا لا نأكل سمك القرش مثلا ونعد أطباقنا الخاصة المذبوحة على الطريقة اليهودية وأشهر أطباقنا «طبق اللحم المملح» (كروشير) وكان «اسحاق قحطان» يهودي بحريني وهو من يحضر الذبائح للأسر اليهودية وكنت أتذكره وأنا صغير. كما ان يوم السبت يوم مقدس عند اليهود ولهذا كانت تغلق المحال في الحقب الماضية.

وأضاف نونو معلقا: «لا تنسى أن هذا ما يعكس جزءا من طبيعة البحرين وأهل المنامة وهذا ما ميز البحرين عبر التاريخ في المنطقة الخليجية، الدولة العربية الوحيدة في الخليج التي تضم كنيسا في وسط السوق منذ 100 عام ومقبرة لليهود وهذا دون شك يعكس طبيعة التسامح عند أهل المنامة منذ زمن طويل». وأضاف نونو «الحياة الدينية للبحرينين اليهود محدودة داخل منازلهم وهم لا يصلون في الكنيس لأنه من الصعب أن يتجمع النصاب الديني وهو عشرة رجال لإحياء الصلوات فيه، وبدلا من ذلك فإن الصلوات والاحتفالات تقام في المنازل».

سارق « التوراة»

ثم علق وهو يشير إلى المساحة الكبيرة التي وضعت فيها أطقم من الكراسي الخشبية تشبه تلك التي تستخدم في كنائس المسيحيين «لقد ظل هذا الكنيس الذي يبلغ عمره أكثر من ثمانين عاما، مغلقا لفترة طويلة بعد أن تعرض لتخريب في العام 1948 بعد أحداث فلسطين وسرق منه كتاب «التوراة» المقدس الذي أعيد لنا فيما بعد». ثم اخذ يتكلم نونو عن واقعة سرقة كتاب «التوراة» من الكنيس وكيف ان من سرقه جاء بنفسه بعد عدة سنوات وهو يعتذر لأسرته بعد أن أصابه البلاء من بعد تحطيم أبواب الكنيس وسرقة التوراة». هذا ما حدث بالضبط والآن التوراة محفوظ وموجود بأحد المدارس اليهودية في شمال لندن». واضاف نونو «لقد أعاد والدي بناء الكنيس وبحسب العادات هناك فصل بين الرجال والنساء وترتدي النساء غطاء على الرأس ويرتدي الرجال طاقية دائرية صغيرة (Capel).

وأوضح نونو في ختام زيارة الكنيس أن اليهود اليوم اقل تحفظا في البحرين بسبب الدعم الحكومي وتقلدهم مواقع مختلفة الا انهم على الصعيد الحياة اليومية لا يرتدون الطاقية على رؤوسهم وهم يتنقلون من مكان لآخر خاصة بين الرجال إلا ان نونو ارتداها في إحدى الفعاليات الرسمية، أضف إلى ذلك انه دائما ما يرتدي في رقبته «ميزوا» وهي نوع من الحجاب للحفظ من الحسد وهي عادة شرقية عند يهود البحرين التي تشبه كثيرا الحجاب الذي يحفظ به ايات من القران ويلبس حول الرقبة من اجل الحفظ أيضا من العين والحسد.

ودعت نونو بعد أن سار باتجاه سوق اليهود القديم حاملا معه كماً كبيراً من الذكريات والتطلعات لطائفته وثقافته التي مازالت صغيرة في حجمها وهو يبقى سؤالا يقلق مصير هذه الطائفة خاصة في ظل غياب مدرسة عبرية كانت يوم ما موجودة وكنيسا يعج بمرتاديه من أبناء الطائفة ومناسبات كثيرة وحاخام وتزاوج اذ كان آخر زواج يهودي عقد في البحرين بحضور الحاخام في العام 1968.

هكذا تقلص العدد بسبب التأثيرات السياسية والهجرات وهكذا ودعت نونو على وقع أصوات الباعة الاسيويين وهي تتهافت على بيع منتجاتها المختلفة في طريقي للبحث عن حكاية أخرى من حكايات سوق المنامة القديم.

«ميزوا» نوع من الحجاب يرتدى حول الرقبة للحفظ من الحسد
«ميزوا» نوع من الحجاب يرتدى حول الرقبة للحفظ من الحسد
مكان وضع كتاب التوراة المقدس داخل الكنيس
مكان وضع كتاب التوراة المقدس داخل الكنيس
نونو يسرد الحكاية تلو الآخرى لـ «الوسط» عن الكنيس اليهودي في المنامة – تصوير : أحمد آل حيدر
نونو يسرد الحكاية تلو الآخرى لـ «الوسط» عن الكنيس اليهودي في المنامة – تصوير : أحمد آل حيدر
مبنى الكنيس اليهودي في شارع صعصعة بالسوق القديم
مبنى الكنيس اليهودي في شارع صعصعة بالسوق القديم

العدد 4593 – الأحد 05 أبريل 2015م الموافق 15 جمادى الآخرة 1436هـ

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات