أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / ثقافة / خزعل الماجدي في حوار عن أديان العراق: التناص كبير بين نصوص التوراة و وادي الرافدين

خزعل الماجدي في حوار عن أديان العراق: التناص كبير بين نصوص التوراة و وادي الرافدين

حوار مع الدكتور خزعل الماجدي حول الاساطير واهمية الديانات القديمة في العراق .. الشكر والتقدير للاخوة والزملاء في مجلة الشبكة
………
الدكتور خزعل الماجدي
التناص كبير بين نصوص التوراة ونصوص وادي الرافدين
حاوره : خضير الزيدي
يكتسب الحوار مع الدكتور خزعل الماجدي المتخصص بعلم وتاريخ الحضارات والأديان القديمة أكثر من أهمية لما يبديه من اهتمام في تقديم أدق التفاصيل والمعلومات النيرة عن أساطير الشرق القديم ودياناته المتنوعة وإذا كانت حصيلة جهده الفكري أكثر من أربعين كتابا يتطرق إلى المعتقدات والميثلوجيا وبيان أهمية الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد والإشارة إلى السحر والطقوس واصل الحضارات القديمة فان عقليته النيرة اليوم تكشف لنا عن أستاذ متنوع الثقافات تخبرنا مؤلفاته بأنه منتج لمعرفة نحتاجها جميعا ولا زال يقدم تصورا وكشفا تاريخيا يشير لقيم تاريخنا العريق في هذا الحوار يفتح الماجدي خزائن صدره لنا ليجعلنا نتابع معه آثار الإبداع الإنساني القديم
*** اسمح لي أن أتحاور معك حيث كتبك التي تخص الديانات القديمة تشير إلى أكثر من قوم مارسوا التعبد ولهم طقوس مختلفة .السؤال ما هي أقدم ديانات الشرق القديم ؟
أقدم ديانات الشرق والعالم القديم هي الديانة السومرية ، وهي الإنجاز النوعي الذي تحقق بعد ظهور سلسلة من المكونات الأساسية والثانوية للدين في عصور ما قبل التاريخ في وادي الرافدين تحديداً ، فقد ظهر الدين ، بالمعنى الإصطلاحي العميق منذ عصر النيوليت (العصر الحجري القديم ) في حدود 8000 ق.م ثم تواترت المكونات والتحولات لغاية ما يقرب من 3000 ق.م ،فكانت سومر هي مسرح أول ديانة متكاملة ذات نظام روحي متكامل وذات أنظمة كهنوتية ومؤسسات دينية كاملة ، وكانت لها نصوص وأساطير وطقوس وغيرها .

*** دعني أتساءل هنا ،ما المؤتلف والمختلف في ديانات الشرق القديم وما الغريب في كل قوم من حيث فكرة العبادة وتشييد المعابد ؟
الشرق القديم غير متجانس أساساً في تكوينه الحضاري ، فهناك حضارات الشرق الأدنى والتي كان قلبها النابض وادي الرافدين وهي حضارات بنيت على أساس تعدد الآلهة ثم التوحيد ، وهناك حضارات الشرق الأقصى وكانت الهند قلبها النابض وقد بنيت على أساس وحدة الوجود ، والنزعتان مختلفتان ففي تعدد الآلهة ينشغل المتعبد بالعالم الميتافيزيقي ، وفي وحدة الوجود ينشغل المتعبد بالروح الداخلي للإنسان وبالتصوف وبالنظام الأخلاقي للدين .وهناك تدرجات مختلفة في هذين الحقلين ، وقد تبادلا طاقتيهما وتأثر كل منهما بالآخر فقد ظهرت النزعات الصوفية والروحية في أديان الشرق الأدنى لاحقاً ، وكذلك ظهرت نزعات تعدد الآلهة والتوحيد في أديان الشرق الأقصى لاحقاً . وقد جاء ذلك بسبب الإختلاط الحضاري بينهما وتبادل الثقافات .المؤتلف في ديانات الشرق هو أنها قامت على أساس فصل المقدس عن المدنس ، وأنها بحثت عن الله في السماء وفي أعماق النفس البشرية وبأنها استخدمت الدين كطريقة للإستبداد والحكم وعبودية الناس.
*** هل لك أن ترشدنا إلى أهمية التقارب والتداخل بين الأساطير وفكرتها مع جوانب الديانات القديمة ؟
الأسطورة هي حكاية عن إله ، فالأساطير هي قصص الآلهة وليست قصص البشر ، ولذلك تراها تتحدث عن تاريخٍ مقدس بدئي لا نعرف عنه شيئاً ، لكنها تنقل تشوقات الإنسان (الذي كتبها ) لعالم طُهري أبديّ نقيّ . الأساطير تتشابه من حيث الجوهر لكن التفاصيل مختلفة ثقافيا حسب المكان الذي نشأت منه .كانت الأساطير في العالم القديم بمثابة الكتب المقدسة في العصر الوسيط والحديث. بل أن الكتب المقدسة الحالية هي امتداد لهذه الأساطير مع اهتمام اكبر بالعقائد .. وهذا الرأي يتفق عليه الباحثون في مجال علم الأديان .الأديان الحالية تسخّف الأساطير وتستنكرها وهي مليئة بها وقد قذفت بها الأديان القديمة التي كانت تعتمد على نصوص الأساطير في تبسيط عقائدها .
*** هل فعلا نشأ تداخل مقصود بين نص التوراة وملاحم العراق القديم ..أين نجد ذلك التداخل وما رأيك في المكتشفات العلمية والتاريخية للألواح والرقم الطينية في إثبات صحة ذلك التداخل ؟
التداخل أو التناص كبير جداً بين نصوص التوراة ونصوص وادي الرافدين لدرجة يمكن القول معها أن أغلب الأدب المؤسس للتوراة هو رافديني بالدرجة الأساس ..وقد أشبع هذا الموضوع بحثاً وتحليلا كل علماء الأديان المقارنة وأصبح من البديهيات ، فإذا علمنا أن نصوص التوراة هي أساس المسيحية والإسلام ايضا فبذلك تكون أساطير ونصوص الرافدين هي أساس الأديان الموحدة كلّها بضمنها المندائية التي سبقت التوراة .سأذكر لك بعض هذه الأساطير والنصوص (الخليقة ، آدم وحواء، قابيل وهابيل ، نوح والطوفان ، طفولة موسى وسرجون الأكدي ، غزليات دموزي وإنانا ونشيد الإنشاد لسليمان ، سفر الجامعة ، المزامير وغيرها الكثير من التفاصيل الدقيقة ).
*** طيب إذا أردنا أن نقارن بين ديانات الشرق القديم وخاصة الديانات العراقية والمصرية ..أين نجد المشتركات بينهما وما الاختلاف بين هاتين الديانتين مع ديانات الأقوام الأخرى ؟
الديانات الرافدينية ( السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والآرامية ) تختلف عن الديانة المصرية في أمور كثيرة جداً فالأساطير مختلفة ماعدا بعض اللقاءات بين اساطير تموز وأوزريس، والآخرويات (الإسكاتولوجيا ) مختلفة كليّا فبينما لا يؤمن العراقيون القدماء بالحساب والعقاب والثواب بالمعنى الديني ولا بالجنة والنار ، فإننا نجد هذا في الدين المصري مع خرائط باذخة للآخرة والجنة والنار وغيرها.وتختلف الطقوس والمعتقدات بدرجة أو بأخرى بينهما.والاختلافات بين هذين الدينين (الرافديني والمصري) ، كلٌّ على حدةٍ، يختلف عن أديان الهند تماماً وعن أديان الصين وامريكا القديمة بل واديان فارس ، وهناك لقاءات واسعة بين أديان الرافدين وأديان بلاد الأناضول . مثلما هناك لقاءات بين أديان مصر وشمال افريقيا .الأمر معقد ولايحتاج أي تعميم ، بل يحتاج إلى دراسات مقارنة متخصصة عميقة لكشف تطور هذه الأديان وتأثيرها على بعضها.وكما قلت لك فالفرق بين أديان الشرق الأدنى والأقصى هو في وحدة وتعدد الآلهة في الشرق الادنى وفي وحدة الوجود في الشرق الأقصى والفرق كبير بينهما، حيث تكون الآلهة مفارقة للإنسان والوجود في حالة الشرق الأدنى ، بينما تحلّ القوة الإلهية في الوجود والإنسان في حالة أديان الشرق الأقصى.
*** هل افهم من كلامك بان الأسطورة كذبة أنتجها عقل شعري يؤمن بالغيبيات ..لماذا لا نصدقها في العلم مع أنها راسخة في الوجدان والتاريخ ؟
العقل البشري لا يكذب على نفسه ، لكنه تدرّج في تصور العالم والأشياء ، وحين تطور الزمن كان كل تصور سابق يبدو كذباً لكنه كان في زمنه نوعاً من العلم .سأسوق لك مثلا مهماً ، الإنسان ابتدأ بالسحر كنوع من العلم ، وحينما جاءت الأديان رأت ان السحر عبارة عن خدعٍ وأكاذيب ، ورأى العلم في السحر كعلم بدائي أو كاذب أو مقلوب .الأسطورة ، التي هي جزء من الدين ، بل والدين نفسه كانا نوعاً من العلم لكشف حقيقة ما يجري لكن العلم رأى أن فيهما خيالاً يتعلق بالنفس والعقل البشري وعجزهما يمكن أن يكون مبالغةً أو محاولة للتعويض .. وهكذا.المسألة متعلقة بكيفية النظر للعالم فإذا نظرنا له كقوة يجب السيطرة عليها كان السحر، وإذا نظرنا له كقوة يجب الخضوع لها ظهر الدين ، وإذا نظرنا له كقوة يجب استيعابها وتحليلها بالعقل ظهرت الفلسفة ، واذا نظرنا له كقوة تسير بقوانين رياضية أو احصائية أو تجريبية ظهر العلم. وهكذا.
** دعني اذهب معك إلى أمر آخر أشرت ذات يوم إلى أن المندائية هي آخر الصفحات المشرقة لحضارة وادي الرافدين قبل الإسلام، السؤال لماذا تحصرها في هذه البقعة من الأرض (اقصد العراق ) أليس الأجدر بها كديانة أن تتوسع وتمتد جذورها لبلدان أخرى ؟
المندائية ظهرت بشكلها المعروف في فترة احتلال فارس والاغريق للعراق القديم ، رغم ان جذورها القديمة كانت قبل ذلك لكننا نجهل عنها كل شيء تقريباً في تلك العصور الموغلة في القدم أي في عصور حضارات وادي الرافدين القوية . وفي فترة الاحتلال الفارسي توقف العراق عن انتاج حضارات متميزة واصبح ينتج أديانا وعقائدَ روحية كثيرة منها المندائية ، ولم يكن بالإمكان نمو المندائية لأنها كانت ، في البداية ، ديانة خاصة برجال الدين فقط ، أي أنها ديانة نخبوية وكانت تسمى (الناصورائية ) وهي طبقة من رجال الدين العرّافين ، وحين توسعت قليلا وضمت المندائيين من غير رجال الدين اشترطت أن لا تكون تبشيرية ، أي يجب توارثها بالدم والنسل ، وهذا جعلها ديانة خاصة ومحتجبة وسريّة خوفاً من الديانات الكبرى المجلجلة والقادمة بعنف لكي تكسب الناس لها عن طريق التبشير أو الدعوة
.*** أريد أن أتساءل معك هل ثمة لغز محير في الديانات الأولى لذا يجب على الباحث في الشأن الأسطوري والتاريخي القديم إن يستشفه لمعرفة مصدره ..؟
نعم هناك ألغاز كثيرة لأن نشأة الدين بدأت من هناك ، وبمعرفتنا لجذور هذه الديانات نتعرف على جوهر الدين وماهيته ، ونتعرف على كيفية نشوء مكوناته والأسباب التي تقف وراء ذلك ، وهذا يساهم في حلّ اللغز الديني ومعرفتنا بكيفية نشوء الأديان وكيفية تطورها أيضاً .
*** أتعتقد أن علم الأديان وفر لنا قواعد مهمة من معرفة وتحليل ظاهرة الديانات القديمة المشتركة .
علم الأديان ما زال في طور التكوّن والنشوء وما زالت هناك حقول كثيرة لم يخضها وديانات كثيرة لم يدرسها بشكل دقيق ومفصّل .. ولذلك لا توجد قواعد شاملة لكل الديانات القديمة وغيرها، لكن هناك أسساً بحثية رصينة تأسست سواء لأديان ما قبل التاريخ أو الديانات القديمة أو الوسيطة ، وهو ما يجعلنا نتفاءل بإمكانية نشوء تلك القواعد والبيانات المشتركة.الحقيقة أن علم الأديان هو المرشح الأكثر قدرة لفهم الأديان ولوضعها في نصابها الصحيح ، وهو ما يساعد على نزع فتيلها الأديولوجي المحتدم وجعله قابلاً للتصور والمعالجة.أدوات علم الأديان العلمية تضع جميع الأديان تحت عدستها وتفحصها برفق وعناية وتحاول الإبتعاد عن أي تعصب معها أو ضدها.

شاهد أيضاً

احتجاجات ضد مشروع تغيير اسم محافظة بابل الى الحسن لأنه طمس لتاريخ العراق وتجييره لصالح الكهنة

رأي أزاميل: تغيير اسم محافظة بابل الى محافظة الحسن طمس متعمد لتاريخ العراق وتجييره فقط …

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات