أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / العرب / العراق / مَكرُ الأيديولوجيا: الاستشراق الجديد يتستَّر بالعلم ويسخّره لغاياته

مَكرُ الأيديولوجيا: الاستشراق الجديد يتستَّر بالعلم ويسخّره لغاياته

الاستشراق الجديد.. تعددت المناهج والرؤية واحدة (لوحة للفنان ايجور مورسكي)
د. خزعل الماجدي

رغم طابعه العلمي ظاهرياً يلمس من يتقصى جهود المستشرقين الجدد أنهم تقنعوا بالمنهج العلمي ليشيعوا الكثير من المفاهيم ضد الإسلام، رغم أنها مفاهيم ضبابية، بحاجة إلى دلائل علمية.. ويبدو أن المستشرقين الجدد لا يختلفون كثيراً عن آبائهم القدامى، حتى ليكاد المرء يقول إنهم جاؤوا لتسويغ عمل القدامى، وإضفاء طابع علميّ عليه.. هنا دراسة لمناهج الاستشراق الجديد، والكيفية التي تعمل بها، بمكر ودهاء، لا تخفيهما قشرة ادعاء العلم الهشة.

تكمن مشكلة الاستشراق الجديد في اختلاط منهجه العلمي بنزعة أيديولوجية مقصودة أو كامنة لا واعية تفصح عن مكنونات صاحبها أو توجهاته السياسية والدينية والوطنية الضيقة، وهو ما يتعارض مع منهجية البحث العلمي والمستوى الأكاديمي المقبول الذي رسى عنده الاستشراق الكلاسيكي الأكاديمي بشكل خاص.

المنهج الأنثروبولوجي
ترصد الأنثروبولوجيا انتظام وتغير العقائد والأعراف والتقاليد في مجتمع تسوده موجهات دينية أو اجتماعية أو عرقية. وتمتاز هذه البنى والتقاليد بكونها ظاهرة وباطنة، ذات طبيعة تكرارية ثابتة وحركة انزياحات واضحة، مثل أنظمة (الحرام، الحلال، الزواج، القرابة، السلطة…إلخ).

ولعل أبرز الأمثلة على هذا المنهج هو إرنست غيلنر (1925- 1995) في كتابه (المجتمع المسلم) الذي ترجمه الدكتور أبو بكر باقادر، يقول:

«الفكرة الرئيسة، أو النظرية التي يتمحور حولها الكتاب تدور حول أن الإسلام يشكل مسودة لنظام اجتماعي، لأنه يعبر عن وجود مجموعة من القواعد الأزلية والمنزلة، المستقلة عن إرادة البشر التي تحدد النظام الصحيح للمجتمع، وهي القواعد الموجودة والمحفوظة والمتاحة للجميع وليست في يد طبقة أو هرمية دينية، مما ينفي الحاجة إلى «كنيسة» دون أن يلغي هذا وجود «الفقهاء» في المجتمع. وقد اعتمد غيلنر، كما يقول أحد تلاميذه في مقدمة الطبعة العربية، في منهجه على دراسة المجتمع الإسلامي من خلال الطريقة التي يتم فيها العيش مع الدين أكثر من دراسته من خلال النصوص». (الأرناؤوط، محمد م: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005، موقع أرنتروبوس).

ويناقش البروفسور سامي زبيدة في كتابه (أنثروبولوجيات الإسلام) أفكار أرنست غيلنر، وتناول التجربة السياسية الإسلامية في إيران ليخلص إلى نتيجة مدهشة وهي أن النخبة السياسية الإيرانية فشلت في تصدير ثورتها إلى أي مكان خارجها. ولم تتمكن من نشر الإسلام السياسي الخاص بها، لكن الإخوان المسلمين (حسن البنا، سيد قطب) نجحوا في نشر الإسلام السياسي والخاص بهم خارج مصر دون الحاجة إلى ثورة.

يتحدث سامي زبيدة عن نموذج غيلنر المتماسك عن (المجتمع الإسلامي) الذي يجذّره في مقدمة ابن خلدون من القرن الرابع عشر بتحليل علمي نوعي دون استعلاء غربي «إنه يقدم سوسيولوجيا للمجتمع الإسلامي ترتكز إلى الديالكتيك بين المدينة والقبيلة، فضلاً عن أحكام الدين الإسلامي وعناصر تكوينه التاريخي والفكري. وهذا النموذج للمجتمع الإسلامي ليس تاريخاً فحسب، بل يمكن في إطاره تحليل التطورات الحديثة في السياسة والمجتمع في المنطقة. موت القبيلة هو صعود المدينة بطابعها الديني- الاجتماعي الحضري على وجه التحديد: عقلاني، نصّي، ظهراني (عنقود فيبر)، وبصفتها هذه تدفع عجلة الحداثة والتطور الاقتصادي. ولهذا الجانب من النظرية فضيلة ليبرالية هي مكافحة التصورات المعادية وذات التمحور الإثني عن الإسلام، بوصفه ظلامية قروسطية، وفي حين أن صياغات غيلنر تصر على انفصال الإسلام وآخرويّته بوصفه كياناً متماسكاً وتوحيدياً يختلف عن الغرب، فإنها مع ذلك تضفي عليه فضيلة كونه طريقاً بديلاً إلى الحداثة» (زبيدة: 1997: 6).
ويقدم غيلنر أيضاً ما يعرف بنظرية «البندول» وهي الفكرة التي عرضها ديفيد هيوم في كتابه «التاريخ الطبيعي للدين»، حيث يرى هيوم «أن الدين في المجتمع يتأرجح بين فكرة التوحيد (وحدة الوجود) والتعددية، وتبعاً له يرى غيلنر أن هذه الصورة من أقوى الاستعارات التي يمكن من خلالها فهم حركة التدين في المجتمع الإسلامي تاريخياً، وأن مما تميزت به الحركة التاريخية للمجتمعات الإسلامية في العصر الحديث تحرك البندول في اتجاه طرف الإسلام الأصولي/‏‏‏ النصّي.» (الوهيبي: 2012: 105).

المنهج الاجتماعي

كان غيلنر يرى أن سوسيولوجيا جدل (المدينة والقبيلة) في الإسلام ليس جدلاً متعارضاً، بل هو جدل ديني متواطئ، حيث أصحاب القبيلة يهددون الحكم السياسي مثلما هم أصحاب المدينة الذين يستندون إلى علماء الدين والفقهاء يهددون الحكم السياسي أيضاً. فالقبائل واقفة على الأبواب والفقهاء يعتلون المنابر والحياة المدنية للناس مستحيلة، ولهذه الصورة السوسيولوجية مرادفات في الإسلام المعاصر بشكل أو بآخر.

برز في هذا المنهج الذي يبحث في سوسيولوجيا الإسلام باحثون جدد مثل (ستيفانو أليافي، رنزو غولو، إنزو باتشي، باولو براتكا..إلخ).

إنزو باتشي: الإسلام الأوروبي

في كتابه (علم اجتماع الإسلام) يستثمر (إنزو باتشي) الأبعاد الخمسة للتدين التي حددها الأميركي شارل يونغ غلوك، وهي (التجربة، الممارسة، الانتماء، الاعتقاد، المعرفة) لكي يصل إلى عرض تفسير أفقي احتمالي يصف به الإسلام.

أما كتابه (الإسلام في أوروبا)، فيقدم مقارنة بين نظم وتشريعات دول أوربا الغربية من جهة وواقع الجاليات المسلمة وحياتها الاجتماعية وممارساتها الدينية من جهة أخرى، ويخلص إلى أن المجتمعات الإسلامية الأوروبية لا تتكيف بسهولة مع القوانين الوضعية المدنية الأوروبية، ويساهم المسلمون في تكريس العزلة، والخصوصية لهم ولمؤسساتهم الدينية. ويرى أن النموذج للتعامل مع الدين الإسلامي مجتمعياً، في أوروبا، هو النموذج الإسباني، حيث يعامل المسلمون كمواطنين من الدرجة الأولى، وحيث الدولة تعتبر الإسلام ديناً معترفاً به وله صلة تشّكل تاريخ إسبانيا وثقافتها ومصدر ثراء روحي وفني واجتماعي لها.

أما في الجانب السوسيولوجي النسوي، فما زالت الجهود قليلة في كشف حقيقة المرأة في الإسلام بسبب التغييب المتعمد لهذا الجانب.

المنهج الألسني

تنقسم جهود الباحثين وفق هذا المنهج في نوعين من الدراسة، فيلولوجيا القرآن واللسانيات النصية. قدم الفيلولوجيا (فقه اللغة) الحديث مساهمات جديدة في تحليل النصوص القرآنية وغيرها لرسم صورة لتاريخ الإسلام المبكر بشكل خاص، لكن أغلب الكتب والدراسات التي صدرت حاولت عن طريق فقه اللغة المقارن وضع بدايات الإسلام مع اليهودية والمسيحية بشكل خاص في حالة تناص وتواشج.

النص الملتوي

صاحبة هذا المنهج هي أنجليكا نيوفرث، وهي باحثة ألمانية تخصصت بالقراءات الراديكالية المعاصِرة للقرآن بمنهج يزعم المزَاوجة بين البنيوية والإبستمولوجيا» فعلت ذلك في دراستها الواسعة للسُّوَر المكية أواخر السبعينيات من القرن الماضي، كما لعب هذا التوجُّه دوراً بارزاً في دراساتها المستمرة حتى اليوم، وبخاصة مقالاتها المبسوطة في (موسوعة القرآن) التي أُنجزت في النصف الثاني من التسعينيات (3). وهي تزعم على أنّ القرآن نصٌّ شعائريٌّ مَتلوٌّ منذ البداية، ولذلك فهو يجمع بين التدوين الذي يفترض الانضباط، والشفوية التي تُحيلُهُ إلى تقليد حيٍّ أو نصٍّ متلوّ (Recitation Text)- وصارت طريقتها الطموحة وذات المنزع الأدبي اتجاهاً واسعاً في أوساط الدارسين للقرآن، بل سادت راديكاليتان تفكيكيتان منذ الثمانينيات وحتى اليوم: الراديكالية التي تعمدُ إلى تفكيك النصّ من الداخل، والراديكالية الأخرى التي تبحث عن أصولٍ عبرية أو سريانية مركبة للنصّ في استعادةٍ لفيلولوجيات القرن التاسع عشر، والتي كاد نولدكه نفسه يتجاوزها في أواخر حياته. (السيد 2007).

القراءة غير العربية للقرآن

صاحب هذا النهج هو جون وانسبورو، باحث أكمل دراسته في هارفارد وأكمل بقية حياته في جامعة لندن للدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، درس في كتابه (دراسات قرآنية) ويزعم بأن القرآن كما نعرفه اليوم اكتمل ظهوره في القرن الثالث الهجري أي العاشر الميلادي. بحث في المخطوطات الإسلامية المبكرة وتحليل الاستخدام المتكرر للسور القرآنية التي يدعي كذباً أن لها أصولاً يهودية ومسيحية، وهو ما أدى به إلى افتراض أن صعود الإسلام كان طفرة جاءت من طائفة يهودية – مسيحية حاولت نشر دعوتها في الأراضي العربية، ثم تطورت لاحقاً، من خلال منظور عربي، إلى ديانةٍ مستقلة اكتمل خلالها القرآن، على مدى قرون على حد إفتراءته.

ورغم أن منهج وانسبرو يبدو منهجاً تفكيكياً راديكالياً إلا أنه يخفق في إخفاء خلفيته الدينية والأيديولوجية، وقد تكونت من طروحاته وأفكاره طروحات مشابهة اشتغل فيها تلامذته والمقربون منه مثل (مايكل كوك، باتريشا كرونه، مارتن هندز، جيرالد هاوتنج، كريستوف لوكسينبرغ، جيرد بوين، أندرو ربّن).

اللسانيات النصية

اللسانيات النصيّة، أو ما يعرف بـ (علم لغة النص) الذي يؤكد على التشكل الطبيعي للغة ووصف كل العوامل وثيقة الصلة بها من الناحية الاتصالية، وقد ارتبط هذا العلم بعلماء النص المحدثين مثل: فان دايك (Van Diyk) الذي يعتبر مؤسس علم النص وجوليا كريستفيا وغيرهما. وقد دارت بحوث ودراسات حول تناصيّة القرآن مع التوراة والإنجيل. وبدأت منذ القرن التاسع عشر مع دي ساسيه ونولدكه وغيرهما. وكان جولدزهير قد أثار بقوة أصل الإسلام والقرآن، وتبعه جوزيف شاخت الذي بحث بعمق أصل الشريعة الإسلامية.

ومن المستشرقين الجدد كان (جون وانسبرو) سباقاً في دراسة تناصات القرآن في كتاب (دراسات قرآنية: وسائل وطرق لتفسير النصوص المقدسة 1977) وكتاب (المناخ السائد بين الفرق: محتوى وتأليف تاريخ خلاصي إسلامي: 1978).

ذهب وانسبرو إلى أن الإسلام ظهر تحت تأثير وجود اليهودية الربينية وهي اليهودية الملتزمة بالشريعة الشفهية وآراء حاخامات اليهود (الربيين)، وأن القرآن والحديث ظهرا بسبب خلافات بين الفرق خلال زمن طويل.

وقد صدرت كتب كثيرة في مجال المقارنة والتناص بين القرآن والكتاب المقدس منها كتاب سيدني جريفيث، الكتاب المقدس باللغة العربية: الكتاب المقدس من «أهل الكتاب» في لغة الإسلام. اليهود والمسيحيين والمسلمين من القديم إلى العالم الحديث.

وقد قام لويسي جنرنبرج بالبحث في التناصات القرآنية مع الهاجادة اليهودية (معناها قصص القصص) الموجودة في كتاب المدراش (معناه البحث في الكتاب المقدس)، وهي التي تعني التعليقات والهوامش على الأسفار التوراتية وغيرها. والهاجادة اليهودية جزء من الجمارة (وهي التفسير في التلمود) والأخيرة كتبت في بابل. واكتملت كتابة الهاجادة في حدود 300 م، وهي مصدر القصص اليهودية التي ظهرت في الجزيرة العربية وشاعت.

أما التناصات مع التناخ (التوراة، العهد القديم) والهاجادة، فكانت محور فكرة التناص بين القرآن/‏‏‏ الإسلام والتناخ/‏‏‏ اليهود. وهناك أيضاً تناصات كثيرة بين نصوص العهد الجديد والأناجيل المحولة (أبو كريفا) والقرآن.. وهو ما كان محور بعض المستشرقين الجدد وما يحتاج إلى مباحث مفصلة.

منهج التاريخ الأركيولوجي المادي

مع باتريسا كرونه Patricia Crone ومايكل كوك Michael Cook سيتطور منهجي الفيلولوجيا والتناص إلى منهج أركيولوجي تاريخي مادي أشمل، ويشكل كتاب (الهاجرية) نموذجاً للمنهج التاريخي الأركيولوجي المادي الذي يتبناه الاستشراق الجديد، وهو إذ يتستر بمنهج البحث العلمي فإنه يصعب عليه إخفاء الموجهات الأيديولوجية التي تتنافى مع هذا المنهج، وسنبحث بالإشارة للمنهج العلمي من جهة وبكشف الأيديولوجيا المضمرة فيه من جهةٍ أخرى، أما بخصوص منهج البحث عند باتريسيا كرونه ومايكل كوك في الكتاب فقد رأت الباحثة آمنة الجبلاوي، في كتابها (الإسلام المبكر.. الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد)، تناقضات منهج كوك وكرونه وأظهرت كيلهما بمكيالين، من خلال محاولة تطويع المادة التاريخية بحيث تتناسب والنتائج التي يريدانها. مستغلين فكرة عدم الثقة بسلامة المادة المصدرية العربية وأنها هي ما يدفع المستشرقين اعتمادها، لكنهما لا يحترمان مبدأ الزمن، فيستعملان، على سبيل المثال، مادة مسيحية تعود إلى القرن العاشر الميلادي من جهة، ويعودان أحياناً إلى المصادر العربية التي قاما بإقصائها بصفة مطلقة إذا ما صادف موافقتها لما يريدان من جهةٍ أخرى.

يقع منهج مايكل كوك وباتريسيا كرونه في منطقة المنهج التاريخي الأركيولوجي المؤدلج بخلفيات مقصودة منها: العقيدة اليهودية والتوراتية، فهو امتداد لمنهج النقد الليبرالي للكتاب المقدس الذي استخدمه في الاستشراق القديم (غولدزيهر وشاخت وفلهاوزن) وهما يستعينان بمحاضرة وانسبرو 1974 ومقاربته المشككة في المصادر الإسلامية عن تاريخ الإسلام.

كتابهما (هاجريزم) أو (الهاجرية) يقع في صلب هذا السياق، فهو يستبعد الرواية العربية لمؤرخي القرون الوسطى الإسلامية ويعتبرها تشكيلاً مقصوداً لتاريخ لم يكتب إلا بعد مضي 150 سنة على ظهور الإسلام، وهكذا يضعان الإسلام المبكر تحت عدسة المصادر غير الإسلامية ليصلا إلى حقائق جديدة بعضها قابل للنقاش وبعضها يجنح في الغلوّ ويدعو إلى السخرية حقاً.

يرى عامة المسلمين أننا لا يمكن أن نفهم تاريخ القرن الأول والإسلام عموماً وجذور النص القرآني خصوصاً إلا انطلاقاً من المصادر الإسلامية، ولكن الباحثين يشككان في مصداقية المصادر الإسلامية وموثوقيتها. ويتساءلان عن سبب تكاثر الكتابات في نهايات القرن الثامن للميلاد؟

لكن مايكل كوك وباتريسيا كرونه في الكتاب يضعان الإسلام المبكر في آخر حلقات التاريخ القديم وينزعانه من التاريخ الوسيط، حيث يعترض المستشرق البريطاني كرون سرجنت على مقالة كرونه في تاريخ الإسلام الأول قائلاً إن «جلّ حجج كرونه قائمة على نفي البديهيات وتقديم حجج قائمة على السلب وإن مفاهيمها خاطئة ومثيرة للجدل».

الجبلاوي تؤكّد حول نفيهما للمصادر الإسلامية واستعمال المصادر الأخرى استحالة اعتبار هذه المصادر بريئة تماما أو، على الأقلّ، أكثر تجرّداً من المصادر الإسلامية، لأنها نابعة من شهادات الضالعين في الصراعات الدينية والعسكرية والسياسية مع الحضارة الإسلامية.

أما تاريخ ظهور كلمة إسلام فيرى كوك وكرونه أنه لم يقع استعمال كلمتي«مسلم» و«إسلام» قبل نهاية القرن السابع، حيث إن لفظة مسلم لم تظهر قبل أواخر القرن السابع. ويؤكد الباحثان أن الإسلام بمعنى «التسليم والخضوع» لله هو مفهوم استعاره العرب من السامريين (Samaritains). ورغم أن للكلمة جذراً في اللغات العبرية والآرامية والسريانية، فإن الأدبين اليهودي والمسيحي لا يقدمان استعمالاً قريباً من المفهوم الإسلامي. في حين أننا نجدها في النص السامري «ممر مركاه» أو «رسالة مركاه» وهو النص السامي الأهم في القرن السابع. ويلتقي الجذر السامري مع الجذر العربي في معنى السلام إلى جانب التقائهما في معنى التسليم. ويشكّل توجيه المعنى نحو «الخضوع»، في رأي الباحثيْن محاولة عربية لفصل الهاجرية عن اليهودية. (الجبلاوي: 2008: 151).

تنسب كرونه وكوك اشتقاق تسمية الدين الهاجري أو (الهاجرية) كإسم أول قبل ظهور اسم الإسلام، من وثائق يهودية وسريانية، حيث يريان بأنه لا يوجد سبب معقولٌ يدفعنا إلى الافتراض أن حاملي الهوية البدئية هذه دعوا أنفسهم (مسلمين). وأول ذكر لهذا المصطلح على نحوٍ مبين كان في قبة الصخرة عام 691 وما بعد، ولا نجده من ناحية أخرى خارج التقليد الأدبي الإسلامي حتى القرن الثامن، لكن مصادرنا تكشف عن تسميةٍ للجماعة أكثر قدما من السابقة، تسمية تتناسب جيداً مع سياق الأفكار التي قدمها سيبيوس. تظهر هذه التسمية في اليونانية بصيغة (ماغاريتاتي Magaritai) وذلك في برديةٍ تعود للعام 642، أما في السريانية، فهي (ماهغري Mahgre) أو (ماهغرايه Mahgraye) التي تظهر منذ البدايات أي من أربعينيات القرن السابع، والمصطلح العربيّ المقابل هو مهاجرون. (كرونه وكوك 1999: 20).

ويقترحان أن هذا الاسم مأخوذ من اسم هاجر أم اسماعيل من جزيرة العرب إلى الأرض الموعودة بسبب غياب الوثائق الأركيولوجية التي تشير إلى الهجرة من مكة إلى المدينة، ويتناسيان أن هجرة الإسماعيليين هي هجرة لاتاريخية وتحتاج هي أولا إلى دليل أركيولوجي، ولكنهما يتغافلان عن هذا الدليل لأنه ورد في التوراة، أما ما يرد في القرآن فيبقى بحاجةٍ لدليل!! وهذا ما نسميه بالكيل بمكيالين.

هذا الاستقصاء (الأركيولوجي) هو استثمار للمنهج العلمي لصالح موجهات أيديولوجية كانت ترددها أفكار فجّة عن الإسلام في العصور المظلمة الوسطى، فهل جاء الاستشراق الجديد ليكون امتداداً لنتائج الاستشراق الكلاسيكي كما يقولون أحياناً؟ أم أنه، فيما يبدو، يعود بالاستشراق إلى نشأته القروسطية ويبررها (علمياً)؟

……………………………………………..المراجع:

1. برغمر، كريستوف: حوار مع كريستوف لوكسنبرغ، ترجمة إبراهيم جركس، موقع شبكة العربي، الحوار مأخوذ باختصار من كتاب كريستوف برغمر: «جدال حول القرآن: نقاش لوكسنبرغ» ترجمة عن النص الإنجليزي:.(Dispute about the Koran: The Luxenberg Debate)

  1. الجبلاوي، آمنة: الإسلام «المبكر» الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد (باتريسيا كرون ومايكل كوك أنموذجاً)، منشورات الجمل، كولونيا، بغداد (2008).
  2. زبيدة، سامي: انثروبولوجيات الإسلام (مناقشة ونقد لأفكار إرنست غيلنر)، دار الساقي (بحوث اجتماعية 22)، بيروت (1997).

4.السيد، رضوان: جوانب من الدراسات القرآنية الحديثة والمعاصرة في الغرب، مجلة التسامح، العدد 17 لسنة (2007)

  1. هيجر، كريستوف: قراءة آرامية سريانية للقرآن – مساهمة في تفسير القرآن، (د.م)، دار الكتاب العربي، برلين (2000).

6.كرونه، باتريشيا ومايكل كوك: الهاجريون، ترجمة نبيل فياض، حقوق الطبع محفوظة، د.م. (1999)

7.الوهيبي، عبد الله بن عبد الرحمن: حول الاستشراق الجديد (مقدمات أولية)، منشورات مجلة البيان/‏‏‏ مركز البحوث والدراسات، الرياض (2012 م- 1435 ه).

8.الأرناؤوط، محمد: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر2005، تاريخ الإقتباس 19/‏‏‏ 12/‏‏‏ 2015 موقع أرنتروبوس، http:/‏‏‏/‏‏‏www.aranthropos.com.

صراع المثالية والواقعية

كان الدكتور علي الوردي قد قدّم في رسالته للماجستير أطروحته في سوسيولوجيا الإسلام، ورصد فيه التفاعل بين الإسلام كديانة والمجتمع، ومثّل هذا التفاعل أو الصراع ما يسميه بالصراع بين المثالية والواقعية، حيث تمثل تعاليم الإسلام الجانب المثالي، بينما تمثل الواقعية طبيعة حاجات المجتمع الإسلامي. ويتناول الخلاف السنّي – الشيعي، الخلافة وما يترتب عليها، طبيعة الإسلام، الصراع في الإسلام وأصوله، صراع الظالم والمظلوم، عليّ ومعطلة الإٍسلام.

شاهد أيضاً

في ذكراه العشرين: الحاضر الغائب #علي_الوردي وتشظي الشخصية العراقية “فيديو”

أزاميل/ المحرر الثقافي: قليلة جدا هي الأسماء التي ستبقى مؤثرة على مستقبل العرب والمنطقة وإلى …

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات