أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / ثقافة / مترجم/ مسألة قتل الأب بين فريديريك نيتشه وسيغموند فرويد

مترجم/ مسألة قتل الأب بين فريديريك نيتشه وسيغموند فرويد

مترجم/ مسألة قتل الأب بين فريديريك نيتشه وسيغموند فرويد

0  الغربال أنفو  الاثنين، 15 يناير 2018

كثيرا ما نسمع أو نقرأ، في سياق عابر أو من خلال شهادات شذرية، عن مسألة قتل الأب. وإمعانا في الاطلاع على خبايا هذه المسألة في سياق متكا…

رسالة دكتوراه تعتبر الاسراء والمعراج تخيلات واساطير سببها سوء التغذية تثير ازمة بجامعة عين شمس
قصيدة: رسالة عاجلة من رئيس الموساد الى المناضل محمد دحلان : شلوم خبيبي ..
ابن رشد والنساء العربيات… مقام الروح

كثيرا ما نسمع أو نقرأ، في سياق عابر أو من خلال شهادات شذرية، عن مسألة قتل الأب. وإمعانا في الاطلاع على خبايا هذه المسألة في سياق متكامل رافداه الفلسفة والتحليل النفسي، أجريت بحثا في الانترنت انطلاقا من حاسوبي الذي رسى في الأخير على نتائج كثيرة أخترت منها مقالا لصاحبه Rogério Miranda de Almeida. بعد قراءته بتمعن في صفحته الموثقة بهذا الرابط:
http://journals.openedition.org/leportique/336 f بادرت الى ترجمته الى العربية تعميما للفائدة وإغناء لمشهدنا الثقافي.  ترجمة وتقديم أحمد رباص
منذ سنوات السبعينيات، عاينا أدبيات لا نهاية لها عن حياة نيتشه Nietzsche وفكره. يكتسي هذا الكم الهائل من الدراسات مثل هذه الأهمية بحيث أن حتى التفسيرات الحديثة نسبيا (دولوز، دريدا، كلوسوسكي، سارة كوفمان) رأيناها تندرج بالفعل في رتبة الكلاسيكيات. الموضوعات القديمة، مختلطة بأخرى أكثر راهنية، تمت استعادتها، تكرارها، إعادة قراءتها، إعادة كتابتها من وجهات نظر مختلفة. وهكذا ارتبط حوار فلسفة مع قطاعات كبيرة من الثقافة: نيتشه والميتافيزيقا، نيتشه والعلوم، نيتشه والسياسة، نيتشه والموسيقى، نيتشه والدين، نيتشه ومعاداة السامية، نيتشه و النازيين، نيتشه والمؤنث، نيتشه والتحليل النفسي.

أصبحت الثيمة الأخيرة موضوعا للدراسة خاصة منذ الثمانينيات، ومع ذلك، سواء في أوروبا أو أمريكا، فإن القراءات التي تثيرها تكشف عن ميل إلى زيادة درجة اعتماد فرويد Freud على نيتشه. في الواقع، عندما يتعلق الأمر بالتساؤل حول مصادفة الحدوس التي توجد بين هذين المفكرين، يكون السؤال الذي يفرض ذاته، بثبات تقريبا ، هو معرفة إلى أي مدى كان أب التحليل النفسي مدينا لاكتشافات فيلسوف Sils-Maria. فرويد، كما نعلم، اقتبس من نيتشه في كتاباته الأولى، ولا يزال يشير إليها حتى بعد “منعطف 1920″. وهكذا، في كتاب ” الأنا والهو” (1923)، وفي “المحاضرات الجديدة حول التحليل النفسي” (1932)، اعترف بسابقة نيتشه فيما يتعلق باستخدام المصطلح النحوي Es (هو). هذا المصطلح، الذي استعاره فرويد من غروديك Groddeck واستعمله في “الأنا والهو”، سيعين من الآن فصاعدا القوى المجهولة التي، في وجودنا، تحكمنا، تحركنا وتدفعنا. وعلاوة على ذلك، فإن الاختصار Ics أختفي من المصطلحات الفرويدية، فقط ليعود مرة أخرى في (موسى والتوحيد، 1939)، وتم ذلك وصفيا وفي شكل صفة.

غير أن فرويد كان حريصا جدا على تحديد ما ينتمي إليه وما ينتمي إلى مصدر آخر. الخوف من الظهور كغير شريف في نظر الجمهور، والعداء تجاه أي شيء يمكن أن يكون ذا صلة بالسرقة الأدبية، بالتقليد أو بالاستيلاء، قاده للتأكيد، في كل صفحة تقريبا، على أصالة اكتشافاته والمراحل المؤلمة التي تخللت مساره. وكأنه يريد حماية أبوة أفكاره مهما كان الثمن، خاصة عندما تبدو هذه الأبوة مهددة من قبل سلطة ذكرية. عن نيتشه، كتب عام 1914 يقول: “أنا محروم من متعة قراءة أعمال نيتشه، وهذا عمدا، حتى لا تأتي أفكار سابقة لتزعج الحدوس التي أعطاني اياها التحليل النفسي”.بعد مرور عشر سنوات، تحدث عن نيتشه بهذه الكلمات: “نيتشه، فيلسوف آخر غالبا ما تتطابق حدوسه وفرضياته بالطريقة الأكثر ذهولا مع النتائج التي اكتسبها التحليل النفسي بشق الأنفس، ولقد تجنبته طويلا لهذا السبب بالذات. وكانت مسألة الأولوية أقل أهمية بالنسبة لي من الحفاظ على حياديتي”. .علاوة على ذلك، في رسالة وجهها إلى فليس Fliess في 1 فبراير 1900 أضاف في نهايتها: ” اقتنيت لتوي كتب نيتشه، وأتمنى أن أكون قادرا على العثور عنده على كلمات لأشياء كثيرة ظلت في نفسي صامتة. ولكني لم افتحها (الكتب) بعد ».

إذا حكمنا من خلال الاقتباسات، التلميحات والتعليقات المتناثرة في عمله، فليس هناك شك في أن فرويد قرأ على الأقل بعض النصوص الأساسية للفيلسوف، بما أن حدوس هذين المفكرين تجتمع سويا حول مسائل أساسية مثل الأحلام، المقاومة، التحويل، الإكراه على التكرار، التمتع وغريزتي الحياة والموت. ولكن كيف يمكن للمرء أن يفسر مقاومة فرويد للفلسفة، ولنيتشه على وجه الخصوص؟

1- فرويد والتحديد الإسقاطي
في مقال نشر سنة 1993 تحت عنوان Freud’s Devaluation of Nietzsche، حاول الكتاب (M. J. Scavio, A. Cooper et P. S. Clift) إظهار لماذا فرويد، الذي ذكر نيتشه صراحة في أول كتبه واعترف بأهميته بالنسبة للتحليل النفسي، أشاح بوجهه عن الفيلسوف ابتداء من عام 1914 إلى حد نسيانه تماما. ويوضح المؤلفون أن هذا التغيير في الموقف يفسر حقيقة أن فرويد قد تشاجر مع أدلر Adler ومع يونغ Jung، وكلاهما قارئ لنيتشه. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح صديقا للو أندرياس سالومي Lou Andreas-Salomé، الذي ربطته بنيتشه صداقة عابرة، متوترة، وانتهت بالعداء المتبادل. إلى كل هذا جاء لينضاف تبني الأيديولوجية النازية لأعمال الفيلسوف، الشيء الذي لم يؤد سوى للزيادة من شكوك وكراهية فرويد تجاه نيتشه والفلسفة بشكل عام. ولذلك، فإن أسباب النسيان عند فرويد يفترض البحث عنها في تحديد إسقاطي طوره بنفسه وأدى به إلى أن ينسى تماما وجود وتأثير نيتشه في عمله.

ومن المسلم به أن هذه الملاحظات لا تخلو من الفائدة. وعلاوة على ذلك، فإن تاريخ الفكر يقدم أمثلة كثيرة من السرقات التي أسيء إخفاؤها (ديكارت مقارنة بأوغسطين)، من ردود أفعال سافرة ضد معلمين سابقين (أرسطو ضد أفلاطون، ماركس ضد هيغل ونيتشه ضد شوبنهاور)، أو كذلك، كما تبدو الحالة هنا، من نسيان أو مقاومة للتأثيرات المحتملة. ما هو على المحك في قضية نيتشه-فرويد هو، وفقا لكتاب المقال، قضية سياسية. فرويد، بعد القطيعة مع أدلر وخصوصا مع يونغ (1914)، لم يجد له أي مخرج سوى أن ينسى كل ما يمكن أن يمت بصلة، ولو كانت من بعيد، لتلميذ ديونيزوس. كان إذن يسعى الى تذكر الخفايا الخاص به cryptomnesia، الى اثارته، الى تعزيزه حتى. في الواقع، على الرغم من الإشارات المقتضبة السالفة الذكر، فان التخريجات التي قام بها فرويد لم تسترع الانتباه إلى مصادفة الأفكار بين الاكتشافات الخاصة به وتلك المنتسبة لنيتشه. ولكن في التحليلات حول السادية والمازوشية (Pulsions et destins des pulsions, 1915)، نجد تشابها كبيرا مع ما سبق لنيتشه أن أدرجه في “Humain, trop humain”، كما في “Aurore”.

الأكثر إثارة للدهشة كذلك هو أن نلاحظ أن فرويد استخدم نفس المصطلح الذي استعمله نيتشه لشرح تشكل الشعور بالذنب. وهكذا، في “جينيالوجيا الأخلاق” (Deuxième Dissertation, section 16)، يرى نيتشه في ذلك الشعور ظاهرة حدثت تاريخيا. وهذا يعني أن دودة الشعور بالذنب القارضة تمكنت من أن تخترق الانسان عندما رأى هذا الأخير، وقد تكيف سابقا مع الحرب، مع حياة البدو الرحل ومع المغامرة، نفسه فجأة في قبضة إكراهات المجتمع والسلم. بافتقاره للأعداء الخارجيين والمقاومات، باستغراقه في الحنين إلى الصحراء وباضطهاده من قبل انتظام العادات، هذا الحيوان الذي يراد ترويضه “جرحته قضبان قفصه،” تمزق، تعذب، تضايق و أساء لنفسه بفارغ الصبر. لذلك: “كل الغرائز التي لا تتحرر نحو الخارج، ترجع إلى الباطن – وهذا هو ما أسميه باستبطان (Verinnerlichung) الإنسان: هذا هو أصل ما سوف يسمى لاحقا ب”روحه”.

لكن، في إحدى كتاباته الأخيرةAnalyse terminée et analyse interminable)، 1937)، عند الإشارة إلى التغيرات التي اجتازتها الدوافع العدوانية، يستخدم فرويد مصطلح الاستبطان نفسه ونفس التعبير عن الرجوع إلى الباطن. يقول فرويد: “بعد كل شيء، نعترف أنه خلال تطور الإنسان، أي من الحالة البدائية إلى الحالة الحضارية، عانت عدوانيته من درجة لا يستهان بها من الاستبطان أو الرجوع الى الباطن”. فإذا عدنا بالتالي الى تطور النص الفرويدي، وإذا نظرنا في تحاليله حول السادومازوشية، الأنا الأعلى، الذاكرة، وربما خصوصا، غريزتي الحياة والموت، لا يسعنا إلا أن نفاجأ بعدم وجود ما يشير إلى اسم نيتشه . فرويد أطاح بالفعل بشخصية نيتشه من عمله، ابتعد عنه أخيرا، تخلص منه، أو، للتحدث مثل الباحثين، لقد نسيه تماما.

مع ذلك، قد يطرح السؤال في مكان آخر. ربما تعلق الأمر بإشكالية أعمق، أكثر دقة، والتي سيتم استيعابها أكثر أو أقل من ذلك من خلال قراءة كتابات هذين المفكرين. أكثر مما هي مسألة ذات طابع سياسي، ما هو على المحك في علاقة فرويد- نيتشه ليس، في النهاية، إلا موت الأب. دعونا نشرح.

2- نيتشه، فرويد وموت الأب
بالفعل، منذ التقارير المرفوعة لجمعية التحليل النفسي بفيينا، رأينا فرويد يعبر عن تردداته ومقاوماته لنيتشه وفلسفته. خلال دورتين عقدتا في 1 أبريل و 28 أكتوبر 1908، كانت الجمعية قد تحدثت عن عملين من أعمال نيتشه، هما على التوالي: “^جينيالوجيا الأخلاق (الأطروحة الثالثة: ماذا تعني مثل الزهد؟)، و “هذا هو الانسان”.

انطلاقا من الدورة الأولى، وفقا للتقرير ، صرح فرويد بكراهيته تجاه الفلسفة بشكل عام. بدت له خاصيتها التجريدية بغيضة جدا بحيث أنه قرر التخلي عن دراستها. في ما يخص نيتشه، اعترف بأن محاولات قراءته لم تنجح، لأن جهوده خنقت من قبل فائض من الاهتمام. وعلى الرغم من أوجه الشبه التي أشار إليها القراء مرارا وتكرارا بين الكاتبين، يؤكد فرويد أن أفكار نيتشه لم يكن لها أي تأثير على عمله.

في الدورة الثانية، بدأ فرويد يتحديث عن نيتشه كما لو أنه “شخصية غامضة”. وفقا للتقرير، عزا عدم فهم فكر نيتشه إلى أن هناك في طبيعة الفيلسوف شيئا من اللاجرمانية. قال: “فشلنا في فهم شخصية نيتشه”. ثم أضاف: “هنا هو الشخص الذي لا نعرف شروطه المسبقة.” ومن الغريب أن نلاحظ، مع ذلك، أن فرويد يعود في هذه اللحظة إلى فكرة موت الأب. “من طفولته – يتذكر – يبدو أنه فقد والده في وقت مبكر جدا وترعرع بين النساء. هنا بعض النقاط التي تهمنا، على سبيل المثال، في سيرته الذاتية نيتشه يقتل أباه مرة أخرى.” في بضعة أسطر أسفله ، يدعي فرويد أنه لم يصل أحد – وربما لن يصل أبدا – الى درجة الاستبطان التي حققها نيتشه. ومن ثم يعترف مرة أخرى، كما سيفعل لاحقا، أنه لم يتمكن أبدا من دراسة فيلسوف Sils-Maria. جزئيا – يضيف – بسبب التشابه بين حدوسه والتحقيقات الشاقة للتحليل النفسي. ولكن أيضا بسبب ثراء أفكاره التي منعته دائما من تجاوز الصفحة الأولى، في كل مرة حاول قراءة نيتشه.

ومثلما تبين هذه التقارير، وكذلك الرسالة إلى فليس، ومؤلفاه :”مساهمة في تاريخ حركة التحليل النفسي” و”حياتي والتحليل النفسي”، الأفكار الرائجة في هذه النصوص هي تلك (المتعلقة) بالتردد، بالتأجيل، بالاجتناب، بالمقاومة على سبيل الاختصار. ويبدو أن التهديد بالسلطة، بالمعرفة، بالقانون، بالله، بالأب أو، ما يعني نفس الشيء، بالإخصاء هو أساس الغموض الذي يربط فرويد بنيتشه. ولكن في هذه الحالة – يمكن للمرء أن يعترض – هذا الغموض وجد ليس فقط في علاقة فرويد – نيتشه، ولكن أيضا، والأهم من ذلك، في مشاعر فرويد نحو فليس، أدلر، وقبل كل شيء، يونغ.

صحيح أن الموضوعات الخاصة بالدين والثقافة، التي بدأت تشغل فكر فرويد بالفعل مع “أعمال راقية وتمارين دينية” Actes obsédants et exercices religieux(1907)، وأصبحت أكثر فأكثر تواترا في قلمه انطلاقا من القطيعة مع يونغ (1914). فرويد تحدث عدة مرات عن روح الشعب، عن حشد أصيل، عن التراث القديم، عن مسقط رأسه، عن الأب الحقيقي، وعلاوة على ذلك، عن الخوف من أن يلتهم من قبل الأب. ومن المسلم به أن هاجس هذه الأسباب الأسطورية يستحق أن يدرج في دراستنا، لأن ما يعيد الظهور هناك ليس، في النهاية، سوىى مسألة الأب أو القلق من الإخصاء. نحن ننظر في مكان ما للحصول على دعم، مأوى، حصن، أساس، مخرج. ولكن هدفنا ليس إقامة مواجهة بين فرويد وعالم النفس (المختص) في الدين. انتباهنا يتحول بدلا من ذلك إلى موقف التناقض الوجداني الذي غذاه فرويد فيما يتعلق بنيتشه. ومع ذلك، فإننا نتعرف على أن هذا الموقف سيكون مفهوما بشكل أفضل إذا أخذنا في الاعتبار، كما سنفعل لاحقا، المقال الذي كتبه فرويد تحت عنوان: Dostoïevski et le parricide.

بعد كل ذلك، نجد عند نيتشه وفرويد نفس الهوس بموت الأب، أي القلق من الإخصاء، من النقص أو الخسارة. لكن هذا القلق يفترض في وقت واحد، وبمفارقة، التمتع بشيء تم العثورعليه، بتكرار، بانتقال وببناء – تدمير أبديين. تيهان لا يعرف الكلل، لا ينضب ويتجدد باستمرار، متعة قضيبية من لا شيء في المكان نفسه حيث كان سيتم سد الفجوة. لهذا السبب قال لاكان عن بارمينيدس: “حيثما كان هناك وجود، ثمة متطلبات من اللاتناهي “.

فرويد، كما نعلم، قتل مرارا أكثر معارضيه شهرة، كما أنه قتل في كتابه الأخير (موسى والتوحيد، 1939)، المحرر والمشرع المنتخب من الشعب. أما بالنسبة إلى نيتشه، فقد أنجزعمله بنوع من البناء والهدم المستمرين، من القلب والتقويم الدائمين.وهكذا، في الحزن والفرح، في تقلبات وتحولات النفس الغضبية، قتل ثم أحيى سقراط وأفلاطون، سبينوزا وكانط، فاغنر وشوبنهاور، يسوع المسيح والقديس بولس. بالإضافة إلى الإعلان الشهير الذي أدلى به المحكوم بالأعمال الشاقة في “المعرفة المرحة”، هناك مقطع آخر من كتاب (الفجر، الفقرة 14) يكشف فيه، هذه المرة، عن موت القانون نفسه: “آه! أعطوني على الأقل الخرف، القوى السماوية! الخرف، بحيث أخيرا أعتقد في نفسي! […] الشكوك تلتهمني، أنا قتلت القانون، القانون يطاردني مثل جثة على قيد الحياة. إذا لم أكن أكثر من القانون، فأنا آخر المنبوذين” .

هذا النص الأخير يذكرنا بحدوس فرويد حول عقدة أوديب. الصياغات المختلفة والكتابات المعادة التي مربها هذا المفهوم هي بالفعل من أعراض غموضه الأساسي. الغرض من عقدة أوديب ، للمفارقة، هوالتعبير عن تخطيه هو بالذات، أو على الأقل الرغبة في تخطيه. الرغبة في قتل الأب يمكن أن تعني أيضا محاولة لإنقاذ الأب، لأنه إذا لم أكن أقوى من الأب، أو من القانون، فأنا آخر الملعونين. إذا كان الأمر كذلك، يجب أن نبحث عن المقاومة التي أبداها فرويد إزاء نيتشه في تحديده للفيلسوف الذي “قتل الله”. ربما فرويد قريب جدا من نيتشه، كما أنه من الممكن أيضا أن سقراط كان بمثابة مرآة لنيتشه يرى فيها وجهه، مشوها،. لا ننسى أن نيتشه اعتبر سقراط مثل الوحش الخالق للعلم، للمنطق، مثل الرجل المنظر، وفي الوقت نفسه اعتبره هو من قتل الحكمة التراجيدية، وبالتالي الفن في حد ذاته .

في المؤلف المعنون ب” Psychologie des foules et analyse du moi ” ، والصادر سنة ١٩٢١،هناك فصل يسمى بالضبط تحديد الهوية. يتم تحليل هذا السلوك في ارتباط بعقدة أوديب التي، وفقا لفرويد، تهيؤه. وهكذا، من رباط عاطفي تشكل في البداية، وحيث ضمنه أخذ الصبي الصغير والده كنموذج وكمثال، تولد شعور بالعداء والرغبة في الحلول محل الأب إلى جانب الأم. ولكن فرويد يوضح: “إن تحديد الهوية هو أيضا متناقض منذ البداية، بل يمكن أن يكون موجها نحو التعبير عن الرقة أكثر من الرغبة في الطرد. انه يتجسد مثل فرع من المرحلة الشفوية الأولى من نظام الليبيدو التي ندمج خلالها، حين تناول الطعام، شيئا مرغوبا ومثمنا، وعلى هذا النحو تتم إبادته بما هو كذلك. آكل لحوم البشر، كما نعلم، يتوقف عند هذا الحد. يحب أعداءه إلى درجة التهامهم، ولا يلتهم أولئك الذين لا يستطيع أن يحبهم بطريقة أو بأخرى “.

هذه المسألة الصعبة لتداخل الحب والكراهية، سوف يعود فرويد لتناولها مرة أخرى، بعد عامين، في إطار التحليلات التي قام بها حول الغرائز الجنسية وغرائز الموت. في الواقع، في “الأنا والهو”، الكتاب الذي هو امتداد، وبطريقة معينة، تتمة ل”ما بعد مبدإ اللذة” (1920)، فرويد يستخدم عدة فرضيات في محاولة لشرح خصائص الحنان ، الدينامية وقابلية التبادل التي تتصف بها الكراهية والحب. وبالتالي فإن المشكلة التي يواجهها هي كما يلي: تظهر التجربة التحليلية أن الكراهية ليست فقط رديفة للحب (التناقض الوجداني)، وأنها ليست فقط سابقته المتكررة في العلاقات الإنسانية، ولكن أيضا، في ظل جميع أنواع الظروف، تتحول الكراهية إلى حب، والحب إلى كراهية. ولكن أين وكيف يحدث هذا التحول؟ تلك هي المشكلة التي ظلت مستعصية على فرويد وتمت بالكاد معالجتها. من خلال نشأة المثلية الجنسية، على سبيل المثال، وأيضا نشوء مشاعر اجتماعية désexualisés، يكشف البحث التحليلي عن وجود مشاعر عنيفة من التنافس تؤدي إلى ميولات عدوانية. ولكن بمجرد أن يتم التغلب على هذه المشاعر، يصبح الشيء الذي كان مكروها سابقا شيئا محبوبا، وحتى مادة لتحديد الهوية. أما بالنسبة لمسار الاشتغال على التحولات المرتبطة بجنون العظمة، تقدم فرويد بفرضية أخرى: “هناك منذ البداية – يقول-، موقف متناقض، والتحول يحدث من خلال نقلة رجعية للاستغلال، للطاقة التي يتم سحبها من الحركة الإيروتيكية وتقديمها إلى الحركة العدوانية. سوف يتم تناول إشكالية تحديد الهوية والتناقض الذي يقتضيه مرة أخرى في دراسة معنونة تحديدا ب ” Dostoïevski et le parricide”.

3- فرويد، دوستويفسكي و نيتشه
يتعلق الأمر، في الواقع، بمقدمة ل “الإخوة كارامازوف” التي بدأ فرويد في كتابتها عام 1926، قبل عام من نشر “مستقبل وهم”. وفقا لكاتب سيرته الذاتية، إرنست جونز ،Ernest Jones فرويد توقف عن كتابة Dostoïevski et le parricide و لم يعد إليه إلا بعد ترددات كثيرة. هذا النص، الذي نشر في عام 1928، يتعامل، كما يمكن للمرء أن يتوقع من العنوان، مع مسألة قتل الأب، عقدة أوديب، وبالتالي، عقدة الإخصاء. ولكنه يتناول أيضا الموضوعات ذات الصلة التي واصل فرويد استكشافها منذ “منعطف 1920″، وهي مشكلة السادية، والمازوشية، والشعور بالذنب، وتشكل الأنا الأعلى٠ ومن المثير للاهتمام جدا أن نرى فرويد يتحدث عن مقتل الأب في ارتباط مع عملية تحديد الهوية وعلاقتها المتناقضة. وهذا يعني أن الكراهية التي تدفع إلى إزاحة الأب باعتباره منافسا تكون، كقاعدة عامة، مصحوبة بدرجة معينة من الرقة والإعجاب بالمنافس نفسه. هذان الموقفان معا يؤديان إلى تحديد هوية الأب: نريد أن نكون في مكان الأب ليس فقط لأننا نعجب به ونريد أن نكون مثله، ولكن أيضا لأننا نريد إبعاده.
ونتيجة لذلك، يضيف فرويد : “كل هذا التطورسوف يصطدم إذن بعقبة قوية: في مرحلة ما، يتوصل الطفل إلى فهم أن محاولة إزاحة الأب باعتباره منافسا قد يعاقب عليها بالإخصاء من طرف الأخير. تحت تأثير القلق من الإخصاء، وانسجاما مع مصلحته في الحفاظ على ذكورته، سوف يتخلى عن الرغبة في امتلاك الأم وإزاحة الأب. وطالما بقيت هذه الرغبة في اللاشعور، فإنها تشكل أساس الشعور بالذنب “. وبعد هذه التحليلات عن السلوك المتناقض للكراهية والمحبة تجاه الأب والتحولات التي سيخضع لها التهديد بالإخصاء، سوف يعبر فرويد عن عدم ارتياحه للقارئ غير المتمرس على التحليل النفسي. وهذا هو السبب في أنه سوف يطمئن: “ولكن اسمحوا لي أن أؤكد أن التجربة التحليل- نفسية وضعت بالضبط هذه العلاقات وراء كل شك وعلمتنا أن نتعرف فيها على مفتاح كل عصاب”. وفي موضع لاحق، يتذكر فرويد أن دوستويفسكي كان دائما منزعجا من الثقل الذي خلفته الرغبة في قتل والده على ضميره. هنا، ومن الغريب، انه يحلل ويضع تحت نفس العلاقة موقف الكاتب نحو والده، نحو سلطة الدولة ونحو الإيمان بالله.

نأمل أن يساعدنا هذا القوس على فهم أفضل لقراءتنا ورؤيتنا لما يعتمل حقا في مقاومة فرويد لنيتشه. في Dostoïevski et le parricide هناك نفس الهوس بعقدة أوديب والتهديد بالإخصاء. فرويد يحاول كشف ما هو أكثر خفاء وكبتا في شخصية الكاتب الروسي. بالنسبة له، دوستويفسكي يأوي في نفسه جميع ميول مجرم بكل المواصفات، لأنه آثر، لدى اختياره لعدته، شخصيات عنيفة، قاتلة، مدمرة ومتمركزة على ذتها. وبالإضافة إلى ذلك، يصر فرويد على أن بعض الوقائع في حياته الخاصة تسير في نفس الاتجاه، مثل شغفه بالمقامرة وربما الاعتداء الجنسي الذي مارسه على فتاة. هذه اللوحة، مع ألوانها المتخلقة بصراحة حيال سلوك ونفسية الروائي، جرى استقبالها مع تحفظات قوية من قبل بعض المحللين. ثيودور ريك Theodor Reik، على سبيل المثال، بعث إلئ فرويد برسالة مفصلة يعيب عليه فيها ليس فقط تقشفه الأخلاقي تجاه دوستويفسكي، ولكن أيضا الطريقة نفسها التي شيد بها نصه. في رده، اعتذر فرويد على ذلك وأضاف هذا الاعتراف المستبصر تماما: “أنت على حق في الاعتقاد بأنني لا أحب حقا دوستويفسكي، على الرغم من كل إعجابي بتفوقه وفنه الدرامي. وذلك لأن صبري مع الطبيعة المرضية نفد تماما في التحليل. حتى في الفن وفي الحياة، لا أستطيع تحملها أكثر من ذلك “.

من هذه الاعتبارات يبدو أن المرء يجد، في موقف فرويد فيما يتعلق بدوستويفسكي، نفس النفور الذي أعرب عنه بالفعل فيما يتعلق بنيتشه. فقط، فيما يتعلق بالكاتب الروسي، موقف فرويد هو أكثر مباشرة، أكثر وضوحا وأكثر تحررا. بالتأكيد، في كل من نيتشه و دوستويفسكي، يرى المرء نزوات التدمير تقود صراعا مفتوحا، حيث تكون أحيانا للموت، وأحيانا للحياة اليد العليا. وبنفس الطريقة، فإن فكرة وفاة الأب وقلق الإخصاء تعاود الظهورعند نيتشه كما في “الإخوان كارامازوف”. أما بالنسبة إلى نيتشه، فرويد يستخدم استراتيجية تكون افتراضاتها أكثر دقة، وأكثر تلاؤما، وأكثر غموضا، وبالتالي أكثر تضليلا. في بعض الأحيان يقتبس من الفيلسوف، وأحيانا ينكمش على نسيانه، أو، ما هو أكثر من ذلك، ينفي بشكل قاطع أي تأثير لنيتشه على عمله. في مقاطع أخرى، يدعي أنه تجنب نيتشه لفترة طويلة، بسبب ثراء أفكاره وتطابق حدوسه مع حدوس فرويد. إذا كان الأمر كذلك، فمن المشروع أن نتساءل ما إذا كان فرويد أكثر قدرة على التماهي مع لاعب سان بطرسبورغ منها عليه مع مفكر العود الأبدي، ما إذا كان أكثر استئناسا بمؤلف “الجريمة والعقاب” منه بفيلسوف إرادة القوة. وعلى هذا النحو، فإننا نعيد التأكيد على أن مقاومة فرويد لنيتشه تخفي، وتكشف في الوقت نفسه، عن تحديد هويتي أعمق وأكثر دقة بحيث أن القراءة الأولى لا تسمح بالاشتباه به.

في تعليقه على نسيان فرويد لاسم سينوريلي Signorelli، قال لاكان : “هل من الممكن ألا نرى من النص نفسه وقد برز، وفرض ذاته، ليس الاستعارة، ولكن واقع الاختفاء، الحذف، Unterdrückung، مرور تحت الأرض؟ اسما سيغنورومن هير، ذهبا إلى العالم السفلي – السيد المطلق، كما قلت ذات يوم ، الموت لقول الحقيقة، اختفى هناك . ثم يضيف، متسائلا مرة أخرى: “وكذلك، ألا نرى، هناك في الخلف، كيف يحدث كل ما أجبر فرويد على أن يجد في أساطير موت الأب تنظيما لرغبته؟ بعد كل شيء، يلتقي مع نيتشه من أجل أن يعلن، في أسطورة خاصة به، عن موت الله . وربما على أساس نفس الأسباب. لأن أسطورة موت الله […] – هذه الأسطورة ربما تكون فقط ملاذا تم إيجاده ضد تهديد الإخصاء.”

لهذا، دعونا نؤكد مرة أخرى، في الختام، أن عقدة أوديب تعبير عن قلق، وفي الوقت نفسه، تجاوز لهذا القلق. لأنه من خلال الرغبة في قتل الأب، نقوم بتحويل التهديد ونحن نجترح مكانا حيث واقع الاختفاء، مهما كان هشا، يمر إلئ الأسفل. وبهذه الطريقة، يبدو أن سينيور قد ألغي، ويبدو أن هير قد طرد، سيد المطلق، الموت باختصار، يبدو غير مستعاد وغير مملوك.
صحيح أن الموضوعات الخاصة بالدين والثقافة، التي بدأت تشغل فكر فرويد بالفعل مع “أعمال راقية وتمارين دينية” Actes obsédants et exercices religieux(1907)، وأصبحت أكثر فأكثر تواترا في قلمه انطلاقا من القطيعة مع يونغ (1914). فرويد تحدث عدة مرات عن روح الشعب، عن حشد أصيل، عن التراث القديم، عن مسقط رأسه، عن الأب الحقيقي، وعلاوة على ذلك، عن الخوف من أن يلتهم من قبل الأب. ومن المسلم به أن هاجس هذه الأسباب الأسطورية يستحق أن يدرج في دراستنا، لأن ما يعيد الظهور هناك ليس، في النهاية، سوىى مسألة الأب أو القلق من الإخصاء. نحن ننظر في مكان ما للحصول على دعم، مأوى، حصن، أساس، مخرج. ولكن هدفنا ليس إقامة مواجهة بين فرويد وعالم النفس (المختص) في الدين. انتباهنا يتحول بدلا من ذلك إلى موقف التناقض الوجداني الذي غذاه فرويد فيما يتعلق بنيتشه. ومع ذلك، فإننا نتعرف على أن هذا الموقف سيكون مفهوما بشكل أفضل إذا أخذنا في الاعتبار، كما سنفعل لاحقا، المقال الذي كتبه فرويد تحت عنوان: Dostoïevski et le parricide.

بعد كل ذلك، نجد عند نيتشه وفرويد نفس الهوس بموت الأب، أي القلق من الإخصاء، من النقص أو الخسارة. لكن هذا القلق يفترض في وقت واحد، وبمفارقة، التمتع بشيء تم العثورعليه، بتكرار، بانتقال وببناء – تدمير أبديين. تيهان لا يعرف الكلل، لا ينضب ويتجدد باستمرار، متعة قضيبية من لا شيء في المكان نفسه حيث كان سيتم سد الفجوة. لهذا السبب قال لاكان عن بارمينيدس: “حيثما كان هناك وجود، ثمة متطلبات من اللاتناهي “.

فرويد، كما نعلم، قتل مرارا أكثر معارضيه شهرة، كما أنه قتل في كتابه الأخير (موسى والتوحيد، 1939)، المحرر والمشرع المنتخب من الشعب. أما بالنسبة إلى نيتشه، فقد أنجزعمله بنوع من البناء والهدم المستمرين، من القلب والتقويم الدائمين.وهكذا، في الحزن والفرح، في تقلبات وتحولات النفس الغضبية، قتل ثم أحيى سقراط وأفلاطون، سبينوزا وكانط، فاغنر وشوبنهاور، يسوع المسيح والقديس بولس. بالإضافة إلى الإعلان الشهير الذي أدلى به المحكوم بالأعمال الشاقة في “المعرفة المرحة”، هناك مقطع آخر من كتاب (الفجر، الفقرة 14) يكشف فيه، هذه المرة، عن موت القانون نفسه: “آه! أعطوني على الأقل الخرف، القوى السماوية! الخرف، بحيث أخيرا أعتقد في نفسي! […] الشكوك تلتهمني، أنا قتلت القانون، القانون يطاردني مثل جثة على قيد الحياة. إذا لم أكن أكثر من القانون، فأنا آخر المنبوذين” .

هذا النص الأخير يذكرنا بحدوس فرويد حول عقدة أوديب. الصياغات المختلفة والكتابات المعادة التي مربها هذا المفهوم هي بالفعل من أعراض غموضه الأساسي. الغرض من عقدة أوديب ، للمفارقة، هوالتعبير عن تخطيه هو بالذات، أو على الأقل الرغبة في تخطيه. الرغبة في قتل الأب يمكن أن تعني أيضا محاولة لإنقاذ الأب، لأنه إذا لم أكن أقوى من الأب، أو من القانون، فأنا آخر الملعونين. إذا كان الأمر كذلك، يجب أن نبحث عن المقاومة التي أبداها فرويد إزاء نيتشه في تحديده للفيلسوف الذي “قتل الله”. ربما فرويد قريب جدا من نيتشه، كما أنه من الممكن أيضا أن سقراط كان بمثابة مرآة لنيتشه يرى فيها وجهه، مشوها،. لا ننسى أن نيتشه اعتبر سقراط مثل الوحش الخالق للعلم، للمنطق، مثل الرجل المنظر، وفي الوقت نفسه اعتبره هو من قتل الحكمة التراجيدية، وبالتالي الفن في حد ذاته .

في المؤلف المعنون ب” Psychologie des foules et analyse du moi ” ، والصادر سنة ١٩٢١،هناك فصل يسمى بالضبط تحديد الهوية. يتم تحليل هذا السلوك في ارتباط بعقدة أوديب التي، وفقا لفرويد، تهيؤه. وهكذا، من رباط عاطفي تشكل في البداية، وحيث ضمنه أخذ الصبي الصغير والده كنموذج وكمثال، تولد شعور بالعداء والرغبة في الحلول محل الأب إلى جانب الأم. ولكن فرويد يوضح: “إن تحديد الهوية هو أيضا متناقض منذ البداية، بل يمكن أن يكون موجها نحو التعبير عن الرقة أكثر من الرغبة في الطرد. انه يتجسد مثل فرع من المرحلة الشفوية الأولى من نظام الليبيدو التي ندمج خلالها، حين تناول الطعام، شيئا مرغوبا ومثمنا، وعلى هذا النحو تتم إبادته بما هو كذلك. آكل لحوم البشر، كما نعلم، يتوقف عند هذا الحد. يحب أعداءه إلى درجة التهامهم، ولا يلتهم أولئك الذين لا يستطيع أن يحبهم بطريقة أو بأخرى “.

هذه المسألة الصعبة لتداخل الحب والكراهية، سوف يعود فرويد لتناولها مرة أخرى، بعد عامين، في إطار التحليلات التي قام بها حول الغرائز الجنسية وغرائز الموت. في الواقع، في “الأنا والهو”، الكتاب الذي هو امتداد، وبطريقة معينة، تتمة ل”ما بعد مبدإ اللذة” (1920)، فرويد يستخدم عدة فرضيات في محاولة لشرح خصائص الحنان ، الدينامية وقابلية التبادل التي تتصف بها الكراهية والحب. وبالتالي فإن المشكلة التي يواجهها هي كما يلي: تظهر التجربة التحليلية أن الكراهية ليست فقط رديفة للحب (التناقض الوجداني)، وأنها ليست فقط سابقته المتكررة في العلاقات الإنسانية، ولكن أيضا، في ظل جميع أنواع الظروف، تتحول الكراهية إلى حب، والحب إلى كراهية. ولكن أين وكيف يحدث هذا التحول؟ تلك هي المشكلة التي ظلت مستعصية على فرويد وتمت بالكاد معالجتها. من خلال نشأة المثلية الجنسية، على سبيل المثال، وأيضا نشوء مشاعر اجتماعية désexualisés، يكشف البحث التحليلي عن وجود مشاعر عنيفة من التنافس تؤدي إلى ميولات عدوانية. ولكن بمجرد أن يتم التغلب على هذه المشاعر، يصبح الشيء الذي كان مكروها سابقا شيئا محبوبا، وحتى مادة لتحديد الهوية. أما بالنسبة لمسار الاشتغال على التحولات المرتبطة بجنون العظمة، تقدم فرويد بفرضية أخرى: “هناك منذ البداية – يقول-، موقف متناقض، والتحول يحدث من خلال نقلة رجعية للاستغلال، للطاقة التي يتم سحبها من الحركة الإيروتيكية وتقديمها إلى الحركة العدوانية. سوف يتم تناول إشكالية تحديد الهوية والتناقض الذي يقتضيه مرة أخرى في دراسة معنونة تحديدا ب ” Dostoïevski et le parricide”.ور قد ألغي، ويبدو أن هير قد طرد، سيد المطلق، الموت باختصار، يبدو غير مستعاد وغير مملوك.

ومن هذا المنطلق، فإن موقف فرويد من نيتشه سيكون ذا طبيعة مزدوجة. فمن ناحية، يقاوم فرويد سيد المعرفة، الذي رأى قبله، وعرف كيفية تشريح وتحليل واختراق الغرائز وعلاقاتها ودوافعها وصراعها، فضلا عن آليات المقاومة المربكة، التحويل، النسيان والأنا الأعلى. كما اعترف فرويد نفسه – بطريقة مثيرة للفضول – بأن ثراء أفكار الفيلسوف قد منعه دائما من تجاوز الصفحة الأولى؛ وبأن التشابه بين الحدوس الذي جمعهما جعله دائما يتردد قبل أي محاولة لقراءته. من ناحية أخرى، يبدو أن فرويد يتماهى مع من أعلن موت الله وتأمل فكرة العود.

ما يرد في علاقة فرويد – نيتشه هو، في نهاية المطاف، مسألة فرويد نفسه، أي تنظيم رغبته الخاصة وقبول افتقاره. إن التناقض في تحديد الهوية مع الأب، والهوس بنفس الموضوعات التي سبق أن تناولها نيتشه، والغموض من نفور ممن تكون قدرته على الاستبطان لا مثيل لها، وموضوع إرادة القوة التي تتجلى نفسها في شكل مزدوج من الفائض والفوضى غير المواتية، كل هذا يغطي مساءلة فرويد، ولكن أيضا، وبشكل أساسي، يسائل موضوع هذه المساءلة. إذا كان أحد يتصور النص على أنه انزياحا، مقاومة والوسيلة التي يتم من خلالها الكشف عن الرغبة ، فإن الكتابة الفرويدية تبين أن محاولة، لم تكتمل، لسد الفجوة، لإصلاح خسارة، لإبطال التهديد الذي يجعلك في نفس الوقت تعاني وتستمتع،تخلق وتبشر، وتكره وتحب.

شاهد أيضاً

هل الأخلاق ابتكرها الأقوياء للسيطرة على الضعفاء ام أن العكس صحيح؟ “مع فيديو”

نبيل عمر ينسيمدون مغربي هل الأخلاق من ابتكار الأقوياء أم من صنع الضعفاء؟ من المباحث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *