الرئيسية / الرئيسية / علوم / حكاية تفاحة ستيف جوبز التي أصبحت بقيمة واردات 141 دولة!
أول كومبيوتر

حكاية تفاحة ستيف جوبز التي أصبحت بقيمة واردات 141 دولة!

مَن عضّ تفاحة ستيف جوبز؟
مادتي المنشورة في “تاتو” اليوم…
جلال نعيم*
لو كانت عضّة التفاحة التي اتخذتها شركة آبل Apple علامة لها جريمة، لفتحت شهيّة الكثير من المحققين الجنائيين في العالم خاصّة بعد أن تخطت هذه الشركة في ثرائها ما يُعادل قيمة ما تملكه ١٤١ دولة ذات سيادة وحدود وعلم وجيش وشرطة وبرلمان وحكومة. ولربما كان من الأجدى طرح هذا (السؤال/ اللّغز) – إن أحببت- حال ظهور هذه الشركة أي قبل أن تعتاد أعيننا رؤية هذه الماركة التجاريّة التي تطالعنا على ظهر كل آي فون وكل آي باد وماك كومبيوتر، في مشهدٍ يومي مُتكرّر سحبَ من السؤال فتيلته وجعله غير قابل لإثارة الدهشة بحكم الاعتياد خاصّة وإن عالمنا باتَ على قدرٍ من الحركة والديناميكية للحد الذي صارت أعقد الظواهر وأكثرها غرابة سرعان ما تتحوّل الى حدثٍ يومي عادي ومألوف يكفّ عن إثارة دهشتنا، فضولنا وأسئلتنا!
ولو انطلقنا في تحقيقاتنا وسألنا (روب جانوف)، مصمّم التفاحة الأول، لأعلن لنا، كما سبق له وفعل سنة ٢٠٠٩ في لقاء مع CreativeBits إذ قال واصفاً حكايته مع التفاحة الشهيرة بأنه كان يعمل مدير التصاميم في شركة (ريجس ماكينا) عندما وصله طلب واضح وصريح ولا لبس فيه: “أن أصمّم تفاحة مقضومة من أحد الجوانب لكيلا يجري الخلط بينها وبين حبّة الكرز، فصمّمتها بالطريقة التي طُلبت مني بالضبط”.
هل انتهت الحكاية إذن؟
طبعاً لا، فلنقُل على الأقل بأن روب جانوف لم يكن سوى مُنفّذاً لما طُلب منه كما أعلن بنفسه، أما صاحب العلاقة الرئيسي فكان “ستيف جوبز” ولا أحد غيره. ستيف جوبز الذي قبل أشهر من وفاته سأله كاتب سيرته (والتر آيزاكسون) لماذا لم يضع بالآي فون زرّاً أو مفتاحاً للتشغيل؟ فردّ عليه جوبز: “لأنه يُذكرني بالموت” وسكت قليلاً قبل أن يواصل: “لطالما ذكرتني أزرار النور بالموت؛ هكذا، فقد يأتي الموت بلحظة كما تنُزّل أو تضغط على مفتاح النور.. فينتهي كل شيء، لذلك فضّلت استعمال السلايد بدلاً عن زرّ التشغيل”.
(هل هذا كلام بيّاع كومبيوترات وتلفونات أم فيلسوف!)
أنه ستيف جوبز : الرجل الذي أقدم على صرف مائة ألف دولار على فيلم (لوغو) مدته دقيقتين لا أكثر، وقد صُمم لشركة (بيكسار Pixar) لإنتاج أفلام الانيمايشن التي أسسها سنة ١٩٨٦، بعدما طُرد من شركة آبل التي بناها بدمه وأعصابه مع جاره وصديق عُمره ستيف وازنياك، وهو ما استنكره معظم شركاءه والعاملين معه: “مائة ألف دولار على لوغو من دقيقتين!”
(بيعت بيكسار الى شركة دزني سنة ٢٠٠٦ ب ٧,٤ مليار دولار بعد أن انتجت سلسلة من الأفلام الناجحة على رأسها Cars وToy Story بكل أجزاءه).
كان ستيف جوبز ممن لا يُركزون على طبخ الأكل فقط وإنما على تصميمه وطريقة تقديمه، فهو يعطى لزبونه الإحساس بأنه لا يشتري شيئاً عاديّاً، أو أن ما يحدث ما بينه وما بين زبونه هو مُجرّد عمليّة وبيع وشراء، وإنما هو “عيش تجربة” تبقى في الذاكرة:
“وكأنك تتلقينَ هديّة عرس على غير انتظار” كما وصفت إحدى الزبائن مشاعرها أو تجربتها.
ولعلّ شيئاً من ذلك هو ما جعل الملايين يُغيّرون تلفوناتهم وأجهزتهم للموديل الأحدث في كلّ عام، ومع نزول الإصدار الجديد من الآي فون وألآي ماك، لعيش تلك اللحظة، تلك التجربة التي تُعادل بالنسبة لكثيرين لحظة ملاقاة حبيب لأول مرّة!
وما علاقة ذلك بالتفاحة؟
يصف (ستيف وازنياك) مفاجئته عندما اختار ستيف جوبز التفاحة (آبل Apple) اسما لشركتهما:
-“ولكن يُفترض بأننا نصنع كومبيوترات ونبيعها وليس عصير فواكه؟” قال وازنياك لشريكه.
“وذلك بالضبط ما كان يريده ستيف جوبز” يحكي وازنياك: “فقد أراد اسماً بسيطاً، غير مُعقد ولا يوحي للزبون بأنه مُقدم على شراء ماكينة بالغة التعقيد، صعبة التشغيل ومن المستحيل عليه إصلاحها إذا تعطّلت”. إننا نحكي عن كومبيوترات السبعينيات وليس عن كومبيوترات اليوم التي ستصبح لُعَب أطفال إذا ما قيست بها؛ فحتى منتصف السبعينات لم يكن هنالك الكثير من الكومبيوترات الشخصيّة، وكلمة كومبيوتر تحيل سامعها إلى جهاز كبير ومُعقّد لا يُستخدم بغير الدوائر والشركات الكبرى وعلى أيدي مُتخصصين.
(ولعلّ ذلك ما دفع “بيل جيتس”- بعد أكثر من عشرين عاماً من ذلك- لأن يستهل تقديمه لويندوز ٩٥ في برنامج (The tonight Show) وهو يخاطب الجمهور ويشير الى مضيّفه في البرنامج جاي لينو ويقول: سيجعل هذا الويندوز الكومبيوترات سهلة الاستخدام حتى على مُقدّم برنامج تلفزيوني كوميدي!
قال كوميدي ولم يقُل أهبل طبعاً!)
تفاحة نيوتن:
لم تكن التفاحة الشهيرة ماركة شركة آبل منذ تأسيسها، فقد كانت العلامة تُمثل إسحاق نيوتن جالساً تحت شجرة تفّاح في علامة هي الأقبح على الإطلاق. ويُقال بأن مصممّها كان الشريك الثالث مع الستيفنين (جوبز ووازنياك). وقد شاءت الأقدار أن يُزاح الرجل مع ماركته بعد أشهر وبعد أن باعَ حصّته سنة ١٩٧٠ بمبلغ٨٠٠ دولار فقط لا غير، ثمّ جرى تعويضه بمبلغ ١٥٠٠ دولار ليُصبح إجمالي ما تلقّاه على شراكته بفلوس اليوم هو ٩,٢٦٩ دولار فاستحقّ لقب أكبر خاسر في العالم!
وغنيّ عن القول بأن إحالة تفاحة آبل الى نيوتن لا يمكن أن تكون موفقة خاصّة لأنها تجعل منتجاتها تبدو وكأنها صُنعت للعلماء والمختصّين وليس للناس العاديين كما كانت تريد.
سالفة السي أن أن:
أما بها (السي أن أن) في تقرير لها يعود الى سنة ٢٠١١، فطلعت علينا قائلة بأن تفاحة Apple قد تكون تذكيراً بتفّاحة “آلان تورينغ”؛ وهو العالم البريطاني الذي اخترع ما يُمكن اعتباره أول كومبيوتر بالتاريخ، وهو الكومبيوتر الذي كان بحجم بناية بكاملها، تمكّن بصحبة فريق معه من تفكيك شِفرة النازيين السرّية والتي تتغيّر رموزها كل بضع ساعات، ومن خلال كشف سرّها صار من الممكن معرفة خطواتهم وقراراتهم العسكرية والتجسّس عليهم لحظة بلحظة ممكناً لأول مرة إذ تمكن من فك شفرات الرسائل التي يتبادلونها، في لحظة حاسمة من لحظات الحرب العالمية الثانية والتي جاءت قبل أيام من إنزال قوات الحلفاء ف النورماندي.
ورُغمَ مكانته العلمية وإنقاذه آلاف الأرواح إلا أنه تبيّن للإنكليز بأنه كان مثلياً جنسيّاً، وتلك كانت جريمة يُعاقب عليها القانون في ذلك العهد، فجرت محاكمته وإدانته إلا إنه بدلاً من أن يقضي محكوميّته بأحد السجون، خُيّر إن كان يرضى بتلقي حُقن الأستروجين تحت إشراف ومراقبة حكوميّة، فقد كان يُعتقد، في بريطانيا وبعض البلدان الأوروبية آنذاك، بأن هذه الحُقن تُشفي مُتناوليها من الميول الجنسية المَثليّة. وافقَ تورينغ على مضض وظلّ يتلقّى الحُقن في مكان عمله أحياناً وفي بيته أحايين أخرى حتى واتته المنيّة بعدَ أن أكل تفاحة محقونة بالسيانيد سنة ١٩٥٤، ويُعتقَد بأنه انتحر نتيجة إحساسه بالمهانة.
فكان رأي السي أن أن بأن تفاحة آبل كانت نوعاً من التذكير أو تمجيداً لذلك العبقري رغمَ أن حكاية تورينغ كلّها ومنها فكّ شفرات البرقيات النازية لم تكن معروفة ومُتداولة بما يكفي ولم يجري الكشف والتركيز عليها إلّا في الأعوام المعدودة الأخيرة، وبعد أن تمّت إعادة كتابة حياة الكثيرين بأثر رجعي والترويج الى إنهم كانوا مَثليين جنسيّاً بالسرّ فصُنعت عنهم الأفلام وأللفت الكتب خاصّة في الأعوام التي اتخذ فيها الصراع طابعاً أيديولوجيّاً بين الجمهوريين والديموقراطيين وصار موضوعاً رئيسيّاً في الانتخابات الأميركية وعلى مدى عقود. ومن الأفلام التي أنتجت في هذا المجال فيلم “The Imitation Game” 2014 عن آلان تورينغ ذاته و “Milk” 2008و “J Edgar” 2011 والذي يحكي عن إدغار هووفر أوّل وأشهر مدير للأف بي آي، أدّى دوره ليوناردو دي كابريو وأخرجه كلينت أيستوود، والذي لم يُركّز على قسوته وديكتاتورية إدغار هووفر التي عُرفَ بها خاصّة في عهد المكارثيّة الشهير، قدرَ تركيزه على مثليّته!
(وقد فوجئتُ مرّة إذ عثرتُ على ترجمة أكاديمية أميركية جديدة لملحمة كَلكَامش وإذا ب “ستيفن ميتشل”، مُقدّمها ومُترجمها، بصيغتها الجديدة يُقدّم دلائل وشروحات وطروحات يحاول فيها إثبات مثليّة كَلكَامش من شدّة ولهه بصديقه أنكيدو، حتّى كِدتُ أن أصدّق ما قاله وكنتُ على وشك الصراخ: حتى أنت يا كَلكَامش!)
لذلك أظن بأن السي أن أن لم تكن مهتمة بتفاحة ستيف جوبز، وهي تُدخل تفّاحة آلان تورينغ على الخط، قدر ما كانت مهتمّة بإعادة إحياء مثليّة تورينغ الجنسيّة، وإدانة العقوبة التي نالته من المجتمع والحكومة والقانون البريطاني، كجزء من حملتها الضارية للترويج لزواج المثليين جنسيّاً آنذاك، قبل أن تنتقل للترويج او تطبيع الحياة مع المتحولين جنسيا في حملتها المستمرّة حاليّاً بعدما زوّجت المثليين و”خلصت” منهم.
ولو صدَقت- هذه الإحالة برأيي- لكانت أسوأ إحالة بالنسبة لماركة تجارية لأنها ستُذكّر بالسم والموت والانتحار بينما أكثر ما يتطلّبه الترويج لبضاعة ما- وتصميم اللوغو أو العلامة التجارية يقع في صُلب هذه العمليّة- هو الوَعد بمقدار البهجة التي يوحي بها المُنتج وليس حجم الغمّ الذي فيها!
المُشتبه به الأول والدائم:
لم تكن مُصادفة أن يختار ماركيز لأن يكون مصير خوسيه أركاديو بوينديّا، الأب المؤسس لماكوندو والمسكون بالاكتشافات العلمية والمخترعات التي يجلبها إليه ملكيادس، أن ينتهي بأن يُربط على شجرة خارج البيت؛ فلم تكن تلك الشجرة سوى شجرة المعرفة!
حتّى أنه عندما يسأله الأب نيكانور، الذي يحاوره بطلاقة باللغة السنسكريتية:
-“ولماذا أنت مربوط على الشجرة هنا؟”
فيجيبه خوسيه أركاديو ببساطة:
-“لأني مجنون”
إنه يعي كل شيء إذن، حتّى جنونه.
كذلك لم تكن مُصادفة أن يُلاقي الكولونيل أوريليانو بوينديا حتفه أثناء تبّوله على شجرة، في ذلك الفجر الغريب وهو يتطلّع الى ضجيج قافلة الغجر وهي تدخل ماكوندو، فقد كان يتبوّل على شجرة المعرفة هو الآخر، تلك المعرفة التي قادته لأن يقضي سنواته الأخيرة وهو يُصوغ سمكاته الذهبيّة، وما أن ينتهي منها حتى يُعيد صهرها وتذويبها ليُعيد صياغتها مرّة أخرى في دورة لا تنتهي. فقد “عرَفَ” الكولونيل أوريليانو بوينديّا، ثم بالَ على معرفته ذاتها!
وكما كانت المعرفة واحدة من أهم ثيمات “مائة عام من العزلة”، فان المعرفة ونشرها والاتصال عبرها هي من أهم ثيمات مُنتجات شركة آبل ومن جمعها مصادر المعرفة في جهاز واحد، ومن تسهيل عملية الوصول إليها، صنعت آبل ثروتها وثورتها إن لم نقُل معجزتها!
ففي ٢٩ يونيو ٢٠٠٧ دشّن آي فون ٤ عصر الهواتف الذكيّة، مما جعلَ كل ما سبقه من تلفونات هواتفَ غبيّة.. بداهة؛ ثم أنه لم يكن ولن يكون Ear-Phone أي تلفون للسمع أو للأذن وإنما كان منذ بدايته iPhone وI ألإنكليزية بتركيبتها الصوتيّة تحتمل (I)التي هي (أنا)- بكلّ حمولاتها- كما تحتمل (Eye) (عين) أي تلفون للعين وليس للأذن فقط، وهذا لوحده جناس أدبي وبلاغي بامتياز.
فهل ما زال السؤال قائماً عن تفاحة ستيف جوبز ومن قاضمها الحقيقي؟
لذلك سيكون الجواب البديهي: ومَن غيرها.. تفاحة الغواية، تُفاحة المعرفة، تفاحة آدم وحوّاء.. وهل هنالك تفّاحة أكثر إغراءً من عضّة من فاكهة مُحرّمة (وهذا لوحده عنصر تشويقي وتسويقي هائل!) تفاحة تفتح أعيننا على الخير والشرّ. تفاحة تكشف عُرينا، عالمنا وتمنحنا حرّية أكبر بما تمليه علينا إرادتنا.
ويكتمل الرمز أكثر فأكثر عندما نتذكر بأن هواتف الآي فون مثلاً، خاصّة أثناء حياة خالقها وخالق رموزها ستيف جوبز، اقتصر إنتاجها على لونين فقط: الأبيض، بتفاحة سوداء، والأسود بعلامة بيضاء.. وكأن كلّ منهما يلعب لعبة الحياة، حياتنا، ويحاكيها في متوالية الليل والنهار، الأسود والأبيض، والخير والشر، في مُحاولة عميقة لتأصيل منتجات بعد ما بعد الحداثة من خلال تعتيقها وتعشيقها بواحدة من أعرق الميثولوجيات التي تغلغلت في لا وعينا.
تلك الميثولوجيات التي ساهمت، شئنا أم لم نشأ، بتشكيل أرواحنا برمزيّاتها العابرة لكلّ الأزمان والقارّات وكل اللّغات!
* كاتب عراقي من لوس أنجلس.
الصورة: أول آپل كومبيوتر ١٩٧٦
http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2106

شاهد أيضاً

أبل تطرح هاتفها الجديد آيفون 7 المقاوم للماء وبكاميرا ذات عدستين وخبراء ينتقدون الجهاز الجديد

بالرغم من المميزات التي طرحتها شركة أبل عملاق التكنولوجيا الأميركية خلال تقديمها لهاتفها الجديد آيفون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *