أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / متفرقة / حب وجمال / سيرة ورقة التين : من الستر الى الاثارة

سيرة ورقة التين : من الستر الى الاثارة

إبراهيم البهرزي
لازلت اذكر من زمن طفولتي البعيد تلك الصورة التي كانت شائعة في بعض البيوت والمقاهي والمطاعم والمحلات العامة ، ويبدو انها لوحة عالمية يظهر فيها فتى أشقر وامراة شقراء وشجرة تفاح وافعى تلتف حولها ، كان العري كاملا باستثناء ورقة التين الصغيرة التي كانت تستر عورتيهما ، وعرفت ان الصورة تشير لابينا ادم وأمنا حواء، لم اكن في سن يتيح لي ذلك الفضول الذي يتساءل عما وراء ورقة التين حتى تقدم العمر وقرأت الآية في القرآن الكريم
( فدلّاهُما بِغرور ٍ فَلَمَّا ذاقا الشَّجَرَة َ بَدَتْ ْ لَهُمَا سَوأتهما وطَفَقا يَخصفان ِ عَلَيهما مِن وَرَق الْجَنَّة ِ ) صدق الله العظيم ،
فعرفت ُ أن ( سوأتهما ) تعني عورتهما ، وهو ذلك الذي تعلمنا انه ( العيب ) المقصود .
(وطفقا يخصفان ) من أخصَف َ ، والمعنى يقطعان الوَرَق َ ، وبحسب تفسير ابن عباس : هو ورق التين ، ويروى إن آدم عليه السلام لمّا بدت سوأتَه ( وسوأةَ رفيقته. ايضا ) طاف على أشجار الجنّة يسل منها ورقةً ليغطّي بها عورته ُ وعورة شريكته فزجرته أشجار الجنّة حتى رحمته ُ شجرة التين فأعطته الورق ليغطي بها عورته وعورة امنا حواء
إذن كانت ورقة التين تلك هي أول الملابس الداخلية التي استخدمها إنسان لستر عورته ،وربما لولاها لظل ظهورها طبيعياً كالشفاه والعيون والأيادي ، رُبّما !
ورقة التين شبه المثلثة ذات الاصابع الخمس هذه تطورت عبر العصور حتى وصلت الى لباس ال G-string الذي صارت ترتديه على المسارح كل من المطربة شير والمطربة مادونا ولباس الثونغ Thong ( الخيطي ) او الbodysuit الجلدي المثير .
ورقة التين المثلثة عادت لتكون مثلثة كما كانت ، ولكن بعدما مرت بأشكال وفصالات متعددة وفقا لاحوال وطبائع الشعوب .
يقول بعض المؤرخين ان اول ملابس داخلية استخدمها الانسان هي ما تسمى Lion cloth وهي قطعة قماش واحدة يلفها الرجال والنساء حول الردفين
ويقال أن نساء الفراعنة هم أول من ارتدى الملابس الداخلية بشكلها الحالي ( حمّالة صدر وسروال قصير ) ، كما ظهرت نقوش على الجدران في اثار حضارات الرومان والإغريق وهي تظهر النساء بالملابس الداخلية ، قد تختلف اشكال السراويل ، ضيقا او سعة، طولا او قصرا ، وقد تختلف اشكال حمّالات النهود سترا وانكشافا ً تبعاً لطبيعة المجتمعات في أطوار انفتاحها او انغلاقها
عربياً ، وكما يرد في كتب التراث وفِي شذرات الأشعار ، فإن الجزء السفلي. من الملابس الداخلية كان هو السروال ، ويبدو انه كان فضفاضا بما يريح الانثى في جلوسها وحركتها. ويعتمد قماشه ونقوشه على مدى غنى او فقر البيوتات التي تنحدر منها السيدات ، فهو يتراوح بين الدمقس والحرير وصولا الى الخيش ( الكتان )
لكن شاعرا مدللا وملكا مثل امريء القيس لا شك انه يتغزل بفتاة موسرة حيث يقول في معلقته ِ :
فَجئتُ وقَد ْ نَضَّت ْ لنوم ٍ ثيابَها
لدى السِتٍر ِ إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّل ِ

 

 

وما لبسة المتفضِّل الا أقل َّ ما يكون من الثياب ، وليتني معه لا عرف هذا القليل الذي ترتديه هذه المدلَّلة في نومها !، ولكنني استطيع ان اتصورَّه حيث يقول :
نَؤوم الضحى لَم تَنتَطق ْ عن تفضُّل ْ
فهي لم تكن تُبالي بأن ( تنتطق ) أي تضع نطاقاً او تِكّةً او حزاما ً على سروالها ، واكتفت بأن شدَّته ُ وألقت. فضلة أعلاه على أسفله ِ
أما بالنسبة لحمّالة الصدر فلم تكن ترتديها الا بعض السيدات الموسرات وكانت تسمّى الصدار وهي اشبهُ بالفانيلة التي تغطي منطقة الصدر كلها ، أما بقية النساء ( وخصوصا الإماء ) فكن يمشين كاشفات الصدور وظل هذا الامر ساريا حتى منتصف القرن الماضي في بعض البلدان العربية .
في اوربا القرون الوسطى شاع بين النساء استخدام المشد الكورسيت Corset الذي يمتد من النهدين حتى أسفل الخصر ويمكن تضييقه عبر أربعة شرائط ، وهو الى انه كان يسبب المعاناة للأنثى ويمثل رمزية قامعة لإخفاء المعالم الأنثوية الا ان بعض النساء كانت ترتديه لاجل الحفاظ على نحافة ودقة الخصر ، بل ان البعض منهن كن يستخدمن في القرن التاسع عشر قوالب معدنية وخشبية تحد من قدرتهن على الإفراط في تناول الطعام حفاظا على حجم البطن والارداف !
ثم ظهر بعدها ال Petti coat وهو عبارة عن تنّورة طويلة ضيقة عند الخصر وواسعة عند الأسفل وهي تشبه ناقوس الجرس
( للملاحظة حول اختلاف قيم الجَمال فانّهُ حتى وقت قريب من القرن التاسع عشر وربما بعد ذلك في بعض المجتمعات ، كانت المراة الممتلئة هي المرغوبة في مقاييس الجَمال وانعكس ذلك على الملابس الداخلية حتى انه قد ظهرت حينها قوالب ترفع الفستان عند الارداف لإظهارها بحجم اكبر، وربما حل البوتيكس الان محل ذلك !)
ثم ظهر بعدها اللانجيري lingerie المرتبط بحمالة الصدر وكان قطعة واحدة بدأت اولا كما لو انها قميص ابيض وكانت شبيهة بالكورسيت الا انها بدات تصغر وتتخذ أشكالا مختلفة وقماشا أرق ّ مما يتيح أمكانية استعراض تضاريس النهدين والاردافلم يحدث الانفصال في الكورسيت الا في العام ١٩١٠ ، حيث بدأ تفصيله من جزأين ، علوي ( حمالة الصدر ) وسفلي ( السروال الداخلي ) ، وكان الجزء العلوي حينذاك يفصل بشكل مستوي ومسطح لإخفاء بروز النهدين ، تقليدا لسوتيانات اليابانيات اللّتي كانت تفصل كقطعة قماش نسدل من الاعلى على النهدين لعدم التجسيم ، على الرغم من صغر نهود اليابانيات ، ولكنها التقاليد الامبراطورية السائدة ماقبل الحرب العالمية الثانية وبعد ذلك ظهر الكولون أو بانتس والذي يتكون من ربطة حول الخصر مع طية لحماية الأجزاء الحساسة
ثم قام كريستيان ديور بعد ذلك ، في الأربعينات تقريبا بتصميم الجواريب التي تربط بالسروال الداخلي عبر الاشرطة، ولازالت تستخدم حتى اليوم
غير انه يجب الذكر بانه انطلاقا من ثلاثينيات ذلك القرن بدأت شركات الألبسة. ودور الازياء تتفنن في تقنيات السوتيانات حسب طبيعة وحجوم النهود لمختلف إعمار النساء ، فظهرت حمال push ups او رافعة النهدين للأعلى في الستينات .ان اكبر ثورة في الملابس الداخلية كانت قد انجزت على يد مهندس محركات فرنسي اسمه لويس ريارد وهو البكيني ، الغريب في الامر ان اسم هذه الموضة المثيرة اخذ من اسم جزيرة بهذا الاسم هي واحدة من جزر المارش

ال كانت قد تعرضت لتجربة نووية امريكية خلال الحرب العالمية الثانية ،فأراد هذا المصمم ان يوحي بان ما سيثيره هذا الاختراع يشبه ردة الفعل على القنبلة النووية.
قبل هذا كانت ملابس البحر (المايوهات ) تتكون من قطعتين ، كان الجزء السفلي منها يهبط لمنتصف الفخذ تقريبا وكان يذيل بكراكش وشراشيب ، وكانت بعض النسوة يثقلنها بالحجارة كي لا ترتفع بفعل امواج البحر
وكان من المحال ان يستخدم المايوه لاكثر من السباحة على عكس البكيني الذي صار كما هو مناسب للسباحة فهو مناسب للإغواء في غايات اخرى
لهذا يجب تصور حجم الصدمة التي خلقتها هاتين القطعتين الصغيرتين المنفصلتين على الجسد الأنثوي
كانت ميشلين بيرناديني راقصة الملاهي الفرنسية هي اول من جازفت بارتدائه على المسرح عام ١٩٤٦
لقد اثار هذا الظهور استياء الفاتيكان حينها وتم منع ارتدائه في كل من اسبانيا والبرتغال وإيطاليا التي كان لازال بعض

ها يعاني من الحكم الفاشي، ولم يتم السماح باستخدامه في مسابقات ملكات الجَمال الا في العام ١٩٥١ ( ليصبح فيما بعد وحتى الان استعراض البكيني واحدا من الشروط الاساسية لمسابقات الجَمال !)
تجدر الاشارة ان الاجساد التي روجت للبكيني عند ظهوره لم تكن أجسادا عادية ، هذا اذا عرفت ان مارلين مونرو نفسها بدأت كعارضة للبكيني ، كما ان بريجيت باردو اشتهرت بارتدائه بسبب وبلا سبب في معظم افلامها حتى انها لقبت بملكة البكيني وارتدته آفا غاردنر وريتا هيوارث ولانا تيرنر، لاشك انها اجساد اضافت لفتنة البكيني فتنة مضاعفة !
كما ظهر بعده المونوبكيني وهو عبارة عن قطعة قماش علوية وقطعة قماش سفلية يصل ما بينهما شريط ضيق يمتد على طول الجذع لتستمر غوايات دار الازياء في تقليص حجم القماش لأدنى قدر في موديلات الThongوG-string و Body suit الجلدي وصولا الى الاستغناء الكامل عنها كما صارت تظهر الكثير من نجمات هوليوود ( بل وبعض الراقصات العربيات / دينا مثلا) وهن يستعرضن في مرحلة ما قبل ورقة التين . هذه التحولات في تفصيلات الملابس الداخلية تركت جرحا عميقا في مجمل الفنون الادبية والفنية ، كانت مصدر انتاج لآلاف الصفحات من الشعر والرواية وكل فنون الكتابة اضافة لآلاف الامتار من اشرطة السينما واطنانا من ألوان الفنون التشكيلية ، حتى غَدَت فلسفة وجماليات الساتر اكثر ثراء من جمال المستور، وصار الولع بالملابس الداخلية وابتداع الغريب والمثير منها في الالوان وأنواع الأقمشة وعجيب الموضات يدر المليارات على دور التصاميم وشركات الانتاج وأسواق الملابس الكبرى ، وربما تكون السلعة الاكثر رواجا في الدنيا بعد الخبز
لقدتحولت ورقة التين من وسيلة للستر الى اكبر وسيلة للإغواء
يبقى السؤال لم ورقة التين حصرا ( خلال كتابتي لهذا الموضوع اقتطعت ، او طفقت اخصف بحسب النص القرآني ، ورقة تين وصورتها ، كما هي مرفقة مع الموضوع ، ورحت أتأمل تشكيلها ، هي ورقة بخمس اصابع مختلفة الأطوال ، يمكن للاصبعين العلويين القصيرين ان يستدير على بعض ليكونا تكة او حزام اللباس ، الاصبعان الأدنى يمكن ان يكونا منفذا للفخذين ، اما الاصبع الخامس الطويل فيمكن ان يطوى مستديرا على موضع العفة لتكتمل بذلك صورة اللانجري الحديث
كل شيء بحكمة!
لكنني وانا أتلمس ورقة التوت وجدت ملمسها الخشن والمهيج للجلد فاشفقت على امنا حواء وتمنيت لِمَنْ يلبسن الحرير والساتان ان يتذكرن تلك الجدة المسكينة .

 

شاهد أيضاً

الفيلسوف دانيل دينت: نادم على كل وقت اضعته في القلق على المشاكل السياسية

مقابلة صحيفة الغارديان مع الفيلسوف دانيل دينت أجرت المقابلة لصحيفة الغارديان: كارول كادوالادر بتاريخ: شباط 2017 ترجمة: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *