أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / مقالات / دين / قاعدة “لا اجتهاد مع نص” أهي خرافة..دين جديد أم حكم إلهي؟ “ملف”

قاعدة “لا اجتهاد مع نص” أهي خرافة..دين جديد أم حكم إلهي؟ “ملف”

أدناه ملف يتناول قاعدة “لا اجتهاد مع نص” الفقهية ويضم عددا من وجهات المظر المختلفة عنه “ملف”

الإسلاميون وخرافة لا اجتهاد مع نص

 مصطفى الكمري

رغم أن آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول (ص) تحض على استعمال العقل، وتدعو الإنسان إلى التجديد والإبداع والابتكار، فإن (الإسلاميين) بدافع الحلم بالهيمنة والتحكم والرغبة المرضية في استعباد الناس وإحكام السيطرة على المجتمعات التي ينتمون لها، قد قاموا بتعطيل تلك النصوص التنويرية، وجعلوا منها مجرد كلام جميل يقال على سبيل الاستئناس، واتخذوا من القاعدة الفقهية التي تقول “لا اجتهاد مع نص” سلاحا يرفع في وجه كل المجددين المتسلحين بسلاح العلم والعقل.

لا اجتهاد مع نص، دين جديد لا علاقة له بالإسلام. فكيف لدين يحارب إعمال العقل أن تكون كلمة “اقرأ” أول كلمة في نصوصه المقدسة التي نزلها الله سبحانه وتعالى على نبيه المصطفى؟ وكيف لدين يحارب الاجتهاد، أن يتراجع رسوله عن رأي قاله أو فكرة أتى بها، في كل مرة يخرج فيها عليه واحد من الناس برأي مخالف يثبت صحته ورجاحته ونفعه وتحقيقه لمصلحة المجتمع؟

ومن ذلك أن محمد (ص) لما عين مكانا لنزول جيشه قبيل معركة بدر، سأله الحباب بن المنذر: “أهذا منزل أنزلكه الله، أم هي الحرب والخدعة والمكيدة؟” فقال (ص): “بل هي الحرب والخدعة والمكيدة”، فأشار عليه الحباب بموقع آخر يمنع عن جيش قريش إمكانية التزود بالماء، وأخذ الرسول برأيه دون تردد، ولولا ذلك لما انتصر المسلمون في معركة بدر، ذلك الانتصار الذي غير مجرى التاريخ.

لقد راجع المسلمون الرسول في كثير من الأمور التي رأوا أن حديثه فيها (ص) لن يحقق المصلحة المرجوة، وهو استجاب لذلك دون أن ينهرهم أو يقول لهم لا كلام يعلو فوق كلامي، ولا اجتهاد يعلو فوق اجتهادي، لعلمه (ص) أن ما يقوله دون الوحي الذي ينزل عليه قرآنا، يبقى مجرد رأي يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ. فلماذا يريد منا (الإسلاميون) أن نجعل اليوم من أحاديث الرسول (ص) كلاما مقدسا لا اجتهاد معه؟ وإذا كان الناس قد اجتهدوا في حياة الرسول (ص) وفي وجوده وحضرته، فكيف نقبل اليوم أن يتم منعنا من الاجتهاد وقد انقضى على موته (ص) مدة 14 قرنا كاملة انقلبت فيها أمور الدنيا على رأسا على عقب؟

قد يقول قائل، إن النص المقصود في القاعدة الفقهية، هو النص القرآني قطعي الدلالة. وحتى هنا فإن الأمر لا يخلو من نقاش، بدليل أن الخليفة عمر بن الخطاب تخلى عن قطع يد السارق في عام الرمادة، رغم أن ذلك الحد مذكور بنص قرآني واضح لا يحتمل لا التفسير ولا التأويل.

ومن ذلك أيضا أن الخليفة أبو بكر الصديق منع عن المؤلفة قلوبهم سهما من الزكاة، وهو الحق الذي أثبته لهم نص قرآني صريح قطعي الدلالة. حيث قال تعال: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم”. وقد كان الرسول (ص) يعطي المؤلفة قلوبهم هذا السهم من الزكاة وهم أصناف، فمنهم أشراف من العرب كان (ص) يتألفهم ليسلموا، ومنهم قوم أسلموا ونياتهم ضعيفة فيؤلف قلوبهم بإجزال العطاء، كأبي سفيان مثلا… لكن لما ولي أبو بكر جاءت المؤلفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم هذا جريا على عادتهم مع الرسول (ص) فكتب أبو بكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا توقيعه عليه فمزقه وقال: “لا حاجة لنا بكم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلا السيف بيننا وبينكم”، فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له: أنت الخليفة أم هو؟ فقال: “بل هو إن شاء الله تعالى” وأقر ما فعله عمر.

لا اجتهاد مع نص، هو دين “داعش” الذي يبيح لهذا التنظيم الإرهابي حرق الأسرى دون رحمة أو شفقة، كيف لا وقد خرج منهم من يقول: “ولكم في الحرق سلف”، مستدلين على ذلك بما أورده ابن كثير في النهاية:6/352: (وقد كان الصدِّيق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم ، وسأل منه أن يجهز معه جيشاً يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشاً، فلما سار جعل لايمرُّ بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشاً فرده، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار، فحرقه وهو مقموط).

إن جوهر الإسلام هو جعل الإنسان راقيا في معاملاته، متسلحا بحسن الأخلاق في سلوكاته، بدليل إجماع كل الديانات حتى الوضعية منها على ضرورة الالتزام بمكارم الأخلاق في كل المعاملات التي تجمع بين الناس في كل زمان ومكان. وهو ما أكد عليه الرسول (ص) ملخصا جوهر رسالته في مقولته الشهيرة التي جابت الآفاق: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. أما ما دون ذلك فهو متروك لاجتهاد البشر حسب بيئتهم وظروفهم وثقافتهم… وهو ما جسده الإمام الشافعي خير تجسيد، حين غير فقهه لما نزل إلى مصر قادما إليها من العراق، فكان أن اجتهد ووضع لمصر فقها يختلف عن الفقه الذي وضعه هو نفسه للعراق.

هناك من يريد أن يجعلنا نعيش عبيدا في ظل منظومة، يعلق فيها العقل في المشانق أمام الناس في الساحات، حتى لا يعلو بعد ذلك صوت على صوت النقل، لنظل متخلفين عن ركب الحضارة، حتى يسهل التحكم في مصائرنا وقيادتنا كالنعاج دون معارضة أو مقاومة. واستعبادنا لا يمكن أن يتحقق دون قتل روح الاجتهاد فينا وإرغامنا على العيش في جلباب قوم ماتوا منذ عشرات المئات من السنين، كانوا يركبون الحمير والبغال والإبل، وكانوا يحاربون بالسيوف، وكانوا يقضون حاجتهم في الخلاء.

فيما قال المحامي: زياد حمادي‏ مقالا حول الموضوع قال فيه 

الزاوية القانونية «لا اجتهاد مع النص» هي قاعدة مخادعة

إن النص القانوني الذي لايجوز معه الاجتهاد بحسب قاعدة ( لا اجتهاد مع النص ),هو النص الذي يكون قطعي الدلالة والثبوت , كأن تقول مثلا ( لايلاحق الفعل الواحد إلا مرة واحدة ) المادة /181/ عقوبات عام ، فعلى الرغم من صراحة هذا النص ووضوح معناه ومرماه الذي لايخفى على احد ، إذ أن الإنسان العادي

ذو الثقافة المحدودة بإمكانه تفسير هذا النص بكل يسر وبساطة فيقول لك أنه يعني عدم جواز محاكمة المجرم أكثر من مرة واحدة عن الجرم الذي أرتكبه ، أما إذا ارتكب جرمين ، مرة قام بالسرقة ومرة اقترف القتل ، فانه لمن البداهة أن يحاكم مرتين وان ينال عقوبتين ، عقوبة عن السرقة وعقوبة عن القتل لكن على الرغم من وضوح هذا النص وغيره من النصوص للقارئ ، فهي تحتمل الاجتهاد والتأويل مهما بدت دلالتها صارخة في البيان‏

إننا عندما نقول أن هذا النص صريح في دلالته وواضح في ثبوته ، فان هذا القول بحد ذاته هو اجتهاد ، بمعنى أن الاجتهاد ذاته هو الذي يحدد قطعية دلالة النص ونسبية وضوحه ، وثبوته أو ظنيته ، فالنص ذاته قد يكون نصا واضحا لبعض الناس ، وقد يكون غامضا أو مستشكلا على ناس آخرين ، نظرا لأن فهم النص ودلالته لايولد أساسا من النص ذاته ، إنما هو يولد و ينطلق من الأفق الفكري لقارئ النص ، مما يعني أن رفع شعار لا اجتهاد مع وجود النص هو شعار مضلل يهدف من حيث النتيجة إلى تقرير رأي رافع هذا الشعار ، بهدف استبعاد باقي الآراء , أي أن هذا الشعار في النهاية هو موقف استبدادي لا ينسجم مع قاعدة تبادل وجهات النظر وتعدد الأفكار , واحترام الرأي والرأي الآخر‏

في الحياة العملية والتطبيقات المهنية للنصوص القانونية ، نكتشف يوميا أمام المحاكم عدم مصداقية هذه القاعدة التي تقول “ لا اجتهاد مع النص “ لأن القاضي أو المحامي عندما يتصدى لك بهذه القاعدة , فهو لا يتصدى لك بها أولا بأول , إنما هو يقوم قبل ذلك بشرح وجهة نظره في الوقائع والأحداث منتقلا بشكل تدريجي من معنى إلى معنى آخر ، ومن دلاله إلى دلاله أخرى , يسير سيرا دقيقا في طريق أحادي شارحا ومفسرا الوقائع التي شكلت الحدث وهكذا حتى يصل في النهاية إلى المعنى المؤدي للامساك بقاعدة( لا اجتهاد مع النص) أي انه ينتهي بك إلى القول انه لايوجد رأي سوى رأيه ، ولا اجتهاد سوى اجتهاده أو تفسير سوى تفسيره‏

وعلى سبيل المثال فهو عندما يريد تقديم اجتهاده في النص القانوني آنف الذكر ( لايلاحق الفعل الواحد إلا مرة واحدة ) فهو يتدرج بشرح الواقعة محل النزاع شرحا يؤدي به إلى أن المدعى عليه أو المتهم قد عوقب سابقا على الفعل المنسوب إليه ، ثم ينتهي إلى القول انه لايجوز ملاحقة المدعى عليه ثانية ، لكنه عندما يشرح ويفسر الأحداث والوقائع لايقف على الجزئيات ، والتفرعات التي من شأنها الوصول به إلى عكس النتيجة أحيانا‏

وعلى سبيل المثال فالشخص الذي يُلاحق بجرم السرقة وتصدر المحكمة حكمها عليه بالبراءة ، فمن المفروض بحسب قول محامي الدفاع أن لايحاكم مرة ثانية على نفس الجرم آخذا بقاعدة (عدم جواز ملاحقة الجرم الواحد إلا مرة واحدة) إلا أن الأمر مختلف برأي محامي الادعاء الذي سيتمسك بمقولة : أن الاجتهاد القضائي أجاز ملاحقته مرة ثانية رغم محاكمته الأولى وصدور حكم البراءة عليه ،وإن ملاحقته الثانية تجوز عندما يتبين انه قد أخفى المسروقات التي كان سرقها ، ويعاقب بجرم إخفاء الأموال المسروقة ، لذلك ومن هنا نلاحظ أن محامي الدفاع عندما كان يسبر في طريق الشرح والتفسير كان قد تجاوز ـ عن قصد أو غير قصد – هذه الجزئية المتعلقة بإخفاء المسروقات مما حدا به للوصول إلى عدم جواز ملاحقة المدعى عليه ثانية ، والى انه قد فهم الواقعة المنطبقة على النص فهما دقيقا ، ثم انه منع تقديم أي اجتهاد تفسيري يخالف تفسيره واجتهاده‏

وعليه فإذا كانت النصوص أو الوقائع المادية ثابتة لم يطرأ عليها التبديل أو التغير فان هذا الثبات في الحقيقة يطال وجودها ، وتشكّلها ، ولا يطال عملية فهمها وتفسيرها الذي يبقى بحالة تحول وتحرك مستمر بين لبشر ، وهذا مايسهم في تفسير ميلنا إلى إلغاء عقوبة الإعدام ، هذه العقوبة الجائرة التي تجعل أصحابها يتمسكون أن لا رأيا سوى رأيهم ، ولم يقبض على الحقيقة كاملة سواهم ، ولا وجود لأي نسبة من الخطأ في أحكامهم .‏

نحن أمة النص.. هكذا قال لنا مشايخنا على مقاعد الدرس، ولا اجتهاد في مورد النص، وعلينا الاتباع، سمعنا وأطعنا، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.

ومع أن (إذا) هنا احتمالية ظرفية شرطية لما يستقبل من الزمان، وهي فيما يفترض مسائل نادرة تختص بالزمان والمكان والجيل الذي نزلت فيه، ولكن مشايخنا اعتبروها كافية لافتراض نص ما في كل صغيرة وكبيرة، في حلال أو حرام، في كل زمان وكل مكان، بحيث لا يسكت الشرع عن شيء!

ومع أن الرسول الكريم شرح بصريح العبارة أن الله أمر بأشياء ونهى عن أشياء وسكت عن أشياء، ولكن مشايخنا استنطقوا النصوص السواكت  بآلة القياس، ومنعوا عقولنا من التفكير والنظر، وأصبح من مزايا الشريعة أنها حسمت أمر كل شيء، وجاءت ببيان كل شيء، وأن نصوصها محجة بيضاء يجب اتباعها ولا يزيغ عنها إلا هالك.

ويباهى وعّاظنا بأن الإسلام حسم كل المسائل بظاهر النص أو بالقياس عليه، وفي هذا السياق وردت رواية الإمام مسلم عن سلمان. قال أنه قيل له “قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة قال فقال أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم

واعتبر مشايخنا أن قيام النبي الكريم بتفصيل مثل هذه الأمور لأعرابي بوال على عقبيه يعيش في الصحراء الحارقة الجافة قبل ألف وأربعائة، عام هو أمر ملزم لكل العصور والأزمان، وأن الخروج على هذه النصوص يعتبر مناكفة لله ورسوله، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

ما زلنا نستنطق النصوص حتى لم يعد الشرع يسكت عن شيء، وتحول سلوكنا الفقهي إلى منطق بني إسرائيل الذين كانوا إذا أرادوا ذبح بقرة، يحتاجون نبياً يسألونه ما لونها وما طولها وما عرضها وما هي؟ ولم تعد هناك حاجة لاستعمال العقل لأن النصوص جاهزة للإجابة على كل سؤال، والسعيد من اتبع والشقي من ابتدع، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

ولما كانت النصوص متناهية كما يعرف كل العقلاء، فقد اختار مشايحنا قياس الفروع على الأصل للعلة الجامعة بينهما، وأصبح للنص وكيل قانوني في كل زمان ومكان اسمه القياس، يعيد إنتاج الأحكام بناء على النص الأول.

وهكذا أصبح الكتاب والسنة والقياس منظومة تشريعية متكاملة تنتج الأحكام لكل عصر ومصر، وعبر القياس أصبح النص جاهزاً للفتيا في كل شيء، وزادت غربة العقل وتحول الاجتهاد المحمود إلى  ابتداع مذموم، وتم قطع دور العقل عن الاستبصار وأعيد إنتاج دلالات النص في كل مسألة حتى لم يعد في الفقه باب مسكوت عنه.

واشتد سلطان النص والقياس عليه حتى شاعت عبارات كثيرة تلبس ثوب الاتفاق التام: لا اجتهاد في مورد النص، من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، من قال في القرآن برأيه وإن أصاب فقد أخطأ، أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار…. وفي السياق إياه كان العقل هو الخاسر الأكبر، حيث تمت تنحيته عن الإبداع والنظر واقتصر دوره على التفسير والإشادة بالنص، ثم اختراع العجائب والإعجاز والمخاريق!!…

فهل كان هذا بالفعل هو واقع الرسول والخلفاء الراشدين من بعده؟؟….

قناعتي أننا أمة العقل، أو يجب أن نكون أمة العقل، وبتعبير آخر  إن الحضارة الإسلامية في العصر الذهبي تصرفت كأمة عقل وليس أمة نص، وتمكنت من منح النص مكانه في القداسة والطهر والترتيل نوراً يرشد وليس قيداً يأسر.

فهل نحن أمة النص؟

وهل كانت الأمة بالفعل في العصر الذهبي للاسلام تمتنع عن الاجتهاد وتذعن لرهبة النص حضوراً أو قياساً؟

الواقع يقول غير ذلك، ولدي سبعمائة مثال أن السلف الصالح من رسول وخلفاء راشدين تركوا حكم النص والتفتوا إلى حكم العقل، واعتبروا ذلك طاعة لله واتباعاً لرسوله.

–  حين طلب عمر بن الخطاب من أبي بكر أن يقوم بجمع القرآن رفض ابو بكر مستدلاً بعدد من النصوص التي تنهى عن جمع القرآن، وكان اعتراضه الأشد: كيف أفعل شيئاً لم يأمر به رسول الله، ولو كان فيه خير لأرشدنا إليه، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار….

ولكن الحوار توجه إلى الواقع الذي يفرض تدوين تراث الأمة مهما كانت النصوص تقول خلاف ذلك، وانتهى الحوار في النهاية إلى تأييد رأي عمر على الرغم من أن النصوص كانت كلها بخلاف ذلك: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، ذروني ما تركتكم عليه، تركتكم على المحجة البيضاء….

– وفي مثال آخر فقد ازدادت ظاهرة التمتّع في عهد عمر، وأصبح الحج ميعاداً لمن يرغب بمتعة النساء، حيث تعقد العقود المؤقتة للنكاح خلال أشهر الحج، حيث الحاج في راحة من رقابة زوجته الأولى الغافلة في وطنه، وهو في إجازة نسك وعبادة، وانتشر الأمر انتشاراً كبيراً حتى وصف جابر بن عبد الله المشهد بعبارة فاحشة مضمونها أنهم كانوا يستمرون في ممارسة المتعة بالنساء إلى يوم عرفة، ورأى عمر بن الخطاب أن هذا السلوك مسيء بالضرورة لنسك الحج الذي يفترض فيه الصفاء والطهر والتفرغ للعبادة وليس التفرغ للنساء.

قرر عمر تحريم المتعة، وعلى الفور تصدى له صحابة كثير، وتمت مواجهته بنصوص صريحة قاطعة لا شك فيها عن جواز المتعتين؛ متعة الحج ومتعة النساء، ولم يكن الذين واجهوه بالنصوص جاهلين أو مكابرين، أو أنهم ليسواً أصحاب اختصاص… لقد كانوا صحابة كباراً، وفيهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وآخرون، ولكنه رفض حججهم ومعاذيرهم، وحين طال الجدل صعد المنبر وقال لهم بشجاعة نادرة: (أقتبس من آخر سطرين) “متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالاً أنا أحرمهما وأعاقب عليهما”… وأعلن على  منبر الرسول أن ما كان على عصر الرسول لا يقاس عليه.

–  وفي موقف آخر حقق الفاتحون في العراق بوجه خاص مغانم أسطورية، وراح القادة الميدانيون يقسمون الغنائم على الفاتحين بواقع أربعة أخماس للمحاربين وخمس للدولة، وفق الآية: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول)

رأى عمر بن الخطاب هذا السلوك منافياً لمقاصد الإسلام في العدالة، وأمر على الفور بوقف هذا التصرف ومنع المحاربين من امتلاك الأرض والغنائم…

أغضب هذا الموقف كبار  الصحابة الذين رأوا فيه منعاً لحقهم في الغنيمة، وتمت مواجهة عمر بن الخطاب  بالنصوص الصريحة في وجوب قسمة الغنائم على  الفاتحين المحاربين، ولكن عمر لم يلفت إلى  ذلك كله، وظل يبحث عن مصلحة الأمة الحاضرة، ولا شك أن الكتاب  والسنة والقياس كان إلى جانب الصحابة الكبار الذين طلبوا قسمة الغنائم على الفاتحين بواقع ثمانين بالمائة ورد عشرين بالمائة فقط لبيت  المال، ولكن عمر رأى في دلالة النص الظاهرة تكريساً لتجار الحرب وتحول الجهاد إلى ارتزاق بالسيف، وهو عكس مقاصد الجهاد في حماية الأوطان وكرامة الإنسان.

وبعد اجتماع عاصف مع كبار الصحابة ومعهم الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والقياس أعلن عمر موقفاً لا لبس فيه: وأيم الله ليصلن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء، ولا يقسم في الفاتحين شيء بل تبقى الأرض لأهلها، إنها أرضهم عاشوا عليها في الجاهلية وقاتلوا عليها في الإسلام.

–   أما علي بن أبي طالب فقد حسم الأمر من البداية حين سأل الرسول الكريم سؤالا صريحاً:

“يا رسول الله: أحدنا ترسله في أمر أيكون كالسكة المحماة أم أن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب؟ قال: بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب… أنتم أعلم بأمور دنياكم”

لقد ابتكر الفقهاء الكبار لمواجهة القياس منهجين أساسيين وهما:

1- الاستحسان وهو اختيار أبي حنيفة

2- الاستصلاح وهو اختيار الامام مالك.

حتى الإمام الشافعي الذي ابتكر مصطلح القياس  ودافع عنه أشد دفاع، تطور فقهه في النهاية عبر مصدر الاستصحاب الذي صار في النهاية بقوة التاريخ وبرهانه موقفاً متمرداً على القياس، ومؤسساً لحكم العقل بمنطق البراءة الأصلية أو الإباحة الأصلية، وهو يعزز مبدأ المسكوت عنه الذي ناقشناه في هذه الحوارات.

متى نملك الجرأة للقول بأن العقل وليس النص هو ما ينبغي أن يقود الحياة، وأن النص نور يرشد وليس قيداً يأسر، وأن نصوص القرآن والسنة المقدسة محكومة بالزمان والمكان، وهي أداة إلهام وليست نصوص إلزام، وأنها في النهاية نصوص محكومة بظروفها، وليست بالضرورة نصوصاً سرمدية تغيب رسالة العقل وتلغي الإنسان، وأن الكلمة المفتاحية الذهبية لبناء الحياة هي تلك التي قالها رسول الله: أنتم أعلم بأمور دنياكم.

 [لا اجتهاد مع النص]   =أطفئ سراج عقلك واتبعني
 [لن ينصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها]=التقليد الاعمى للسلف
*************************
أطفئ سراج عقلك واتبعني

هكذا يقول الفقهاء لك ……لكن بصور شتى تحمل الكثير من الفتنة، وهم يقولونها دون تصريح فصيح، لكنهم يقولونها لك ضمنا……فتجدهم يقولون [لا اجتهاد مع النص] وهي عبارة باطل أريد بها باطل، ويقولون [لن ينصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها] بما يعني أنهم يطلبون منا تقليد السلف.

فلقد أمرنا الله بالاجتهاد مع النص القرءاني بحسن تدبره وفق آليات المعرفة لكل جيل، لذلك فإن صلاحية القرءان لكل زمان ومكان لا تكون في ثبات كلماته لكن في ديناميكية فهمه، وهذا هو الاجتهاد مع النص…..لذلك كنت دوما أقول بأن القرءان يتمتع بثبات النص مع ديناميكية المحتوى.

فيقول تعالى وهو يريد منا أن نجتهد مع النص: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }ص29.

واستنباط الأحكام نوع من أنواع الاجتهاد مع النص أمرنا به مولانا سبحانه قائلا: { …. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ …. }النساء83.

فالاستنباط هو مهمة رسول الله والمجتهدين من الأمة، وهو أيضا اجتهاد مع النص القرءاني.

لكن الفقهاء ـ سامحهم الله ـ أرسوا قواعد الكسل والبعد عن دلالات آيات الله بوضع مثل تلك الشعارات التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

وما خط الله شروطا للاجتهاد مع النص، لكن الفقهاء وضعوا شروط الاجتهاد بما تتعرقل معه مسيرة التدبر التي أمرنا الله بها…..بل لقد قالوا عن ألفاظ السُنَّة بأنها نص لا يجوز الاجتهاد معه….. وقالوا عن كتاباتهم بأنها نصوص لا يجب الاجتهاد معها…. وهكذا قاموا بتكبيل أمة محمد فكريا.

وعودة إلى النص الحقيقي وهو القرءان فهناك فرق بين تدبر القرءان واستنباط الأحكام، لكن كلا الفرعين إنما هما اجتهاد مع النص أراده الله للأمة، بينما أراد الفقهاء تخويف الأمة من التفكر.

تماما كما قاموا بتخويفنا من مس المصحف إلا بوضوء فعرقلوا وعسّروا التلاوة فيه بهذا الشرط الذي نبع من عدم فهمهم لقوله تعالى :

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ{77} فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ{78} لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ{79}}الواقعة.

فتصوروا بأن المطهّرون يعني المتوضئون، بينما أراهم لم يفرقوا بين كلمتين ولو فرقوا بينهما لكان الأمر يسيرا على الأمة [المطهرون ــ المتطهرين].

فالمطهّرون هم الملائكة ….والكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، بينما المتطهرين هم البشر، والقرءان الذي بين أيدينا ليس كتابا مكنونا لكنه كتاب منشور؛ والقرءان الكريم المنشور بيننا موجود أيضا باللوح المحفوظ المكنون الذي لا يمسه إلا الملائكة المطهرون الذين خلقهم الله أطهارا.

وهكذا يكون اجتهادهم واجتهادي واجتهاد أمثالي، ولن يدخل أحدنا النار لأنه اجتهد …….ولن يعاقب الله أحدا اجتهد …وعليك بالمشورة والاجتهاد.
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي

وفي موقع إسلام ويب نعرض هذه الإجابة على السؤال أدناه عن الاجتهاد 

لماذا لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل كتحريم الخمر والربا؟ وما معنى قطعي الثبوت والدلالة ؟ وإذا قلتم لا يجوز لأن النص صريح ، أقول لكم : لكن بعض الأمور أمر النبي بها كالاختضاب لكن الصحابة حملوها على الاستحباب. فما الفرق إذن ؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: 

فالاجتهاد إنما يكون عند عدم الدليل الصريح.

 قال ابن القيم رحمه الله:  فصل : في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص وذكر إجماع العلماء على ذلك.

 قال الله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا).[الأحزاب:36]. و ذكر جملة من الأدلة: قال عمر بن عبد العزيز :” لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ” . قال الشافعي : “أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. إعلام الموقعين.

فإذا علمت هذا عرفت المعنى الذي بسببه منع الاجتهاد في الخمر والربا، فقد دل على تحريمهما الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وحرمتهما معلومة من الدين بالضرورة ومنكرها كافر.

ثم عبارة قطعي الثبوت والدلالة يمكنك أن تراجعي في معناها فتوانا رقم: 50153.

وفي خصوص ما ذكرتِه من أمر الاختضاب فإنه لا يتعارض مع ما ذكر؛ إذ الأصل في الأمر من الشارع أنه للوجوب، لكن إن وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب حمل على ما دلت عليه القرينة من ندب أو إباحة أو غير ذلك، ومثال ذلك الأمر بالوتر، في قوله صلى الله عليه وسلم: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر. رواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه.

فقد ثبتت القرينة المفيدة لصرفه عن الوجوب حيث دل حديث آخر على أن الصلوات لا يجب منها غير الخمس، وذلك في حديث الرجل الذي جاء يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. متفق عليه.

قال الباجي في المنتقى: وهذا نص في أنه لا يجب من الصلوات غير الصلوات الخمس لا وتر ولا غيره.

وقد يكون الأمر للإباحة كما في قول الله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. {المائدة:2}.

والله أعلم.

شاهد أيضاً

تعرف على اشكالية كتاب نقد الخطاب الديني – نصر حامد أبو زيد

لتحميل كل مؤلفات ناصر حامد أبو زيد : اضغط هنا عن المؤلف: نصر حامد أبو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *