الانسحاب المفاجئ للقوات الحكومية العراقية من القتال، بعدما جعلت مسلحي تنظيم الدولة في وضعية دفاعية كما تواردت الأنباء من المدينة، يجعل الأمر محل تساؤلات عدة؛ فالقوات الحكومية العراقية كانت مدعومة من التحالف الدولي على داعش الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي وفر لها غطاء جوي، إذ تشير مجلة “فورين بوليسي” أنه تم تنفيذ 165 ضربة جوية في الرمادي خلال شهر واحد دعمًا للقوات العراقية في حربها ضد تنظيم الدولة بالمدينة، ورغم ذلك انسحبت القوات العراقية بشكل مفاجئ ودون مبرر تاركة الأرض لتنظيم الدولة.

فهذه الهزيمة الغريبة التي منيت بها القوات العراقية للمرة الثانية أمام تنظيم الدولة، جعلت مجلة “سترايبس” التي تصدر عن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، تؤكد أن هزيمة القوات العراقية في معركة الرمادي تعد الأسوأ منذ دخول داعش إلى العراق وسيطرتها على الموصل، وقد وصفت المجلة سقوط الرمادي بالكارثة العسكرية، بعدما وفرت الولايات المتحدة للجيش العراقي كافة المعدات العسكرية المطلوبة والغطاء الجوي للحرب، في المقابل تخلت الوحدات الخاصة العراقية عن هذه المعدات الأمريكية تاركة إياها غنيمة لعناصر تنظيم الدولة كما حدث في الموصل.

إذ تقدر الولايات المتحدة أن ثمة أكثر من ٣٠ مدرعة هامفي أمريكية، أرسلت كتعزيزات للقوات العراقية الحكومية، هي الآن بيد تنظيم الدولة الإسلامية في الرمادي، بعدما فرت القوات الحكومية أمام مقاتلي داعش بصورة غريبة، وفق ما أوردت المجلة.

هذا الاعتراف الأمريكي من جانب البنتاجون، جاء بخلاف تصريحات مورين شومان، المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأمريكية، والتي قالت فيها إن “الوضع في الرمادي مائع ولايزال محل تنازع”، بالرغم من تأكيدها أن مسلحي داعش يتقدمون في المدينة، وأن البنتاجون يتابع التقارير بشأن القتال هناك، ولكنها تشير أنه من السابق لأوانه إصدار بيانات قاطعة بشأن الوضع على الأرض هناك في الوقت الحالي.

هذه التصريحات تؤكد إلى وجود تريث في الموقف الأمريكي لمحاولة فهم ما حدث بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين خسارة تكتيكية ليس إلا، وسيتعين على الولايات المتحدة دعم حكومة بغداد لاستعادة الرمادي كمعركة تكريت ولكن بعد ذلك، ولكن من الضروري في وجهة نظرهم معرفة كيف حدثت هذه الهزيمة مرة أخرى بهذه الصورة.

فيما أمر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الحشد الشعبي بالاستعداد للمشاركة في عمليات تحرير المحافظة، وهو ما يراه البعض بيت القصيد بالنسبة للعبادي، فبينما تضغط الولايات المتحدة على العراق لتنحية الحشد الشعبي من الصورة، تسقط الرمادي ويكون أول استدعاء للحكومة العراقية هو استدعاء للحشد الشعبي للمشاركة في استعادة المدينة، فبذلك الأمر حافظ العبادي على تواجد الحشد الشعبي على الأرض، كما أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حكومة العبادي في مسألة الدعم العسكري.

هذا التوازن الذي تريده إيران ومن خلفها العبادي في العراق، يشرعن تواجد قوات الحشد الشعبي على الأرض، في المقابل تسعى الولايات المتحدة لإنشاء قوات سنية تكون بعيدة عن الجيش وتساعد في الحرب على داعش، لعدم قصر الأمر على قوات الحشد الشيعية فقط، ولإحداث نوع من التوازن على الأرض، ولكن هذا الأمر لم يحدث حتى الآن، والواقع يقول إن قوات الحشد الشعبي ستخوض معركتها الثانية بعد تكريت التي نجحت في تحريرها، وإذا نجحت في تحرير الرمادي، فلن تستطيع الولايات المتحدة تنحيتها من المشهد بحسب رغبة العبادي.

فقد أعلن مجلس محافظة الأنبار، عن تسليح الجيش العراقي لألف مقاتل من أبناء العشائر المتطوعين ضمن الحشد الشعبي، مبينًا أن هؤلاء المتطوعين سيشاركون بعمليات عسكرية إلى جانب القوات الأمنية لتحرير مدينة الرمادي، حيث قامت حكومة العبادي بتسليح فوجين من مقاتلي أبناء العشائر المتطوعين بالحشد الشعبي، بعدما أنهوا تدريباتهم على مدى ثلاثين يومًا في معسكر الحبانية، شرق الرمادي، أي ما يعني أن الحكومة العراقية تستعد لهذا قبيل سقوط الرمادي من الأساس، ويبلغ تعداد المقاتلين في الفوجين قرابة 1000 مقاتل، وجميعهم من عشائر الرمادي.

المقاتلون تلقوا تدريبات على يد جنرالات من القوات الحكومية على مختلف أساليب القتال، وأهمها حرب المدن لمواجهة تنظيم الدولة الذي يجيد هذا النوع من القتال، في حين أكدت الحكومة أن المتطوعين سيشاركون بعمليات عسكرية إلى جانب  القوات الأمنية والحشد الشعبي، التي وصلت الأنبار بالفعل لبدء معركة تحرير الرمادي، يأتي ذلك بالتزامن مع زيارة لوزير الدفاع الإيراني إلى بغداد، وينتظر من إيران تقديم كافة سبل الدعم لإنجاح هذه المهمة، التي من شأنها أن تعزز من تواجد قوات الحشد الشعبي الشيعية على الأرض، والتي من المنتظر أن تقاتل بشراسة أكبر لإثبات أنها الوحيدة في العراق القادرة على التصدي لتنظيم الدولة كما تريد حكومة بغداد.

يُذكر أن لمحافظة الأنبار وعاصمتها الرمادي أهمية إستراتيجية كبرى بالنسبة لتنظيم الدولة وحكومة بغداد على حد سواء، فمحافظة الأنبار التي تشكل نحو ثلث مساحة العراق، وتتاخم ثلاث دول عربية هي سوريا والأردن والسعودية، كانت أكثر المحافظات العراقية مقاومةً للاحتلال الأمريكي منذ بدايته قبل 12 عامًا، والآن تعاني من ضعف في تسليح العشائر مما سهل اقتحامها والسيطرة عليها من قِبل تنظيم الدولة.

في حين يبدي عراقيون قلقهم من سيناريو سقوط الرمادي بيد تنظيم الدولة بعد يومين من الاشتباكات الضارية في المدينة، على الرغم من وجود أكبر قاعدة أمريكية وهي قاعدة (عين الأسد) بمحافظة الأنبار، ما يفسره البعض أن المحافظة سقطت بتواطؤ ما بين الأطرف في العراق.

المصدر نون بوست

من جانب آخر اعتبر مسؤولين بوزارة الدفاع العراقية أن المعطيات على الأرض كانت تفيد بأن داعش انسحب من بعض المناطق المهمة بالمدينة، لكنه عاد مرة أخرى وبهجوم كبير مباغت ليسيطر على كامل الرمادي.

واضاف المسؤولين حسب مواقع صحفية “ممولة”

أن إستراتيجية التنظيم في السيطرة على الرمادي -وفق مصادر أمنية فضلت عدم الكشف عن هويتها- اقتصرت على دخول المئات من مقاتلي التنظيم إلى الجزء الشمالي من الرمادي، بعد تفجير عدد كبير من العربات المفخخة منذ صباح الأحد، مما أرغم قوات الأمن العراقية ومقاتلي العشائر على الانسحاب إلى الجزء الشرقي من المدينة.