الخليج

أثمن من الذهب!..اكتشف ماقدمته ويكيليكس من فضائح تمويل سياسيين وقنوات فضائية في الساحة العربية

By nasser

June 20, 2015

ابراهيم الأمين

حالة الإعلام، مع النافذين في سلطات المال والأعمال والأمن والعسكر والدين والعقائد، يمكن اختصارها بمثل شعبي هو: «شيئان لا يمكن أن تعرف عنهما، موبقات الأغنياء، وموت الفقراء». وهذه معادلة تظل قائمة ما دام لا يمكن من يمثل حقه كفرد، أو ينطق باسم الحق العام، أن يحصل على وسيلة لإعلان ذلك. «ويكيليكس» تعني أمراً واحداً: قدرة مجموعة من الأفراد على انتزاع حق التشهير بموبقات الأغنياء وأهل السلطة والجاه، وإعلان قهر الفقراء والمظلومين.

لنا في «الأخبار» تجربة مع الأمر. ليس بتعاوننا المفتوح مع منظمة «ويكيليكس» فقط، بل في أننا انتزعا حقاً، صحيح أن هامشه لا يزال ضيقاً، لكنه صار حقاً مكتسباً في عقل الرافضين قبل الراغبين. وهو حق التشهير بمن يخالف أصول الحياة، وبمن يقتل ويسرق ويعتدي وكأنه يفعل ذلك في ليل لا يراه أحد. وحق التشهير مطلق، وما يضبطه هو ألا يتحول التشهير إلى سبب في فوضى أكبر من تلك التي سبّبها القابضون على أرواح البشر بيننا. وهذه ضوابط لا يمكن إيرادها في كتاب أو دليل، هي عملية اختيارية، تستند إلى رؤية الطرف الذي ينوي التشهير بالآخرين. وما وفرته «ويكيليكس» لنا ولغيرنا، هو المستند الذي يؤكد ما نعرفه بطرق أخرى. اليوم، نتعاون مع «ويكيليكس» في مراجعة ونشر مجموعة من الوثائق العائدة إلى وزارة الخارجية السعودية. وهي تتناول ملفات كثيرة، في الأمن والسياسة والإعلام والاقتصاد والعلاقات بين الناس وبين الدول. لكن سمتها العامة تعكس، لدى السلطة السعودية، «قلقاً» مرضياً على الصورة والسمعة. يمكن مَن سيتاح له الاطلاع على هذه الوثائق، أن يدرك حقائق ثابتة:

ــ أن سلطة آل سعود قائمة بقوة الحديد والنار والمال. وأنها سلطة تريد كمّ الأفواه حيث أمكن، لا تقف عند حدود جغرافية ولا عند خصوصيات دول أو شعوب، ولا تهتم لثقافات أو تنوع. كل ما يهمها، هو أن تمنع أي نقد لحكامها أو سياساتها، أو لما تقوم به في السر أو العلن.

ــ أن مؤسسات مملكة القهر لا تزال بدائية، ليس فيها من هيكلية واضحة، ولا أي نوع من المهنية؛ وليس فيها أولويات أو تنظيم إداري دقيق، وليس لها مرجعية ثابتة. وكل من يقع تحت نطاق عمل هذه المملكة يتصل أولاً وأخيراً بالعائلة الحاكمة. ولكن، ليس لأي موظف في مؤسسات هذه الدولة أن يأتي على ذكر أمير أو أميرة بغير المدح والحمد.

ــ أن قوائم تضم المئات من المؤسسات والأشخاص الناشطين سياسياً وإعلامياً تظهر استعداداً كبيراً جداً للحصول على دعم هذه المملكة. وأن لديها جيشاً مستعداً للعمل لديها كمخبرين، وليس مهماً إن قال هؤلاء كلاماً صحيحاً أو مفبركاً، المهم أن يسمعوا المملكة الكلام الذي يناسبها. ولهم مقابل ذلك كيس من الدنانير.

ــ أن مملكة القهر مهجوسة بمن قررت هي أنهم خصومها، داخل البلاد وقربها وفي المحيط والعالم البعيد. وثمة قاعدة طائفية ومذهبية مقيتة يلجأون في غالب الأحيان لاستخدامها في سياق التجنيد أو التحريض.

ما ستنشره «الأخبار»، هو ما أمكن الوصول إليه كوثائق كاملة. وثمة بحث قائم في عشرات آلاف الوثائق غير المؤرشفة بطريقة سليمة. وسننشر ما نعتقد أنه مناسب للكشف عن عقل هذه السلطة، وعن نوعية المستفيدين منها، وسنتمنع، لأسباب تخصنا، عن نشر مئات الوثائق التي تطاول الجوانب الشخصية وحتى المالية والحميمية للكثير الكثير من الذين يمكن تسميتهم «زوار السفارة».

الحريري وداوود الشريان

رئيس الوزراء السابق سعد الحريري «مستاء»، وكعادته يشكو استياءه لوطنه الأم. سبب انزعاج الحريري هذه المرّة، ما يكتبه صحافيون ضده في صحف سعودية بارزة. الحريري حمل معه نسخاً عن تلك المقالات الى السفير السعودي في بيروت وأبرزها بقلم داود الشريان في «الحياة» وعبد الرحمن الراشد في «الشرق الأوسط»، وكما تشير برقيتان حول هذا الموضوع يبدو أن الحريري سمع من خصومه وأتباعه كلاماً يغمز من قناة علاقته بالمملكة، ويثير التساؤلات حولها، وخصوصاً أن المقالات التي تنتقده نشرت في صحف سعودية. أما ردّ السفارة في بيروت على شكاوى الحريري، فكان أنها ترى أن «من المناسب وقف مثل هذه الكتابات التي لا تخدم الأهداف المنشودة للمملكة»، فيما رفع وزير الخارجية سعود الفيصل إحدى شكاوى الحريري الى الديوان الملكي.

عندما خرج الزميل وليد عبود قبل نحو شهرين معتذرا من السعودية عن استضافته شخصيات معارضة لها على شاشة «مرّ تي في»، تساءل الناس عن سبب هذا السلوك المتناقض مع «الحرية والكرامة والسيادة»… اليكم التفسير

تمويل MTV 

صباح أيوب

أن يجتمع مندوبون من وزارة الخارجية ووزارة المالية ووزارة الثقافة والإعلام ومن الرئاسة العامة للاستخبارات في المملكة العربية السعودية كي يدرسوا مشروعاً إعلامياً ثم أن يأتي «قرار سامٍ» ملكي بالموافقة على تمويل المشروع بملايين الدولارات شرط التزام قواعد معينة… فهذا يدلّ على الجدية والخطورة التي تتعاطى بها المملكة السعودية في ما يتعلّق بخططها الإعلامية الخارجية.

اجتماع قمّة جمع اللجان المذكورة أعلاه عقد قبل ٣ أعوام أقرّ فيه آل سعود تمويل محطة تلفزيونية لبنانية «تعاني من ظروف مالية صعبة». ملايين الدولارات لقاء تنفيذ تعاليم النظام السعودي وخدمة مصالح المملكة وسياستها، هذا ما اشترطه صراحة الأمراء السعوديون مقابل تمويل محطة «إم تي في» MTV اللبنانية عام ٢٠١٢ كما تبيّن الوثائق المسرّبة من وزارة الخارجية السعودية. «نريد أن تكون المحطة في خدمة المملكة إعلامياً وتقنياً»، «على الـ»إم تي في» أن تخدم المصالح السعودية»، «سندفع مليوني دولار سنوياً وليس كامل المبلغ المطلوب» هكذا أمر آل سعود مالك المحطة حسبما تشير وثائق «ويكيليكس» التي لم يظهر فيها أي رفض أو نقاش يذكر من قبل رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال غبريـال المرّ. هكذا، وفي اجتماعات «سرية جداً» في الرياض ومراسلات «سريّة وعاجلة» بين السفارة السعودية في بيروت وميشال المرّ والمملكة، وضع المرّ محطته «إعلامياً وتقنياً وسياسياً» بين أيدي النظام السعودي لقاء دعم مالي أقلّ بكثير مما رَغِب. أربع وثائق صادرة عن الخارجية السعودية تؤكد كيف رهن المرّ محطته «اللبنانية المستقلة» للقرار السعودي. المرّ طلب في بداية الأمر ٢٠ مليون دولار من المملكة، لكنّ السعوديين وافقوا على مليوني دولار مقسّطة على سنتين ومرفقة بلائحة شروط ومطالب أهمها: «التزام القناة توظيف إمكاناتها الإعلامية والتقنية لخدمة المملكة، وذلك عبر رسائل إعلامية واضحة» و»الطلب من المحطة المقارعة والتصدي للإعلام المعادي للمملكة»، كما تشير إحدى وثائق الخارجية المسرّبة. طلب المرّ ٢٠ مليون دولار، لكنّ المملكة خفضت المبلغ مندوبو وزارات الخارجية والإعلام والثقافة والاستخبارات السعودية كُلّفوا، بناءً على قرار سامي ملكي، دراسة مشروع التمويل في أيار ٢٠١٢، كما تظهر إحدى الوثائق. هؤلاء أوصوا بالموافقة على التمويل ما دام «الدعم الموجّه إلى أي وسيلة إعلامية خارجية ينبغي أن يخدم سياسة المملكة ومصالحها»، لكنهم تحفّظوا على المبلغ الذي طلبه المرّ (٢٠ مليون دولار) واقترحوا «٥ ملايين دولار كمبلغ مقطوع». المجتمعون طالبوا أيضاً بأن يكون هناك خطّة عمل تلتزمها القناة اللبنانية بهدف «خدمة قضايا المملكة ومواجهة الإعلام المعادي لها في لبنان وغيره» من البلدان. طلبت الرياض من سفيرها في بيروت أن «يجتمع بالمسؤولين عن القناة وأن يتوصّل معهم إلى اتفاق وخطة عمل تخدم مصالح الطرفين». وهكذا كان، فأرسل المرّ عبر السفارة السعودية في بيروت «خطّة العمل» إلى الرياض مع طلب استعجال بصرف الأموال من قبل السفير «نظراً إلى ما تعانيه المحطة من ظروف مالية صعبة»، كما ظهر في وثيقة مسرّبة. وافق الأطراف جميعهم (بمن فيهم الاستخبارات السعودية) على خطة العمل، وعلى أن يقبض المرّ الأموال، على أن يكون الدعم المالي مصحوباً بتقويم مدى التزام القناة «خدمة قضايا المملكة»، تشير برقية وزير الخارجية سعود الفيصل. عندما أعيد إطلاق «إم تي في» في نيسان ٢٠٠٩ بعد إقصاء سياسي جائر، «هجمت» المحطة على الساحة الإعلامية رافعة شعاري «الهوية اللبنانية» و»الاستقلالية»، وكررتهما في حملاتها الإعلانية وفي ردود مسؤوليها على أي اتهام بتمويل خارجي حينها. «Mtv ستبقى صوت لبنان الحر في خدمة جميع اللبنانيين… لن تكون مرتهنة لأحد، فمعركة الحفاظ على حرية الـ»أم تي في» كي تبقى هويتها لبنانية وخطابها لبنانياً كانت صعبة للغاية لأننا لم نقبل يوماً ولن نقبل على الإطلاق أن نساوم على استقلاليتنا»، هذا ما قاله رئيس مجلس إدارة المحطة اللبنانية في نيسان ٢٠٠٩. ثم جاءت الحملة الإعلانية التي رفعت شعار «إم تي في مش لحدا».. ثم جاءت وثائق «ويكيليكس» السعودية… ربما بات بإمكان الإعلان أن يضيف: «إم تي في مش لحدا… إم تي في لآل سعود»!

نقيب الصحافة للملك: رفضتُ إغراء إيران… أنا مديون!

عام ٢٠١١ كان نقيب الصحافة اللبنانية الحالي، عوني الكعكي، رئيس تحرير جريدة «الشرق». والكعكي، كغيره من قدامى أصحاب المهنة في لبنان، يعرف جيداً كيف يتعامل النظام السعودي مع الإعلام، ويدرك إمكانية أن يتحوّل هذا النظام الى مصدر تمويل مغدق وسهل. لكن الكعكي كان خلّاقاً وابتكر وسيلة «ذكية» في طلب المال من المملكة كما تشير إحدى برقيات الخارجية السعودية. اختار النقيب أن يضرب على وتر «إيران ــ حزب الله»، فأرسل الى خادم الحرمين الشرفين رسالة عبر السفارة السعودية في بيروت ينبّهه فيها إلى أن «إيران تمدّ حزب الله بمليار دولار سنوياً، وأنها صاحبة مشروع خطير يطاول لبنان والمنطقة برمتها مع إسرائيل».

لكن الكعكي حرص على التأكيد للملك أنه صاحب موقف ثابت وعنفوان، إذ إنه «رفض العروض المغرية المقدّمة له من قبل سوريا ـ قطر ـ إيران». طبعاً، لم يفت رئيس التحرير السابق أن يشير لـ»صاحب السمو» بأن صحيفته «تعاني من تراكم ديون تجاوزت ثلاثة ملايين دولار»، فما كان من الخارجية والسفارة السعودية في بيروت إلا أن قررتا دراسة «طلبه».

المصدر: الاخبار: العدد ٢٦٢٠ السبت ٢٠ حزيران ٢٠١٥