الرئيسية

تعرف على دليل المبتدئين في صناعة المستبدين ..وكيف تتم “حيونة الإنسان” وتدجينه؟

By nasser

February 18, 2016

دليل المبتدئين في صناعة الدكتاتور وصفي عبد المولى – كاتب ومهندس معماري من سوريا

في كتابه “حيونة الإنسان”، يقدم لنا ممدوح عدوان (1941 – 2004) نجد سردًا لعملية تغيير الإنسان إلى حيوان، حيث يكون الأكثر خطورة في هذا التحول هو تغير البنية العقلية الداخلية، إما لاستعباده أو ليكون أداة لاستعباد غيره.

في بعض الأحيان يصل السجان إلى نسيان سبب التعذيب، فيصير إنزال الألم بالسجين هدفًا ووسيلة وغاية

كيف يتم التحويل؟ يبدأ عدوان حديثه عن “التعود”، فالإنسان حين يشتم رائحة مزعجة فإن جملته العصبية كلها تتنبه وتعبر عن انزعاجها، لكن بعد فترة من البقاء سوف تخف الرائحة، ويومًا بعد يوم لن تشم هذه الرائحة. تخيّل دخولك إلى سوق النحاسين مثلًا، إن الضجة في البداية سوف تثير أعصابك كثيرًا، لكن تخيل القاطنين في ذلك الحي، أو حتى النحاسين أنفسهم الذين تعودوا على هذه الضجة. السبب أن الشعيرات الحساسة والأعصاب في الأنف والأذن قد ماتت. إذن، تصوّر حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا! كم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني حتى تعودنا وأصبح الإذلال شيئًا طبيعيًا؟

من قمع الطفل في بيته، إلى قمع الأستاذ لرأي التلميذ، إلى قمع الرجل زوجته، وصولًا إلى الشرطي الذي يقف عند الزاوية رافعًا رايته لمخالفة حتى الطائرات. لماذا هذه السلطوية؟ من أين له هذه الجرأة؟ ويأتيك من يتساءل أنه كيف يمكن لإنسان أن يقتل إنسانًا مثله ويعذبه حتى الموت؟ أنت تسارع حين ترى جثة إلى دفنها لأن الطبيعة البشرية لا تستطيع رؤية الموت والتفسخ، لكن كيف يتم التعذيب؟ في السجن يقوم السجان بضرب المعتقل لأخذ الاعترافات منه، لكن في بعض الأحيان يصل السجان إلى نسيان سبب التعذيب، فيظل التعذيب هدفًا ووسيلة وغاية لا تهم مهما اختلق المعتقل بعدها من أكاذيب لينتهي من العذاب.

“من أجمل الشهادات التي يقدمها عدوان هو ما يرد في رسالة مايرخولد الى مولوتوف قبل إعدامه: “وجدت نفسي منفصمًا إلى شخصين: الشخص الأول يحاول أن يعثر على أثر للجرائم التي يتهم بها فلا يجد، والشخص الثاني يخترع الجرائم حين يعجز الشخص الأول على اختراعها، وفي هذا المجال كان ضابط التحقيق يقدم لي عونًا لا يقدر بثمن حين رحت أنا وهو نخترع معًا في عمل ثنائي ناجح”.

“نفذ ثم اعترض”.. إن الطيار الذي يتلقى أمرًا بقصف قرية لا يسأل عما إذا كان ما يفعله صحيحًا، بل لا يرى بأنه مذنب، فهو ينفذ الأمر ليس غير. تذكر الكاتبة اللبنانية جنى الحسن في روايتها “طابق 99” خلال حديثها عن مجزرة صبرا وشاتيلا: “كانوا يقولون لنا أن نقتل وكنا نفعل”.

لا يمكن للمجتمع الديمقراطي أن يقوم إلا على أساس مواطنين لا يتهاونون في حقوقهم ولا يخافون في طلبها كيف تحدث كارثة المجازر الجماعية؟ يشرح عدوان هذه الآلية باستفاضة، يتم توزيع المهمات والمسؤوليات، هنالك من يقوم بعمليات الاعتقال، وآخرون بالتجميع، وغيرهم بنقل المعتقلين بالسيارات، وغيرهم بحراسة معسكرات الاعتقال، فكل منهم لا يحس أنه ينفذ مجزرة أبدًا، كل ما عليه فقط هو تنفيذ الأمر المحدد الذي صدر إليه. حين تأتي أخيرًا مهمة القتل النهائية ستكون هناك مجموعة مدربة من العتاة الذين لا يصعب العثور عليهم وتدريبهم.

توزيع المسؤوليات يخفّف نصيب كل فرد من الجريمة، وهذا ما حصل في مجزرة “صبرا وشاتيلا” 1982.

لم يكن الإنسان تاريخيًا ميالًا إلى السلم، ولا للحفاظ على حياة الآخرين، فكيف به الآن مع إنتاج مصطلحات خاصة للإبادة عن بعد، وعدم تلويث الأيدي بالدماء في ظل سياسات مثل “سياسة الأرض المحروقة”. حماية الهيئات الدولية تصل إلى حماية الأفراد من حكوماتهم، والأقليات، وحماية التلاميذ من أساتذتهم، والأبناء من أهلهم، والزوجات من أزواجهن، لماذا يحصل كل هذا؟ إن منفذ القتل والتعذيب بعد شحنه بأفكار خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة، وهذه الأفكار لا تعمل بشكلها الصحيح إلا اذا تم إقناعه بأنه لا يتعامل مع بشر مثله، فيقوم المستعمر بتدعيم هذه الفكرة عند احتلاله بلدًا ما، إذ يجردهم من إنسانيتهم، وترى في قاموسه عبارات استئصالية مثل: “زحف العرق الأصفر” و”قطعان الأهالي” و”حيوانات الشوارع” و”تفريخ السكان”، وهذا كله لإثبات أنهم أدنى مرتبةً وأنهم أنصاف بشر أو حيوانات.

السادية السرية والاستمتاع بالدماء والقتل والذبح، وتجارة الأفلام التي تسوق فن التعذيب وزرع اعتياد القتل، رغم أن جميع البلدان لا تسمح بتسويقها، أي أنها لا تعترف بأن الناس لديها يستمتعون بهذي الوحشية الدموية، لكن هذه التجارة قائمة، ويتم من خلالها ربح المليارات. ولا يستطع الإنسان المعاصر تفادي ذكرياته عن الحفلات التي أغرقت مدرجات روما بالدماء بألعاب القتال، وعقوبات الإعدام التي كلما كانت بطيئة كلما زادت متعة المتفرجين، فالغريزة الحيوانية موجودة وتنمو يومًا بعد يوم.

كذلك يأتي اكتساء العنف طابعًا دينيًا، عبر فكرة القربان والأضحية المصبوغة بالقدسية، ليلعب دورًا جوانيًا في تعزيز هذه النزعة. ولا ننسى أن الفراعنة كان يلقون بالبشر في النيل، كما كان اليونانيون يضحون بفتياتهم قبل الخروج إلى الحرب، وإلى الآن ما زال المذبح موجودًا، وقد بات من العناصر المعمارية الأكثر أهمية في الكنيسة، ولو رمزيًا.

الكواكبي: “من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا؟” يشير عدوان إلى الخوف ومدى تأثيره في التّسلط، فالإنسان الذي زرع الخوف فيه عميقًا يشجعُ كل من حوله على التطاول عليه، لذا فإنه لا يمكن للمجتمع الديمقراطي أن يقوم إلا على أساس مواطنين لا يتهاونون في حقوقهم ولا يخافون في طلبها. ثمة علاقة طردية تقول بازدياد القمع كلما زاد الخوف، ما يعني أن النظام القمعي لا يهمه وجود البشر ولا تطورهم، فكل ما يريده هو نوعين من الحيوانات: إما أرانب وفئران خانعة، أو ذئاب شرسة تقمع غيرها باسم السلطة.

وجود المتنمرين “الشبيحة” أو “البلطجية” في المجتمع أساس لقيام مثل هذا النوع من السلطة، فهم ينقلون زنزاناتهم معهم أينما ذهبوا، ويحولون المجتمع إلى زنزانة واسعة تحيط بالمجتمع المذعور. يقول عبد الرحمن الكواكبي: “يصير الإنسان مستبدا صغيرا في كنف المستبد الكبير”.

يزداد عنف المتنمر مع ازدياد خوف الطرف الآخر، ويتنوع المتنمر بين المجتمع والعشائر والوظيفة والعائلة. ففي الوظيفة مثلًا، لا يمكنك إلا العيش مجاورًا للجدار تطلب السترة والأمان، لأن التهمه جاهزة للالتصاق بك في أية لحظة من أحد المتنمرين، هكذا يختلط الوضع بين أداء الواجب وتنفيذ القانون والمصالح الشخصية، ويتداخل الواجب بالتطاول، وفي ظل هذا الخوف والقمع تظهر فكرة “التفكير المزدوج” التي جاء بها جورج أوريل في روايته “1984”، والتي تعني الإمساك بمعتقدين متناقضين في عقل المرء في وقت واحد والقبول بكليهما.

السر الأهم أنه يصبح من السهل تقبل أية فكرة حين تدعمها بأدلة دينية، أو كلمات مقدسة، فما بالك إذا اقترن الجلاد والكاهن في شخص واحد؟ هكذا سوف يمكن من السهل، بمشيئة الله طبعًا، أن يتم اقتلاع الأدمغة وتحويل الناس إلى غنم يرعاه زعيم لا يشبه البشر لأنه أخذ أبعادًا قدسية، فهو ظل الله على الأرض. كذلك يمكنه استخدام قدسية الدين لمنع أي نقاش حول كرسي الحكم بحجة معصية الله وإثارة الفتن. كان الخليفة أبو جعفر المنصور يقول: “أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه”.

وأخيرًا، فلنتذكر الكواكبي مرة أخرى في قوله: “من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، وعدو كل معارضة لهم بغيًا يبيح دماء المعرضين؟؟”.

المصدر : altra sawt