الرئيسية

تعرف على سر انتشار التطرف وتحول الدين والتدين لأداة ممتازة لممارسة العنف

By nasser

February 25, 2016

كيف يفسر “الحرمان النسبي” تحول “المتدين” إلى “عنيف”؟ شهدت ظاهرةُ العنف الديني صعودًا مضطردًا في العقود الأخيرة؛ إذ إن ما يقرب من ربع دول العالم يُعاني من مستويات عالية من أعمال العنف المبنية على معتقدات دينية. وفي هذا الإطار، يقدم “توماس ستراوبهار” أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة هامبورج والزميل غير المقيم بأكاديمية الأطلسي، دراسة بعنوان “تحليل اقتصادي للدين والعنف الديني”، وقد تم نشر هذا التحليل على موقع أكاديمية الأطلسي في عام 2015.

تراجع التوجهات العلمانية:

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سعت الدول الغربية إلى نشر العلمانية في العديد من دول العالم، لا سيما تلك الدول التي تسعى لإقامة علاقات معها، وكان هناك اعتقاد سائد بأن دول الجنوب الفقير سوف تلحق بدول الشمال الغني، ولم يشب هذا الافتراض أية شكوك في ذلك الوقت، ولكن كان السؤال دائمًا يدور حول توقيت وصول الاقتصادات النامية إلى مستويات أعلى من التنمية.

وكما كان من المتوقع أنه مع زيادة مستويات المعيشة، ستتجه كل المجتمعات إلى العلمانية عاجلا أم آجلا؛ إذ إن تحسن الوضع الاقتصادي سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس، وانخفاض معدلات الأمية، وكلما تلقت الشعوب تعليمًا أفضل، وتوسعت معارفها في العلوم الطبيعية، وبالتالي، تصبح أقل تبنيا للتفسير الديني، بحسب ستراوبهار.

ومع مرور الوقت، ثبت أن كلا الافتراضين هما محض أوهام، فالجنوب الفقير لم يلحق اقتصاديًّا بالشمال، وكذلك فإن العامل الديني لم يقل تأثيره. على العكس من ذلك، ارتفعت الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، وأصبح العالم اليوم أكثر تبينا للمقولات الدينية من أي وقتٍ مضى، ليشهد مرحلة من النكوص عن العلمانية. فالحداثة لم تتمكن من إضعاف العامل الديني، بل عزّزته.

ولم يقتصر دحض فرضية “العلمنة” على المجتمعات الإسلامية فقط، بل امتد إلى المجتمعات الغربية، حيث لا يزال الإيمان بالقوى الروحية يحتل مكانة متميزة لدى بعض سكان هذه الدول، ولم يثبت أن هناك ارتباطًا بين التوجه نحو العلمانية أو التدين من جهة، والحالة الاقتصادية والمستوى التعليمي من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، هناك موجة من الحماس الكاثوليكي تجوب أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى صعود المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، وزحف الأحزاب الدينية المتشددة في أوروبا، ناهيك عن النمو الهائل للأصولية الإسلامية ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا في إفريقيا، وبين السكان المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية. فالدين لا يزال يلعب دورًا رئيسيا في الحياة السياسية والعرقية والثقافية والاجتماعية.

صعود التوجهات الدينية:

على المستوى الجزئي لا توجد أي مؤشرات إحصائية، أو أدلة تجريبية، أو نماذج اقتصادية، استطاعت تفسير ظاهرة التدين؛ حيث إن المؤشرات المُتعلقة بمستويات المعيشة والتعليم والمعرفة العلمية غالبًا ما تفشل في إعطاء أي دلالات إحصائية حول أسباب إيمان شخص ما بالله، والأنبياء، والكتب المقدسة.ولكن، على المستوى الكلي، يمكن إلقاء الضوء على بعض النقاط التي تجيب على السؤال التالي: لماذا وكيف ينتظم الأفراد في طرق معينة لممارسة “التدين”؟.

في البداية، يفترض الكاتب أن الكيانات الدينية المختلفة مثل: الكنيسة الكاثوليكية الضخمة إلى الكنائس الصغيرة المستقلة، تتصرف مثل الأندية التي تقوم بتقديم “خدمات وسلع مشتركة” على غرار خدمات العبادة، والتربية الدينية، والأنشطة المشتركة، ودعم الأفراد المتُعثِّرين في حياتهم لجذب المزيد من الأعضاء. ومن ناحية أخرى، فإن هذه النوادي الدينية تتوقع أن يقوم أعضاؤها بدفع بعض الرسوم على شكل تبرعات، أو تلبية بعض الواجبات المادية، واحترام القواعد المشتركة.

وقد ينضم الكثيرون لهذه الأندية الدينية لأهداف روحية بحتة، وللمشاركة في أنشطة دينية مشتركة، أمّا البعض الآخر فقد يمتلك أهدافًا ذات طبيعة مادية، وهو ما قد ينطبق على بعض قادة وممثلي دور العبادة، لأن هذه المناصب تمنحهم مزيدًا من القوة، والمكانة الرفيعة، والامتيازات الشخصية. كما أن بعض الأعضاء قد يسعون إلى الاستفادة من خدمات هذه الأندية في مجالات أخرى بعيدة عن الدين، مثل الصحة والتعليم.

وبناءً على المنهج الذي اتبعه ستراوبهار في تحليله الاقتصادي، والذي يتعامل مع الكيانات الدينية على أنها أندية، يمكن القول إن هناك عددًا من المتغيرات التي ترتبط بشكل ما أو آخر بالاقتصاد قد أثرّت بشدة على هذه الكيانات الدينية، وعلى سلوكها وسلوك أعضائها، فقد سهّلت العولمة والتكنولوجيا الرقمية من عملية نقل الأفكار، من مكان إلى آخر، وكذلك خفضت تكاليفها، فالأفراد أصبح لديهم العديد من الخيارات بشأن الكيانات الدينية التي قد ينضمون إليها، وهو الأمر الذي يُصعِّب مهمة جذب الأعضاء بالنسبة لهذه الكيانات.

كما منحت العولمة الأفراد القدرة على الحركة بشكل أكثر استقلالية، فالهجرة أصبحت أسهل وأرخص. ونتيجة لذلك، فالكيانات الدينية أصبحت تُجاهد للحفاظ على أعضائها، ومكّنت العولمة والتكنولوجيا الرقمية الكيانات الدينية من التوسع جغرافيًّا للبحث عن أعضاء جدد في مناطق جديدة. لذا، أصبحت هناك منافسة حادة بين هذه الكيانات في مختلف بقاع العالم.

وساعدت وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، قادة الكيانات الدينية على تسهيل وتكثيف التواصل مع أعضاء كياناتهم. كما مكّنت الأعضاء القدامى من التواصل مع الأعضاء الجدد، وكسب المزيد منهم، كما تم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للرقابة الاجتماعية؛ إذ إن الأفراد عادة ما يتشاركون جزءًا كبيرًا من حياتهم على هذه المواقع، ومن ثم يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان الفرد يمتثل لقواعد الكيانات الدينية من عدمه.

اقتصادات العنف الديني:

تتعرض المجتمعات الغربية بشكل دوري لموجات من العنف الديني، وحينها تظهر من جديد أسئلة من قبيل: لماذا يكرهوننا؟ وهل العنف الديني حتمي؟. ويرى الباحث أن العوامل الاقتصادية تُمارس دورًا أساسيًّا في دفع البعض إلى تبني العنف الديني؛ إذ إنها توفر تربة خصبة للشعور العام بالإحباط، وتُحفّر الأفراد وتدفعهم إلى التحرك لتصحيح أوضاعهم الاقتصادية غير المتكافئة وغير العادلة، مثل: الحرمان النسبي، وإحباط التطلعات الاقتصادية، وتقييد الحراك الاجتماعي، واتساع الفجوات بين الدخول، والفقر. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن الاعتماد على هذه العوامل وحدها لتفسير العنف الديني.

ويذهب ستراوبهار إلى أنه وفقًا لتحليل اقتصادي أعده للكيانات الدينية، فإن العنف الديني يتصاعد بسبب زيادة المنافسة بين الجماعات الدينية المختلفة، ومنها التنظيمات الإرهابية القائمة على أساس ديني، وهو ما يجعل هذه الجماعات تسعى دائمًا لتقديم خدمات أكثر جاذبية لأعضائها. فعلى سبيل المثال، يقدم قادة الجماعات الدينية المسلحة مكافآت مجزية للأعضاء في مقابل قيامهم بأعمال استثنائية، كما قد يقدمون خدمات مستمرة ومختلفة في طبيعتها تجعل الأفراد متمسكين بالجماعة وعلى استعداد لبذل حياتهم في سبيل استمرارها.

كذلك فإن الجماعات الدينية الناجحة غالبًا ما تتسم أيديولوجيتها بالحدة والصرامة، وتحاول زرع الشعور بالتكاتف بين أعضائها في مختلف مناحي الحياة، ويعتمد جزءٌ من نجاحها على منح أعضائها الهيبة والمكانة الخاصة، وفرص الترقي في هيكلها التنظيمي، خاصة بالنسبة لأولئك الذين عانوا من التهميش السياسي أو الاجتماعي في بلدانهم.

وعلى النقيض من تلك الجماعات الأصولية المتشددة، نجد أن الجماعات الدينية التي تنحو إلى الليبرالية، هي الأقل نجاحًا في جذب الأعضاء والحفاظ عليهم، ويمكن القول إن التطور التكنولوجي قد منح الجماعات الدينية العنيفة عدة فرص لتطوير هياكلها التنظيمية، وأساليب التعبئة لديها، حيث إنه أدى إلى الإحباط الاجتماعي؛ إذ إن العولمة توفّر فرصًا كبيرة لزيادة العنف الديني. فغياب العدالة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، يمنح القادة الدينيين القدرة على جذب المزيد من الأعضاء من الذين يعانون الفقر أو التهميش الاجتماعي أو الاضطهاد السياسي، وتدفعهم إلى تبني الأساليب العدوانية العنيفة.

وأتاح استخدامُ التكنولوجيا الرقمية نشر المعلومات بسرعة وعلى نطاق واسع، فبفضل الإنترنت، تمكّنت شعوب الدول النامية من معرفة تفاصيل الحياة في الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي عمّق الشعور بالظلم والإجحاف لديهم، وشجعهم على الانخراط في التشدد. وهو ما استغله الزعماء الدينيون الذين سعوا لتجنيد أولئك الشباب اليائس، عن طريق منحهم فرصًا لم يحظوا بها من قبل لحياةٍ جديدةٍ.

وقدمت تقنيات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فرصًا واسعة لبث رسائل الجماعات الدينية وأنشطتها وقت حدوثها. كما أصبح بالإمكان معرفة تأثير مثل هذه الرسائل والأنشطة على المجتمعات، من خلال قياس حجم تصفحها ومتابعتها.

وتعتبر فيديوهات “قطع الرؤوس” التي يبثها تنظيم داعش، أحد الأمثلة على اهتمام الجماعات الدينية باستغلال الوسائل التقنية الحديثة، لبث رسائل بلغةٍ يفهمها الشباب جيدًا، من حيث استخدام النمط الهوليودي في إخراج هذه الفيديوهات، بدلا من شيوع الأنماط التقليدية في رسائل قادة الجماعات الدينية القديمة.

الخلاصة.. إن الإحباط الاقتصادي والسياسي هو أحد الشروط التي تؤدي لانتشار العنف الديني، ولكنه شرط غير كافٍ؛ إذ إنه يجب أن يرتبط بوجود تنظيم تتسم أيديولوجيته بالحزم، ويُوفر لأعضائه السياق الذي يُشبه السياقات الموجودة في النوادي الاجتماعية، وما يرتبط بها من التزامات ومميزات في نفس الوقت.

عرض: محمد محمود السيد، باحث متخصص في الشئون العربية.

المصدر:

Thomas Straubhaar, An Economic analysis of Religion and Religious Violence (Transatlantic Academy, 2015 http://rcssmideast.org/Article/4379/#.Vs64kEW8bCQ