العرب

منصور الناصر: ما زرعه صدام .. حصده “الصداميون” !

By nasser

September 18, 2016

ما زرعه صدام وحصده “الصداميون”

كلمة ازاميل بقلم منصور الناصر

 

متى نتخلص من شر عاطفيتنا وتسرعنا وانفعالنا؟

متى “نعقل” ما يدور حولنا، نحاوره، ونفاوضه بجدية،

لا أن نجعل منه غريما، يجب أن “نمسح” به الأرض أملا بأن نصرعه، أو أن نرفض محاورته و”فهمه” لتجاوز أمره بسلام؟ .. ولأذكر مثالا ما زال حاضرا، شكلا وأسلوبا

ما زلت أتذكر ثلاث لحظات “صدامية” تمثل بمجموعها، نموذجا للروح الانفعالية العراقية التي طالما أفسدت كل شيء، وغيرت “وجه” العراق تماما، ونحو الأسوأ طبعا.

.

اللحظتان الأولى والثانية هجوميتان شرستان، أما الثالثة فلحظة نكوص ودفاع يائس ومستسلم، يرفض مواجهة أخطاء اللحظتين السابقتين، وهمه الوحيد النفاذ بجلده من نتائجهما.

.

اللحظة الأولى لحظة قرار صدام اجتياح الأراضي الإيرانية في 22 أيلول 1980

واللحظة الثانية لحظة قرر صدام نفسه بليلة وضحاها غزو الكويت في 2 آب 1990

واللحظة الثالثة لحظة قرر عدم الاستسلام لمهلة 48 ساعة التي منحها بوش له قبل اجتياح الأراضي العراقية يوم 21 آذار 2003

.

في الحالتين الأولى والثانية غضب و”كبرياء”

في الثالثة ارتباك وارتجاج ..ضياع وحيرة

.

مهما قلنا عن صدام، فسيبقى عراقيا، فهو لم يهبط علينا من القمر، ولم نستورده من ديار أخرى.

انه شخصية خرجت من أرضنا ونمت واستشرست بفعل تربتها “المغذية”

هو لهذا لم يشذ عن الروح العراقية المندفعة، الجارفة، المتطرفة والتي لا تعرف نتائج “فيضانها”، وأهم ما لديها هو إرواء غليل شهوتها بالرد والانتقام، وتنفيذ مشيئتها بأي شكل، وإن أسفر عن تدمير كل وأي شيء.

.

وماذا كانت النتيجة؟ هزائم متوالية ودمار شامل بكل ما في الكلمة من معنى، فصارت البلاد كلها خراب أينما ذهبت، عادت نصف قرن إلى الوراء،

.

صدام كان نموذجا صارخا لعبقريتنا في التدمير وعدم تقدير عواقب عواطفنا السائبة.

ما جرى بعده مشابه، وصادر بشكل مثير للدهشة، عن النبع الانفعالي الاعتباطي نفسه،

هناك شهوة لتدمير كل شيء في سبيل وهم ما عشش في الرأس، وهو وهم من أشكال عدة، حسب الجهات التي خرجت بعد صدام،

هكذا وجدنا من يحلم، دون اهتمام أو دراسة للعواقب، بتنفيذ “مشروع إسلامي”، باسم العراق، بشقيه السني والشيعي، المهم تنفيذ مآرب “شهوتنا” دائما، وليذهب كل شيء إلى الجحيم.

فماذا حصدنا؟

كانت نتائج هذا المشروع العظيم، أسوأ مما فعله صدام بمراحل، وأدى لوضع العراق بمواجهة جميع مدافع الحاضر والتاريخ والأديان كلها، ليحول نفسه بنفسه إلى ساحة مفتوحة لكل أنواع الحروب،

تبرع قادته لوحدهم، بأن يكونوا نقطة جذب واستقطاب قاتلة، وشهية جدا، لكل شياطين العالم والماضي بطريقة أسالت لعاب جميع حاملي رايات “المشاريع الإسلامية”،

فهجموا علينا كالذباب، من كل حدب وصوب، سواء من كهوف الحاضر أو الماضي، رافعين بوجهنا كل سيوف التاريخ وأسلحتها التي لا حصر من آيات وأحاديث إلى مذاهب ودشاديش

.

حتى رأينا مخلوقات عجيبة غريبة، تعزف بأكملها خارج إيقاع العصر، وتنتمي كل منها لمشاريع أخرى كالقاعدة والإخوان وداعش، فضلا عن “أحزاب الله”، وأحزاب ملل ونحل لا حصر لها.

ليس هذا فحسب، بل أنها أصبحت حركات وأحزاب “أميبية” تنشطر لوحدها وبفعل اندفاعها وحده، إلى ما لانهاية، فالقاعدة تحولت إلى قواعد والإخوان إلى كتائب وأنصار وألوية، الخ

المهم ما نريد قوله، والوصول إليه، هو أننا بعد انهار من الدم، ما زلنا بعيدين عن تقدير عواقب انفعالنا

فمشاهد استقبال الجنود العراقيين في الفلوجة وتكريت والكرمة والهيت والرمادي والقيارة، والاحتفاء بهم، كلها غير كافية لأن تمتص شحنة انفعالنا ضد الآخر المختلف طائفيا، أو سياسيا، أو حتى عشائريا..

.

نقول هذا ونحن نراقب تعليقات بعض الأصدقاء على هذه المشاهد، فنسبة كبيرة منهم، هاجم أهالي هذه المدن، وبالجملة على طريقة “شلع قلع” العراقية ..

هكذا أصبحت الموصل بسكانها الثلاثة ملايين بأكملها دواعش!

لا أحد يفكر بإعادة النظر بـ”انفعاله” الجاهز، لا أحد يبحث عن حل لمأساة متواصلة ومرشحة للاستمرار،

وفي النتيجة لا تعرف ماذا يريد هؤلاء، المزيد من الخراب والموت والحروب والدمار؟

.

وأمرهم غريب حقا، انهم يبدون كما لو كانوا آلات مسجلة، تكرر كلاما شائع لا تعي ما هو ولا تدرك نتائجه، هذا يحدثك عن أهل السنة وذاك عن الشيعة،

ولا ندري ما هو المطلوب، هل أن المطلوب هو أن يبقى عملنا الوحيد هو حمل السلاح وخوض المعارك، وسيلان الدم؟

ولنسالهم: ماذا ستفعلون لحظة تحرير الموصل حين ترون الناس تخرج مهللة لأبطال العراق المحررين؟

هل ستغلقون اعينكم مرة أخرى؟ هل ستقولون فعلوا هذا سابقا مع الدواعش؟ ولم هذا التسفيه للأمور؟

فقط لإرضاء قناعة وهمية راسخة في النفس ولا نريد تغييرها؟

.

ماذا تريدون أن تفعل الناس بالضبط؟ لا أنتم رضيتم بهم حين استقبلوكم بالأحضان، ولا حين أشاحوا بوجوههم عنكم!

.

المهم كل ما نرجوه من الجميع، هو أن نتجاوز آلامنا وانفعالاتنا، ونعيد التفكير بواقعنا وكل مواقفنا، مهما كانت، كما يدعي البعض مقدسة،

ننظر حولنا بعمق وبحكمة لنرى مشهد طوابير الشهداء التي لم تنقطع يوما منذ سنوات، ونفكر بهدوء بحثا عن حل، داخل أنفسنا أولا وبمساعدة أقرب الناس إلينا ثانيا،

وسأقول لكم مقدما، صدقوني لن تجدوا حلا، أبدا، إن لم تراجعوا وتغربلوا كل قناعاتكم، وعلى الأخص تلك التي وضعتم تحتها “خطا أحمر”!

 

.

#خل_نتصافى إذا

فإن لم نفعل هذا عاجلا، فسنفعله رغم انفنا لاحقا!

 

ملاحظة: هناك أمثلة كبيرة أخرى لعواقب انفعالاتنا، مثل: الإجماع على عدم بقاء قوات الاحتلال الأميركية بالكامل وخروجها مطلع 2011، واكد فيها الجميع قدرتنا على حماية أمننا، وكانت النتيجة احتلال ثلث العراق خلال أيام.

وكذلك: تأجيل حسم جميع المشاكل السياسية والاقتصادية والدستورية الخ، والاكتفاء بالمناورة عليها، ودفع ثمنها أضعافا مضاعفة ماديا ومعنويا ووطنيا.