دين

المقدَّس والمدنَّس وكيف نميز بينهما؟ ملف عن دوركايم

By nasser

August 20, 2017

وليام سواتوس

المقدَّس والمدنَّس وكيف نميز بينهما هو ما يدين به الباحثون في علم الاجتماع بشكل مباشر إلى دوركهايم، وما أثاره في كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية (1915)، الذي نشر أولاً عام (1912) في فرنسا بعنوان Les Formes elementaires de la vie religieuse.

كان لهذا التَّمييز تأثير عظيم ومباشر في علم اجتماع الدين، لكنه أثَّر أيضًا وبقوَّة على النموذج النظري الاجتماعي الأوسع للنزعة الوظيفية functionalism.

ففي كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية، الذي نُشر في ذروة مسيرته العلمية المتميِزة، نظر دوركهايم إلى الدين بوصفه حاملاً للمقدَّس بينما نظر إلى المقدَّس كحافظٍ للنَّظام الاجتماعي وللتوازن. وبما أنَّ هذا الكتاب هو تحفة أعمال دوركهايم، فقد أصبح “المقدَّس” في ذروة البنية الاجتماعية.

من هنا فإنَّه، وعلى الرغم من أنَّ التَّمييز بين المقدَّس والمدنَّس هو الأداة التي استخدمها دوركهايم لإثبات صحَّة فكرته، إلا أنَّ المقدَّس يظل في الحقيقة المفهوم الحاسم في هذا التَّمييز؛ وبمعنى آخر، إن مفهوم المقدَّس هو ما يجعل التَّمييز بين المقدَّس والمدنَّس قويًا نظريًا في إطار علم الاجتماع الوظيفي.

من بين التأثيرات الجوهرية لنموذج دوركهايم الخاص واسع الانتشار نذكر تأثيره على كتاب تالكوت بارسونز بنية العمل الاجتماعي (1938) الذي أصبح نص النظرية التأسيسي لجيل من علماء الاجتماع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف الستينات.

على الرغم من أن بارسونز عندما أراد إعادة صياغة دوركهايم في كتاباته الخاصة قام باستبدال مفهوم المقدس بمفهوم “الخارق للطبيعة”، وهو الأمر الذي تفاداه دوركهايم بحزم لما رأى فيه من تحيز لاهوتي.

المقدَّس والمجتمع

يكمن التمييز بين المقدَّس والمدنَّس في قلب تعريف دوركهايم للدين في كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية (في الحقيقة كانت هذه هي محاولته الثانية في التعريف، فمحاولته الأولى كانت معقدة جدًا بشكل عام، وقد نُبذَت بسرعة) حيث عرَّفه بالقول:

الدين هو نظام موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدسة، أي أشياءً يجري عزلها وتحاط بشتى أنواع التحريم، وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين بها في جماعة أخلاقية واحدة تُدعى الكنيسة. (دوركهايم 1915: 47)

وهكذا فإن المقدَّس يتضمن أشياءً يجري عزلها وتحاط بشتى أنواع التحريم، وكل شيء ما عدا ذلك فهو مدنَّس. ونتيجة لذلك، فإنه من السهل دائمًا تعريف “المدنَّس” بوصفه: أيُّ شيء ليس مقدسًا ضمن المجتمع (أو النظام الاجتماعي/المؤسسة). للتوصل إلى هذه النتيجة حول المقدَّس ودوره في تأسيس “مجتمع أخلاقي واحد”.

قام دوركهايم بقراءة مجموعة أعمال أنثربولوجية، وخاصةً عن سكان أستراليا الأصليين وبتحديدٍ أكبر عن دور الطواطم بين العشائر والقبائل التي كانت تُعتبر شعوبًا “بدائية”. من هنا جاءت أهمية كلمة الأولية في عنوان كتابه.

لقد أراد أن يدرس ما كان يُسمى بشكل عام في عصره بالمجتمعات الأبسط (أو الأقل تعقيدًا) الموجودة في أي مكان بالعالم.

ومثل كثير غيره من علماء الاجتماع الأوائل، كان دوركهايم يعتقد أنه وعن طريق دراسة ما يحافظ على التنظيم الاجتماعي بين هؤلاء الشعوب، فإن من الممكن الحصول على نظرة هامة عن العمليات الرئيسية التي مكََّنت المجتمعات من تطوير وصون أنفسها.

وكان من البديهي كذلك أن يُفسِّر التغيير الناشئ في سيرورة الانتقال إلى الحداثة، المشاكل الاجتماعية الناشئة في حينه.

هكذا فقد نظر دوركهايم إلى الموضوع المقدس بوصفه رمزًا للمجتمع: بهذا المعنى الطوطمي، يصبح “الإله” هو المجتمع فعلاً.

لقد كان الدين، في آنٍ واحد، نتاج اجتماعي بشري – إذن فهو خاطئ جوهريًا – ومُنتِج للنظام الاجتماعي.

إذن فهو صحيح بقوة. كانت “التربية” هي السيرورة التي عبَرت من خلالها الوقائع الرمزية التي تمَّ تضمينها في هذه “الحقيقة” من جيل إلى جيل ولهذا استطاعت البنية الاجتماعية أن تكون متماسكة، وأن تقوم بوظيفتها بالتالي.

كيف تمت علمنة فكرة الكنيسة؟

نجد في التركيب البارسوني، الذي أشاع تعريف دوركهايم وجعل منه معيارًا خصوصًا لجيل من علماء الاجتماع جيدي التكوين، كيف تمَّ تدريجيًا في “المجتمع” علمنة “فكرة “الكنيسة” – كما وردت في الصياغة الدوركهايمية الأصلية لتعريف الدين.

وبمعنى آخر، في حين يتكلَّم دوركهايم بشكل دقيق تمامًا عن جماعة أخلاقية “تُدعى الكنيسة”. تنجح الأجيال اللاحقة في مماهاة الجماعة الأخلاقية بالمجتمع أو بأية فئة اجتماعية ناشئة في حالات أُخرى.

وبكلامٍ آخر نقول، إنَّ علماء الاجتماع قد بدؤوا في الواقع البحث عن المقدس في كل التجمعات والبنى التي قد لا يربطها المرء عادةً مع الدين والتي تتراوح بشكل واسع.

على سبيل المثال، من العَلَمْ والإكسسوارات الوطنية المرتبطة به في الولايات المتحدة، مرورًا بقبري لينين وستالين في الاتحاد السوفييتي (حيث لم يكن هناك كنائس حكومية رسمية)، وصولاً إلى مضرب بب روث Babe Ruth المقدَّس في لعبة البيسبول.

لقد قادهم هذا البحث أيضًا إلى بعض المجموعات التي تحاول أن تخلق شعائر ومراكز رمزية، الشيء الذي تشهد عليه قاعات الشهرة المتنوِّعة، وإشارات التعريف حيث يكون هناك أهمية خاصة لأعلام ألمانيا الاتحادية والنازية في هذا النوع من الأبحاث.

بغض النظر عن العناصر المحددة أو مراسم التبجيل، فإن المنطق الأساسي يظل هو نفسه إذ: لا بد من أن يكون هناك بعض من الأشياء المعزولة وموضوع مُحرَّم، أو سيرورة قابلة للموضعة objectifiable، حتى يخلقا ويحافظا معًا على بنية ووظيفة أيَّة مجموعة اجتماعية.

المقدس جعل من الدين مؤسسة اجتماعية

لقد كان لهذا الفهم لموضوع القداسة تأثير مضاعف على دراسة كل من المجتمع والدين، فمن الناحية الأولى، فإنه جعل من الدين مؤسَّسة اجتماعية أساسية: فإذا لم يكن هناك دين، فليس هناك مجتمع.

ومن الناحية الأخرى، حيث يمكننا القول أيضًا بما أن الدين كان جيدًا (وظيفيًا)، فإنه لم يكن حقيقيًا بالتالي. وبمعنى آخر، لأنه اختصر الغاية النهائية للدين (الإلهي، مهما كان اسمه أو شكله) إلى بناء اجتماعي.

بل قد يقول قائل بعد هذا أن دوركهايم قد عمل كمتعهد لجنازة الدين على المستوى الاجتماعي: من تحنيط الجثة أو تقديم المِرمدة التي دعمت وحدة العائلة كما لو أن الشخص المحبوب كان هناك فعلاً.

النتائج والانتقادات

لقد أدى الطابع المزدوج كوجه جانيوس[1] لطرح دوركهايم القداسي إلى توجيه دراسة الدين في اتجاهين اثنين على الأقل. فكانت النتيجة الإيجابية لذلك مجموعة أعمال مهمة في الدين السياسي تدفقت بحرية وبشكل واسع من مقالة أولية مؤثرة لطالب بارسونز السابق روبرت بيلاه Robert Bellah، حملت عنوان الدين المدني في أمريكا (1963).

يشير مفهوم الدين بهذا الاستعمال إلى “دين الأمة المتسامي” ويتماشى بشكل جيد مع النزعة الوظيفية لكلٍّ من دوركهايم وبارسونز.

يُعرِّف بيلاه الدين المدني الأمريكي على أنه “مجموعة ممؤسسة institutionalized من المعتقدات المقدَّسة حول الشعب الأمريكي” التي يرى أنها مُجسَّدة في وثائق تأسيس أمريكا وخطابات التنصيب الرئاسي.

إنها تتضمن الإيمان بوجود كائن متسامي يدعى “الله”، وفكرة أن الشعب الأمريكي خاضع لقوانين الله، وتأكيدها على أن الله سيوجه ويحمي الولايات المتحدة الأمريكية.

يرى بيلاه هذه المعتقدات موجودة في قيم الحرية، العدالة، الإحسان، والفضيلة الشخصية ومتجسَّدة فيها أيضًا، فعلى سبيل المثال، تستخدم كلمات نحن نؤمن بالله، الموجودة على كل من الرموز الوطنية والعملة المستخدمة، في المعاملات الاقتصادية اليومية.

على الرغم من أن الدين المدني الأمريكي يتشارك بالكثير مع دين الطوائف اليهودية-المسيحية، إلا أن بيلاه يدَّعي أن هذا الدين المدني هو متميز عن الدين الطائفي، وهذا الأمر يبدو حاسمًا في إصرار بيلاه الدوركهايمي على الادِّعاء بأن الدين المدني هو بالتعريف “حقيقة اجتماعية موضوعية”.

لذلك، وعلى الرغم من أن أطروحة الدين المدني تدعي أنه موجود رمزيًا في الحضارة الأمريكية، إلا أنه يجب فهم مثل هذه الرموز والإيمان بها من قبل الناس في المجتمع، إذا كانت الرموز ذات معنى بشكلٍ ما.

لقد قامت مجموعة من الدراسات من قبل رونالد ويمبيرلي Ronald Wimberley وآخرين (1976) بتطوير تصريحات في المعتقدات الدينية المدنية وقد حصلوا على ردود عليها من قبل العديد من العينات الشعبية. لقد أثبتت دراساتهم أن الناس يؤيدون المعتقدات الدينية المدنية، رغم أن معظمهم لا يعرف ما يعنيه مصطلح “الدين المدني”.

تعطي هذه الاستطلاعات الكبيرة وعامل الدراسات التحليلية دعمًا لدعوى بيلاه التصورية بأن الدين المدني هو عنصر حضاري متميز في المجتمع الأمريكي والذي لم يُستحَوذ عليه من قبل السياسات الأمريكية أو من قبل التديُّن الطائفي.

إن نتيجة كلٍٍّ من محاولة بيلاه التصورية الأولية وهذه الدراسات التجريبية لم تثبت فقط صحة مفهوم الدين وفائدته المدنية في فهم الديناميكيات الاجتماعية والحضارية المهمة ضمن المجتمع الأمريكي فحسب، بل أنتجت أيضًا دراسات نسبية حول العالم كان لها أهمية خاصة مثل دراسات كريستال لين Crystal Lane عن الاتحاد السوفييتي سابقًا.

من سخريات القدر أن يكون الابتعاد عن النزعة الوظيفية بشكل عام في علم الاجتماع، والذي بدأ في أواخر الستينات، قد قدَّم في بدايته نظرية العلمانية الأولى، ومن ثم حصلت ردة فعل ضد الصياغة الدوركهايمية (أو البارسونية الدوركهايمية) كفهم كافي للدين.

دوركايم وماكس فيبر

لقد صيغ مصطلح العلمانية بعيدًا جدًا عن دوركهايم من قبل ماكس فيبر Max Weber، الذي استخدمه كطريقة لتصوير السيرورة التي صار العالم من خلالها “مسلوبًا من الآلهة”.

للعديد من الاعتبارات، رأى فيبر أن دوركهايم هو جزء من تلك السيرورة، بما أن هذا الأخير نفسه كان متأثرًا بتقليد فرنسي ناشئ يتطلَّع باتجاه “دين الإنسانية”.

على أيِّ حال، حاول بارسونز توحيد دوركهايم وفيبر في كتابه بنية الفعل الاجتماعي، وبهذا أصبحت العلمانية موحدة في إطار دوركهايمي جديد.

يُعتبر س. رايت ميلس C. Wright Mills (1959)، واحدًا من أكثر نقاد بارسونز حدَّة، وقد لخص بشكل نقدي علم التاريخ الديني لبارسونز كما يلي:

في وقتٍ ما كان العالم ممتلئًا بالمقدَّس – في الصيغ والممارسات والأشكال التأسيسية. ثمَّ، بعد الإصلاح وعصر النهضة، اجتاحت قوى التحديث الكرة الأرضية والعلمانية، كعملية بديهية تاريخية، وأُطلِقَت سيطرة المقدس.

بعد ذلك سيختفي المقدس تمامًا، في الوقت المناسب، اللهم إلا في الميدان الخاص.

تحليل لا يستند على أي أساس تاريخي

على الرغم من أن العديد من العلماء الاجتماعيين توصلوا إلى قبول هذا التحليل، والذي يتضمن وصفًا تاريخيًا، إلا أنه في الواقع لا يستند تقريبًا على أي أساس تاريخي. فهي وبدلاً من الدراسات المنهجية للماضي، فإنها تكتسب من الحس السليم تعميمات حول التاريخ تتعلََّق بدراسات منهجية للحاضر.

وبطريقة أخرى نقول، إنَّ السكان الأصليين لعام 1900 كانوا “معاصرين” تمامًا بقدر معاصرة فرنسيي عام 1900.

من هنا فقد أدت نظرية العلمانية إلى نظرية ضد العلمانية بلغت حدَّ إعادة التفكير في كل من الدين والقداسة في السياق الدوركهايمي.

طرح رونسيمان Runciman (1970) ثلاث مسائل محددة فيما يخص المقاربة الدوركهايمية، كان أكثرها تأثيرًا تلك التي تقول إن “تفسير” دوركهايم للمعتقدات الدينية في هذه العالم الدنيوي (المجتمع) لا “يُفسِّر” في الواقع هذه المعتقدات الدينية أبدًا (اللهم إلا إذا وجد أنها لا تستحق الشرح):

يسأل رونسيمان: “لماذا، في النهاية، لا تكون عبادة المجتمع أسهل توضيحًا من عبادة الآلهة؟” لقد ارتبط بقوَّة مع هذا “التفسير” البحث الدوركهايمي عن مصدر التضامن الاجتماعي، وكذلك فرضيته في التضامن.

ليست القوة الموحِّدة في مجتمع الدين، في الواقع، هي ما يدعوها دوركهايم بـ “الحقيقة الاجتماعية”، ولكنه اعتقاد أنثربولوجي اجتماعي لا أساس له من الصحَّة أبدًا ناجم عن المصادر الدوركهايمية.

هذا الاعتقاد يشكل أساس “الدين” في العلمانية؛ وبمعنى آخر، تستند نظرية العلمانية المعاصرة على الرأي القائل بأنَّ الدين يعرَّف عن طريق “وظيفة” الدين في التوحيد الاجتماعي وفي الحفاظ على التضامن الاجتماعي.

إن مفهوم التضامن كمحدِّد للمجتمع ليس هو الوحيد المشكوك فيه الآن (بيير Beyer 1989)، لكن حتى لو قبلنا ببعض مفاهيم التضامن في مخزوننا الاجتماعي، فليس هناك سبب للتسليم بالكلية الموحدة والتي بالتأكيد من الصعب رؤيتها الآن، إذ قد تكون غير موجودة أصلاً.

من الناحية الأولى، ربما قد تم إثبات هذا عن طريق ملاحظة أن العديد مما يدعى بالمجتمعات البدائية ليس لديها، على وجه التحديد، مكافئ لغوي لكلمة “دين” (ستكون الترجمة الأفضل لها “طريقنا” أو “ثقافتنا”)، بينما يعبر الناس بشكل متزايد في المجتمعات الصناعية المتقدمة عن تفضيلهم لوصف أنفسهم بـ “الروحانيين” بدلاً من “المتدينين”.

ما هو مفقود بشكل خاص في هذا التغيير هو الغياب النسبي لأمل دوركهايم بأن يصبح المقدس “دين الإنسانية” (أي: مذهبًا أخلاقيًا) والذي هو عنصر حضاري يتزايد عقلنةَ وبيروقراطيةً ويرتبط مع جوانب رسمية للمراجعة الأخلاقية، ولهذا فإنه لم يعد مسألة لعلم اجتماع القانون وعلاقات العمل الصناعية بقدر كونه مسألة دين وحضارة.

ترجمة: ريم النبواني

مراجع ونصوص مقترحة:

لطفي الإدريسي الحوار المتمدن-العدد: 2941 – 2010 / 3 / 11 – 02:53 المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع

الدين ;

كما رأينا شعر دوركايم بالحاجة للتركيز على التجليات المادية للحقائق الاجتماعية غير المادية.

مثلا ً القانون في( تقسيم العمل) ومعدلات الانتحار في (الانتحار ) لكن في كتابه (الأشكال الأولية للحياة الدينية) شعر دوركايم بالراحة الكافية لمناقشة الحقائق الاجتماعية غير المادية، خاصة الدين، بصورة أكثر مباشرة.

في الحقيقة الدين هو الحقيقة الاجتماعية غير المادية المطلقة، ودراسته اتاحت له إلقاء المزيد من الضوء على كل نسقه النظرى.

بالرغم من أن البحث الوارد في ( الأشكال الأولية…) ليس لدوركايم، لكنه شعر أنه من الضروري وضع تفكيره عن الدين في معلومات منشورة. المصدر الأساسي لتلك المعلومات دراسات عن قبيلة الارونتا الأسترالية البدائية.

شعر دوركايم أنه من الأهمية دراسة الدين داخل ذلك الإطار البدائي لعدة أسباب.

أولا ً، كان يرى أنه من السهل التعمق في الطبيعة الأساسية للدين في إطار بدائي وليس في مجتمع حديث. الأشكال الدينية في المجتمع البدائي يمكن ” توضيحها في كل صفائها وتحتاج فقط إلى مجهود بسيط لعرضها “.

ثانياً، الأنساق الأيدلوجية للأديان البدائية أقل نمواً من الأديان الحديثة ويصاحب ذلك وجود تشويش أقل. وقد ذكر دوركايم ” أن ما هو ثانوي وليس أساسى لم يغط بعد المكونات الأساسية. كل شئ مختزل إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه، إلى الذى بدونه لا يمكن أن يكون هنالك دين “.

ثالثاً، في حين أن الدين في المجتمع الحديث يأخذ أشكالاً مختلفة ففي المجتمع البدائي نجد ” انسجاماً فكرياً وأخلاقياً” . لذلك يمكن دراسة الدين في المجتمع البدائي في أكثر صوره نقاء ً.

أخيراً بالرغم من أن دوركايم درس الدين البدائي لكن ذلك ليس بسبب اهتمامه بالدين البدائي في نفسه، بل درسه من أجل أن “يصل إلى فهم للطبيعة الدينية للأديان وليوضح بذلك جزءًا مهماً وأساسياً من الإنسانية” أكثر تحديداً، درس دوركايم الدين البدائي ليلقى الضوء على الدين في المجتمع الحديث.

بما أن الدين في المجتمع البدائي منسجم وشامل، يمكننا أن نقول أن ذ لك الدين يعادل الضمير الجمعي.

أي أن الدين في المجتمع البدائي هو أخلاق جمعية شاملة لكن كلما تطور المجتمع وأصبح أكثر تخصصاً كلما احتل الدين نطاقاً أضيق. وبدل أن يكون ضميراً جمعياً في المجتمع الحديث أصبح الدين أحد التمثلات الجمعية.

وفى حين أنه يعبر عن بعض المشاعر الجمعية فإن مؤسسات أخرى مثل (القانون والعلم) أخذت تعبر عن جوانب أخرى من الأخلاقية الجمعية.

بالرغم من أن دوركايم يرى أن الدين أصبح يحتل نطاقاً ضيقاً ، لكنه أقر أن معظم إن لم يكن كل التمثلات الجمعية في المجتمع الحديث يرجع أصلها إلى الدين الشامل في المجتمع البدائي.

المقدس والمدنس:

السؤال الأساسي بالنسبة لدوركايم كان عن مصدر الدين الحديث. وبما أن التخصص والغطاء الايدولوجى يجعل من الصعب دراسة جذور الدين في المجتمع الحديث مباشرة، تناول دوركايم الموضوع في إطار المجتمع البدائي.

السؤال هو من أين أتى الدين البدائي والحديث؟.

منطلقاً من موقفه المنهجي الأساسي أن الحقيقة الاجتماعية تسببها حقيقة اجتماعية أخرى، خلص دوركايم إلى أن المجتمع هو مصدر الدين. المجتمع من خلال أفراده يخلق الدين من خلال تعريفه لظواهر معينة بأنها مقدسة وأخرى بأنها مدنسة.

تلك الجوانب من الواقع الاجتماعي التى تعرّف على أنها مقدسة، تلك التى تعزل وتعتبر من المحرمات تكَّون أساس الدين. ما تبقى يعتبر مدنساً، تلك هى جوانب الحياة اليومية، العامة، النفعية والدنيوية.

المقدس يؤدى إلى سلوك يحتوى على التقديس، الاحترام، الغموض، الرهبة والشرف. الاحترام الذى ينسب لظواهر معينة ينقلها من المدنس إلى المقدس .

التمييز بين المقدس والمدنس وارتفاع بعض ظواهر الحياة الاجتماعية إلى المستوى المقدس ضروري ولكن ليس كافيا ً لتطور الدين. ولابد من توفر ثلاثة ظروف أخرى.

أولا ً ، يجب أن يتطور نسق من المعتقدات الدينية. والمعتقدات “هى التمثلات التى تعبر عن طبيعة الأشياء المقدسة وعلاقاتها مع بعضها البعض أو مع الأشياء المدنسة” .

ثانيا ،ً من الضروري أيضا وجود نسق من الطقوس “هذه هى قوانين السلوك التى تصف كيف يلائم الإنسان نفسه في وجود الأشياء المقدسة”.

أخيراً يحتاج الدين إلى كنيسة، أو مجتمع أخلاقي.

التداخل بين المقدس، المعتقدات، الطقوس والكنيسة قاد دور كايم إلى تعريف الدين كما يلي ” الدين نسق موحد من المعتقدات والممارسات تجاه الأشياء المقدسة، أي الأشياء التى تعتبر محرمة – المعتقدات والممارسات التى تتوحد في مجتمع أخلاقي واحد يعرف بالكنيسة وكل الذين يلتزمون بذلك “

الطوطمية :

رؤية دوركايم أن المجتمع هو مصدر الدين شكلت دراسته للطوطمية وسط الأرونتا في أستراليا. الطوطمية هي نسق ديني تعتبر فيه بعض الأشياء خاصة الحيوانات والنباتات مقدسة، وترمز للعشيرة.

واعتبر دوركايم أن الطوطمية هى الشكل الأكثر بدائية وبساطة للدين ويوازيها شكل بدائي من التنظيم الاجتماعي ذلكم هو العشيرة .

إذا تمكن دوركايم من توضيح كيف أن العشيرة هى مصدر الطوطمية، يكون بإمكانه إثبات حجته أن المجتمع هو منبع الدين .

فيما يلي عرض لحجة دوركايم ” الدين الذى يرتبط مباشرة بالنسق الاجتماعي ويتفوق على كل ما سواه في بساطته يمكن اعتباره أكثر الأديان التي نعرفها أولية.

وإذا نجحنا في اكتشاف أصل المعتقدات التى حللناها سابقاً، سيكون بإمكاننا في نفس الوقت اكتشاف الأسباب التي تؤدى إلى نشوء المشاعر الدينية لدى الإنسان “.

بالرغم من أنه يمكن أن يكون للعشيرة أكثر من طوطم واحد، فإن دوركايم لا يعتبر ذلك سلسلة من المعتقدات المنفصلة وغير المترابطة حول حيوانات أو نباتات محددة، وإنما أعتبرها نسقاً مترابطاً من الأفكار تعطى العشيرة تمثيلاً كاملاً عن العالم.

ليس النبات أو الحيوان هو مصدر الطوطمية، إنه فقط يمثل ذلك المصدر. الطواطم هى التمثيل المادي للقوى غير المادية فيها.

وتلك القوى غير المادية ليست أكثر من الضمير الجمعي للمجتمع ” الطوطمية دين، ليس بتلك الحيوانات أو بتصورات الناس، وإنما بتلك القوى المجهولة وغير الشخصية، موجودة في كل تلك الكيانات لكنها ليست ممتزجة بأي منهما.

الأفراد يموتون والأجيال تذهب ويأتي غيرها لكن هذه القوى تبقى دائماً حية كما هى. إنها تنفخ الحياة في أجيال اليوم مثلما فعلت بأجيال الأمس وكما ستفعل بأجيال الغد “.

الطوطمية خاصة والدين بشكل عام مشتقان من الأخلاق الجمعية، وهى في نفسها قوى غير شخصية. إنها ليست سلسلة من النباتات، الحيوانات والأرواح فقط .

ما هو مصدر الضمير الجمعي؟

الضمير الجمعي هو مصدر الدين كما يرى دوركايم، لكن من أين يأتي الضمير الجمعي نفسه؟ في نظر دوركايم إنه يأتي من مصدر واحد هو المجتمع. في الحالة البدائية التى درسها دوركايم يعنى هذا أن العشيرة هى المصدر المطلق للدين.

لقد كان دوركايم صريحاً حول هذه النقطة عندما ذكر “إن القوى الدينية ليست أكثر من القوى الجمعية والمجهولة للعشيرة”، ففي حين أننا ربما نوافق على أن العشيرة هى مصدر الطوطمية، يبقى السؤال كيف تخلق العشيرة الطوطمية؟.

تقع الإجابة في مكون أساسي من مستودع مفاهيم دوركايم وإن كان لم يناقش بشكل كاف، ذلك هو الانفعال الجمعي.

مفهوم الانفعال الجمعي لم يوضح جيداً في أي من أعمال دوركايم بما في ذلك (الأشكال الأولية للحياة الدينية ) ويبدو أنه كان في ذهنه وبشكل عام اللحظات الكبرى في التاريخ التى أمكن فيها للجماعة تحقيق مستويات عليا من الرقى والتي تقود بدورها إلى تغيرات كبرى في بنية المجتمع.

الإصلاح الديني وعصر النهضة في أوروبا نماذج لفترات تاريخية كان فيها للانفعال الجمعي أثر مشهود على بنية المجتمع.

ذكر دوركايم أن الدين ينشأ من الانفعال الجمعي ” إنه وسط هذه البيئات الاجتماعية المنفعلة ومن هذا الانفعال نفسه يبدو أن الدين يولد ” وخلال فترات الانفعال الجمعي يخلق أفراد العشيرة الطوطمية.

باختصار، الطوطمية هى التمثيل الرمزي للضمير الجمعي والضمير الجمعي بدوره يأتي من المجتمع لذلك فإن المجتمع هو مصدر الضمير الجمعي والطوطمية.

افتراضات عن الطبيعة الإنسانية :

ربما ندرك شيئاً من الفهم لرؤية دوركايم عن الوعي بدراستنا لافتراضاته عن الطبيعة الإنسانية. وبالرغم من أنه قام بصياغة عدد من الافتراضات عن الطبيعة الإنسانية فقد أنكر دوركايم أنه فعل ذلك. وذكر أنه لم يبدأ بافتراض مفهوم معين عن الطبيعة الإنسانية ليقوم باستنتاج علم الاجتماع منه.

على العكس، فهو من علم الاجتماع حاول الحصول على فهم للطبيعة الإنسانية. على كل، ربما كان دوركايم هنا أقل أمانة معنا وحتى مع نفسه.

لقد قام دوركايم بتحديد عدد من مكونات الطبيعة الإنسانية. على المستوى الأساسي فقد قبل وجود المحركات البيولوجية. لكن ما هو مهم لعلم الاجتماع اعترافه بأهمية الشعور الاجتماعي ويشمل” الحب، الإعجاب، الاهتمام والظواهر المصاحبة.”اعتبر دوركايم البشر اجتماعيين بالطبيعة لأن “إن لم يكن الناس ميالين بالطبيعة لبعضهم البعض فإن كل المجتمع وعاداته ومؤسساته لن تنشأ أبداً.

” لكن هذه المشاعر لم تلعب دوراً نشطاً في علم اجتماعه لذلك أحالها إلى علم النفس. أحد الافتراضات الأساسية والذي لم ينل الاهتمام الكافي منه، هو أن البشر قادرون على التفكير ” يختلف البشر عن الحيوانات، يقر دوركايم، بشكل أساسي لأن التصورات والأفكار تتداخل بين الميل الفطري والسلوك” افتراض آخر من افتراضات دوركايم الأساسية عن الطبيعة الإنسانية والذي يعتبر أساس علم اجتماعه ذلك الذى يقول أن البشر يتميزون بعدد من الدوافع الأنانية والتي إذا لم تلجم تشكل خطراً على أنفسهم وعلى المجتمع ككل.

يرى دوركايم أن لدى البشر مجموعة من النزوات التى إذا لم تكبح فإنها ستتضاعف للدرجة التى تستبعد فيها الفرد. هذا قاد دوركايم إلى تعريفه الغريب – على الأقل سطحياً – للحرية كسيطرة خارجية على النزوات. يكون الناس أحراراً عندما نحجم نزواتهم بقوى خارجية وأكثر هذه القوى عمومية وأهمية هى الأخلاق العامة. يمكننا القول أن كل صرح دوركايم النظرى، خاصة تركيزه على الأخلاق الجمعية يقف على هذا الافتراض الأساسي عن نزوات البشر.

وكما ذكر دوركايم ” النزوات تقود إلى الفردية وتستبعد كذلك ” إن إحساسنا فردى بالضرورة وكلما تحررنا من إحساسنا كلما كنا شخصيين أكثر ويكون بإمكاننا أن نفكر ونتفاعل وفق مفاهيم ” هذا الموضوع يظهر في تمييز دوركايم بين الروح والجسد والصراع الأبدي بينهما. الجسد يمثل النزوات والروح تمثل الأخلاق العامة.

من الواضح أن دوركايم أراد لهذا الصراع أن يحسم لمصلحة الروح وليس الجسد.

بالنسبة لدوركايم تأتى الحرية من الخارج وليس من الداخل. هذا يتطلب وجود الأخلاق لتكبح النزوات لكن الحرية أو الاستقلال لها معنى آخر في أعمال دوركايم. ذلك هو أن الحرية تنبع من استبطان الأخلاق العامة التى تؤكد على أهمية واستقلال الفرد وفى كلتا الحالتين تكون الحرية خاصية للمجتمع وليس للفرد.

وهنا كما في أماكن أخرى نرى إلى أية درجة ركز دوركايم على الحقائق الاجتماعية غير المادية. في هذه الحالة “الفردية الأخلاقية ” على حساب العمليات العقلية.

يمكننا إدخال ” التمثلات الفردية “ضمن افتراضات دوركايم عن الطبيعة الإنسانية. في حين أن التمثلات الجمعية تخلق بواسطة تفاعل البشر، فإن التمثلات الفردية تتشكل عن طريق تفاعل خلايا المخ. التمثلات الفردية أحيلت إلى علم النفس مثل العديد من أفكار دوركايم حول الوعي. هذا هو الجزء من عملية العقل الذى لم يرغب دوركايم في الغوص فيه وبذلك أصبح أكثر عرضة للهجوم عليه.

مثلا ً ذكر جورج هومانز أن دوركايم أظهر فهماً محدوداً عن علم النفس يحصره في دراسة الغرائز. علم النفس اليوم ذهب إلى ما هو أبعد من دراسة الغرائز وغطى عدداً من الظواهر الاجتماعية التى كان سيعتبرها دوركايم جزءًا من علم الاجتماع.

وخلص هومانز إلى أن ” علم الاجتماع بالتأكيد ليس نتيجة لنوع علم النفس الذى كان في ذهن دوركايم ” لكن من الصعوبة إن لم يكن من الاستحالة حسب رؤية هومانز الفصل بين علم الاجتماع وعلم النفس في الوقت الراهن.

التنشئة الأخلاقية :

آخذين في الاعتبار رؤى دوركايم عن النزوات الفطرية الإنسانية والحاجة لكبحها بواسطة الأخلاق العامة يجب أن لا نستغرب اهتمام دوركايم الشديد باستبطان الأخلاق الاجتماعية من خلال التنشئة والتربية. الأخلاق الاجتماعية توجد أساساً على المستوى الثقافي لكنها تستبطن بواسطة الفرد.

وكما قال دوركايم إن الأخلاق العامة ” تخترقنا ” و ” تكون جزءًا منا ” في الأساس لم يكن دوركايم مهتماً بموضوع الاستبطان لكنه كان مهتماً بعلاقته باهتمامه بالمشاكل الثقافية والبنيوية في زمنه. لم يحدد كيف أن الأخلاق العامة تستبطن. كان مهتماً أكثر بما يؤدى إلى تدنى قوة استبطان الأخلاق في المجتمع المعاصر.

جوهر الموضوع بالنسبة لدوركايم كان التدني في درجة التقييد الآلي الذى تمارسه الحقائق الاجتماعية على وعى الفرد. وكما أشار روبرت نسبت ” لم يتخل دوركايم أبدا عن فكرته أن المجتمع الغربي الذى يعرفه يمر بأزمات كبرى وتلك الأزمات عبارة عن تحلل السلطة الأخلاقية في حياة الأفراد “. اهتمام دوركايم باللامعيارية في (الانتحار) و (تقسيم العمل في المجتمع) يعتبر تجلياً لذلك الاهتمام.

الكثير من أعمال دوركايم عن التربية والتنشئة عامة يمكن رؤيتها على ضوء اهتمامه بالتآكل الأخلاقي والإصلاحات الممكنة لإيقاف انتشاره. التربية والتنشئة عرّفت بواسطة دوركايم بأنها العمليات التى عن طريقها يتعلم الفرد أساليب مجموعة أو مجتمع ما واكتسابه الأدوات المادية والفكرية، وما هو أكثر أهمية لدوركايم الأخلاقية الضرورية للوجود الفاعل في المجتمع.

التربية الأخلاقية لها ثلاثة جوانب مهمة: أولا ً ، هدفها هو مد الأفراد بالوسائل الضرورية لكبح النزوات التى تهدد بالإطباق عليهم وابتلاعهم.

ثانياً، تمد الأفراد بالإحساس بالاستقلال لكنه استقلال خاص ومميز فيه “يفهم الطفل لماذا أن القواعد التى تنص على أشكال معينة من السلوك يجب “الرغبة فيها بحرية” أي ” تقبلها عن طيب خاطر بفضل “التقبل المستنير “.

أخيراً، عملية التنشئة تهدف إلى تطوير إحساس بالإخلاص للمجتمع ونسقه الأخلاقي.

جوانب التنشئة الأخلاقية هى مجهودات للسيطرة على التحلل المرضى لقبضة الأخلاق الجمعية على الفرد في المجتمع الحديث.

على المستوى العام جداً، كان دوركايم مهتماً بالطرق التى تقيد بها الأخلاق العامة الناس خارجياً وداخليا. من ناحية، الحقائق الاجتماعية غير المادية تقف خارج الناس وتشكل أفكارهم وأفعالهم.

بالتأكيد الحقائق الاجتماعية لا تعمل على نفسها لكن فقط من خلال فاعل، ومن الأهمية بمكان الدرجة التى يقيد فيها الأفراد أنفسهم عن طريق استبطان الأخلاق الجمعية.

وقد أوضح دوركايم أن ” القوى الجماعية ليست خارجنا، إنها لا تعمل علينا من فراغ لكن بما أن المجتمع لا يمكن أن يوجد إلا في وعى الأفراد ومن خلاله، يجب أن تتخللنا هذه القوى وتنتظم داخلنا” بالإضافة لتوضيحه لعملية الاستبطان، فان المقتطف أعلاه يوضح مرة أخرى رفض دوركايم للعقل الجماعي بما أنه قد صرح بأن القوى الجماعية توجد فقط في وعى الفرد.

إرنست والورك قام بعمل ممتاز عندما وضّح أهمية استبطان الأخلاق في نسق دوركايم ” العقل الطبيعي، كما لاحظ دوركايم لايمكن أن يأخذ بحكم أخلاقي من غير أن يعتبره ملزماً.

القواعد الأخلاقية لها ” خاصية ملزمة “. إأنها تمارس نوعاً من الصعود فوق الإرادة التى تحس أنها مقيدة باتباعها. هذا التقييد يجب أن لا يخلط مع القوة المادية أو الإجبار، الإرادة لاتجبر على اتباع المعايير التى تأخذها في الاعتبار حتى لو فرضت تلك القوى عن طريق الرأي العام. القيود الأخلاقية ليس لها مظهر أو ضغط آلي، لكن لها ميزة حميمية ونفسية. ولكن هذا الطابع لحميمي والنفسي للإلزام، على الرغم من ذلك، ليس أكثر من سلطة الرأي العام التي تتخلل مثل الهواء الذى نتنفسه، أعمق الأعماق لوجودنا.

“قدم دوركايم مثالاً محدداً للقيود الداخلية في دراسته عن الدين ” إذا تصرف الفرد بطريقة معينة تجاه الطواطم، ذلك ليس بسبب أن القوى الساكنة فيها لايمكن الشك فيها مادياً لكن لأن ذلك الفرد لديه الإحساس بأنه ملزم أخلاقياً ليتصرف على ذلك النحو، ولديه الشعور بأنه يطيع إلزاماً وأنه يؤدى الواجب “[ هذا الاهتمام بالاستبطان، التنشئة والتربية يمكن رؤيته في إطار الأثر المقيد للأخلاق الجمعية على الفاعل.

وإذا كانت هذه القيود داخلية أو خارجية فإنها تتنزل للأخلاق العامة المسيطرة على أفكار الفعال الأفراد.

أفكار دوركايم المحدودة عن الوعي قادت العديد من الناس ليفترضوا أن نموذجه للفاعل هو ذلك الشخص المسيطر عليه بالكامل من الخارج – شخص مطيع كليا.

بالرغم من أن هنالك الكثير الذى يدعم هذه الرؤية – وبعض علماء الاجتماع المحدثين في متابعاتهم لدوركايم تبنوا هذا الموقف – دوركايم نفسه لا يقر مثل هذه الرؤية المتطرفة للفاعل وهذا واضح في مقولته المثالية ” الطاعة يجب أن لا ترفع إلى حيث أنها تخضع بالكامل القوى العقلية.

لذلك فإنه لا ينطبق على الاعتقاد في الحاجة إلى النظام أنه يجب أن يكون اعتقاداً خانعا وأعمى ” بالرغم من أن دوركايم ترك إمكانية حرية الفرد مفتوحة، فإن عمله يسير في اتجاه تحديد القيود الخارجية على الفاعل وأكثر من ذلك تفضيله لتلك القيود…