دين

الماجدي يكتب عن الدين المدبَّب: الدين تعلق بالسياسة مثلما تعلق العسكريون بالحكم مباشرة أو مداورة

By nasser

November 02, 2017

كتب خزعل الماجدي/ الخميس 02 نوفمبر 2017                                                                                  كانت علاقة الأديان بالسياسة وطيدة منذ أقدم الأزمان، وليس هناك دين في التاريخ لم يتعاط السياسة، لكن الحياة المعاصرة كشفت أبعاداً خفية عن علاقة الأديان في السياسة وتدرجاتها، فقد تكون الأديان خلف ظهور حضارات أو دول ٍبأكملها، وقد تقتصر على دعمها المباشر وغير المباشر. أما الظاهرة الأعم والأشمل فهي ظاهرة الدين السياسي، حيث يتحول الدين إلى حزبٍ أو حركة سياسية وعسكرية وانتحارية، وينتج عن ذلك تبرير كل الممارسات باسم الدين وتحت جلجلة الأقوال والمأثورات والرموز الدينية.

يرى كارل ماركس أن الدين ثوريٌّ تغييريٌّ في بدايته، ولكنه عندما يصبح قوياً مستقراً فإن دوره الثوري يتحول إلى ثورة ظاهرية وإلى نوع من التمرد والاحتجاج لا الثورة الجذرية.

وهو يرى في الإصلاح الديني بأنه إعادة تشكيل جديد للتناقضات القائمة وغايتها ليست في صالح الطبقات المقهورة. ويربط ماركس نهاية الدين بنهاية الرأسمالية والمجتمع الرأسمالي، ويرى أن ما يحدث اليوم من علاقة بين انتعاش الرأسمالية وانتعاش الأديان ما هو إلا دليل على هذا، «لذلك فإن ما يحدث من تطور ديني في العالم اليوم، حيث لاهوت التحرير، ولاهوت الإلحاد، ولاهوت التنمية، ولاهوت الجنس إلخ..، هو محاولات لتجديد مضمون الدين ومنهجه، ليكون ثمة تلاؤم بين الدين وطبيعة التطور في المجتمع الرأسمالي، ليكون الدين مواكباً للتطور لا معرقلاً له، حيث يتحول الدين إلى لاهوت إنساني ليس بحاجة إلى آلهة وملائكة وقديسين وأنبياء وأولياء إلخ..، ليس بحاجة إلى طقوس أو شعائر أو سلطات دينية ومظاهر خارجية أو كتب أو أماكن مقدسة إلخ..، بل إنها أديان إنسانية، محورها وموضوعها الإنسان ونشاطاته، ومجتمعه ومصيره في الحياة الدنيا. وبذلك يكون للدين الاستمرار والدوام. فهو لن يكون دين الإلهيات بل الإنسانيات، ولن يكن دين الطقوس بل العمل، ولن يكون دين الروح بل الطبيعة، ولن يكون دين التسليم والاعتقاد بل النقد والتعقل، إنه ليس ديناً للخلد بل للحياة. أنه ليس ديناً للمطلق بل للنسبي». (خليفة: 2005: 183).

ويرى ماركس أن الإصلاح الديني قد يجعل الدين يؤدي دوراً ثورياً، ولكن هذا الإصلاح يجب أن لا يتوقف، بل يجب أن يستمر.

المجتمعات الشمولية والديمقراطية على السواء تستغل العقائد

الخداع والتضليل في نهاية القرن التاسع عشر، زودنا غايتانو موسكا Gaetano Mosca، أحد مؤسِّسي علم السياسة، بصياغة كلاسيكية لما يمكن أن يطلق عليه «تضليل الجماهير» Crowd anipulation كتفسير للدين وتقديس السياسة أدرِك كمجرد وسيلة أو حيلة مخترعة من أساطير دينية على ما يبدو، ورموز وطقوس تمَّ تبنيها بشكل شعوري لأسباب دعائية وديماغوجية. في مقالة الطبقة الحاكمة The Ruling Class (العنوان الأصلي لهذه المقالة هو: Elementi di scienza politica, 1895) يناقش موسكا، في الفصل نفسه، الكنائس، الشيع والمذاهب الدينية، والأحزاب السياسية، ويضع مؤسِّسي الأديان ومؤسِّسي المدارس الاجتماعية – السياسية ضمن الفئة نفسها. فقد لاحظ أنَّ المجموعة الأخيرة هي «أنصاف أديان خالية من العنصر القدسي». وهو يرى أنَّ المذاهب الدينية والأحزاب السياسية تتصرف بالطريقة نفسها، و«طالما أنَّ أتباعها مخلصون لها وللعَلَم، فإنهم يتسترون عنها ويبرِّرون أعمالهم الخبيثة السيئة». طالما أنهم مهتمون، من يأخذ العادة يتحوَّل إلى شخص مختلف تماماً. موسكا يرى أنَّ السمات الطقسية والرمزية للحركات السياسية كانت شكلاً علمانياً ودنيوياً من أشكال المكر التي تستخدم لخداع وتضليل الجماهير: (جنتيل، أميلو (http:/&rlm&rlm/&rlm&rlmmaaber.

جذور أوروبية

إن تديين السياسة؛ أي صناعة الدين السياسي، تعني ابتكار أيديولوجيات سياسية ذات طابع عملي لوضع الأفكار العقائدية للدين موضع التنفيذ والفوز بحكم الناس بطرق سياسية تقليدية أو معاصرة، وبسط القيم الدينية من قيم وأفكار ورموز وعقاب وثواب، وتحديد دين الدولة في الدستور وإحكام السيطرة على التنوعات الدينية واللادينية في المجتمع.

مصطلح «الدين السياسي» Political Religion، يُنسِب بشكلٍ عام إلى الفيلسوف النمساوي إيريك فوغلين Eric Voegelin، الذي نشر كتابه «الأديان السياسية» The Political Religions عام 1938. هنا مرةً أخرى، تمَّ استخدام المصطلح قبل نشر كتاب فوغلين: استعمله كوندورسيه Condorcet في زمن الثورة الفرنسية. وعرَّف أبراهام لينكولن Abraham Lincoln تبجيل وتوقير القوانين التي وردت في الدستور وإعلان الاستقلال بأنه «الدين السياسي للدولة». كما أطلق لويجي سيتيمبريني Luigi Settembrini على حركة «إيطاليا الشابة» Giovine Italia – الحركة الوطنية – تسمية «الدين السياسي الجديد». واستخدمت الفاشية المصطلح بشكل واضح منذ العشرينيات لتحديد وتعريف وجهة نظرها التوتاليتارية الفاشية في السياسة. وفي عام 1935، قام المؤرخ النمساوي كارل بولانيي Karl Polanyi بدراسة «الميل نحو الاشتراكية القومية لإنتاج الأديان السياسية»، في حين أنَّ اللاهوتي الأميركي راينولد نيبور Reinhold Neibuhr طبَّق هذا المصطلح على الماركسية والشيوعية. (جنتيل، أميلو http:/&rlm&rlm/&rlm&rlmmaaber).

«لماذا تتضمن نهاية الشيوعية فراغاً أكبر مما قيل عنه، فراغاً لا يمكن ملؤه بأية إيديولوجيا تعويضية، إلا إذا كانت تملك نفس الفضائل اللاهوتية. ولكن هنا تكمن نقطة الضعف: فتطورات العلمنة، الموازية لتطورات الفردانية، تقوم حاجزاً من كل جانب ضد عودة العقائد وحجج السلطة والنفوذ. فبانهيار الماركسية، ليست الأفكار السياسية التي نشّطت حياة ملايين الناس هي التي صارت باطلة وحسب، وإنما أيضاً كل رؤية لاهوتية للسياسة. إننا لا نجتاز ممراً فارغاً، انكفاءً مؤقتاً على الحياة الفردية، قابلاً لأن يأخذ مكانه انبثاق مشروع كبير جديد، إيكولوجي أو غيره. وإنما الأزمة، بداهة، هي أزمة بنيوية، «تاريخية»، أي مرتبطة بالانحراف الذي يمارسه العالم العلماني والديمقراطي، بلا استثناء، على كل أشكال التدين التقليدية». (فيري: 2002: 17). الفراغ الوجودي استعمل (هانز مائير Hans Maier) مصطلح (الدين السياسي) في حقل العلوم السياسية رغم أن ظاهرة الدين السياسية قديمة قدم الأديان، وكان المصطلح يشير إلى الاستخدام النازي للدين أيام النازية، والمجتمعات الشمولية أكثر عرضة لظهور الدين السياسي، لكن هذا لا يعني بأن المجتمعات الديمقراطية تخلو من الدين السياسي، فقد يرادف هذا المصطلح مصطلحاً آخر فيها وهو (الدين المدني)، ففي أميركا استخدمه بهذا الوصف روبرت بلاّه Robert bellah عام 1967.

العلماء الذين درسوا ظاهرة الدين السياسي هم:

  1. وليام كوتلي في علم السياسة

ويرى البعض أن الدين السياسي هو نمط استخدام علماني للدين، فالداعية الديني يستخدم فيه طرقاً علمانية، بل إن هناك من السياسيين العلمانيين يستخدمون الدين السياسي كوسيلة لهم.

رأى أغلب هؤلاء العلماء والباحثين أن ظهور الدين السياسي هو رد فعل على الفراغ الوجودي والعدمية قبل ظهور الحداثة، وكانت السياسة المباشرة صعود الدولة البيروقراطية في المجتمع الجماهيري، وقد وصفها أغلبهم بأنها تمرد (ضد دين الله) و(شبه الأديان) و(بديل الأديان) و(الأديان المتلاعب بها من قبل الإنسان) و(معاداة الأديان)، وهو ما كانت الحداثة والعلمنة سبباً له أيضاً في المجتمعات الحديثة.

مقاربة إسلامية الأحزاب الإسلامية شذّت عن مفهوم الإسلام السياسي في الغرب، فأعادت تصنيع الأديان لغايات سياسية من أجل إعادة حكم الإسلام للعالم الإسلامي وغزو العالم من جديد!! فقد كان حلمها هو الخلافة، وإعادة الخلافة، ويندر أن تشذ حركة إسلامية عن هذا.

قام هانز مائير من جامعة ميونيخ، وهو الذي أطلق مصطلح (الدين السياسي)، بنشر بحث حول (الدين السياسي: المفهوم والحدود) جاء في خلاصته: «يدرس هذا البحث الشيوعية والفاشية والاشتراكية باعتبارها تقدم العناصر الأساسية للدين التقليدي مثل طقوس التطهير والتوبة والتجديد والأنماط الطقوسية للسلوك والبدع، وهو يقدم هذه الظواهر كمفاهيم تلقي الضوء على هذه الظاهرة من خلال تحليل النازية التي قدمها الكاتب فرانس فيرفل عام 1932، وهو يقول بأن جذوراً جاذبية تكمن في تحليل هذه الأزمة الاجتماعية والسياسية لفايمر Weimer التي ظهرت على نطاقٍ واسع كأزمةٍ شخصية تخص المعنى والهوية، وهو ما أضفى شكلاً تعويضياً على الحركة النازية بأكملها. وأخيراً فالباحث يشكك في شرعية (الدين السياسي) كمفهوم ويسأل عمّا إذا كان يمكن حقاً أن يستخدم لشرح أو إلقاء الضوء على الظواهر السياسية دون توشية الفكرة الأساسية للدين في هذه العملية».(Maier:2007)

الأمر مختلف في العالم الإسلامي، حيث الإسلام السياسي واقع حال، سواء في التطبيقات الإسلامية العامة، أو في الحركات والأحزاب الإسلامية «لقد تعلق الدين بالسياسة، مثلما تعلق العسكريون، مثلاً، بالحكم مباشرة أو مداورة، ولا يكفي وضع فاصلة أو فارزة بين الدين والسياسة، أو بين العسكر والحكم في العالم العربي والإسلامي، حتى يقع الفصل، ويتحقق الفرز. هذا الفصل والفرز لن يُفهما خارج مسارات الجمهور نفسه. فهذا الجمهور الديني ـ السياسي المشترك، لا يرى بالملموس تبايناً بين مبنى الإسلام كدين، ومبنى الدولة في الإسلام، حتى لا نقول مبنى (الدولة الإسلامية). الجمهور العربي، المسلم وغير المسلم، هو جمهور عبادي (طقسي: الشهادة للواحد، النبوة، الصلاة، الزكاة، الحج، الصوم) لكنه في السياسة انقيادي، لا قيادي. والقيادة في مكان آخر، فوق الجمهور. صحيح أن القرآن لم يقل إن الإسلام دين ودنيا، لكن فقهاء السياسة قوّلوه ذلك، وأدخلوه في رواسم الجمهور». (خليل: 2005: 121).

الإصلاح والمصالح

شهدت أوروبا حركة للإصلاح الديني خلال القرنيين 15 و16، تزعمها دينيون تأثروا بأفكار الحركة الإنسية، فوجهوا انتقادات عدة للكنيسة الكاثوليكية، وطالبوا بإصلاح ديني يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

من أبرز دوافع الإصلاح الديني بيع صكوك الغفران من طرف الكنيسة الكاثوليكية، حيث كانت الكنسية تبيع صكوك الغفران للفلاحين الفقراء، تحت حجة بناء كنيسة القديس بروما، وذلك في عهد البابا جيل الثاني وخليفته ليون العاشر. وقد شهدت الكنيسة المسيحية في عصر النهضة الأوروبية انحراف بعض البابوات تقياً، والبعض الآخر يهتم بممارسة الترف والبذخ والرخاء. ومن البابوات الذين كانوا متهمين بالإسراف ليون العاشر، الذي كان محا انتقاد المصلحين الدينيين كالمصلح جان ويكلف الذي انتقد مبالغة الكنيسة في اكتناز الأموال، ولذلك دعا إلى الاستحواذ على ممتلكات الكنيسة واستغلالها في إصلاح البلاد.

وكذلك المصلح جان هس الذي دعا إلى عدم تقديس البابوية، لأن أفكارها وسلوكها بعيدين عن الديانة المسيحية، وأن تصرفاتها الفاسدة تتنافى مع القيم التي يدعو إليها الإنجيل، وقد أدى به انتقاده إلى إعدامه سنة 1415 بتهمة الهرطقة.

ونشأت عن حركة الإصلاح الديني التي توسعت فيما بعد، وأصبح لها رموزها، منهم مارتن لوثر، الدعوات لفصل الدين عن الدولة، ونشوء العلمانية، قبل أن تظهر الحركات الشمولية (النازية، الفاشية، الشيوعية) التي استغلت الدعوات الدينية أو قلّدت أساليبها.

هوامش

  1. خليفة، فريال حسن: الدين والسياسة في فلسفة الحداثة، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة (2005).

4.Maier, Hans: Political Religion: cncepi and st limitations, Totalitarian Mnements and political Religion, Vol. 8, No 1, 5- 16 March, London (2007)

  1. خليل، أحمد خليل: سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق الأوسط المعاصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت (2005).