اقوال

داخل كل إنسان نبي لو استيقظ ازداد الشر في العالم..من شذرات سيوران فتعرف عليها

By nasser

February 20, 2018

-إميل سيوران: في كل إنسان ينام نبي؛ وعندما يستيقظ يكون الشر قد ازداد قليلا في العالم.

الحاجة اللاواعية للوعظ متجذرة في دواخلنا، بحيث إنها تنبثق من أعماق مجهولة نحو غريزة حماية الذات. كل منا ينتظر لحظته المناسبة ليبتدع شيئاً- أي شيء. يناديه صوت : هذا يكفي، إنه يكلفنا كثيراً ألاّ نكون صماً وبكماً.

من المغرورين حتى الزباليين، الجميع مستغرقون في كرمهم الوحشي، في توزيع صيغ للسعادة.  الجميع يريد أن يعطي الإرشادات: وعليه الحياة العامة لا تحتمل، و الحياة مع الذات تضل كذلك أيضاً،إذا فشلت في حشر نفسك شؤون الآخرين؛ فلن تعرف الاستقرار في حياتك الخاصة.  تحول ذاتك إلى”دين”،أو إلى رسول في الاتجاه المعاكس إلى أن تنكرهما معا-نحن ضحايا لعبة كونية-. . .

وفرة الحلول المعروضة لتمظهرات الوجود لا يميز بينها إلا بمدى سخافتها. التاريخ: مصنع للأفكار… مثيولوجيا مختلة، سُعار الحشود والمعتكفين… رفض لمواجه الواقع وجهاً لوجه، عطش بشري للخيال.

 محرك جميع أعمالنا يمكن في تلك الحاجة لإجلال نفوسنا باعتبارها مركز الكون ومحركه، نهاية التاريخ.

ردود أفعالنا وطريقة استجابتنا لكبريائنا، تحول الكوكب إلى جزء لا يتجزأ من جسدنا ومن وعينا بما نحن عليه. لو كان لدينا الوعي الصحيح بمكانتنا في العالم، لو وعيناها دون فصلها عن مجمل الحياة ككل؛ فإن انكشافَ حضورنا التافه كفيلٌ بسحقنا. لكن أن نعيش يعني أن نعمي عيوننا على أبعاد وجودنا.

لو أن جميع أفعالنا من التنفس إلى تأسيس الإمبراطوريات أو النُظم الميتافيزقية، لو أنها لم تنطلق من وهم عظمتنا وأهميتنا، ومن باب أولى، من غريزة النبوءة، من كان ليتقدم برؤية شاملة مستمدة من بطلانه، من كان ليتقدم ليكون مؤثراً، وليجعل من نفسه مُخلصاً؟.

نوستالجيا إلى عالم بلا “مثاليات”، إلى عذاب بلا مذهب، إلى أبدية بدون حياة. . . -الفردوس -. . . لكننا لا نستطيع أن نوجد لحظة واحدة بدون أن نخدع نفوسنا: النبي في كل واحد منا هو بذرة الجنون التي تدفعنا إلى الإشراق والتمرغ في بطلاننا.

المثاليات مغرية؛ لذا فهي تبدو طبيعية،  لكن على الإنسان ألاّ يبحث عن ملجأ خارج اللاشيء القابع بداخله . . . أستطيع أن أتصوره يقول: مُنسلخاً عن الهدف، عن جميع الأهداف، من رغباتي ومن سخطي أبقيت على الصيغ فحسب. مقاوماً لإغراء الخلاصة ،انتصرت على العقل، كما أنني انتصرت على الحياة نفسها برهبة من يبحث لها عن جواب. المسرحية الإنسانية- يالها من قيء! الحُب- تبادل لُعاب… جميع المشاعر تنهل حليبها من بؤس الغُدد. النُبل هو فقط  في رفض الوجود، في ابتسامة تُطالع المساحات الممحوقة . منذ أن صار لي “نفسا”؛ لم أعد أكثر من موضوع للوجود … ألتهم بنهم جميع المُسكنات التي تمنحني إياها العزلة، والتي هي أضعف من أن تجعلني أنسى العالم. بعد قتلي لكل الأنبياء بداخلي؛ كيف يمكن أن يظل لي مكان بين الرجال؟.

ترجمة/شيفا

 

“عاهاتي أفسدن علي حياتي ولكن إذا أنا موجود، إذ يتوهم لي ذلك، فبفضلهن”. في هذا الكتاب نصوص مختارة دونها الأديب الروماني “سيوران” المولود في رومانيا سنة 1911م، والمقيم في فرنسا التي هاجر إليها سنة 1937. وما يميز هذه المجموعة هو أنها قد جاءت باللغتين الفرنسية وما يقابلها بالعربية، حيث حرص المترجم على إثبات كل نص وإلحاقه بما يقابله بالعربية، وذلك ليتسنى للقارئ العربي الاضطلاع على كنوز الأدب العالمي من النصوص.

ولد في قرية رازيناري, سنة 1911 وهي إحدى قرى ترانسيلفانيا الرومانية. نشأ في مناخ لا يمكن إلا أن يجذر لديه روح المفارقة التي طبعت كتاباته فيما بعد. فقد كان والده رئيس كنيسة الطائفة الأرثودكسية بالقرية، وكانت أمه لا تنفي سوء ظنها بكل ما يتعلق بالدين واللاهوت, إلا أنه وبالرغم من عيشه تحت ظل هذا التناقض الغريب إلا أنه ظل يحمل عن طفولته انطباعاً فردوسيا, فقد عاش تلك الفترة على إيقاع الطبيعة متمليا الخضرة ومنصتا إلى حكاوى الرعاة. قام بتأليف 15 كتابا إلى جانب المخطوطات التي عثر عليها بعد وفاته. اضطر للرحيل سنة 1921 إلى سيبيو المدينة المجاوره ،حيث المعهد الثانوي، وحيث أصبح والده رئيس الكنيسة. اضطر ثانية للرحيل إلى بوخارست لدراسة الفلسفة وهنالك عرف لأول مره أول عوراض المرض الذي سيرافقه كثيرا وهو الأرق.

و قد عانى من جراء ذلك كثيراً حتى فكر في الانتحار، إلا أنه سرعان ما حول ليالي الأرق تلك إلى وسيلة للمعرفة. كان في سن الثانية والعشرين وقتئذ. وألف وقتها كتابه الأول على ذرى اليأس الذي نشر عام 1934. بعد سيبيو انتقل إلى برلين حيث أقام فترة للدراسة ثم تفرغ لتدريس الفلسفة بمعهد براسلوف ووقتها نشر العديد من المقالات وأيضا كتابه الثاني (كتاب الخدع) باللغة الرومانية أيضا.

إلا أنه في نهاية 1937 وقبل صدور كتابه (دموع وقديسين) تحصل على منحه من معهد بوخاريست الفرنسي وارتحل على الفور وقتها. سنة 1947 عرض مخطوط كتابة (رسالة في التحلل) على دار غاليمار للنشر فقبلت الدار نشره إلا أنه استعاد المخطوط وأعاد الاشتغال على الكتاب، ولم ينشره إلا بعد سنتين.

وقوبل الكتاب بحفاوة نقدية إلا أن التوزيع كان محدوداً جدا. وظلت تلك حال كتبه طوال 30 عاماً، ربما لأنه كان نقيض سارتر سيد المشهد وقتها.

ثم مالبث الأمر أن تغير لنقيضه سنة 1965 حيث صدر كتاب (رسالة في التحلل) ضمن سلسة كتب الجيب ذات الانتشار الواسع. ظل سيوران يمتنع عن الجمهور ويرفض الجوائز ويبتعد عن وسائل الإعلام مكتفيا بالكتابة. إلا أن هناك أمر أثر في كتابات سيوران وفي حياته وفي نظرته للعالم وعلاقته مع الآخرين، وقابله أغلب التكتم والإنكار وهو علاقته بالفاشيّه وبـ هتلر شخصيا. كان في الثانية والعشرين وقتئذ وقد برر مواقفه في أكثر من مناسبة، بالطيش وعدم النضج. إلا أن نصوصه التي نشرت بعد موته تشير إلى غير ذلك. توفي سيوران بعد أربعة وثمانين عاما بباريس إثر مرض عضال. و قد ظلت ترجماته للعربية محتشمة أو غير قادره على إيصاله بالشكل الملائم، وهي في الأغلب مقتطفات في المجلات والصحف، فيما عدا (توقيعات) الذي ضم مختارات من ثلاثة كتب لسيوران. و كتاب (المياة كلها بلون الغرق) أول كتاب ترجم للعربية كاملا. “مثالب الولادة”: أحقاد إميل سيوران

علي العائد “ماذا تفعل من الصباح إلى المساء؟ يسأله أحدهم، أو يسائل نفسه. الإجابة: أُعانيني”. بمثل هذا التكثيف الفلسفي الشاعري يسخر الرّوماني إميل سيوران (1911 – 1995) من نفسه، ومن فكرة الحياة التي عانى فيها من يوم ولادته أكثر مما عانى في الشيخوخة، ومن الموت الذي أتاه في الرابعة والثمانين من عمره. هو فيلسوف وشاعر حيناً، وراءٍ في أحيان أخرى.

في كتابه “مثالب الولادة” (عُرف في ترجمات أخرى بعنوان “في مساوئ أن يكون المرء قد وُلِد”)، الصادر أخيراً عن “منشورات الجمل”، بتوقيع المترجم التونسي آدم فتحي، يلتقي تشاؤم سيوران مع تشاؤم لوتريامون، وتتقاطع وجوديته مع وجودية سارتر. يقرأ المسيحية بعهديها القديم والجديد؛ مقارناً بينها وبين أديان شرق آسيا. وفي شبه تأكد، ينتقد الطقوس لمصلحة التصوّف، والنصوص المباشرة لمصلحة العرفان. فالمسيح، في رأيه، لم يدرك أن مأزق الإنسان في الوجود يكمن في ولادته، بينما أدرك بوذا ذلك في خطابه لتلاميذه.

يقول بوذا: “لولا وجود ثلاثة أشياء في العالم يا تلاميذي، لما احتاج الكائن الأكمل إلى الظهور في هذه الدنيا”. يشرح سيوران: “وقبل الشيخوخة والموت اعتبر بوذا واقعة الولادة مصدراً لكل العاهات، وكل الكوارث”.

نجد أنفسنا في مواجهة فيلسوف ألماني، وشاعر فرنسي، ولاهوتي أرثوذكسي مرتد روماني ” في السياق نفسه، يعلن صاحب “المياه كلها بلون الغرق” عن عدم إيمانه بالطقوس: “بأي حق تصلّون من أجلي؟ لا حاجة لي بشفيع، سأتدبر أمري لوحدي”. على أنه لا يضع الولادة في خانة السلبية الكاملة، إذ يتجاوز في لحظات نرجسية ذلك التشاؤم: “أعلم أن ولادتي مصادفة؛ حادثة مضحكة. وعلى الرغم من ذلك، فإني ما إن أنسى نفسي حتى أتصرف وكأنها واقعة رئيسية ضرورية لمسيرة العالم وتوازنه”. ويبدو سيوران واضحاً في توجهه لمدح الولادة. فيوم ولادته الضروري لمسيرة العالم هو نفسه الذي يجعله يُشبع الأيام الأخرى في حياته لعنات، على العكس من النبي أيوب، الذي لعن يوم ميلاده فقط وهو يعاني ابتلاء ربه لصبره.

كتابات سيوران على العموم، وهنا تحديداً، مجمع أفكار يسجّلها قبل أن تداهمه فكرة أخرى. لكن الفكرة التي يكتبها تبقى كما هي، تكثيفاً إنشائياً حيناً، أو بلاغة شاعرية، على عكس ما يقوم به الفيلسوف، الذي يطوّر الفكرة، بإنشاء مستفيض على منهج، وشرح ما يجب هنا، وإحالة إلى مصدر هناك. بينما يضع سيوران، هنا، الخبرة كلها، أو القول تاماً، لمن يريد، كونه في شغله يتابع الأفكار كمن يلتقط الفراشات واليعاسيب في حقل متاح لتحليق الأفكار الشريرة والخيِّرة.

الوعي عنده هو “الرذيلة الوحيدة التي تتيح لك أن تكون حراً، حراً في صحراء”. الرذائل تتيح لنا التقدم بسهولة: “الرذائل مرنة بطبعها يساعد بعضها بعضاً ويتسامح بعضها مع بعض. أما الفضائل الغيورة فهي تتخاصم ويلغي بعضها بعضاً، وليس من مجال إلا وهي تبرهن فيه على تنافرها وعدم تسامحها”.

كان صاحب “تاريخ ويوتوبيا” أميناً مع نفسه في كرهه للمنابر والجوائز: “سُكنى بالوعة ولا الوقوف على منصة”، مؤمناً بأن الحياة أوسع وأقدم من منجز الإنسان على الأرض: “لو استطعنا أن نولد قبل الإنسان!”. ولا يفرق بين حضارة مادية متقدمة، وحضارة روحية متباهية: “الغرب: عفونة ذات رائحة زكية. جثة معطرة”. أرقه المزمن موضوع متكرّر لشذراته: “لا قهوة، لا كحول، لا تبغ، منذ سنوات! من حسن الحظ أن لديّ القلق الذي يعوض بشكل مجدٍ أقوى المنشطات”.

وبمثل هذا المزاج المحروم من نعمتي النوم والنسيان، لا بد للشك من أن يقيم في ذهن صاحبه: “قالت لي سيدة مطلعة: أنت ضد كل ما أُنجز منذ الحرب الأخيرة. لقد أخطأتِ التاريخ. أنا ضد كل ما أنجز منذ آدم”. كما أنّه يقدِّم مفارقاته الوجودية السوداوية وأحقاده بشكلٍ ساخر، كقوله: “اقترفت كل الجرائم باستثناء أن أكون أباً”.

ولأن البشرية، أفراداً وقبائل ومجتمعات، تسير على منوال رتيب، يجد سيوران في نرجسيته ما يدَّعيه من إمكانية تعليم بشر التاريخ الماضي والحاضر، مستغرباً ألا يكونوا أدركوا أن مأزق الحياة في الولادة، وليس في الموت: “ليس من برهان على ما بلغته البشرية من تقهقر أفضل من استحالة أن نعثر على شعب واحد، أو قبيلة واحدة، ما زالت الولادة قادرة على أن تثير فيها الحداد والمناحات”.

وبين هذه الولادة، وذلك الموت، في مأزق الحياة، لا بد أن نتمرد مرة، أو مرات، على شيء ما، أو على أنفسنا، لكن: “حين نتمرد بعد أن نكون قد تجاوزنا سن التمرد، فإننا نظهر لأنفسنا بمظهر إبليس خرف”.

ورغم أن سيوران ليس فيلسوفاً بالمعنى الدقيق للكلمة، أو شاعراً، للاعتبار نفسه، وهو بالتأكيد ليس نبياً، فإن ما يقوله من شذرات يتجاوز فكرة الحكمة الفردية، بجمعه قدراً من كل من تلك الثلاثية (الفلسفة، الشعر، العرفان)، دليلاً على ثقافة واسعة أتاحتها له عزلته عن المجتمع، وبدورها أتاحت له هذه العزلة قدراً هائلاً من التأمل جعل الأفكار تتناغم في مواضع، وتتصادم في مواضع. من هنا، نجد أنفسنا في مواجهة فيلسوف ألماني، وشاعر فرنسي، ولاهوتي أرثوذكسي “مرتد” روماني.

الأشلاء الفلسفية لـ «إميل سيوران»

محمد أسامة

29/06/2016

الفيلسوف الروماني العدَمي «إميل سيوران» ( مصدر الصورة : Flickr/Arturo Espinosa / CC-BY 2.0 ) عندما سأله أحدُهم: أيّ كتبك يجدر بي مطالعتُها أولاً؟ أجابه: «بوسعك أن تختار أي كتابٍ تشاء؛ إن كتبي تعالج المسائل ذاتها، وتتبنّى المواقف نفسَها». هكذا كانت إجابة إميل ميهاي سيوران، أشهر فلاسفة رومانيا على الإطلاق، وأشهر العدميين والمتشائمين في العصر الحديث. وهي الإجابة التي أكّدتها خليلته سيمون بويه بقولها: «إن جميع كتاباته ما هي إلا تنويعات على مسألة واحدة، ولا بد أن تلك المسألة هي التي تبدت أمامه في العشرين من عمره، حسبما كرّر مرارًا»؛ الأمر الذي يفسّر تلك الفكرة السائدة عن سيوران بين قارئيه: وحدة أفكاره، وعدم تبدلها طوال مسيرته، فكل صياغةٍ منه لا تعدو أن تكون نقطةً على نفسِ خطّ العَناء.

التقلّب في العناء ولد إميل سيوران في الثامن من إبريل عام ١٩١١م، في قرية رازيناري، بمقاطعة ترانسلفانيا الرومانية، كان والده قسيسًا أرثوذكسيًا نشطًا ومؤثرًا. قضى طفولته بين الطبيعة متجولًا وسط الرعاة الرومانيين، وحيدًا أغلب الأوقات، قبل أن يرحل في ١٩٢١م، إلى أحد معاهد مدينة سيبيو المجاوره الثانوية، حيث انتقل والده، وهناك أظهر اهتمامًا ملحوظًا بالعلوم الإنسانية.

تأثّر سيوران في بدايات شبابه بفلسفات وجودية وفاشية، وقادته إصابته المستمرة بالأرق للتفكير في الانتحار وصياغة فلسفته التشاؤمية. ثم سافر في السابعة عشرة من عمره إلى بوخارست لدراسة الفلسفة في جامعتها، والتقى هناك بصديقي عمره: يوجين يونسكو وميرتشيا إلياده، وتبنى أفكار معلمهم الفيلسوف الروماني ناي يونسكو، التي كانت مزيجًا من الوجودية والفلسفات الفاشية. في تلك الفترة بدأت معاناة إميل سيوران مع مرض الأرق الذي سيلازمه طيلة حياته. كان الأرق مزعجًا إلى درجة دفعته إلى التفكير في الانتحار، لكنه عدل عن ذلك وشغل وقته بالقراءة والمذاكرة. أجاد سيوران الألمانية؛ مما يسر له استيعاب فلسفات إيمانويل كانت، وشوبنهور، وهيدجر، إضافة إلى نيتشه الذي سيكون له أثر كبير على سيوران. ثم قدم سيوران أطروحته حول هنري برجسون التي نال عنها شهادة البكالوريوس، إلا أنه سيتبرأ منها فيما بعد، عندما يتبدى له أن برجسون «لم يستوعب مأساة الحياة».

انتقل إميل سيوران في عام ١٩٣٣م إلى ألمانيا حيث حصل على منحة دراسية من جامعة برلين، وشهدت تلك الفترة نشر أول كتبه «على ذرى اليأس» عام ١٩٣٤م، و«كتاب الخدع» ١٩٣٥م في رومانيا. ثم عاد إلى موطنه عام ١٩٣٦م، ليعمل بالتدريس لمدة عام في معهد براسوف، وينشر «تحولات رومانيا» الذي جاء متعاطفًا مع السياسات الشمولية للحرس الحديدي الروماني اليميني المتطرف -وهو ما سيعلن ندمه عليه لاحقًا- قبل أن يحصل على منحة من معهد بوخاريست الفرنسي في نهاية ١٩٣٧م ويرحل فورًا.

وفي عام ١٩٤٦م، قرر سيوران قطع علاقته مع الماضي بالتخلّي عن اللغة الرومانية، والكتابة بالفرنسية، معتزمًا البقاء في فرنسا. وسيتم كتابه الفرنسي الأول «موجز التفكيك» عام ١٩٤٧م، إلا أنه لن ينشر قبل مرور عامين عن عن دار جاليمار التي ستتولى نشر سائر أعماله، لينال الكتاب بعد عام الجائزة المخصصة للكتّاب الأجانب وستكون هذه هي جائزته الوحيدة، حيث سيقرر بعدها رفض تسلم أي جائزة أخرى كجزء من العزوف عن الوسط الثقافي والابتعاد عن الأضواء الذي سيفرضه على نفسه.

ورغم تلك الجائزة، لن يبزغ نجم شهرته قبل أعوام كثيرة، وفي تلك الفترة ستتوالى مؤلفاته مثل «مقايسات المرارة»، و«التاريخ واليوتوبيا»، و«مثالب الولادة»، بينما يعيش ما تبقى من حياته مع رفيقة عمره أستاذة الأدب الإنجليزي سيمون بويه في الحي اللاتيني بباريس، في حالة مادية سيئة، قبل أن يتوفي عام ١٩٩٥م بعد إصابته بمرض الألزهايمر.

من النيتشويّة إلى الباريسية المتأمل في سيرة سيوران لا يملك إلا التعجب من التباين الواضح بين الجانب الأكثر شهرة من فلسفته، وبين نهجه في مرحلة الشباب؛ فكيف لفيلسوف العدمية أن يتحمس بشدة لسياسات الحزب النازي؟، لدرجة أن ينشر مقالًا في إحدى الصحف أثناء إقامته في برلين يعلن فيه أن أدولف هتلر السياسي المعاصر الوحيد الذي يستحق الإجلال!، كما أيد الإعدامات السياسية التي عرفت باسم «عملية الطائر الطنان». كان تحمس سيوران تحمس الشاب الطامح إلى المجد؛ ذلك المجد الذي كان يتمناه لوطنه رومانيا، فكتب في «تجليات رومانيا» المنشور عام ١٩٣٧م -وهي الفترة التي شهدت تقاربًا في الآراء بينه وبين الفاشية الرومانية- ينتقد وطنه ويستنهضه كي يحتل مكانه بين الأمم العظمى مثل فرنسا وألمانيا.

ينقسم إنتاج سيوران الفلسفي إلى مرحلتين: «النيتشوية» التي تأثّر فيها بنيتشه، و«الباريسية» التي تأثرت بالكتابات الهيومانية والتشكيكية الأوروبية. هذا وغيره الكثير يجعل بالإمكان تسمية تلك المرحلة بـ «المرحلة النيتشوية» أيضًا. والأمر يتعدى كتابة «الشذرات» التي تبناها سيوران في معظم أعماله، والتي اشتهر بها نيتشه من قبل، فلقد توافقت طبيعة نصوص نيتشه مع حماسة الشاب وميله إلى تقويض اليقين والحاجة إلى الشعور بالتفرد الذي تبدى في رفض الأطروحات الميتافيزيقية التقليدية، فأسفر ذلك عن رؤية وجودية تثمن القوة والحيوية والشجاعة والمجد، بطولة تراجيدية خالصة، لا يمكن فصلها عن تأييده للسياسات الفاشية.

أما المرحلة الباريسية فقد أتت محملة بمراجع وقراءات وتحيزات مختلفة تمامًا، وستشهد خفوت التأثير الألماني، والتغول التدريجي للكتابات الهيومانية والتشكيكية الأوروبية، إلى جانب عدد من النصوص الغنوصية والفلسفات البوذية، ليصبح الكتاب الفرنسيين خصوصًا مرجعًا شبه دائم لكتابات سيوران. حيث ستظهر صورة مختلفة، صورة الإنسان المحكوم بالموت، وفاقد الحيلة أمام قوى كونية هائلة. أما عن أثر نيتشه، فهو -وإن كان ما يزال ملاحظًا في كتابه الفرنسي الأول «موجز التفكيك»- سيأخذ في الخفوت تدريجيًا مفسحًا المجال أمام سيوران الفيلسوف المكتمل، رسول التشاؤم والشك الأكبر، وهو الشك الذي سيراه باتريس بولون هربًا وتبرؤًا مستمرًا من الماضي الملوث بالانحياز إلى الفاشية، وسيلمّح رولان جكار إلى كونه نوعًا من الندم الصادق وتأنيب الضمير.

شذرات «سيوران» أشلاءٌ فلسفية تخلو فلسفة سيوران في أغلبها من التنظير بشكله المعتاد، فهو يصرخ ويعوي ويوجه طلقاته فرادى، على شكل شذرات، تلك الهيئة الأدبية التي تجعل من المستحيل على القارئ الإمساك بنظرية محددة، بل هي شذرات متناقضة أحيانًا، تقول الشيء مرة، ثم تقول عكسه، وربما تأتي شذرة ثالثة فتحل الإشكال المتوهم، أو لا تأتي. ومن المهم هنا ألا ننسى مقولة سيوران: «يفنى كل ما هو قابل للتصنيف، ولا يبقى إلا ما كان حمال أوجه»، إضافة إلى مناسبة هذا الشكل الأدبي لفلسفة سيوران الكاره لكل نسق فلسفي مكتمل، وهو ما عبر عنه في أحد اللقاءات قائلًا: «إن عملًا طويل النفس، يخضع لمتطلبات البناء ومزيفًا بهاجس التتابع، لهو عمل مفرط في التماسك إلى حد لا يمكن أن يكون معه حقيقيًا»، كذلك قال مدافعًا عن انتهاج نيتشه هذا الأسلوب: «لا شيء أكثر إغضابًا من تلك المؤلفات التي تنسق فيها الأفكار المبعثرة لعقل حي لم يكن هدفه إنشاء منظومة على الإطلاق».

انطلقت شذرات سيوران من واقع كراهيته لكلّ نسقٍ فلسفيٍ مكتمل، وتناولت مأساة الإنسان في أشكالها المختلفة. لكن هذه الشذرات تدور حول عدد من المسائل الأساسية، أهمها وأشدها خصوصية هي مشكلة الولادة والسقوط في الزمن، وهي مأساة الإنسان الأساسية عند “سيوران”، لا الموت كما عند الوجوديين. فسقوط الإنسان في التاريخ جعل العودة إلى الطمأنينة الأولى أمرًا مستحيلًا، فنحن نحيا -حسب سيوران- والشر خلفنا لا أمامنا، وهذا السقوط يؤدي بالضرورة إلى رعب الصيرورة، والجحيم عنده هو المكان الذي يحكمنا فيه الزمن إلى الأبد. فسيوران يحن إلى «زمن ما قبل الزمن»، حيث الأمل في تفادي كارثة الولادة ما يزال متاحًا. فهو القائل: «أتقبل الحياة، وأتقبل الموت، لكني لا أتقبل الولادة». ومشكلة الولادة هذه هي التي دفعت سيوران ليصبح أحد أعتى مناهضي الإنجاب، حتى أنه لم ينجب قط، وقال مرة: «آه لو يدرك هؤلاء الأطفال الذين لم أنجبهم مقدار السعادة التي يدينون بها لي!».

وفي المجمل، تظل شذرات سيوران القصيرة السهلة، أصدق تعبير عن أفكاره:

– لا يدرك معظم الناس الاحتضار البطيء الذي هم فيه، ولا يعرفون إلا احتضارًا واحدًا، ذلك الذي يسبق الولوج في العدم.

– إذا كان للأمراض مهمة فلسفية في هذا العالم فستكون البرهنة على أن هذا الشعور بأبدية الحياة مجرد وهم.

– أخذك الشؤون البشرية على محمل الجد يخفي وراءه مقدارًا هائلًا من النقائص.

– داخل كل إنسان هناك نبي، حين يستيقظ يزداد الشر في العالم.

– انعدام العدالة هو جوهر الحياة الاجتماعية.

– أن تكون مفهومًا لهو إذلال يفوق كونك غير مفهوم.

– أحلم بلغة كلماتها مثل اللكمات، تهشم الفكوك.

– الحياة ليست ممكنة إلا بسبب قصور المخيلة والذاكرة.

عدمية الحياة ولا جدوى الموت يحتقر سيوران الحياة كشأن كل متشائم عدمي، بل يصل إلى حد بغض كل من يكثر من ذكر الكلمة، ويرى في المرض والعذاب نوعًا من السلوان الذي يتحسر أنه لم ينل منه الكفاية، وهو القائل: «لو كنت مصابًا بمرض عضال لشكل ذلك لي خلاصًا». فينظر إلى كافكا ويغبطه على نعمته، أليس العمق – كما قال- ملكًا حصريًا للمعذبين؟، كيف للإنسانية أن تسمو في حالة من الصحة والنشاط؟، حتى أنه شرح رؤيته للتطور قائلا: «إن انفصال الإنسان عن المملكة الحيوانية يرجع -بلا شك- إلى كونه أكثر عرضة للأمراض».

احتقر سيوران الحياة والمعرفة، وامتدح المرض والجهل؛ ومع ذلك كان يشجّع على عدم الانتحار، ويرى أن الموتَ ليس حلاً!. لكن لعل هذا الإجلالَ للمرض أمرٌ اضطراريٌ، كونه ولد إنسانًا بالفعل -وهو ما يجذر من أصالة المعاناة في الحالة الإنسانية- أما على مستوى الخيال فلا يخفي سيوران احتقاره للوعي والمعرفة، فالخطيئة الأولى لم تكن خيانة «آدم» للعهد، بل خيانته نعمة الجهل وسقوطه الكابوسي في المعرفة. يتمنى سيوران لو كان حيوانًا، بل حشرة، وحبذا لو كان نباتًا!. إنه يتمنى الهرب من ذلك الوعي إلى الجنة، حيث لا نعي شيئا، وهكذا فنحن نحيا في عالم لا يستحق أن نعرفه.

إذن، فهل يحبذ سيوران الانتحار؟. الانتحار هو الفكرة التي ستطرأ على ذهن الإنسان متى طالع عناوين كتبه فقط. لا، فتلك الفكرة لم تكن حلًا بالنسبة إلى سيوران، بل ربما كانت خلاصًا من فعل الانتحار في ذاتها. حتى سيوران نفسه كان يخشى في بداية رحلته الأدبية أن تدفع كلماته الناس إلى إنهاء حياتهم، لكن المفاجأة كانت أنها ساعدت أشخاصًا من مختلف الجنسيات على العدول عن هذه الفكرة. لعل أحد الأسباب هو تلك السلبية التي تترفع حتى عن فعل الانتحار، فقد صرح: «لست إنسانًا نشطًا، ولو كنت لأقدمت على الانتحار، أنا شخص سلبي»، بل يزيد على ذلك باعترافه بفضل تلك الفكرة في استمراره في الحياة: “كنت سأقتل نفسي لا محالة لو لم تكن فكرة الانتحار موجودة!”. إضافة إلى اعتباره الانتحار فعلًا يقوم به المتفائلون الذين فقدوا كل أمل وسبيل إلى الاستمرار في التفاؤل، أما أمثاله من المتشككين المتشائمين، فإذا كانوا بالأساس لا يملكون دافعًا للحياة، أي دافع عساه يدعوهم إلى الموت؟.

حتى الموت عند سيوران لا يمثّل حلًا؛ فالمشكلة ليست في الحياة، بل في الوجود ذاته الذي فرض في لحظة الولادة، ولا سبيل إلى التخلص من ذلك. إلا أن سيوران ينصحنا: «أن نتدرب على ألا نكون شيئًا»، وهذا يظهر مدى تأثير الفلسفة البوذية على سيوران، الذي يرفض أي حياة تحوي أملًا، ويدعو -كفيلسوف شرقي- إلى عيش لا يهدف إلى شيء. آخر تعديل : 30/06/2016 – 12:35 ص المصادر

فلسفة،  إميل سيوران،  العدمية،  الهيومانية،  فلسفات أوروبية،  كافكا،  نيتشه