لماذا نحن متخلفون؟ هل السبب في الثقافة الدينية أم رجال الدين أم المؤمنين؟ مقال+فيديو

 لماذا نحن متخلفون؟ وهل السبب في الدين أم رجاله أم المؤمنين؟ وما علاقة التخلف بنظرية الصور النمطية “الأركيوتايب”؟ ولماذا يشعر الإنسان بالحاجة للاستعانة بهذه الأدوات الذهنية الجاهزة؟ هذه الأسئلة وغيرها سنطلع عليها في هذا المقال والفيديو.

Advertisements
Advertisements

نشر الشاعر والكاتب منصور الناصر فيديو خاص بموضوع الصور النمطية، على قناته في اليوتيوب وهذا النص الكامل للمادة التي جرى التطرق لها بإيجاز في الفيديو.

صورة نمطية خاطئة عن رجل الدين

لدينا صورة نمطية عن رجل الدين مغلوطة تماما

ولأنها نمطية “أركيوتايب” يصعب تغييرها، أو حتى تتبع تأثيراتها على مختلف تصوراتنا عن العالم والنفس والأشياء.

فحوى هذه الصورة أنه رجل بار طيب، متواضع، زاهد، عالم عارف مقدس، يشور، مبارك، يشنط.

والتفكير النمطي هو التفكير الذي يتبعه الشخص أو الأشخاص اعتمادا على الأفكار الجاهزة، وسببها عادة العادات والتقاليد وموروثات ثقافية ودينية متعددة المصادر.

Advertisements

ماذا نفعل حين نجد رجل دين لا يمتلك هذه المواصفات؟ بدلا من أن نقول هذا رجل دين مختلف.. نرفض اعتباره رجل دين!

كأن يجلس في المقاهي أو يلعب كرة القدم أو يعزف على العود أو يحلل حراما وهكذا

وهو حل ذهني سهل وسريع لا يحتاج جهدا عقليا كبيرا لاكتشافه. 

Advertisements

.

الامر نفسه يحدث مع التفريق بين الدين ورجل الدين، كلنا نعرف ان شعوبنا متخلفة وما زالت في ركب الحضارة، ولا تساهم بأي شيء في العالم المعاصر لنا.

Advertisements

فنحن نتجنب تماما فكرة وجود أي خطأ في الدين، ونعتبره كاملا مكملا، نازلا من السماء مباشرة.
ولكي تتحقق هذه التزكية أو الحصانة، يجري إلقاء التهمة على أطراف أخرى.. ونتهمهم بتهمة جاهزة ونمطية هي الأخرى وهي أنهم تجار الدين..

تعريف الصورة النمطية أو القالب النمطي هو حكم يصدر عن فكرة مسبقة عن فئة معينة، فيقوم المدعي بإلباسها صفة العمومية على كل أفراد طبقة أو مجموعة. واشتق منهما فعل التنميط والقولبة. والتاريخ الإنساني مليء بأمثلة النزاعات التي نشأت بسبب هذه الظاهرة حين تحاول مجموعة اجتماعية تهميش واستبعاد المجموعة الأخرى، عبر وصمها بممارسات ترسخ عملية التنميط، وتقولب المجموعة المستهدفة، ومن الأمثلة المعاصرة بناء صورة نمطية معينة عن مجموعة اجتماعية ما، مثل “المسلمين” في أوروبا وأمريكا الشمالية. والهنود والصينيين الخ
كما ان الأصولية والسلفية واليمين المتطرف والجماعات المحافظة عموما هي نماذج للتفكير النمطي.

نعرف جميعا أن لكل ظاهرة سبب.

لكننا حين نحاول معرفة أسباب تخلفنا، نستثني الكثير من الجهات والمؤسسات الاجتماعية من التهمة، وذلك بسبب الصور النمطية المطبوعة داخلنا. هكذا يتوقف تطورنا، وتصبح حياتنا بأكملها عبارة عن صورة نمطية جاهزة.
أي اختلاف عنها يستدعي الاحتجاج والاستنكار وفي  أحسن الاحوال الاستغراب.

(يمكن تعريف الاستغراب نفسه: بأنه كسر للصورة النمطية)

تجارة الصورة النمطية وأنواعها

فنحن حين نلاحظ أن جميع الشعوب التي ما زالت ثقافتها قائمة على الدين، ومحافظة جدا، ما زالت متخلفة حضاريا، وأغلبها تشهد فسادا شاملا في جميع مفاصل الحياة. بالإضافة إلى هشاشة نظمها السياسية واستبداديتها.

أما حروبها فمتواصلة سواء في الداخل أو الخارج، كما أنها لا تشهد نهوضا علميا.

نتحفظ على هذا الكلام.. لأنه يكسر هذه الصورة الثابتة في عقلنا. فما هي ردة فعل الأغلبية؟

تحاول إما تجاهل هذا القول أو مهاجمته بشدة.

فيما يحاول آخرون دحض القول وبطرق مختلفة منها العقلاني ومنها المقدس.

أمر الحجج المقدسة مفهوم

Advertisements

أما الحجج “الدفاعية التي تدّعي العقلانية، فهي تقوم دائما على مبدأ المحافظة على الصورة النمطية، والدفاع عنها بأي شكل.

أي انها تضع النتيجة مقدما ثم تبحث عن مقدماتها .. وستجد حتما كما يقول أرسطو.

وتنقسم إلى قسمين:
النوع الاول: الديني-السياسي.
والنوع الثاني هو: الثقافي-الاجتماعي

النوع الأول في المجال الديني:

ويسمى أبولجيتكس أو اللاهوت الدفاعي، وهو تاريخيا، وليد أو ابن النوع الثاني، لأنه يحول الأنماط الأكثر شعبية في المجتمع إلى عقائد دينية وسياسية وفكرية. تجري لاحقا إجراء عملية Feedback  لإعادة ترويج العقائد الجديدة بصيغ أكثر تنظيما وتوظيفا للأنماط الذهنية الجاهزة.
وغالبا ما يجري فرض نتائج عملية التوظيف هذه على الجميع، مع محاربة أي صور نمطية مختلفة.
وهذا هو السبب أو الجذر العميق لنشوب النزاعات الاجتماعية والدينية

النوع الثاني

Advertisements

ومن أسمائه العادات والتقاليد وهو الذي تشكله الجماعات البشرية فيما بينها، ومن وحي تجاربها الخاصة، وتراكمها الزمني، إنها أشبه بخلاصات أو عناوين توجز للعقل المعنى المتضمن خلفها، وبطريقة تجعله مرتاحا ولا يبذل طاقة كبيرة أو وقتا لاكتشافها.

فحينما أقول كلمة دين مثلا، أو سياسة، أو حب، أو عربي أو مسلم او مسيحي.. أو أي كلمة ترتسم صورة نمطية ثابتة في ذهننا لها. لكننا كلمات أو مفاهيم لو دققنا فيها، لوجدنا أنها معقدة جدا، ويصعب إطلاق حكم نهائي في أي منها!

الامر لا يشمل اللغة فقط، بل الأشياء أيضا والعلامات والأزياء والرموز والحيوانات والنباتات الخ

كلمة الدين من أبرز الكلمات النمطية في ذهننا.

فطالما كنت أقول أن الدين الموروث هو سبب تخلفنا. أجابه باحتجاج شديد،

البعض كثر تعلما ويحاول أن يتلافى الأمر بطريقة أذكى فيقول

أنك تحمل الدين الذنوب كلها، وتنظر لجانب وتترك آخر.. يبدو تحاملك واضحا. فلماذا تتهم الدين فقط؟  

Advertisements

الثبات هو موت افتراضي

جوابي: هو أن الدين يدعي الثبات.. وأي ثبات هو موت وانعدام للتطور والتراكم والحركة. الحركة بركة كما يقال

كل شيء تغير فعلا في حياتنا وتاريخنا إلا الدين ، وإلا جد لي شيئا آخر لا يتغير في حياتنا؟

تثبيت أي شيء فساد وإفساد له ..

فإن قال أحدهم إن الدين ورجل الدين لا علاقة مباشرة له بالتخلف والجهل، ولا بالإنجازات العلمية الحضارية.

فأقول له: هذا صحيح بالنسبة للصورة النمطية ولكن ليس الواقع وما حدث في التاريخ

لأن الكلام هكذا يوحي وكأن رجل الدين صاحب دكان بين دكاكين، لا سلطة لديه على أحد ولا سلطان..

وهذه هي الصورة المزيفة التي يرسمها رجل الدين عن نفسه، من يتحدث هكذا ينقل حرفيا الصورة النمطية التي يرسمها رجل الدين عن نفسه.. بل ويتبناه والغاية تبرئته من مسؤولية اي شيء، من جهة،

وتحميل الآخرين ضمنا مسؤوليتهم عن جهلهم وتخلفهم، من جهة أخرى.

أي انك تبرئ الجاني او المسؤول وتتهم الضحية.. وهذه مغالطة مشهورة جدا وتنتشر في جميع مؤسساتنا..

الخلاصة أن شهوتنا الجارفة لعدم كسر الصورة النمطية داخلنا، هي التي تقودنا إلى إصدار أحكام متسرعة. ولا علاقة لها بالحقيقة ولا الواقع.

وهذا سر انتشار الأديان ونجاحها. فهي توفر لنا عشرات الصور النمطية الجاهزة، إنها أشبه بطريق يعبده ويشقه لنا رجل دين وكل ما علينا أن نسير فيه.

Advertisements

وسأفترض هنا حالتين تهدد أمن وتواصل هذا الطريق الجاهز: تحدث الأولى بفعل جهة تسير في الطريق نفسه، والثانية بفعل جهة تأتي من خارجه:

من الداخل: لنتخيل أن أحدنا يسير مع الجميع ثم يبادر ويقول لرفاقه الذين ساروا معه لعشرات السنين على طريق الدين نفسه.. أو على هدي خارطة طريق دين معين، إن هذا الطريق فيه مشاكل خطيرة، وسيقودنا حتما إلى التهلكة، وأنه سبب جميع مشاكلنا حاليا.

الحالة الثانية: تأتي بفعل جماعات خارجية: تشير بإلحاح إلى رواد هذا الطريق بأنهم يسيرون في الطريق الخطأ.

هاتين الحالتين وردات الفعل الحادة عليهما يختصران مشهد البشرية بأكمله.. والسبب الأركيوتايب وشهوتنا الجارفة له!

علاقة الفساد بالصور النمطية

. وهنا أعود إلى مفهوم الفيدباك: فنحن غالبا ليس أكثر من مخزن للصور النمطية التي يجهزنا بها المجتمع الذي نعيش فيه.

وقادة هذا المجتمع ونخبه المهيمنة، هم الذين يحددون نوع الأحكام الجاهزة التي نتلقاها طوال حياتنا،

وهذا يؤدي إلى مضاعفة فرص انتشار الفساد في جميع المجتمعات القائمة على الدين بوصفه أحد أكبر منتجي الصور النمطية، ومراقبة أنواعها وفرز المقبول منها والمرفوض.

ماذا ينتج عن هذا؟

ورطة وأزمة اجتماعية شاملة.. يصبح الجميع منافقون.. سواء الجهات الدينية أو عامة الناس.

والسبب لا يعود للخلل في هذه القوالب الجاهزة او حتى قدسيتها، إنما لثباتها، فهي من اسمها صور نمطية، أي غير قابلة للتغيير ولا التبديل. حتى لو جرت عملية مراجعة لها.

وأضرب مثالا بسيطا.. فنحن غالبا ما نقول إن اليهودي كذا أو الإيراني أو الأمريكي أو المصري كذا، وحين نعترض على هذه المجانية في التعميم. يوافقنا القول الجميع حتى صاحب القول نفسه. لكنه بعد فترة قصيرة يكرر التهمة نفسها بطريقة مختلفة دون أن يشعر!

Advertisements

والسبب هو أنها أصبحت عادة اساسية داخله وليس من السهل تغييرها.

.

الشهوة إلى الصور النمطية


لكن من أين تنبع شهوتنا إلى هذه القوالب الجاهزة؟

ما الذي يجذبنا إليها رغم أنها تقودنا أحيانا إلى شن حروب ضد شعوب كاملة لتهمة عنصرية ما!

السبب هو أن عقلنا بحاجة ماسة لاستعمال هذه القوالب.. وإلا توقف عن العمل.. مر آخر مهم وهو أننا نحن من يرغب بالاعتراف بهذه الصورة. ربما لدينا حاجة كهذه

الإنسان كائن يحب تقليد الآخرين

لهذا هو يضع له نموذجا خارجيا يحتذي به..

إنه أمر نجده في تقليد المشاهير والابطال وكذلك “تقليد” رجال الدين.

هناك صحة إذن في عدم مسؤولية رجل الدين المباشرة.. لأنه يمثل سلطة لا توجد فيه.. انما في الناس..

لكنه يجيد اللعب على هذه الحاجة، فيضفي عليه الجميع هالة لا توجد فيه أصلا.

صور القديسين خير مثال..

Advertisements
Advertisements

صورة البابا وهو يمر بين السيوف كانت دليلا على سيطرة هذه الصورة النمطية علينا

واثارت الاستغراب.. و الاحتجاج ليس على البابا.. بل على جهل وقلة ذوق المضيفين وغبائهم.

والحقيقة أن منظر السيوف طبيعي في الفاتيكان..

 الصورة النمطية أيضا تشمل لقاء المرجع السيستاني بالبابا فرنسيس.

وها ما تحدثت عنه في الفيديو السابق

علاقة الاستبداد بالصورة النمطية وتعارضها مع الحرية

الصورة النمطية على علاقة وطيدة بنظرية التثبيت التي طرحت فكرتها في فيديو سابق.. وهي أننا ننطوي على حاجة أو إرادة تدفعنا للبحث عن أنماط جاهزة للانطلاق منها واعتبارها مرجعية لكل شيء نفعله.

القالب أو الصورة النمطية نفسها هو نتاج لعملية التثبيت الذهنية التي يمارسها العقل الإنساني لكي يمارس عمله.

لن نجد شيئا إلا وهو قائم على شيء سابق له. الأديان نفسها لا تقوم إلا على أديان سابقة عليها، سواء بحجة رفضها أو تصحيحها.

هذا اللجوء للقوالب الجاهزة، لا يمكن تحقيقه إلا عبر تقيد مساحة الحرية إلى أقصى حد ممكن.

من هنا يتولد الاستبداد والعنف الممارس باسمه.

محاولة بعض الأفراد ممارسة “حق” الحرية ستجابه بالرفض وربما العنف، لكنه امر غير ممكن السيطرة عليه، والسبب هو اختلاف الصور النمطية بين فرد وآخر. كذلك اختلاف الإمكانات العقلية الخاصة بكل فرد، فضلا عن حاجاته ورغباته واهتماماته.

Advertisements

بمعنى أن الحرية في تغيير القوالب الجاهزة قد لا تعني وجود حرية تامة في تغييرها، إنما حرية تداول الصور النمطية، في سوق الأنماط الجاهزة، بين البشر في فضاء بشري ما.

تفسير الصورة النمطية

حاول يونغ تفسير ظاهرة الأركيتايب لدى البشر

ويقول يونغ أن الدين طريق مكشوف للخلاص ولا يستغني عنه الإنسان -خزعل 201

فهو يقسم اللاشعور إلى لا شعور فردي ولاشعور جمعي. الفردي هو الجزء العلوي منه. الثاني يحتوي على النماذج البدئية. وهي غريزية وتعبر عن نفسها بطريقة رمزية، متوارثة، وهي تتنوع بحسب الطبيعة والبيئة البشرية. وعددها لا نهائي

ويقول إن الأساطير لا تنتج من مباشرة من الأركيتايب إنما من صورته، وهذه الصورة تحوله من مجرد رمز أو علامة إلى صورة تدخل في تشكيل الأسطورة وتغليفها بالمقدس.

وهي مخططات رمزية أو صور عامة تختزل خبرة البشر منذ الاف السنين، وصارت جزءا من مكونات الوعي البشري، مثل الخوف من الحيوانات.. كالأفاعي والفئران وغيرها

ولها علاقة بالأحلام ويصفها بالعضو النفسي.

التفكير النمطي ليس عيبا

مما سبق نجد أن التفكير النمطي غير معيب وهو مفيد وهام ولا يستطيع البشر الاستغناء عنه، لأننا جميعا نتبع تفكيرا نمطيا، الفلاح والمضمد والطبيب كلهم بحاجة له لتشخيص سريع للمشاكل أو الأمراض، الميكانيكي كذلك يتبع تفكيرا نمطيا.

النمطية في التفكير حالة هامة وأساسية في كثير من القضايا، ومن أهمها الغرائز أيضا فمن يتزوج يتبع تفكيرا نمطيا.  ومن هكذا.

لكن هذا لا يعني أننا لسنا بحاجة للتفكير اللا نمطي، هذه هي المشكلة، خاصة فيما يتعلق بالخروج عن بعض العادات والتقاليد التي لم تعد مناسبة أو تحترم خصوصيات الإنسان، وحقه في معالجة قضاياه الخاصة.

إن التجديد ومواكبة العصر والحضارة أمر مهم لتطوير أنفسنا ومجتمعاتنا. مع الاحتفاظ بما نراه مناسبا لها في تقاليدنا الموروثة.

Advertisements
Advertisements

شاهد أيضاً

منصور الناصر القنيبي

ردا على القنيبي من دمر أفغانستان: الإسلام أم الأمريكان؟ ..شاهد

ردا على القنيبي من دمر أفغانستان: الإسلام أم الأمريكان؟ نشر الشاعر والمفكر منصور الناصر ردا …