أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / العرب / تعرف على ماساة عباس بن فرناس الذي حاول الطيران تحديا لفقهاء قرطبة الذين اتهموه بالزندقة “فيديو”

تعرف على ماساة عباس بن فرناس الذي حاول الطيران تحديا لفقهاء قرطبة الذين اتهموه بالزندقة “فيديو”

أحمد الجنابي
تتناول الحلقة الـ42 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر شعبان الجاري وفق التقويم الهجري، وهو تكريم وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) للعالِم المخترع والطيار الأول الأمازيغي المسلم عباس بن فرناس، وذلك بإطلاق اسمه على إحدى فوهات القمر عام 1369 للهجرة.
هو عباس بن فرناس بن ورداس التاكرتي الأندلسي، مهندس وفلكي وفيزيائي وكيمياوي وعالم رياضيات.، عاش في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) في كنف الخلفاء الأمويين في قرطبة، حيث أبدع في مجالات علمية متعددة كان نتاجها تقديم نخبة من أهم المخترعات في تاريخ الإنسانية والتي ما زالت تلعب دورا مهما في حياة البشر في يومنا هذا.
ورغم أن اسم ابن فرناس ارتبط بمحاولته الجريئة للطيران قبل ألف عام من بدء إرهاصات الإنسان الحديث للطيران، فإن اختراعه للزجاج الشفاف وعدسات تصحيح البصر وقلم الحبر والساعة المائية وتطويره لطريقة رصد الأفلاك والأجرام السماوية لا تقل أهمية عن تجربته في الطيران.
درس بإمعان حركة أجنحة الطيور عند طيرانها، واستخدم مهاراته الحسابية في حساب تناسب السرعة والرياح، ثم صنع رداءً كساه بالريش حول الأكمام ليكون بمثابة الجناح. ثم قام بالقفز من مكان مرتفع ونجح في التحليق لمدة من الزمن، إلا أن إغفاله لأهمية الذيل في عملية الهبوط أدى لوقوعه قبيل إتمام الهبوط وأصيب على أثر ذلك في ظهره، غير أنه تعافى بعد شهور من العلاج والراحة التامة.

تجربة ابن فرناس عبدت الطريق لرواد الطيران الذين أتوا من بعده (الجزيرة)
ورغم أنه أغفل أهمية الذيل، فإن الباحثين لم يغفلوا أيضا أنه أجرى تجربته بدون الاعتماد على أخطاء من سبقوه، كما في التجارب العلمية عادة، بل كان هو الأول، وتجربته أعطت دروسا وخبرات لمن أتى بعده.
وفي مجال الكتابة، صنع ابن فرناس أول قلم حبر في التاريخ، حيث صنع أسطوانة متصلة بحاوية صغيرة يتدفق عبرها الحبر إلى نهاية الأسطوانة المتصلة بحافة مدببة للكتابة.
كما تعمق في دراسة الزجاج وتمكن من تطويعه لخدمة البشر، حيث صنع نسخ أولية من عدسات تصحيح البصر، والزجاج الشفاف الخالي من اللون.
ابتكر تقنية لتقطيع أحجار الكريستال الصلبة، بعد أن كانت ترسل من أوروبا إلى مصر حصرا لتقطيعها، وقد استفاد الأوروبيون من ابتكاره وطوروه بعد ذلك وأصبحوا رواد صناعة تقطيع وتصنيع أحجار الكريستال منذ القرون الوسطى وحتى اليوم.

 


وفي علم الفلك، طور ابن فرناس أداة فلكية لرصد النجوم، مؤلفة من حلقات تمثل مواقع الأفلاك الرئيسية في الكرة السماوية، وطوّر بنفسه أول قبة سماوية كان الناس يجتمعون فيها لمشاهدة النجوم والغيوم والسحاب، وهو تقليد لا يزال موجودا إلى اليوم، ويعتبر من أكثر التجارب إثارة ومتعة لكثير من الناس.
توفي ابن فرناس عام 274 هجري (887 ميلادي).

مأساة العقل في الإسلام: عباس بن فرناس

محمد الكوخي
الحوار المتمدن-العدد: 1996 – 2007 / 8 / 3 – 10:32

عندما يتمعن المرء في تاريخنا يجده عبارة عن مأساة كبيرة, أو بالأحرى مهزلة كبيرة تمتد لأزيد من 13 قرنا, هذه الكوميديا التراجيدية الطويلة والتي يطلق عليها زورا تاريخ الإسلام ( رغم أن قيم الإسلام ومبادئه بريئة منها براءتها من عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد … ), لم تنتج سوى الاستبداد السياسي و التخلف الفكري والاقتصادي والاجتماعي… وهو مالا زلنا نعيش آثاره الواضحة في كل جوانب حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية و العلمية. هذه الأخيرة ( المؤسسة العلمية ) عانت أكثر من غيرها بسبب موقفها المناهض للتخلف فكرا وممارسة, إضافة إلى موقفها التنويري في مواجهة ظلام الجهل وخموله…

أحد المشاهد المؤلمة من هذا الفيلم الواقعي الطويل هو ذلك الذي حدث في بلاد الأندلس ( قبل أن يقوم أهلها بطرد المسلمين من بلادهم وغسلها من أوساخهم, لتصبح اليوم اسبانيا الدولة الأوربية المتقدمة التي ينشر فيها سنويا من المقالات و البحوث العلمية أضعاف ما ينشر في العالم الإسلامي كله… والتي قامت بحملة ترجمة في أواخر الثمانينات فاقت ما قام المسلمون بترجمته طوال 14 قرنا…), في القرن الثالث الهجري ( التاسع الميلادي ), أما بطل الحكاية أو بالأحرى ضحيتها, فهو العالم والشاعر والأديب الأندلسي المشهور عباس بن فرناس الذي عاش أيام الأمير الأموي عبد الرحمان الثاني(1) كان أصله من كورة تاكرنا ( التي كان العرب يسمونها رندة) بجنوب الأندلس, وقد اختلف في أصله فبعض المؤرخون يقولون بأن أصله بربري مغربي, في حين يقول المؤرخون الأوروبيون بأنه أوروبي… نشأ في قرطبة ودرس بها, وبرع منذ شبابه في الفلسفة والكيمياء والعلوم الطبيعية والفلك… ومارس هذه العلوم من الناحية النظرية والتجريبية والعلمية, فتوصل إلى صنع الزجاج من الحجارة والرمال, وقام باختراع عدد من الآلات الفلكية الدقيقة كتلك الآلة المسماة ” ذات الحلق” وهي آلة تتكون من عدة حلقات متداخلة توجد في وسطها كرة معلقة تمثل حركة الكواكب السيارة… وقام أيضا باختراع آلة لقياس الزمن تسمى ” الميقاتة ” (2),

ما أعد في منزله غرفة لهيئة السماء يخيل للناظرين فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود… (3). إلا أن أشهر ما عرف به عباس بن فرناس هو محاولته اختراع آلة تمكن الإنسان من الطيران في الجو, فقام بتجربته الخطيرة ومد لنفسه جناحين ثم صعد ربوة أمام جمع غفير من أهل قرطبة ليندفع في الهواء طائرا, فحلق مسافة بعيدة قبل أن يسقط أرضا ويموت. ويعزو المؤرخون سقوطه هذا والذي أودى بحياته إلى أنه نسي أمر الذيل في طائرته فلم يستطع التوازن مما أدى في النهاية إلى فشل التجربة. وبهذا يكون عباس بن فرناس أول من استطاع الطيران في التاريخ البشري محققا بذلك سبقا كبيرا على الذين جاؤوا من بعده ابتداء من العالم الإيطالي الشهير ليوناردو دافينشي الذي أعاد استنساخ تجربة عباس بن فرناس في الطيران( وكاد هو الآخر يدفع حياته ثمنا لذلك لولا العناية الإلهية به), وصولا إلى الأخوين رايت الذين استطاعا في النهاية تحقيق حلم الإنسان بالطيران في بدايات القرن العشرين.

ما يهمنا في حكاية عباس بن فرناس أو مأساته هو أنه قام بمحاولة الطيران تلك تحديا لفقهاء قرطبة المتعصبين الذين كانوا يدعون استحالة أن يقوم الإنسان بالطيران, فهو لا يستطيع تبديل خلق الله (رغم أنهم يؤمنون جدا ب” البراق” ذلك الكائن الأسطوري المأخوذ من الأساطير الإسرائيلية والذي يستخدم للطيران في الروايات الخارقة…), ولأن الفقهاء كانوا وما يزالون أعداء للنزعة العلمية, فقد دفع العلماء ثمن هذه العداوة غاليا جدا, وكان نصيب عباس بن فرناس وافيا, فقد ظل ولزمن طويل هدفا لحملات الفقهاء ضده, حيث اتهموه بالزندقة (وهي كلمة عجيبة غريبة لا يوجد تعريف محدد لها رغم معرفة أصلها الفارسي, تستخدم مقرونة بالكفر حينما يراد اتهام أحدهم والحكم عليه بالقتل…) وتعاطي السحر( لأنه كان يقوم بتجارب علمية: كيميائية وفيزيائية…), فحرضوا ضده العامة ( الذين كانوا وما يزالون أداة يوظفها رجال الدين لتصفية حساباتهم الشخصية ) وأمروا بضربه في جامع قرطبة حينما حضر لأداء الصلاة , فقام الناس إليه وجعلوا يضربونه إلى أن أغمي عليه ثم حملوه – وهو في تلك الحالة – إلى القاضي ورفعوا ضده دعوى قضائية بكونه ساحرا… وسمع القاضي شهادة الناس ومضمونها أنه كان يشتغل بالميل في بيته بإحراق النار وان المياه الملونة بالأحمر تجري في قناة داره وأنه في روحاته وغدواته كان يهذي ويقول كلاما غير مفهوم…(4). ولكن القاضي برأه من التهم الموجهة إليه وذلك – كما يقول المؤرخون- بسبب مكانة عباس بن فرناس عند الأمير عبد الرحمان الثاني الذي كان شغوفا بالعلوم والفنون و الآداب… إن هذا المثال البسيط كاف جدا لمعرفة مدى العداء الذي كانت تلقاه المدرسة العلمية في التاريخ الإسلامي رغم كل ما نحب أن ندعيه من التاريخ المشرق للعلوم عند المسلمين, فقد كان العالم مرادفا للساحر والزنديق المشكوك في إيمانه…

في الوقت الحاضر لا يخجل فقهاؤنا العظام من ركوب الطائرات وهم يتلون دعاء الركوب, مرددين قولتهم الشهيرة: سبحان الذي سخر لنا هذا ( فهم يعتقدون أن الله جعل شعوب الأرض المتقدمة عبيدا عندهم يصنعون لهم الطائرات والسيارات ؟!!!), ناسين أو متناسين أن سلفهم الصالح ( هذا إذا كان صالحا أصلا؟…) كان وراء تأخير اختراع الطائرات مدة تزيد عن ألف عام!!! سنوات طويلة ضاعت هباء منثورا في ميدان الطيران والفضاء, كما ضاعت سنوات أخرى كثيرة في ميادين علمية وفكرية عديدة, بسبب تعصب رجال الدين الجهلة وعدائهم للحركة العلمية, عداء يستمد جذوره من صراع قديم(والذي ما يزال موجودا إلى الآن رغم أن الإسلام جاء بحل رائع له وهو أساس النزعة الحنيفية التي تستمد جذورها من التجربة الإبراهيمية, لكن المسلمين للأسف الشديد فشلوا في فهمه…) بين معرفتين ( المعرفة الدينية والمعرفة العلمية ), تؤسس كل واحدة منهما لنفسها بشكل مختلف, حيث يتطلب الدين إيمانا وتسليما قبليين كشرط أولي للحصول على معرفة ذات طابع يقيني ومطلق, في حين يطالب العلم بالشك والبحث والتجربة من أجل الوصول إلى معرفة نسبية قابلة للتطور والتغير… هل يجب أن نقول أنه ولحدود الساعة انتصر العلم في جميع معاركه التي خاضها ضد الدين ( أو بالأحرى ضد فهم رجال الدين له) واستطاع دك حصونه الواحد تلو الآخر, هذا ما جرى في الغرب, أما في بلاد المسلمين فالعلم عندنا قد مات منذ زمن طويل ولفقهائنا العظام شرف قتله وسحقه… كما قتلوا قبله الدين الإسلامي ومبادئه الكبيرة ( الحرية والعدالة وكرامة الإنسان…) عندما أغلقوا عليه في خزانة الحلال والحرام والإلزام والتكليف… مضيعين بذلك أكبر ثورة في الفكر الإنساني: النزعة الحنيفية…

الهوامش

(1) أحمد بن محمد المقري التلمساني – نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب .

(2) محمد عبد الله عنان – تراجم إسلامية شرقية وأندلسية

(3) ابن حيان – المقتبس في أخبار بلد الأندلس.

(4) المصدر نفسه.

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات