أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / العرب / أصولُ الحداثيّة الأدونيسية وروافدُها : ردّ ديني على أدونيس
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-02-21 22:14:27Z | |

أصولُ الحداثيّة الأدونيسية وروافدُها : ردّ ديني على أدونيس

أصولُ الحداثيّة الأدونيسية وروافدُها

عبد العالي مجذوب

أصول الحداثيّة الأدونيسيّة

لا أتردد في وصف أدونيس بأنه مثقفٌ عربي مُغَرَّبٌ مِن الدرجة الأولى، وأنه يمثل حلقة متميزةً وخطيرة في سلسلة طويلة مِن النُّخب العربية، التي لم تقف، في تغرُّبها، عند الانبهار بالحضارة الغربية، وأصولها ومبادئها الفلسفية، ونظرياتها الفكرية القائمةِ، في روحها الحديث، على العقلانية اللادينية، بل تعدّتْ ذلك إلى النظر إلى الغرْب وتقديمِه على أنه الأصلُ الذي لا قيام لحداثةٍ عربية إلا بالنسج على منواله والسير في ركابه.

وأخطرُ ما في هذه النظرة التغريبيّة الأدونيسية أنها لا تتكلم بلغة واضحة، كما كان يتكلم سلامة موسى مثلا، بل إن أدونيس، في تغرُّبه، لا يعترف، أصلا، بأنه فرعٌ تابع للأصل الغربي، ولا يفتأ يشدد على الأصالة والإبداع في مشروعه الثقافي، الذي يصفه، دائما، بأنه مشروع لتحرير العربي من قيود الماضي والمقدسات والسلطة المستبدة، وتبويئه مكانةً تليق به في الثقافة الكونية العالمية.

وألفاظٌ مثل “التغرّب” و”التغريب” و”المُغَرَّب” ليست للقدح، ولا للتجريح، ولا للاتهام، وإنما هي، كما بيّنتُ سابقا، لغةٌ للوصف لا غير؛ فالتّغرُّب، بهذا المعنى الوصفي، قد يعني الالتحاقَ بالغرب جغرافيّا، وقد يعني الالتحاقَ به ثقافيا وحضاريا، وقد يجمعهما معا؛ فوصفُ أدونيس بأنه مُغرّب مِن الدرجة الأولى، يعني، بهذا المفهوم الذي حددتُه، أنه صار مرتبطا بالغرب، جغرافيا وحضاريا؛ فهو مقيم، طوعا لا كرها، في باريس منذ 1986. وهو أيضا من المثقفين العرب الذين تشبعوا بالثقافة الفرنسية، فكرا وأدبا، منذ 1960 حين سافر إلى باريس لمتابعة دراسته في السوربون بمنحة من الحكومة الفرنسية، بل قلْ منذ 1944 حين التحق بالمدرسة الفرنسية اللائكية(العلمانية) بطرطوس، في سوريا، وهو لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره.

 

نعم، ناك اختلافٌ بين أجيال المغَرَّبين، وطبقاتِهم، وطبائعِهم، وخصوصياتِ زوايا أخذهِم وفهمِهم ونظرهِم، لكنه، في رأيي، اختلافٌ في أشكال التصرف والمعالجة والاجتهاد، لا يمس جوهرَ الرؤية الفلسفية والأصل الحضاري الذي هو واحدٌ وراء هذه الأشكال المتعددة.

فأدونيس، وقبله فرح أنطون، وشبلي شميل، وسلامة موسى، وطه حسين، تمثيلا لا حصرا، شخصياتٌ متعددة متباينة مِنْ حيث اختلاف طبائعها، وأذواقِها، واهتماماتها، وطرائقِ فهمِها وكتابتها، إلى غير ذلك مِن الصفات والمزايا التي تجعل الناسَ متبايِنِين يمتاز بعضُهم عن بعض، لكنها، في جوهر الفكر والرؤية الفلسفية العميقة، شخصياتٌ ترمي عن قوس واحدة، وهي بهذا متعددةٌ في الأشكال والسمات الشخصية والخصال الفردية، متوحدةٌ في العمق الفلسفي والأفق الحضاري.

فمن وجهة نظر هذه الدّعْوَى، ليس غريبا أن يَعتبرَ أدونيس أعلاما مثلَ ابن الراوندي الملحد، وفرح أنطون، وشبلي شميل أسلافَه الحقيقيِّين، بل أسلافَ الحركة الحداثية العربية عموما1.أصولُ الحداثيّة الأدونيسية وروافدُها

كان سلامة موسى، مثلا، “وقحا” في الدعوة إلى التَّغَرُّب، غيرَ مبالٍ بالحضيض الذي تردّى فيه، في التعبير عن إيمانه المطلق بالغرب، وكفره المطلق بالشرق2. لكن أدونيس، وقد بلغ من الشهرة في دنيا الإبداع والتفرد والتميز ما بلَغَ، يأنف أن يُوصف بأنه منبهرٌ، أو تابع، أو مروّجٌ لبضاعة الغرب، أو غيرُ هذا مما يجرده مِن شخصيته، التي يزعم لها الزاعمون مِن تلامذة المدرسة الأدونيسية، أنها شخصية “فريدة” “خلاقة”، فكرا وأدبا ونقدا وإبداعا، في الزمن العربي الحديث.

يَأنَف أدونيس، بل يرفضُ بقوة أن يكون تابعا لأحد، وإلا ضاع منه ما نذر له حياتَه كلَّها وهو “الشهرة”، و”التفرد”، و”الإبداع” على غير مثال.

وعلى الرغم مِن هذا الرفض وتلك الأنفة، فأدونيس مسكونٌ بالغرب حتى الهَوَس، شاء أم أبى. بل إن الحكم في هذا ليس له، وإنما هو للمراقبين والمتتبّعين والنقاد والباحثين المهتمين؛ ليقلْ أدونيس عن نفسه ما يشاء، وليصفْها بما يحلو له من الصفات، وليرْفعْها أو ليضعْها، وليكنْ مؤمنا أو كافرا، شرقيا أو غربيا، فذلك شأنُه، والناس أحرار إزاء كلامه على نفسه ونعوتِه لها، إن شاؤوا صدّقوه، وإن شاؤوا كذبوه.

أما أنا، في بحثي، فأبني رأيي وحكمي على أصول نظرية/فلسفية، إلى حدّ ما، وعلى وقائع حياتية مَعِيشَة، وعلى نصوص وتجارب بين يدي شاهدة ناطقة بالحقيقة، لا تكذب.

إن أدونيس، منذ بدأ يكتب عن الثبات والتحول، وعن الاتباع والإبداع، في الثقافة العربية، قبل أن يقدّم أطروحتَه المشهورة التي نال بها شهادة الدكتوراه سنة1973، لا يفتأ يجعل الدين-والإسلامُ طبعا هو مقصودُه-وما يتصل به، وما يتفرع عنه، معدنَ ثقافة الثبات وأصلَ فكر الاتباع وما يتصل بهذا الفكر من تسلط سياسي، وتضييع للحقوق، وهدر لكرامة الإنسان، وقمع لحريته.

وإذا كان الإسلام، وهو مركز الثبات والاتباع في الثقافة العربية-حسب الحكم الأدونيسي النهائي القاطع المطلق-يتمثل، أساسا، في أصوله الإيمانية وأحكامه الشرعية، في الوحي والنبوة، أي في القرآن والسنة، فإن نجاح أي مشروع حداثي من أجل التحرير مرهون بالتصدي، نقدا، ورفضا، وهدما، وثورة، ومخالفة، لهذه الأصول والأحكام، وتأسيس البديل الإبداعي على أنقاضها. وهذه جملةٌ مختصرة جامِعة مِن كلام أدونيس تُغْني عن التطويل؛ يقول أدونيس: “…في مجتمع تأسس على الدين، باسم الدين، كالمجتمع العربي، لا بد أن يبدأ النقدُ فيه بنقد الدين ذاته. وطبيعي أن هذا النقدَ لا يجوز أن يكون هدفا بذاته ولذاته، وإنما يجب أن يكون وسيلة للهدف الأسمى: انعتاق الإنسان مما يغر به، انعتاقا جذريا وكاملا.”3

أدونيس مَدين في حداثيّتِه للغرب

يعترف أدونيس بأن الذي هداه إلى اكتشاف القيمة الحداثية للتجربة الصوفية، في التاريخ العربي الإسلامي، حسب فهمه ومنظوره لهذه التجربة، إنما هو اطلاعه على التجربة السوريالية الغربية، وتشبّعُه بمبادئها ومفاهيمها، وقراءتُه في إبداعاتها؛ فَـ”قراءة رامبو ونرفال وبريتون[يقول أدونيس]هي التي قادتني إلى اكتشاف الصوفية، بفرادتها وبهائها.”4

لكن هذه المقابلةَ بين التجربة السوريالية الغربية والتجربة الصوفية الإسلامية5 أوقعت أدونيس في حرج، ووضعته أمام إشكالية لها وجهان، على الأقل؛ أما الوجه الأول “هو أن الصوفية تديّن، وأنها تتجه نحو الخلاص الديني، بينما السوريالية حركة إلحادية، ولا تهدف إلى أي خلاص سماوي، فكيف يمكن الجمع بين متدين وملحد؟”6

أما الوجه الثاني من الإشكالية هو أن تأثر أدونيس بالنزعة الصوفية قد يعني تأثرَه بالتفكير الديني، مما قد يُعدّ منقصة في حقه لا يقبلها ملحد مثله يعتز بإلحاده، فما هو الحل؟

ليثبتَ أدونيس لنفسه وللعالم أن التجربة الصوفية الإسلامية إنما هي النسخة الشرقية للسوريالية الغربية، فقد أجاب عن الوجه الأول من هذه الإشكالية بإفراغ التجربة الصوفية من “البعد الديني التقليدي”،كما عبّر7، وهو يعني بالبعد الديني التقليدي كلَّ ما له علاقة بالعقائد الإسلامية وأصولها القطعية في القرآن والسنة. وبهذا الإفراغ يصل أدونيس إلى نتيجة مؤداها، كما عبّر هو بمنطق متهافت وعبارات مترددة: “أن الصوفية لا تتضمن بالضرورة، الإيمانَ بالدين التقليدي، أو الإيمانَ التقليدي بالدين.”8

وبخصوص الوجه الثاني للإشكالية، ولكي يدفع عنه شبهةَ التديّن، فقد أجاب قائلا: “أنا لست متأثرا بها [أي النزعات الصوفية]دينيا وإنما إبداعيا…وأنا أَعجب لفكر لائكي أن يتأثر بفكر الطوائف.”9

ولا يَخفَى ما في هذين الجوابين من تمحّل وتكلف ومنطق ضعيف يفيد أن الرجل إنما كان يستعجل الخروج من الإشكال الذي وجده أمامه. وبعد الخروج من الإشكال، وبأي جواب، لا يهم ما يُقال.

وإشكالية أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، فيما يخص ما نحن فيه من تعرّف المصادر التي تستقي منها الحداثيّة الأدونيسية أصولَها.

فهو يعترف، بلغة واضحة، أنه عرف الحداثية العربية من طريق الحداثية الغربية. والإشكال هو: كيف يمكن للاحق أن يكتشف السابق ويدل عليه؟ بلغة أخرى: كيف يمكن لحداثة لها ظروفها وفلسفتها وأعلامها ومبادئها أن تدل على أخرى، في بيئة أخرى مخالفة إلى حد المناقضة، لها تاريخها وخصائصها وحياتها المتميزة؟

وأمام هذه الإشكالية لا يجد أدونيس حرجا في أن يقول: “ولست أجد أية مفارقة في قولي إن حداثة الغرب(المتأخرة) هي التي جعلتني أكتشف حداثتنا العربية(المتقدمة)…”10

لقد تزود أدونيس من المذهبية الحداثية الغربية11 بما يلزم من الوعي والمبادئ والمفاهيم والتصورات، ثم راح يبحث في تراثنا عن الأمثلة والنماذج والأخبار، التي يمكن أن تشكل مادة تراثية متحققة لصناعة نظرية حداثية عربية “أصيلة”، ثم انتهى في بحثه الطويل-لا ننسى أنه كان يبحث مستعينا بالآلة الفلسفية الغربية- إلى أن “الحداثة العربية، كما أسس لها أبو نواس وأبو تمام، لغةً وشعرية، وابنُ الراوندي والرازي وجابر بن حيان، فكرا واستبصارا، والتصوفُ، تجربةً ورؤيا، والتي تفرض نشوءَ حقائق عن الإنسان والعالم، جديدة لم يعرفها القدم…”12 قد سبقت الحداثة الغربية بحوالي عشرة قرون، وهو ما يعني أن النظرية الحداثية ليست ابتكارا غربيا، ومن ثَمَّ فهي ليست “منتوجا أجنبيا”، “وإنما هي ظاهرة أصيلة عميقة في حركة الشعر العربي.”13

يقول أدونيس معترفا بفضل الأصول الغربية على نظريته الحداثية: “أحب أن أعترف14 أيضا أنني لم أتعرّف على الحداثة الشعرية العربية من داخل النظام الثقافي العربي السائد وأجهزته المعرفية. فقراءة بودلير هي التي غيرت معرفتي بأبي نواس، وكشفت لي عن شعريته وحداثته. وقراءة ملارميه هي التي أوضحت لي أسرار اللغة الشعرية وأبعادها الحديثة عند أبي تمام. وقراءة رامبو ونرفال وبريتون هي التي قادتني إلى اكتشاف التجربة الصوفية بفرادتها وبهائها. وقراءة النقد الفرنسي الحديث هي التي دلتني على حداثة النظر النقدي عند الجرجاني، خصوصا في كل ما يتعلق بالشعرية وخاصيتها اللغوية-التعبيرية.”15

أما هذه الحداثية الغربية الأصل، فروحها الذي به قوامها هو العقلانية اللادينية. فَـ”في العلم نجد الخاصية الأولى للحداثة في الغرب، ونجد خصوصية الغرب إزاء الشرق. فهذا العلم قطيعة معرفية كاملة مع العالم القديم، وبخاصة في أبعاده الدينية الغيبية.”16

ولمّا كان تراثنا العربي الإسلامي، في روحه، قائما على أصول الإسلام، بعقائده الإيمانية الغيبية، وشرائعه وأحكامه وفرائضه العملية، وكانت الحداثية، كما نشأت وتطورت في الغرب، إنما قوامها اللادينية، فإن الحداثية العربية لن تكون إلا خروجا على أصول الإسلام. فهي ليست “نقداً للقديم الأصلي وحسب، وإنما هي خروج عليه…والحداثة إذن، خروج على الأصول.”17

وهذا الفهم الحداثي اللاديني هو الركيزة الأساس في النظرية الحداثية الأدونيسية، وعنه تتشعب جميع آراء أدونيس، ومقالاته، ومناقشاته، وكتاباته، ومحاضراته، واستجواباته في الموضوع.

وقد سعى أدونيس بكل الوسائل-وأشدد هنا على عبارة “كل الوسائل-من أجل توفير المثال، من تراثنا العربي الإسلامي، الذي يصدّق هذه الخاصية اللادينية الجوهرية في نظريته الحداثية-سعى، بكل الوسائل، إلى إحياء تراث الملاحدة والزنادقة، والمجان العصاة، والفتّانين الأشرار، والمتصوفة من “نواب إبليس وشرطه”، وسائر أصناف أهل الأهواء والضلال، وفهمِ هذا التراث وتأويله، ثُم تكييفه ليستجيب لمبادئ النظرية الحداثية الأدونيسية.

يذكر أدونيس، من بين العوامل التي ساعدت في ترسيخ التقليد أو الاتباعية، من الناحية التاريخية-الاجتماعية، “أن العربي لم يكن ينظر، بسبب من نشوئه وتكوينه البدويين، إلى الحياة ككل واحد بمختلف مظاهرها، وإنما كان ينظر إليها كأجزاء. وهكذا كان يقبل بتغيير أشكال الحياة ويراها تحسينات مفيدة، لكنه لم يقبل بتغير طرائق التعبير عنها، أو بتغير طرائق فهمها. ومن هنا عاش العربي في ازدواج: فكره شيء، وحياته اليومية شيء آخر. ولهذا تأثير مزدوج يفقر النظرة من جهة، ويساعد على مزيد من التمسك بالماضي، من جهة ثانية”18.

وأُبَسِّط للقارئ الكريم هذا المنطق الأدونيسي المتهافت-ويظهر أن أدونيس شديد التمسك به في نقاشه وحجاجه، لأنه يتكرر كثيرا في كتاباته، وكأنه حقيقة مُسَلّمة لا تقبل النقد والمراجعة-

أقول مبَسِّطا إن أدونيس، يريد أن يجعلنا نقتنع بأن ملحدا، مثلا، إذا اخترع سيارة، فإن على من يريد أن يستفيد من هذا الاختراع، إذا كان مؤمنا، أن يتحول إلى الإلحاد أولا، وإلا “عاش في ازدواج”، يستفيد من السيارة في حياته اليومية، وهي من اختراع ملحد، وهو باق، في فكره واعتقاده وسريرته، على إيمانه. فهل هناك أغْرَبُ من هذا المنطق وأضعف وأسخف؟

وبهذا المنطق الضعيف، ينتقد أدونيس كثيرا من يصفهم بأصحاب “الحداثة التلفيقية الأزيائية”، الذين يكتفون من الحداثة الغربية بمظهرها “التقنوي-الآلي”، ويُعرضون عن “المبادئ العقلية” التي ولدت تلك الحداثة19. “إنها[أي الحداثة التلفيقية الأزيائية]حداثة تتبنى الشيء المُحدَث، ولا تتبنى العقل أو المنهج الذي أحدثه. فالحداثة موقف ونظرة قبل أن تكون نتاجا.”20

والمبادئ العقلية الغربية التي يشير إليها أدونيس هي، كما ذكّرت آنفا، قائمة على المذهبية اللادينية، بكل أشكالها الإلحادية واللائكية. وقد كان منشأ هذه المذهبية في الغرب، ثم صُدّرت إلى البلاد العربية الإسلامية، من بين ما صُدّر إليها من أفكار وفلسفات ونظريات، في ظل الاستعمار أولا، ومن طريق النُّخب المغَرَّبَة ثانيا. وأدونيس واحد من هذه النخب التي تولّت الدفاع عن الحضارة الغربية، والترويج لأصولها الحداثية اللادينية، لكن على طريقته المتميّزة، من خلال نافذة الأدب والنقد، وتحت غطاء “الجنون” و”الرؤيا” و”العبث”.

والذي يُردُّ به على أدونيس، في شأن كثرة انتقادته للحداثة “الأزيائية التلفيقية”، كما يصفها، التي تأخذ بالمنجزات التقنية الصناعية وغيرها، وترفض المبادئ العقلانية التي وراء تلك المنجزات، هو أنه لم يَثبُت أن الإلحاد هو الذي كان وراء مخترعات العصر المادية، وأن الزندقة والكفر بالله واليوم الآخر هي التي تسببت في الثورات العلمية التكنولوجية المتتابعة. بل الثابت هو أن نبذ الدين والتماديَ في المعاصي والجحود، كان، وما يزال، هو السبب الجوهري وراء شقاء الإنسان، وتمزقه، وضياعه، وحيوانيته الدّوابية، في الغرب وفي غير الغرب.

فالحداثة العمرانية المادية لم ينتجها الإلحاد، وإنما أنتجتها العلوم التجريبية القائمة على الصبر والمصابرة، والتأمل، والتتبع، والإحصاء، والاستقصاء، والسؤال المفيد، والافتراضات المحفزة، وما إلى ذلك مما لا يتعارض مع تعاليم الإسلام وعقائده وفرائضه وواجباته. بل إن الإسلام قد جعل طلب العلم من بين فرائضه الواجبة على كل مسلم ومسلمة.

إن الحداثة “العلومية” العمرانية لم تكن قط مقترنة بالحداثة الفلسفية اللادينية، كما يزعم أدونيس. فقد تجد من بين أساطين الباحثين في العلوم التجريبية والتطبيقات التكنولوجية متديّنين راسخي القدم في العلم الإيماني الغيبي، لا يستشعرون أي تناقض أو تنافر بين عواطفهم الدينية وأبحاثهم العقلية والتجريبية.

وعلى منوال هذا المنطق الأدونيسي المتهافت ينسج أحد تلامذة المدرسة الأدونيسية، وهو الأديب المغربي محمد بنيس، حين يستنكر رؤية “أصولي يتقن التقنيات المعلوماتية، أو محجّبة تحمل نقالا [يقصد هاتفا محمولا] وتسوق سيارة”21؛ فالمسلم، عنده، الملتزم بدينه22، المجتهد في طاعة ربه، ليس من حقه أن يستفيد من مخترعات العصر، وكذلك المسلمة المتحجبة، ليس من حقها أن تستمتع بما فتح الله به على عباده، مؤمنين وغير مؤمنين، حتى يتخليا عن إسلامهم، أي أصوليتهم، باصطلاح الدكتور اللائكي محمد بنيس. ووصفه باللائكي فيه لطف وتجاوز، وإلا فموقفه من الإسلاميين، عموما، وما يرميهم به من نعوت مجرِّحة بغير حق ولا حجة، وما يلصقه بهم من تهم باطلة، وما يختلقه عليهم من جرائم وأفعال شائنة، بلا تمييز، كل ذلك يجعله مسلوكا، بامتياز، في الاستبداديين الإقصائيين، ويهبط به إلى حضيض الخصوم السياسيين الذي ليس عندهم، لخصومهم، إلا السب والتجريح والعبارة الفاجرة23.

وقد تحدث أدونيس عن “أوهام الحداثة”، وحصرها في خمسة: وَهْمِ الزمنية، ووهم المغايرة، ووهم المماثلة، ووهم التشكيل النثري، ووهم الاستحداث المضموني.24

وقد حاول في حديثه عن وهم المماثلة أن يردّ تهمة من يرجعون بالحداثية الشعرية العربية إلى الأصل الغربي. والملاحظ على ردّه هو أنه خلط فيه بين أمرين اثنين، كان ينبغي التمييز بينهما: أولهما أن الحداثية في مجال الفنون والآداب لها ارتباط وثيق بالحداثية على مستوى الفكر والفلسفة والعقيدة، وأدونيس نفسه هو الذي قرأنا له قبل قليل قوله: “الحداثة موقف ونظرة قبل أن تكون نتاجا”25، وهو الذي لا يفتأ ينبه “الحداثويين”، أي أصحاب الحداثة التلفيقية الأزيائية، إلى أن الحداثية إنما هي بجوهرها قبل مظهرها، هي برؤاها الفكرية الفلسفية قبل أشكالها المادية. وفي هذا الصدد فأدونيس هو أول المعترفين بأن فكره الحداثي، بهذا المعنى، إنما أخذ أصوله عن الغرب.

أما الأمر الثاني، فيتعلق باستنساخ التجربة الغربية، على سبيل التقليد والتبعية العمياء، وتكرار الآخر والضياع فيه إلى حدّ الذوبان. ويظهر أن حديث أدونيس عن وهم “المماثلة” قد سار في هذا المعنى، أي تقليد الحداثة الغربية، ولذلك وجدناه يستعمل في كلامه ألفاظا تدور حول معنى التقليد، مثل الاحتذاء والمحاكاة.

هذا، والغريب أن أدونيس، بعد إنهاء كلامه على أوهام الحداثة، عاد في الفقرة التالية، مباشرة، للدفاع عن الشعراء الحداثيين العرب، والردّ على من يتهمونهم “بتقليد الحداثة الغربية، وتقليد شعرائها، وبنقل مفهوماتها”، ويحكمون “تبعا لذلك، على الحداثة الشعرية العربية بأنها غير “أصيلة”، وليست لها قيمة شعرية أو فنية.”26 فهو لم يأل جهدا في اجتلاب الحجج وإقامة المقدمات، ليثبت أن هذا الاتهام والحكم يقومان، في الغالب، “على الاجتزاء وعلى الجهل بالشعر الغربي”27. ثم يذكر، في أثناء احتجاجه وانتصاره ودفاعه، أنه “ينبغي على القارئ/الناقد، إذن، أن يواجه في تقييم شاعر ما ثلاثة مستويات: مستوى النظرة والرؤيا، مستوى بنية التعبير، مستوى اللغة الشعرية.”28 ويختم دفاعه بأن الشاعر “إنما يقيَّم برؤياه ككل، ونظامه الفني ككل، وعالم العلاقات التي يبتكرها.”29

وأعود، بعد هذا الاستطراد، لسياق حديثنا عن أصول الحداثيّة الأدونيسية.

إن الفلسفة العقلانية اللادينية الرائجة اليوم في ثقافتنا العربية المعاصرة إنما هي فلسفة تم نقلُها إلى البلاد العربية الإسلامية وغرسُها ورعايةُ نبتتها في ظل مؤسسات الاستعمار والتعليم الأجنبي. وقد تولت منابر التغريب، بكل أنواعها ومختلف أساليبها، مهمة الإشراف على تخريج أفواج من أبناء المسلمين، متشبعين بالثقافة الغربية، متضلعين في فلسفاتها ولغاتها ونظرياتها، ومختلف جوانب حضارتها. ومعلوم أن الحضارة الغربية، في شقها العقدي الفلسفي، قد انتهت، بعد قرون من الصراع والتطور، إلى تبني المذهبية العقلانية اللادينية. وهذه المذهبية اليوم هي المعدن الذي تصدر عنه الثقافة الغربية في مختلف المجالات الإنسانية.

لقد سرت فينا آثار هذه المذهبية اللادينية من طريق مثقفين مُغَرَّبين، من أبناء جلدتنا، كانت بضاعتهم، وما تزال، هي الترجمة عن الغرب/الأصل، الغرب/الحضارة، الغرب/الحداثة.

ولم يكد ينتهي الربع الأول من القرن العشرين حتى كانت البواكير الأولى للتعليم التغريبي الاستعماري تملأ دنيا المسلمين بالخصومة والحجاج والجدال والتصارع بين فكر روحه القرآن وعقائد الإسلام، وفكر متصل، في حياته، بالفلسفة الغربية اللادينية30.

لا نجد، فيما وصلنا من تراثنا العربي الإسلامي، نظرية في الإلحاد متكاملة في تصوراتها ومفاهيمها وأطروحاتها، متراصة في مبادئها ومباحثها ومسائلها، كُتب لها الانتشار، وفي العلن، من طريق الأتباع والأنصار، وحُفظت مقالاتها وكتاباتها كاملة من غير نقص أو تشويه، واستمر نفوذها وآثارها، عبر التاريخ، إلى عصرنا الحديث.

نعم، لقد عرف تاريخنا العربي الإسلامي حركات فلسفية إلحادية، وتيارات زندقية، كالباطنية، والخُرّمية، والقرمطيّة، والنُّصيرية، والعُبيديّة، كما عرف ملاحدة صنفوا التصانيف، ونشروا المقالات، واكتسبوا الأنصار، وتزعموا الدعوات، وأشعلوا الفتن، وخاضوا الحروب، لكنها حركات وتيارات لم تُعمّر طويلا، وكانت آثارها في المجتمع الإسلامي محدودة، بل منها ما مات في المهد، ومنها ما اختار ركوب مراكب النفاق والاحتيال والعيش في ظلام السرية والتقية.

ولقد كان من أسباب انحسار هذه الحركات والتيارات واندحارها في تاريخنا العربي الإسلامي أن العقائد الإسلامية كانت، في مصادرها وأصولها، من القوة ووضوح الحجة وسطوع البرهان، بحيث لم تستطع المقولات الإلحادية والفلسفات التشكيكية أن تنال منها في قلوب المسلمين، أو في مجادلات المتكلمين الأوائل، الذين اجتهدوا كثيرا في الرد على شبهات مختلف طوائف الزنادقة والمتفلسفة من أهل الضلال والأهواء. وكذلك أبلى علماء الأمة البلاء الحسن والكبير، بالتربية الإيمانية والحجاج العلمي والوعظ التعليمي، في نقض عقائد الملحدين، وتفنيد شبهاتهم، وفضح دجلهم.

وبهذه المقاومة القوية الصامدة الراسخة لم تستطع هذه الفلسفات أن تذهب بعيدا في الأوساط العلمية، باستثناء أفراد قلائل. أما في أوساط العامة، فلم يكن وصول هذه الفلسفات إليها بالمتيسر، نظرا لصعوبة انتشار الكتاب بوسائل الاستنساخ المتاحة في ذلك الزمان، وكذلك بسبب التحفظ واليقظة والتحري، الذي كان يطبع سلوكات المجتمع الإسلامي إزاء العقائد الوافدة والفلسفات الأجنبية الطارئة. هذا إلى جانب مقامع السلطان التي كانت تقعد لهؤلاء الزنادقة المارقين كل مرصد، فلا تكاد عيونها تفلتهم31.

أما تصانيف هؤلاء الفلاسفة الملحدين، فقد ضاع أغلبها، وما وصلنا منها فهو عبارة عن نتف ومقالات متفرقة، وحكايات منثورة هنا وهناك في مصادر متعددة، وخاصة في المصادر التي تصدت للرد على هؤلاء الملحدين، حيث يتطلب الرد حكاية مقالاتهم وسرد شبهاتهم.

والمهم من هذا الكلام أن تاريخنا العربي الإسلامي لم يعرف نضج فلسفات إلحادية، في شكل نظريات عاشت وتداولها الناس، واستمرت إلى يومنا هذا. وإنما الذي بلغنا عن تلك الفلسفات، كما ذكرت، شذرات وإشارات ومقتطفات، لا ترقى أن تُكوِّن لدى القارئ فكرة واضحة عن معالم نظرية إلحادية متكاملة. يضاف إلى هذا أن هذه البقايا/الأطلال، التي حفظتها لنا المصادر، لا يكاد يطلع عليها ويدرسها إلا أهل الاختصاص، أو من هم في مرتبتهم من الباحثين المؤهلين للفهم والاستيعاب.

ولعل أدونيس من أشهر الكتاب المعاصرين، الذين أحيوا فكر الزنادقة والملحدين من مدافن التاريخ العربي الإسلامي، وأشادوا به ورفعوه إلى درجة الفكر الثوري التحرري الإبداعي الحداثي، وجعلوه في مرتبة تقابل التراث الديني بأصوله وعقائده وشرائعه، التراث “التقليدي” “الاتباعي” “الأصولي”، كما يعبر أدونيس.

فما من ملحد زنديق، في التاريخ العربي الإسلامي، أو فاسق ساقط، أو شاعر ماجن متهتك، أو ثائر ظالم خارج على شريعة المجتمع -في جملة، ما من إنسان متلبس بشبهة تَمُتّ بشيء إلى معارضة الإسلام، أو مناقضته، أو الخروج على أحكامه، أو غير ذلك من شبهات الزندقة والإلحاد، والمعاصي والآثام، إلا وتجد أدونيس متعاطفا معه، بل مدافعا عنه، ومنتصرا لاختياره وسلوكه-نقرأ هذا في كل ما كتبه أدونيس-أقول “كل” من غير استثناء- وخاصة في تجاربه الحداثية، وأسمي منها، على سبيل المثال، تجربة “الكتاب” بجزأيه، حيث خصص هوامش وتعليقات كثيرة لذكر هؤلاء المعارضين الثائرين العاصين، والإشادة بهم بأسلوب وعبارات تنم عن التعاطف والتضامن والتأييد. ولهذا نجد أدونيس يصنف هذه التيارات الإلحادية التاريخية في خانة الثقافة الإبداعية في تراثنا، تقابلها الثقافة الاتباعية، ويردّ على من يتهمه بأنه يرفض التراث جملة وتفصيلا، بأن قراءة عنوان كتابه، الذي هو مثار هذه التهمة، كافٍ لدحض ما يُرمى به؛ قال: “فهذا العنوان هو: (الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب. أي أنني أبحث في الإبداع عند العرب، وأتبناه، وأدافع عنه. فكيف يُقال، بعد ذلك، إنني أرفض التراث.”32

من روافد الحداثيّة الأدونيسية

لقد نشأ أدونيس في بيئة دينية علوية، كانت تروج فيها بعض موروثات العقيدة النّصيرية الباطنية33. فقد سئل أدونيس إن كانت “الباطنية” تُعدّ في مصادر حداثيّته الشعرية، فأجاب بأنه لا علاقة له بالباطنية كمرحلة تاريخية، وكفرقة، وإنما هو متأثر بالباطنية كموقف أساسي من العالم، “تهتم بما تسميه “الحقيقة” مقابل ما تسميه “الشريعة””34. وأضاف أن “الباطنية هنا تلتقي مع الصوفية، وتلتقي كذلك مع السوريالية…والباطنية بهذا المعنى أيضا، بحث لا ينتهي عن حقيقة متحركة لا تنتهي.”35 فهي “ثورة عظيمة في الفكر الإسلامي”36.

ولم يستبعد بعض الدارسين أن يكون أدونيس قد تشبع، في مراحل حياته التعليمية الأولى، ببعض نصوص تلك العقيدة، التي كانت تُتداول في السر، ويتم توارثها حسب طقوس خاصة؛ قال سيار الجميل في مقال نشره في الحوار المتمدن، بعنوان “أدونيس: الشاعر السوري الغامض: مشاركات في المرافضات والتحولات ولغة الموحيات”: “حدثني الصديق الشاعر الدكتور محمد عضيمة الذي زاملته بجامعة وهران بالجزائر قبل عشرين سنة(وهو واحد من أقربائه وتربطه به علاقة راسخة قوية) أن أدونيس تربى في بيئة نصيرية مشبعة بالمأثور الطائفي الخارجي الباطني الشيعي…”37

وإذا صحت هذه الأخبار، فهذا رافد أول.

وقد كان أدونيس، كما نعلم من سيرته السياسية، عضوا نشيطا في الحزب القومي السوري. وأقل ما تعنيه هذه العضوية وهذا النشاط أن الرجل كان متشبعا ومقتنعا بعقائد الحزب في شأن القومية السورية، كما نظّر لها مؤسس الحزب أنطون سعادة، وكما بسط أصولها ومبادئها في كتاباته، وخاصة في كتاب (نشوء الأمم)-أقل ما توصف به أنها بعيدة عن عقائد الإسلام، مخالفة لمقتضيات الإيمان، كما تبينه لنا الأصول الإسلامية القطعية. وهذا رافد ثان.

ونعلم من سيرة أدونيس الدراسية أنه كان تخرج من الجامعة السورية بدمشق، في الفلسفة والأدب، بدرجة أستاذ، وكان عنوان أطروحته هو “الصوفية العربية”38-والغالب على الظن أنها “الصوفية العربية” في وجهها الإلحادي كما هو مبسوط في كتابات أدونيس، ومبين في روافد نظريته الحداثية، وليس الصوفية في وجهها الإسلامي الشرعي، ومبادئها النقية الدائرة مع الكتاب والسنة. فهذا رافد ثالث.

ونعلم من سيرة أدونيس الدراسية أيضا أنه ذهب إلى فرنسا في سنة 1960 لمتابعة دراسته في السوربون بمنحة فرنسية39. وفرنسا، كما نعلم، هي مهد فلسفة الأنوار، فلسفة العقلانية اللادينية، وهي ملتقى الفلسفات الأوربية المادية، بمختلف أجناسها ونظرياتها ومباحثها، وهي كذلك موطن (بودلير) و(رامبو) و(سان جون بيرس) وأمثالهم من شعراء الحداثة الفرنسية. فهذا إذاً، رافد رابع.

ونعلم كذلك من مسير أدونيس الفكري والنضالي أنه انقلب، بعد هزيمة القوميين سنة 1967، مؤيدا للاختيار الثوري الشيوعي، وأصبحت مجلة “مواقف”، التي أسسها سنة 1968، منبرا مشهورا للمثقفين والشعراء الماركسيين الثوريين40. والماركسية الشيوعية، كما عُرفت في التجارب العربية، هي الإلحاد، هي الثورية الجذرية، هي العنف الدموي، هي القطيعة مع الماضي، هي الرفض والتمرد. وقد قال أدونيس، من تصريح له، يذكر بعضَ النظريات والمذاهب والحركات التي تأثر بها: “مثلا، تأثرت بالحركة السوريالية كنظرة…تأثرت بالفيلسوف اليوناني هيراقليطس ونظرته القائمة على الصيرورة والتطور المستمرين.

“تأثرت بالماركسية ونيتشه من حيث القول بفكرة التجاوز والتخطي…وتأثرت بفكرة البحث والتجريب في الشعر العالمي الحديث، الأمريكي والفرنسي على الأخص.”41وهذا رافد خامس.

ويمكن أن نضيف إلى هذه الروافد رافدا سادسا، وهو عبارة عن خليط من التيارات القديمة والحديثة، يجمعها مبدأ نبذ الدين وعزله عن شؤون الفكر والمجتمع والسياسة، إما في صورة كفر بواح، كالتيارات الإلحادية، أو في صورة التشكيك في بعض أصول الدين وتعطيل بعض أحكامه، كالتيارات اللائكية(العلمانية).

يقول أدونيس من رسالة بعثها ليوسف الخال من باريس سنة 1961، مميزا الماضي الثقافي للحركة الحداثية: “هذا الماضي الثقافي لا نلتمسه في الغزالي وأحمد شوقي وأمثالهما، وإنما نلتمسه في امرئ القيس وأبي نواس، وأبي تمام، والشريف الرضي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، والحلاج، والرازي، وابن الراوندي، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، ومئات العقول الخلاقة الأخرى في تراثنا العربي، التي غيّرت ورفضت وتمرّدت…ولسوف نكمل ما بدأه هؤلاء فنشكّ ونرفض ونغير،…ونثور ونهدم و”نعلن الفوضى”، وسنأمل أن نكون أغنى وأعظم مما كانوا.”42

ومهما يكن من أمر عقيدة أدونيس المطوية في سرائر صدره43، فإن الثابت، باعتراف أدونيس نفسه، وبالشهادات العديدة في كتاباته-بل كل كتاباته شهادة في هذا الموضوع- أن أصول نظريته الحداثية، التي أقامها على فلسفة الإلحاد، إنما استقاها، أولا وأساسا، من الغرب، ثم اجتهد، بعد ذلك، راكبا كل مراكب التعسف والتكلف والتلفيق والتأويل الغريب، في أن يجد لها ما يصدّقها في تراثنا العربي الإسلامي، فكانت النتيجة هي اكتشافاته البديعة واستنتاجاته الجريئة، التي ضمنها أطروحته حول “الثابت والمتحول”، والتي اعتبرها الدكتور بولس نويا اليسوعي، الذي أشرف على هذه الأطروحة وقدّم لها عند طبعها، اكتشافات “نهائية في دراسة الشعر العربي.”44

وإلى المقالة القادمة إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

هوامش:

1 -من رسالة بعثها مِن باريس ليوسف الخال سنة 1961، في كتاب “زمن الشعر”، ص239.

2 -تُراجع “أمثلة مِن طاحون التعليم التغريبي”، في الفصل الرابع من الباب الأول، من كتابي حول “المودرنيزم وصناعة الشعر”، من ص163إلى ص190.

3- الثابت والمتحول (تأصيل الأصول)، ص113.

4 -الشعرية العربية، ص86.

5- اِقرأ لأدونيس عن هذه المقابلة بين السوريالية الغربية والصوفية الإسلامية فقرات القسم الثاني خاصة، من كتابه “الصوفية والسوريالية”، ص37 وما بعدها، وكذلك ما كتبه في “La prière et l’épée”، ص249-261.

6- الصوفية والسوريالية، ص9.

7- نفسه، ص14.

8- نفسه، ص9.

9- من حوار معه نُشر في مجلة “فكر وفن”، عدد45، سنة1987، ص46.

10 -الشعرية العربية، ص87.

11- قوام هذه المذهبية الحداثية، كما بينت في مقالة سابقة، “العقلانيةُ” و”اللادينيةُ، وذلك بربط معرفة الحقائق بالعقل ولا شيء غير العقل، إذ “لا سلطان على العقل إلا للعقل”، وإقصاءِ الدين عن شؤون الفكر والسياسية والاقتصاد وغيرها من شؤون الإنسان الحياتية، ورفضِه أن يكون، بأصوله ومبادئه وشرائعه، مرجعيةً في شؤون الحياة الإنسان العامة، وحبسِ فعاليته في زاوية الأخلاقيات والتجارب الخاصة، التي لا شأن لها بالدولة والمجتمع. يرُاجع، في هذا الموضوع، ما كتبته عن “أصل المودرنيزم”، في كتابي “المودرنيزم وصناعة الشعر”، ص85-109، وعن “الحداثية” و”الحداثة”، ص199-223.

12- نفسه، ص83.

13 – بيان الحداثة، مجلة “مواقف”، عدد 36، شتاء 1980، ص146.

14 – للتذكير، فإن هذا الاعتراف ورد في كتابه عن “الشعرية العربية”، الذي هو، في أصله، عبارة عن أربع محاضرات ألقاها أدونيس في الكوليج دو فرانس، في فرنسا، سنة 1984، بدعوة من جمعية أساتذتها. وقد ظهر هذا الكتاب في طبعته الفرنسية سنة 1985، بعنوان:

« Introduction à la poétique arabe; traduit de l’arabe par Bassam Tahhan et Anne Wade Minkomski ; avant propos d’yves Bonnefoy, éditions Sindibad, Paris, 1985 ».

15- الشعرية العربية، ص86،87.

16- نفسه، ص101.

17 – نفسه، ص83.

18 – الثابت والمتحول(الأصول)، ص67-68.

19 – نفسه، ص92.

20 – نفسه، ص84. انظر أيضا “الثابت والمتحول(صدمة الحداثة)”، ص268،269.

21 – الحداثة المعطوبة، ص133.

22 – ولا أقصد هنا المتنطعين، ولا المتشددين، ولا الغالين في دينهم، ولا الذين يبيحون سفك الدماء باسم الإسلام، والإسلام من أفعالهم براء، وإنما أقصد المسلم الذي يجتهد أن يكون عند السمع والطاعة، في الأمر والنهي، على شرعة ربه وهدي نبينه، صلى الله عليه وسلم.

23 – هذا مثال من عباراته، في حداثته المعطوبة، في حق خصومه الإسلاميين؛ يقول عن الجامعات: “…جامعاتنا اليوم عبارة عن مرسْتانات [تأمل عبارة هذا الأديب]. على المداخل أشرطةٌ تردد كلها الدعوة إلى التوبة من كل فكر وإبداع [لاحظ إطلاق التهم بلا دليل، إلا الإشاعات والموقف المُبيَّت]. على مداخل الجامعات صفوف من المجلدات [يقصد الكتب الإسلامية] التي هي نقيض المعرفة الحديثة. كتب الدعوات الدينية الجاهرة بعذاب القبر وبمنطق التكفير. هذه الجامعات، التي كان الحديثون [من يقصد بالحديثين؟] أنشأوها لتهبّ عاصفةُ العقل والنقد السؤال، تتحول إلى أقبية فيها يتباهى الجاهلون بالجهل[هذا هو الإبداع، وإلا فلا]. طوائف متلاحقة تمنع الجامعةَ عن الجامعة، تمنع الفكر عن الفكر، تمنع الإبداع عن الإبداع. وفي وسط ساحات الجامعات ومدرجاتها مقاصلُ تقطع الرؤوس كلّ ثانية ليرتفع التهليل بالجهل وحده”. انتهى من (الحداثة المعطوبة)، ص131.

24- انظر تفصيل الكلام على هذه الأوهام في “بيان الحداثة”،(م.س)، من ص135 إلى ص138. قارن بِـ”الشعرية العربية”، من ص93 إلى ص95.

25 -الشعرية العربية، ص84.

26- بيان الحداثة،(م.س)، 138.

27 – نفسه.

28 – نفسه، ص139.

29- نفسه، ص141.

30- راجع في كتابي “المودرنيزم وصناعة الشعر” نماذج من ثمار طاحون التعليم التغريبي.

31- لقد دافع أدونيس دفاعا قويا عن أهل البدع والأهواء، لأنهم أساس التحول والإبداع في نظريته الحداثية، وذكر أن ذنبهم الوحيد، الذي استحقوا من أجله أن يُرموا بهذا الوصف، هو أنهم كانوا معارضين، من داخل الإسلام، للنظام الرسمي، أي الدولة الأموية بالتحديد. وبسبب هذه المعارضة، التي خشي النظام على نفسه منها، تم توجيه العلماء السلفيين الموالين للدولة لمواجهة هؤلاء الخصوم، واتهامهم بمحاولة الخروج على الجماعة، وتقويض كيان الأمة. (الثابت والمتحول(الأصول)، ص81 من المقدمة وما بعدها، ويراجع عموما القسم الثاني من الأصول، الذي خصصه لـ”أصول الإبداع أو التحول”.

32- فاتحة لنهايات القرن، ص274.

33- نسبة إلى محمد بن نصير الفارسي الأصل. وقوام هذه العقيدة، كما تذكر المصادر، القولُ بالحلول والاتحاد، والإيمان بالتناسخ، وإسقاط التكاليف، وإباحة المحرمات، والأخذ بالتأويل الباطني. والنُّصيرية فرقة مصنفة في غلاة الشيعة. اُنظر كتاب “فرق الشيعة”، للنوبختي، ص147، و”الملل والنحل”، للشهرستاني، ج1: ص188.

34- من حوار مع منير لعكش، في “أسئلة الشعر في حركة الخلق وكمال الحداثة وموتها”،(م.س)، ص130،131.

35- نفسه، ص131.

36 -نفسه، ص132.

37 -العدد: 1062، بتاريخ: 29 دجنبر 2004، في الموقع الإلكتروني لمؤسسة الحوار المتمدن، على الرابط التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=28905

راجع أيضا “أدونيس منتحلا”، كاظم جهاد، ص76،77. ويمكن أيضا مراجعة دراسة مطولة بقلم سهيلة زين العابدين حماد، بعنوان “أدونيس، رائد الإباحية والإلحاد”، التي نشرتها جريدة “المسلمون”، على أربع حلقات، في الأعداد: 238،239،240،241، سبتمبر، 1989، ص9.

38- الغريبُ أن جميع أعمال أدونيس السابقة، فيما أعلم، قد نُشرت، إلا هذا العمل/الأطروحة، التي لا يكاد يعرف عنها القراء، عموما، والنقاد المتخصصون خاصة، شيئا. انظر مقال (ز.خان): “أدونيس، دراسة في الرفض والبعث”، في مجلة “فصول”، العدد الخاص عن “الأفق الأدونيسي”،(م.س)، ص104.

39- انظر مقال(ز.خان) المشار إليه في الهامش السابق، ص104.

40- نفسه.

41 -فاتحة لنهايات القرن، ص267.

42- زمن الشعر، ص239.

43- في حوارات أدونيس الأخيرة، وخاصة الاستجوابات التي نُشرت، في باريس، باللغة الفرنسية، والتي كان المقصود بها أساسا الجمهور الغربي، ظهر أدونيس بوجهه الحقيقي، وجه الملحد المناضل، الذي غايته محاربةُ الإسلام، في عقائده وأحكامه وأخلاقه، وفي تاريخه وعلمائه ورموزه ومقدساته. تُراجع حول هذا الموضوع المقالاتُ التي نشرتُها بعنوان “الوجه الآخر لأدونيس”.

44- الثابت والمتحول(الأصول)، ص10.

http://majdoubabdelali.blogspot.com/

شاهد أيضاً

تعرف على القصة الكاملة لوقوع لاجئة عراقية في هوى موظف حدود مقدوني لتغير دينها وتتزوجه

تسبب قرار لاجئة عراقية، كانت عالقة مع عائلتها على الحدود الصربية المقدونية، بزواجها من أحد …

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات