الرئيسية / الرئيسية / مقالات / دين / “نقد الفكر الديني” وتجاوز المحظور في فكر صادق جلال العظم

“نقد الفكر الديني” وتجاوز المحظور في فكر صادق جلال العظم

د. علي المرهج
ali almirhigما يميز صادق جلال العظم بوصفه مفكراً تنويرياً، هو قدرته وتمكنه من تجاوز المحذور والمحظور في ثقافتنا العربية وعرفنا الاجتماعي، ومحاولته تعرية المسكوت عنه في السائد المجتمعي والسائد العقائدي في الفكر الديني وإختراق “الخطوط الحمراء” وتخطيها للكشف عن المسكوت عنه في فكرنا الديني والاجتماعي المتماهي مع منظومة القمع السياسي الحاكم، ونقده توهماته الأسطورية والغيبية التي كرست تخلف المجتمع وأمعنت في تخديره، فكل ما نعيشه في حياتنا المجتمعية يحمل بين جنباته الدعوة للأسطرة والخرافة والتعلق بالغيب لتبرير خيباتنا المستمرة.
إخترق صادق جلال العظم حُجب التابو وكشف عن وهنه وضعفه وترديه ممثلاً في ما هو سائد من فكر الديني لا عقلاني ورديفه الخطاب السياسي “الخائب” اللذان صارا يسند بعضهما بعضا.
لم يسبق العظم مفكر تناول بصراحة وبدقة تحليلية وبجرأة “نقد الفكر الديني” لا سيما ما طرحه في كتابه الذي يحمل هذا العنوان نفسه، صدرعن دار الطليعة ببيروت عام 1669م. وفيما بعد “ذهنية التحريم” و”ما بعد ذهنية التحريم”، صدرا عن دار المدى، وهو كعادته كاتب إشكالي، حينما يكتب كتاباً أو مقالاً لا بد وأن يُثير الكثير من الضجة حوله لا سيما من الكتاب والمفكرين ممن هم من “وعاظ السلاطين” و”المُتمجدين” الذين لا يرمون سوى رضا الله المُتمثل برضا خليفة الله في الأرض، بل والسياسيين وجل رجال الدين من مسيحيين ومسلمين من “السدنة” و”المُتملقين” الذين يُزينون أفاعيل السلاطين وإن كان جُلها أو كُلها شرُ ولا نفع فيها لعباد الله المُتقين.
لقد فاق العظم كثير من المفكرين في جرأته الفكرية والنقدية، فكان كتابه “نقد الفكر الديني” بالمقارنة مع كتاب أركون “تاريخية الفكر الإسلامي” من جهة العنوان أكثر جرأة رغم السبق الزمني الطويل لكتاب العظم على كتاب أركون، وما يجعلنا نقول بذلك هو أن العنوان الأصلي لكتاب أركون هو “نقد العقل الإسلامي” وتحفظاً وخشية من أركون وتحسباً من إمكانية إثارة هذا العنوان وإستفزازه لكثير من المسلمين، فقد إختار العنوان الثاني، وكأنه يتخذ طريق التقية للتخلص من مأزق النقد والتجريح، الأمر الذي لم يُحبذه العظم، كونه يرى ألَا مُجاملة في طرح التصور المعرفي بطابعه النقدي، وإن لم يرق للكثير من الذين يرومون كسب الجمهور واللعب على وتر الوجدان والعاطفة الدينية، عبر إختراقها بصياغات لفظية مُعقدة موهمه له، فيحتار في تصنيفها وفق مُدركه العام، وهذا ما عمل به الكثير من المفكرين العرب، ولكن العظم إتخذ طريق الصدمة ومواجهة الجمهور عبر رفضه لمُتبنياته الدينية والسياسية التي درج عليها، فقد كان وإستمر العظم لآخر أيامه صلب في مواجهاته الفكرية وحتى السياسية، ولم يكن كتابه “ذهنية التحريم” بأقل جرأة من “نقد الفكر الديني” بل كان وقعه أشد وأبلغ، لأنه تناول في قسمه الثاني مسألة كانت في وقتها في غاية الخطورة وهي كتاب سليمان رشدي “آيات شيطانية” ومواقف التكفير التي صدرت ضده في العالميين الإسلامي والعربي، ومحاولته تأكيد دعوته إلى حرية التفكير والتعبير وأن يعامل العمل الأدبي معاملة وكأنه كتاب في التأريخ، لأن الأول يعتمد الخيال والثاني يعتمد الوثيقة…
أهم المنطلقات في فكر صادق جلال العظم:
1ـ نقد المألوف والسائد في الوعي الجمعي العربي، من هيمنة للفكر الإسطوري وحضوره فاعل في حياتنا العربية ودعوته لتبني الرؤية النقدية، . نقده لشيوع الفكر الإسطوري حتى في الفكر الديني أيا كان شكله إسلامياً كان أم مسيحياً، ويعتقد[1] أن مهمة الفكر الإشتراكي العلمي “إستئصال الأسطرة وإحلال التعليم والثقافة العلمية محلها”. فضلاً عن دعوته للنقد الذاتي الذي طرحه في كتابه “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، يرى فيه “أن الشخصية العربية تميل إلى إزاحة المسؤولية عن النفس وإسقاطها على الغير وقد تجلت هذه النزعة بكل وضوح بعد هزيمة الخامس من يونيو، وتتمثل هذه النزعة في محاولة إرجاع الهزيمة العربية إلى عوامل خارجية” ويرى العظم أن واحد من مشاكل العرب مغالاتهم في تأكيد الذات والميل الملح لأظهار القدرة الفائقة في التحكم بالأمور، فضلا عن إستهتارهم بقوة العدو وطاقته والإستخفاف به وتأكيد النفس والمباهاة الدائمة عن طريق الإدعاءات الفارغة والتقيد بالمظاهر الخارجية والشكليات. إن هذه الشخصية إذا وجدت نفسها في مأزق يفضح عجزها، تبرع في إزاحة المسؤولية عن نفسها ونسبتها لقوى خارجية[2].
إستمد العظم كثيراً من سمات النزعة النقدية من الفلسفة الماركسية، فقد بقيَ أمينا لها ملتزماً بمنطلقاتها الفكرية، لا سيما ببعدها النقدي، وهذا ما دافع عنه في كتابه “دفاعاً عن المادية والتاريخ” “فالماركسية هي فلسفة العصر النقدية بإمتياز”[3].
2ـ نقد التوظيف السياسي للدين، ونقد “وعاظ السلاطين” الذين يزينون للمستبد أفعاله، ويزيدون خوف الناس من المجهول وتأكيد فكرة أن “الحاكم هو ظل الله في أرضه”. لأن “الدين هو المصدر الرئيس لتبرير الأنظمة الملكية في الحكم لأنه أفتى بأن حق الملوك نابع من إله وليس من الأرض”[4].
أو محاولة تبرير هزيمة بعض الحكام في معاركها في جعل الناس أكثر غيبوبة في تزيين فعل الإستقواء بالمتخيل الديني، ومحاولة تشكيل الوعي الجمعي بإتجاه بعث الوعي الإيماني والديني لتبرير هزيمة العرب في حرب 1667م أمام العدوان الصهيوني، وبعث دعاية ظهور العذراء وتبني أجهزة إعلام السلطة المصرية هذه الدعاية والسعي لنشرها. وقد عدها العظم مناورة إستخدمتها الدولة الناصرية لتصفية آثار العدوان، وهي لا تليق بدولة تتبنى المنهج الثوري الإشتراكي، فكان الدولة بأجهزة هذه الدولة تثقيف الشعب وتعليمه لا تزيين الخرافات وإظهارها بمظهر الحقائق العلمية.
وفي الوقت الذي ينتقد فيه رجال الدين المبررين للسلطة المستبدة، نجده ينتقد العلمانيين من الإشتراكيين والليبراليين الذين يتبنون النزعة التبريرية، وتبني مقولات الفكر المدني والدفاع عنها وكأنها من متبنيات التراث مستشهدين بنصوص من القرآن والسنة والتراث، فيها ما يبرر نزوع السلفي ويجد الإشتراكي نصوصا أخرى تبرر نزعته، ولا يختلف الديمقراطي الليبرالي عن سابقيه في تقصي حوادث التاريخ بما يخدم توجهه، فتجد مثلا: عند مفكري السلطة في مصر والجزائر والعراق “ديمقراطية إشتراكية” وعند مفكري السلطة السعودية “ديمقراطية سلفية”، وفي تركيا “ديمقراطية كمالية”[5]…
3ـ نقد إتساع مساحة القدسي والمقدس في الثقافة والحياة العربية. فصار كل ما لا تفسير له عندنا معجزاً وصارت بعض شخصياتنا الاجتماعية والدينية بحكم وجودها الفاعل في الحياة اليومية أكثر قدسية حتى من النص المقدس نفسه، وصار الفكر الديني بكل تمظهراته بما فيها الخرافي والأسطوري مقدساً ولا يمكن الإقتراب منه أو نقده، حتى بعض رؤى رجال الدين وتفسيراتهم هي الحقيقة المطلقة التي شاع عندنا أنها مقولات ذات طابع نبوي أو إلهي لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها.
4ـ الدعوة الصريحة لتبني العلمانية فكراً ومنهجاً وطريقة سلوك وحياة، بوصفها دعوة لفصل الدين عن الدولة وتحمل بين طياتها تنشأة الوعي المواطني على أساس الإنتماء الوطني لا على أساس الإنتماء العرقي أوالديني أو المذهبي، لذلك نجده في كتاباته، دائم النقد للفكر الديني، مسيحياً كان أم إسلامياً، سنياً كان أم شيعياً، وهو مع الفكر الوحدوي العربي حينما لا يكون فكراً يبغي رجاله إلغاء التنوع المجتمعي وتهميش دور الأقليات وحضورهم الفاعل في الحياة المدنية.
ينتقد العظم بشدة بعض مُتبنيات العلمانيين من الديمقراطيين الليبراليين “الذين يدعون الى أن الأسلام جاء بالديمقراطية قبل أن يأتي به الغرب لأنها موجودة في نظام الشورى.[6]فهو يرى أنهما أمران لا يلتقيان، وهنك وهم عند الإسلاميين وعند بعض العلمانيين الذين يرومون تبرير رؤاهم التنويرية عبر النكوص والتعكز على التراث، وإن كان في هذا التراث آلاف الشواهد بالميل نحو التمسك بنزعة الإستبداد في الحكم والتعامل مع الناس وفق مبدأ “الراعي والرعية”، لا وفق مبدأ المواطنة وحق الأغلبية.
5ـ نقد “ذهنية التحريم” وتبنيه الدعوة لحرية الفكر، لا سيما في نقده لنزعة التكفير للفكر الحر، وهو ما يعبر فيه عن حال الفكر الديني الإسلامي وسطوة مؤسساته وهيمنتها، وسعيها الجاد لإقصاء التعددية الفكرية والثقافية، معبرا في ذلك عن ما يتعرض له المفكر النقدي من مضايقات ومحاكمات وحتى تصفية جسدية، سعت أطراف لتكريس “ذهنية التحريم” وكأنها صارت عادة، أهم هذه الأطراف، كما حددها العظم هي:
1ـ السلطات الرسمية المسؤولة عن هذا الجانب (وغيره) من حياة مجتمعاتنا، ويقصد بها أنظمة الحكم الإستبدادب الحاكمة لشعوب المنطقة العربية.
2ـ السلطات شبه الرسمية المسؤولة عن تأطير نشاطنا الروحي والآيديولوجي والنقدي والأدبي والفني والفكري، وهي في الوقت نفسه غير مسؤولة عن سلوكنا الفردي. ويقصد بها رجال الدين وأتباع السلاطين والمُستبدين من المُثقفين المُطبلين والمُزمرين لكل مرامي السلاطين.
3ـ جهات ليس لها من مهمة سوى “تلقين الحقيقة” ينطلق دعاتها من “حقيقة نُخبوية ثابتة في أذهانهم تُفيد أن النفع كل النفع للمواطنين هو الإنصات لهم والإنصياع لأوامرهم في حجب فكر وإتاحة آخر. لأنهم “مسؤولون عن مستقبل الأمة وأوصياء عليها”[7].
تعرض العظم للمحاكمة وحملات التشويه التي شنتها عليه مؤسسات “تلقين الحقيقة” والجهات الممثلة للوعظ الديني كرد فعل على نقده للفكر الديني، وبعد سلسسلة من الإتهامات ورد التهم تمت تبرئته من قبل القضاء. وقد تعرض لذلك من قبل علي عبد الرازق لتأليفه كتاب “الإسلام وأصول الحكم” عام 1925م، الكتاب الأجرأ في زمنه من حيث جديته في نقد فكرة دمج الدين بالدولة وتفنيده لفكرة الجمع بين السلطتين الدينية والمدنية، وتأكيده أن سلطة الرسول، جاءت كسلطة روحية قمعية لتتمم مكارم الأخلاق، وحكم الدولة جاء للرسول عرضا، ولم يأت الإسلام بأحكام لإدارة الدولة. المهم شُنت حملة شعواء ضد الرجل وتمت محاكمته وأراد القضاء التفريق بينه وبين زوجته، كما حصل فيما بعد لنصر حامد أبي زيد في الحملة التي حصلت ضده أيضا نتيجة لنقده الفكر الديني، وكان كتابه “نقد الخطاب الديني” على الرغم من إختلاف موضوعاته عن كتاب صادق جلال العظم إلا أن يتشابه معه في العنوان والهموم والمعاناة التي حصلت لمؤلفه وهروبه من مصر، وقضاء بقية حياته في بلاد المهجر. لا لشيء إلا لأنه فكر بصوت عال وحرث في مناطق لا يستطيع “العقل المستقيل” [أو “العقل الأرثذوكسي” كما يسميه أركون] تصور إمكانية الخوض فيها ولكن صادق جلال العظم مسبوقا بعلي عبدالرازق وطه حسين في نزعته النقدية وموقفه “في الشعر الجاهلي” ومحاولة تطبيق منهج الشك الديكارتي على الشعر الجاهلي والتوصل للشك بمصداقية إنتسابه كنظم شعري بالصيغ الجمالية التي ظهر فيها، بوصفه ليس شعراً جاهلياً وإنما أُضيفت له من جماليات تحول الوعي المدني في زمن نشوء الدولة الأموية أشياء وأشياء.
واحدة من مشاكل الفكر العربي أنه لا يحتمل الفكر المغاير لأنه فكر مطابقة ومشابهة، والإختلاف يعني التشكيك بطبيعة التفكير الديني السائد والقائم على فكرة العصمة وإمتلاك الحقيقة المطلقة و”إن الدين عند الله الإسلام”. لذلك لم تستطع جُلَ مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية بدعم من المؤسسة الدينية الوعظية تحمل الفكر النقدي، ولنا الكثير من الشواهد غير ما ذكرنا، مثل ما تعرض له كل من فرج فودة وحسين مروة صاحب كتاب “النزعات المادية في الإسلام” من تصفية جسدية. وما تعرض له محمد أحمد خلف الله الذي كتب أطروحته للدكتوراه بعنوان “الفن القصصي في القرآن الكريم” والتي فيها موقف يقترب من موقف العظم من بعض قصص القرآن لا سيما قصة “إبليس” و”الطوفان” وغيرهما، إذ عدوا هذه القصص وما شابهها “هي من أساطير الأولين” والمراد منها ليست مقدار مصداقيتها لرواية الحدث التاريخي لأن القرآن ليس كتابا في التاريخ، بل هي قصص رويت لأجل أخذ العبر. ولكن مثل هكذا آراء لا يستطع العقل الأحادي النظر تحملها وقبولها على أساس أنها من باب حرية الفكر.
لذلك وجدنا العظم في كتابه “ذهنية التحريم” ينتقد موقف المؤسسة الدينية من تكفير سليمان رشدي بسبب كتابه “آيات شيطانية”، فضلا عن إنتقاده للكثير من المفكرين العرب الذين وقفوا ضد رواية سليمان رشدي، لأنه تعاملوا مع الرواية ليس بوصفها عمل أدبي ذو طابع خيالي، بقدر ما تعاملوا معها وكأنها نص لمحقق لاهوتي ومؤرخ إسلامي، وهذا لا يعني أن العظم يتبنى رؤى سليمان رشدي، ولكنه يجد أن ما طرحه من آراء هي تقع في باب حرية التعبير، وسلاح مواجهة الرأي هو الرأي، والحجة بالحجة. لا التكفير والملاحقة والتهديد بالقتل[8].
7ـ نقده لنزعة التوفيق أو الدمج أوفكرة الإنسجام الكامل بين العلم والدين، منتقدا في الوقت ذاته توجه مجموعة من المفكرين الإسلاميين والمسيحيين مثل نديم الجسر وسيد قطب والاب فرانس وادوبرا وصبح الصالح وموسى الصدر لإيمانهم بفكرة التكامل بين العلم والدين ويجد ان هذه فكرة بها قفز على الواقع ولا تتعدى أكثر من كونها مجاملات وجبر الخواطر الذي يرضي جميع الأطراف ولا يزعج أحدا لاسيما في إعتماد هؤلاء على القول بخلو الدين من الأساطير لاسيما المفكرين المسلمين[9].
ولا تتعدى هذه المحاولات سوى نوايا حسنة من بعض رجال الدين المعتدلين للإستجابة لزحف الفكر العلمي في الغرب وتقهقر المؤسسة الكنسية، وما محاولات بعض رجال الدين، مسلمين كانوا أم مسيحيين، للتوفيق بين مقولات العلم ومقولات الدين، سوى محاولة لا طائل منها، وإن كانت بعض الموضوعات يشترك في الإهتمام الدين والعلم والعلم معا، لكن منطلقات كل منهما مختلفة، فالدين ينطلق من مجموعة من المسلمات النهائية، بينما مسلمات العلم ليست كذلك، فما يكون في العلم مسلمة اليوم يمكن أن يكون غدا أو بعد غد محل نقد وتمحيص وإختبار. الحقيقة في الدين نهائية ومعروفة سلفا، بينما هي في العلم محط بحث وتقصي.
8ـ دفاعه عن الحب حينما يكون هياماً وعشقاً للمحبوب “يعبر مرحلة الإنجذاب الجنسي”، بل يتعدى الحبيب فعل التعبير السلبي ليصل لميدان “الإيجاب حيث يسعى لإسعاده والتضحية في سبيل تحقيق رغباته والعمل على تأمين هنائه بالعطاء والبذل وتحمل المشقات”. هذا الحب الذي يتحدث عنه العظم لا يشمل الرجل فقط، بل والمرأة كذلك في البذل والعطاء بما يتعدى مؤسسة الزواج أو ما سماها “شريعة الإمتداد” التي تحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى حياة رتيبة باردة مهمة المرأة والرجل فيها إداء الواجب، وما يريده العظم هو تجاوز “شريعة الإمتداد” والوصول إلى “سنة الإشتداد” التي لا تتحقق إلا في “المغامرة الغرامية” يخرج فيها العاشقان من نطاق الزمان، وقد كان أحد أشكال هذا الحب معروفا عند العرب بـ “الحب العذري” رغم تشكيكه بعذرية هذا الحب، لكنه يوافق على رؤية أصحابه لـ “الرباط المقدس”، أي الزواج “يؤدي إلى إضمحلال العشق وخفوته”.
يروم العظم من وراء كتابه “في الحب والحب العذري” الذي لخصنا فكرته في السطور السابقة، إيقاض مجتمعاتنا من سباتها وإنسياقها وراء عادات وتقاليد موروثة، فيها من القهر الإجتماعي من الضغط على الشاب والفتاة للزواج حسب رغبة أهليهما، ما يهدد مؤسسة الأسرة بالخراب، لأن كثير من زيجاتنا لا تقوم على الحب والجد والهيام بالمحبوب، بمقدر ما تقوم على وهم “أن زواج المرء يعني إكمال نصف دينه”، سواء كان هذا الزواج قائم على الحب أم لا، الشيخ يتزوج من فتاة صغيرة، أمر أقرته الشريعة. هذا يعني أن الحياة الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية تسيرها مؤسسة الوعاظ، الذين صيروا الحب خرق للقيم والتقاليد ولا يطيق رب أسرة سماع أن إبتنه تحب، أو متيمة وعاشقة، فهذا أمر لا يليق بسمعة العائلة لأنه يجلب له العار حسب عاداتنا الاجتماعية، هذا ما رسخه الوعاظ في عقولنا. الأمر الذي زاد من حالات الطلاق بكثرة مفرطة، وزيادة حالات الخيانة الزوجية، لأن كل “تفاصيلها خاضعة للعرف الاجتماعي و”شريعة الإمتداد” غير قائمة على الإختيار الحر المتكافئ بين الطرفين المعنيين بالعلاقة أو الإستمرار بها أو إنهائها. لذلك يدعو العظم إلى ضرورة “تحرير المرأة من الإستعباد التقليدي الذي لحق بها وإقرا حقها كاملا ليس في مجرد القبول والرفض أمام من يختارونها وإنما في إختيار سبيل حياتها العاطفية والغرامية والاجتماعية والإنتاجية في المجتمع الحديث وفقا لمواهبها وثقافتها وميولها”.
بعبارة موجزة لكل ماذكرناه لتقويم الحياة الزوجية، هو في أن “تتحول الرابطة الزوجية إلى علاقة مرنة تدوم ما دام الحب بين الطرفين وتنفك بزواله فتتاح بذلك فرصة للطرفين المتاحبين للتمتع بشيء من الإستقرار والهدوء والإستمرار في علاقتهما الغرامية ولكن من دون أن تتحول هذه العلاقة إلى إلزام اجتماعي وضرورة اقتصادية نحو بعضهما البعض فتفقد بذلك جذوتها وحيويتها وتلقائيتها[10].
إن العظم يحاول إحياء التراث عبر ربطه بأشياء حية وقضايا يعيشها الناس في الحاضر ويتحسسونها ويفكرون بها ويعانون منها ويعجبون بها في فهم ثقافتهم وحياتهم المعاصرة، لذلك هو يدعو إلى إثارة النظر الدائمة والمستمرة فيما يسمى (التراث).

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة
………………..
[1] صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط10، 2009م، ص99.
[2] ينظر: صادق جلال العظم: النقد الذاتي بعد الهزيمة،
[3ـ ينظر: صادق جلال العظم: دفاعا عن المادية والتاريخ، دار الفكر الجديد، بيروت ـ لبنان، ط1، 1990.
[4] صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني، ص17.
[5] صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني،المصدر نفسه، ص35.
[6] المصدر نفسه، ص34.
[7] ينظر: صادق جلال العظم: ما بعد ذهنية التحريم، دار المدى، بغدادـ العراق، ط2، 2004م، ص11.
[8] صادق جلال العظم: ذهنية التحريم، دار المدى، بغداد ـ العراق، ط1، 1997.
[9] العظم: نقد الفكر الديني، ص25.
[10] هذه الأفكار والنصوص مستمدة من كتاب العظم: في الحب والحب العذري، دار المدى، بغداد ـ العراق، ط3، 2014.

شاهد أيضاً

نظرات في كتاب نقدي خطير يحاول إثبات أن “النبوة ظاهرة إنسانية أحْدَثَت إلهها وصنعته”

ينطلق هذا الكتاب في النظر لنبوة محمد والنبوة عامة من افتراض اولي مؤداه ان النبوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.