أخبار عاجلة
الرئيسية / فلسفة / متى ولماذا ظهرت فكرة الحرية وكيف استغلتها الليبرالية؟

متى ولماذا ظهرت فكرة الحرية وكيف استغلتها الليبرالية؟

WEDNESDAY, JANUARY 24, 2007
في الحرية
فليست ثورات الشعوب الطالبة للحرية ناتجة عن مجرد غيابها، بل هي وعي بغيابها، وثمة فارق كبير بين مجرد غياب الشيء وبين استشعار غيابه. فما أكثر الشعوب وما أكثر الأفراد الذين تأكل معاصمهم وأرجلهم قيود الاستبداد وهم يحسبونها أساور من ذهب!

لا أعتقد أن هناك مفهوما سياسيا جذابا يعلو على مقدار جاذبية مفهوم الحرية، لكن لا أظن أيضا أن ثمة مفهوما أكثر غموضا واستغلاقا منه.

ولعله من قبيل تكرار البداهات أن نقول: ليست هناك حرية مطلقة لا بالنسبة للفرد ولا بالنسبة للمجتمع؛ لأنه لا وجود لكائن إنساني غير خاضع لحتميات بيولوجية ومجتمعية، كما أنه لا إمكانية لتصور قيام مجتمع يجسد مقولة الحرية بمدلولها الإطلاقي، أي بلا قيد و لا شرط ولا حتميات.

فالحرية بمعناها المطلق ليست سوى فوضى أو يوتوبيا حالمة، والحياة المجتمعية بما هي حياة أفراد وجماعات متعالقين بروابط، ومتخالفين في الأذواق والأفكار والمصالح لا بد لكي توجد وتستمر من أن تتأسس على قواعد وأعراف ونظم ومؤسسات ينضبط لها الفعل الفردي ويمتثل.


المذهب الليبرالي لا يمكنه أن يجسد من الحرية إلا دلالات معينة من بين دلالاتها الكثيرة التي بلغت من التعدد والتنوع حد الاختلاف والتناقض

في المعنى الليبرالي للحرية
ولفظ الحرية في استعماله السياسي اليوم يكاد يُختزل في المنظومة الفلسفية والسياسية الليبرالية، إذ ليس ثمة مذهب فلسفي أخذ من لفظ الحرية مادة لسنية لتسميته غير المذهب الليبرالي، لأن اللفظ الأجنبي ليبراليزم liberalisme يرجع من حيث الاشتقاق اللغوي إلى لفظ ليبرال libéral (الحر)، المشتق من لفظ ليبرتي liberté (الحرية).

لكن سيكون خطأ وقصورا في تأويل الفلسفات وفهم نظم الاجتماع أن نعتقد أن المذهب الليبرالي دون غيره من مذاهب واتجاهات الفكر، هو الوحيد الذي طلب الحرية وحاول تجسيدها في منظومته السياسية.

كما أنه خطأ وقصور في فهم ماهية مثال الحرية أن نعتقد أن النمط الحياتي الليبرالي هو تجسيد وموضعة لهذا المثال على صعيد العلاقات المجتمعية.

والسؤال الذي ينبغي الانطلاق منه لبحث علاقة الليبرالية بالحرية هو ما دلالة مبدأ الحرية في النسق النظري والمجتمعي الليبرالي؟

ومشروعية هذا السؤال، بل ضرورته آتية من كون مفهوم الحرية ليس لفظا منضبط الدلالة حتى يكون مجرد التسمية به واستعماله إمساكا بدلالته الكاملة، وتسييجا لها داخل الإطار المذهبي المسمى بها. فكما يقول مونتيسكيو في كتابه (روح القوانين): “ليس هناك لفظ تلقى من الدلالات المختلفة أكثر مما تلقاه لفظ الحرية”.

ومن ثم يصح لنا أن نقول إن المذهب الليبرالي –على فرض كونه جدلا مذهب الحرية- لا يمكنه أن يجسد منها إلا دلالات معينة من بين دلالاتها الكثيرة التي بلغت من التعدد والتنوع حد الاختلاف والتناقض.

ومن ثم فالسؤال عن معنى الحرية وتحولات دلالاتها مطلب منهجي ضروري لمقاربة هذه الفلسفة السياسية، لنبصر نمط الحرية الذي تتبناه في رؤيتها الفلسفية، وتسعى إلى تجسيده في واقعها.

في التأريخ لمفهوم الحرية من منظور ليبرالي يحرص المفكرون الليبراليون الغربيون على التوكيد على تطور دلالي هام شهده المفهوم في تاريخ الثقافة والاجتماع الأوروبي، وهو أنه في القديم لم تكن الحرية ترتبط بالكائن/الفرد، بل ترتبط بالمدينة/الدولة.

بمعنى أن الحرية عندما كانت تستعمل كان مَاصَدَقُُهَا الدلالي في الواقع يرتبط بتحرير مدينة من سلطة غازية، وليس تحريرا للفرد، وإطلاقا لقدراته الفكرية والتعبيرية والسياسية..

لقد كان وعي الحرية في المجتمعات التقليدية وعيا بمفهوم جمعي يخص أرضا أو شعبا أو جماعة.

أما الفرد فلم تكن له هويته ككينونة متفردة متميزة، بل كان ينظر إليه من جهة انتمائه إلى قبيلة أو عشيرة

.. بمعنى أن هويته كانت موصولة ومتماهية مع هوية الجماعة،

وكان أناه الفردي ذائبا في أنا الجماعة التي ينتمي إليها عضويا وإثنيا ودينيا..


الليبرالية لم تنشأ كتوكيد لحرية الإنسان، بل كتوكيد للحاجة إلى استغلاله بطرق مغايرة للاستغلال القناني، أي بطرق جديدة تناسب الثورة الصناعية

ميلاد مفهوم حرية الفرد
ولذا يحرص الفكر الليبرالي على إرجاع ميلاد الحرية بمدلولها الفردي إلى القرن الثامن عشر، أي إلى نظرية العقد الاجتماعي التي ستنتهي بفعل التحولات السوسيولوجية والسياسية التي شهدها عصر الأنوار، إلى اندلاع الثورات (الإنجليزية والفرنسية..)، التي كانت إيذانا بالانتقال من النمط المجتمعي التقليدي الإقطاعي إلى نمط مجتمعي بورجوازي ليبرالي.

لكن الحكاية ليست بهذه الرومانسية التي يريد الخطاب الليبرالي أن يشيعها، إذ لو نظرنا إلى صيرورة السياق التاريخي لميلاد فكرة حرية الفرد داخل المنظومة الثقافية والحضارية الغربية سنلقى الكثير من المعطيات التي تخدش هذه الصورة الرومانسية التي يتم تسويقها.

فما هي أهم لحظات هذه الصيرورة التاريخية؟
في عصر النهضة الأوروبية وداخل المجال الجغرافي الإيطالي أخذ الوعي الأوروبي يشهد حراكا ثقافيا مزامنا لحراك واقع كان يؤسس لمدن تجارية مفتوحة على العالم، ومكثفة لعلاقات التواصل معه.

فمن حيث حراك الوعي حدث انفتاح على عوالم ثقافية جديدة: عربية وإغريقية ورومانية، فكانت أول نزعة هيمنت على هذا الوعي المتحرك المنفتح هي النزعة الإنسية التي يمكن مع بعض التجوز اعتبارها تقديرا للكائن الإنساني رغم نزوعها التقليدي الذي سكنها في البداية.

وهذا الانفتاح الثقافي على الحضارة الإسلامية والموروث الهليني كان لا بد أن تعارضه الكنيسة، ومن ثم كان لابد أن يستشعر مفكرو النزعة الإنسية الحاجة إلى الحرية، ويتوقون إلى مثالها.

ولقد مهد هذا الشرط التاريخي لميلاد الشعور بالحاجة إلى مثال الحرية، وهو الشعور الذي كان قابلا للاستواء في أي شكل مذهبي يحلم بتجسيده. 

في هذه اللحظة التاريخية كانت إيطاليا بحكم موقعها الجغرافي المشرف على البحر الأبيض مكانا مناسبا لنمو المدن التجارية، وهو النمو الذي سيؤدي إلى بروز فئة اجتماعية جديدة هي فئة التجار.

لكن بفعل الكشوفات الجغرافية سيتم تحويل طريق التجارة الدولي من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي –مرورا برأس الرجاء الصالح، ثم إيغالا في عباب المحيط بعد اكتشاف أميركا- الأمر الذي نتج عنه انخفاض القوة الاقتصادية الإيطالية، وانتقال مركز الثقل الاقتصادي إلى باقي أقطار أوروبا كإسبانيا والبرتغال وهولندا وإنجلترا…

ومع تطور المعرفة العلمية ستحدث نقلة نوعية في كيفية التفاعل مع الطبيعة أسست للثورة الصناعية، وهكذا ستتحول القوة التجارية المتمركزة في المدن إلى قوة صناعية.

لكن التصنيع محتاج إلى أمرين أساسيين، فضلا عن الرأسمال الذي كان متوفرا بفعل الحركة التجارية، هما: المعدن والقوة البشرية.

أما من حيث المعادن فقد تكفلت الكشوفات الجغرافية بفتح الطريق أمام أكبر حركة نهب شهدها تاريخ الإنسانية! لكن من حيث القوة البشرية فقد كان ثمة مانع ثقافي ومجتمعي يعوق توفرها، وهو النظام الإقطاعي الذي كانت فيه القوة البشرية العاملة في الحقل، قوة أقنان مشدودة إلى الأرض تعيش بين سياجاتها، وتعمل فيها، وتدفن بداخلها.

بمعنى أن النظام الإقطاعي الأوروبي كان عائقا يعترض حركة القوة البشرية وانتقالها من الحقل/القرية إلى المصنع/المدينة؛ فكان لا بد من تفكيكه بنقض نظام القنانة وتحرير القن ليتمكن من الانتقال إلى المدينة.

وهنا كان لابد للفكر من توظيف “الفكرة المثالية”، ليتم اجتذاب الوعي والفعل ليكسر نظام لحظته فينتقل إلى نظام بديل، فكان المثال هو الحرية التي سيتم تقديمها بمدلول خاص يتناسب مع الظرف التاريخي والحاجة المجتمعية الوليدة، فولدت مقولة الحرية بمدلولها الليبرالي كتحرير للقن ليتحول إلى عامل.

وبذلك فالليبرالية لم تنشأ كتوكيد لحرية الإنسان، بل كتوكيد للحاجة إلى استغلاله بطرق مغايرة للاستغلال القناني، أي بطرق جديدة تناسب الثورة الصناعية.

ودليل ذلك أن إبادة الهنود الحمر جاءت مقترنة مع بداية انهيار النظام الإقطاعي، واستعباد شعوب أفريقيا واستعمارها ونهب مقدراتها لم يكن صنعة الإقطاع، بل كان صادرا عن النظام الليبرالي الرأسمالي، وكان التسويغ التشريعي لهذا الاستعباد صادرا من داخل البرلمانات الليبرالية الرافعة لشعار الإخاء والحرية والمساواة!

ولذا نقول إن القراءة السوسيولوجية لنشأة الليبرالية لا تمكننا فقط من فهم شرط النشأة، بل أيضا من انتزاع وهم التقريظ الذي يخلع عليها بوصفها حركة تحرير مطلقة، باعثها هو تقدير حرية الشخص ذاته، بينما هي في الأصل حركة قامت بتوظيف المثال واستغلاله على نحو يناسب شرطها التاريخي.


يجب أن تبقى الحرية دائما مثالا جاذبا لوعينا، من أجل مزيد من تجسيدها في الواقعين الثقافي والسياسي، ولا ينبغي أن تُختزل في أي مذهب جاهز مهما كانت مزاعمه أو حتى قيمته

لقد ارتبط المدلول الفردي للحرية بالتأسيس لنظرية الحقوق المتعلقة بذاتية الفرد الإنساني بوصفه كائنا عاقلا ومساويا لغيره بالطبيعة.

لكن التنظير للحقوق الطبيعية وتصنيفها وتعدادها لم يمنع من بقاء مفهوم الحرية في غموضه وصعوبة قبضه معجميا من خلال قالب دلالي منضبط ومبرأ من الانزياح.

فحتى الفلسفة الأنوارية التي انشغلت بالمسألة السياسية، وقاربتها إشكاليا ومفاهيميا من منظور قانوني عبر مساطر وقواعد ونظم، قد استشعرت غموض مفهوم الحرية واستغلاقه، وصعوبة إنجاز حد ماهوي أو حتى حد استقرائي لملامحه.

ولذا فالمفارقة التي نلاحظها هي أن فلاسفة الليبرالية المعاصرين ومفكري الأنوار قبلهم، المنشغلين بتجسيد الحرية عبر تقنينها، لم يجدوا مسلكا لتعريفها إلا انتهاج المقاربة النفسية!

فموريس فلامان مثلا عند استخلاصه للحقوق الطبيعية والمدنية استدرك أنها رغم تعددها وكثرتها لا تستنفذ دلالة المفهوم ولا تستوعب سعته.

أما ما هي هذه الدلالة التي يشير إليها فلامان، فهي ما نلمسه في قوله: “إننا نحس أننا أحرار، أو أننا لسنا أحرارا..”، ويضيف: “إن الحرية رائحة تشم“، إنه نوع من التعلق بمقاييس الاستشعار النفسي للحرية، بعد الوعي بصعوبة تقديم مدلول قابل للضبط.

ولتوكوفيل الذي يعده الليبراليون مونتيسكيو الثاني تعبير مجازي يفيد ذات المعنى حيث شبه الحرية بالهواء، عندما قال: “يظهر لي أن الحرية تشغل في عالم السياسة الموقع الذي يشغله الهواء في العالم الطبيعي”، بمعنى أن الحرية هي هواء نتنفسه، وغيابها يُحس به مثلما نحس بالاختناق عند نقص الهواء.

صحيح أن المقاربة النفسية التي لجأ إليها فلامان ومن قبله توكوفيل ليست مبنية من الناحية المعرفية على أساس مكين، إذ جلي أن غياب الحرية ليس كغياب الهواء، وليس الشعور بنقصها عند الأفراد والشعوب على هذا النحو التلقائي الذي يتحدثان عنه.

فليست ثورات الشعوب المطالبة للحرية ناتجة عن مجرد غيابها، بل هي وعي بغيابها، وثمة فارق كبير بين مجرد غياب الشيء وبين استشعار غيابه. فما أكثر الشعوب وما أكثر الأفراد الذين تأكل معاصمهم وأرجلهم قيود الاستبداد وهم يحسبونها أساور من ذهب!

لكن مسلك توكوفيل وفلامان يفيد ما أكدناه سابقا وهو صعوبة التحديد الدلالي الجامع المانع لمعنى مفهوم الحرية، ولذا فما ألجأهما إلى هذه المقاربة النفسية والإيغال في التشبيه المجازي إلا غموض الدلالة وزئبقية المعنى.

وتأسيسا على ما سبق نقول إن الفكرة الليبرالية ونمطها المجتمعي لم يظهرا بناء على إيمان بحرية الكائن الإنساني، ولم تناد سواء كاتجاه فلسفي أو نظرية سياسية بمبدأ الحرية لسواد عيون الحرية، وإنما بقصد تخليص القن من سياج الأرض، ليتحول إلى مادة قابلة للاستعمال في المصانع.

وعندما نؤكد هذا فلسنا نقصد بذلك أن نقول إن وضع الإنسان في نظام القنانة كان أفضل من وضعه الذي صار إليه في نظام التصنيع، بل نقصد التنبيه إلى أن كلا الوضعين بحاجة إلى إعمال الوعي النقدي بقصد تجاوزهما نحو طلب المثال.

وعندما ندرس سياق النشأة، فالهدف من ذلك بيان الباعث إلى الفكرة، ومحدودية جرأتها، ليبقى مثال الحرية في المرتبة الميتافيزيقية لما بعد، أي مطلقا ننزع نحوه معا لوعي بأن كل زعم بامتلاكه هو مجرد مسخ له!

فالحرية سواء بمدلولها الفردي أو الجماعي يجب أن تبقى دائما مثالا جاذبا لوعينا، من أجل مزيد من تجسيدها في الواقعين الثقافي والسياسي، ولا ينبغي أن تُختزل في أي مذهب جاهز مهما كانت مزاعمه أو حتى قيمته.
POSTED BY بطيخة AT 9:04 PM 0 COMMENTS
THURSDAY, SEPTEMBER 28, 2006
أصوات الزمن
 

الكاتب الأميركي اللاتيني إدواردو غاليانو:
الماضي مفتاح لفهم المستقبل

هذا الحوار ذو الأهمية الاستثنائية أجرته إيمي غودمان من موقع «ديموكراسي ناو» الإلكتروني المتخصص مع الكاتب الأميركي اللاتيني إدواردو غاليانو بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديدة بعنوان «أصوات الزمن» في ترجمتها الانجليزية عن دار متروبوليتان النيويوركية.

حيث يلقي الضوء على هذه المجموعة الجديدة وأسرار استعصائها على محاولات التصنيف، شأن معظم أعماله، ويتطرق إلى أسلوبه المميز وحرصه على مطاردة ما يسميه بلغة الشعور ـ التفكير وطقوس الكتابة عنده. وفيما يلي نص المقابلة:

* دعنا نبدأ الحوار انطلاقاً من قضية الهجرة كمدخل لمناقشة مجموعتك «أصوات الزمن». فيما تنظر من الجنوب إلى الولايات المتحدة في الشمال، كيف ترى قضية السور، قضية المعاملة التي يلقاها المهاجرون في ذلك البلد؟

ـ إنها قصة محزنة للغاية. قصة يومية محزنة، وإني لأتساءل عما إذا كان عصرنا سيتم تذكره باعتباره مرحلة مريعة من مراحل التاريخ البشري كانت النقود حرة فيها في الذهاب والعودة ثم الذهاب ثانية، لكن البشر لم يكونوا كذلك.

* لقد كتبت عن الهجرة في كتابك الجديد «أصوات الزمن».

ـ نعم، هناك بعض القصص في هذا الكتاب التي تدور حول الهجرة، أشير فيها إلى أنه لو طبقت القواعد والمعايير التي يعتمدها الأميركيون الآن لما كان بوسع كريستوفر كولومبوس أن يكتشف أميركا لأنه لم تكن لديه سمة دخول ولا حتى جواز سفر.

وما كان بوسع بيدرو الفاريز كابرال الهبوط على ساحل البرازيل لأنه كان سيحتجز في الحجر الصحي، أما هرنان كورتيز وفرانشيسكو بيزار فما كان بوسعهما أن يضعا أقدامهما على أرض المكسيك وبيرو لأنهما ليس لديهما تصاريح عمل، أما بيدرو دي الفارادو فكان سيطرد من غواتيمالا، وبيدرو دي فالديفيا ما كان له أن يدخل تشيلي لأنهما ليس لديهما دليل على حسن سيرهما وسلوكهما.

أما ركاب السفينة «ماي فلاور» فكانوا سيعادون إلى البحر بعيداً عن ساحل ما ساتشوستس لان حصة بلادهم من المهاجرين قد استنفدت.

* يدور جانب كبير من كتاباتك حول الذاكرة، وأنت تقول إن المشكلة الكبرى في أميركا اللاتينية هي فقدان الذاكرة. هل لك أن تحدثنا عن ذلك.

ـ نعم. إن التذكر محظور. وأنا لست عاشقاً للماضي، وعلى سبيل المثال فأنا زائر سيئ للمتاحف، لأنني أشعر بالضجر سريعاً، وأنا أفضل الحياة التي تضج بالحيوية في أيامنا هذه، ولكن ليست هناك حدود قائمة بين الماضي والحاضر.

حيث يتاح لك أن تزور الماضي مجدداً وتجعله ينبض بالحياة، وعندئذ يصبح مرآة جيدة ترى في صقالها نفسك، وتفهم ما أنت حياله. وربما يساعد الماضي في فهم وضعك الراهن، واقعك الحالي. وإذا لم تعرف من أين جئت فسيكون من الصعب للغاية أن تفهم إلى أين تمضي على وجه الدقة.

* أود الانتقال إلى الأسلوب الذي تكتب به. فأنت تتحدى التصنيف فيما يتعلق بنوعيات الكتب التي تقدمها للقارئ. فهي قصص في جانب منها، وفي جانب آخر منها هي تحليل سياسي.

ـ نعم.

* إنك لا تتبع خطاباً سردياً طويلاً، وإنما تنسج جنباً إلى جنب خيوطاً تدخل في نسيج قطعة محبوكة بعناية بالغة. كيف طورت هذه الأسلوب؟ لماذا قررت الكتابة به؟

ـ لم أقرر ذلك قط. إن كتبي هي التي تؤلفني. أقصد أنها تكتبني، ولذا فإنني لا أقرر أي شيء أبداً.

حسناً، لقد كنت أتطلع دائماً إلى لغة يمكن أن تدمج كل شيء منفصل على الصعيد الثقافي، وعلى سبيل المثال القلب والعقل. ولذا فقد كنت أتطلع إلى لغة تجمع بين الشعور والتفكير.

وهناك كلمة في اللغة الاسبانية تجمع بين هذين الأمرين، سمعتها منذ سنوات طويلة على ساحل كولومبيا. وأنا أعتقد أن من الانفصالات التي تجنبت الاندماج الكامل في الشرط الإنساني هذا الانفصال بين عواطفنا وأفكارنا.

وفي الانفصالات الأخرى، هناك على سبيل المثال الصحافيون العاملون في مجال الأدب الذين يقولون: هذه مقالة. هذه قصيدة. هذه رواية. وهذه.. لست أدري ماذا. وأنا لا أؤمن بالحدود والفواصل، لا أؤمن بها على الإطلاق.

* كيف تنغمس في مهنة الكتابة التي تمارسها في زمن بالغ الصعوبة ودافع لليأس تماماً كالزمن الذي نعيشه اليوم؟ كيف تصفي ذهنك؟ ما هو الطقس الذي تعتمد في هذا الصدد؟

هناك على سبيل المثال إيزابيل الليندي التي كتبت مقدمة أحدث طبعة من كتابك «عروق أميركا اللاتينية المفتوحة» التي تحدثت عن أنها تبدأ الكتابة في يوم بعينه من العام، في شهر يناير، إذا أردت الانطلاق في تأليف كتاب. فما الذي تفعله أنت؟

ـ لا، ليس لديَّ طقس محدد على الإطلاق، وقد تعلمت الكتابة حقاً من الموسيقى، وعلى وجه التحديد من موسيقى كوبي. كان يعزف على الطنبور في سنتياغو منذ سنوات عدة. وكان أداؤه سحراً خالصاً. كان عزفه رائعاً، حيث يعزف على الأرض لكن الهامه مستمد مباشرة من السماء. وكان بالغ الروعة إلى حد أنني ناشدته قائلاً: «أرجوك، امنحني سرك!» فقال لي: «إنني أعزف عندما تبدأ يدي في التوق إلى العزف حد الألم».

* كان هذا هو سره؟

ـ نعم. وأنا أكتب عندما تتوق يدي إلى الكتابة حد الألم. أعني انني لا أصدر لنفسي أمراً، قائلاً: «الآن، لابد لك من الكتابة!» أو «لابد لك من الكتابة عن هذا الموضوع!». لا، إنني أترك الأمر تماماً. أنحيه بعيداً عني.

أتركه باعتباره شيئاً ينمو بداخلي. وهو عمل كادح. وكل قصة من هذه القصص التي يضمها كتاب «أصوات الزمن» تعكس الكثير من الكتابة، وبعضها لها عشرون أو ثلاثون أو أربعون صيغة تكتب بها قبل أن يتم نشرها. وهو شيء شاق وصعب بالنسبة لي.

* لو أنك أتيح لك القيام بجولة في أرجاء الولايات المتحدة لإيصال رسالة إلى الشعب الأميركي. فما هو الدور الذي يتعين على الشعب الأميركي القيام به في العالم اليوم في تميز عن الإدارة الأميركية؟

ـ أتمنى أن يصغوا إلى أصوات أخرى. ولسوف يساعد في ذلك أن يتفهموا أن العالم أكثر كثيراً من الولايات المتحدة. أقصد أن الولايات المتحدة بلد مهم للغاية حقاً. وأنا من بلد صغير، ومعظم الناس لا يعرفون أين تقع أورغواي. ولكننا جميعاً مهمون. ونحن جميعاً قادرون على أن نقول شيئاً يستحق الإصغاء إليه.

وعندما كنت أقيم في الولايات المتحدة في فترة كنت أقوم خلالها بالتدريس لمدة ثلاثة أشهر أو أربعة في إحدى الجامعات أو ما إلى ذلك، أدهشتني حقيقة أن العالم ليس موجوداً بالنسبة لأجهزة الإعلام الكبرى، وعندما تبث الأخبار فمعظم الناس لم يكونوا يدرون ما الذي تدور حوله.

وقد قال أحد أساتذتي وهو أمبروز بيرس قبل قرن من الزمان: «الحروب ليست سيئة للغاية، على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة. وبالنسبة لنا فإن الحروب ليست سيئة للغاية، فهي تعلمنا الجغرافيا».
POSTED BY بطيخة AT 7:40 PM 0 COMMENTS
MONDAY, AUGUST 28, 2006

تاريخ إيران والإيرانيين

قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور جان بول رو أحد كبار أساتذة الجامعات الفرنسية، وهو مختص بتاريخ آسيا الوسطى والمغول والأتراك وتاريخ الأديان المقارنة، وله مؤلفات عديدة في المكتبة الفرنسية،

نذكر من بينها: تاريخ الأتراك (1984)، تيمورلنك (1991)، تاريخ الامبراطورية المغولية (1993)، آسيا الوسطى: التاريخ والحضارة (1997)، جنكيز خان والإمبراطورية المغولية (2002)، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن التاريخ القديم والمعاصر للشعوب الإيرانية، ولكنه يتوقف مطولاً عند الفترات القديمة والوسطى في التاريخ أكثر مما يتوقف عند الفترات الحديثة.

ومنذ البداية يقول المؤلف بان إيران كانت في السابق امبراطورية عظمى بل وأول إمبراطورية في التاريخ، وكانت تمتد على مساحات شاسعة وأكبر بكثير من حجم إيران الحالية، وكانت مئات الملايين تقريباً تتكلم اللغة الإيرانية،

وأما اليوم فلم يعد هناك إلا ثمانون أو تسعون مليوناً ممن يتحدث هذه اللغة، وهم موجودون أساساً في إيران الحالية وأفغانستان، ولكنهم موجودون أيضاً في أوزبكستان وبخاصة في مدينتي بخارى وسمرقند اللتين لعبتا دوراً كبيراً في تاريخ الإسلام.

كما أنه يوجد حوالي التسعة ملايين شخص ممن يتحدثون الفارسية في الباكستان، ولكن كل هذا قليل وزهيد بالقياس إلى عظمة إيران وانتشار لغتها وثقافتها في الأزمنة القديمة.ثم يخصص المؤلف فصلاً كاملاً للتحدث عن إيران في ظل الهيمنة العربية ويقول بما معناه:

لم يتح لأي دين ذي رسالة كونية أن ينتشر بمثل هذه السرعة ويفرض نفسه على الشعوب المفتوحة مثلما حصل للدين الإسلامي.

لم يحصل ذلك للمسيحية ولا للبوذية ولا لأي دين آخر، ولم يتح لأي لغة أن تتوصل إلى سمعة دولية مثلما أتيح للغة العربية وبهذه السرعة القصوى أيضاً.

لنتأمل في الوقائع قليلاً: بعد مئة سنة من هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أو أكثر قليلاً كان العرب الناشئون في الصحراء قد أصبحوا في قلب أوروبا الغربية!. ولولا أن شارل مارثيل أوقف تقدمهم في معركة بواتييه (732)م لكانوا قد أصبحوا في باريس..

وكانوا قد أصبحوا في قلب آسيا الوسطى حيث سحقوا الصينيين على ضفاف أحد الأنهار عام (751)م، وبعد مئتي سنة من الهجرة يمكن القول بأن الحضارة الإسلامية كانت قد تشكلت تماماً على هيئة إمبراطورية مترامية الأطراف وتشعّ على العالم بكل أنوارها وثقافتها وفنونها وعلومها وعمارتها.

ثم يردف البروفيسور جان بول رو قائلاً: صحيح أن الشعوب المفتوحة لم تعتنق كلها الإسلام، وصحيح أنها لم تتبن كلها اللغة العربية، والدليل على ذلك بلاد البربر في المغرب وإيران ذاتها التي بعد أن تبنتها جزئياً رفضتها في نهاية المطاف وتمسكت بلغتها الأصلية.

ولكن على الرغم من كل ذلك فان الحضارة الإسلامية بلغتها العربية حققت نجاحاً منقطع النظير في سنوات معدودات، وربما كان السبب يعود إلى نواقص حكام هذه البلدان المفتوحة وكره شعوبهم لهم.ولكن لا ينبغي أن ننسى الدور الذي لعبه الإيرانيون في انتشار الحضارة العربية الإسلامية بعد اعتناقهم للإسلام.

من المعلوم ان الساسانيين قاموا بترجمات ضخمة للنصوص الإغريقية والهندية إلى الفارسية. ثم بعد الإسلام تمت ترجمة هذه الكتب إلى اللغة العربية ونقصد بها كتب أبو قراط، وافلاطون، وارسطو، واقليدس، وجالينوس، وبطليموس، وسواهم عديدين.

وقد قام بهذه الترجمات بشكل أساسي العلماء المتجمعون في مدينة نيسابور. فخلال بضعة عقود تمت أكبر وأجمل عملية نقل للمعرفة الكونية من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية.وهنا يكمن سرّ نهضة العرب وإشعاع حضارة الإسلام في تلك العصور.

فقد كان المسلمون يحترمون العلم جداً آنذاك وكانوا يقبلون عليه بشكل منقطع النظير. وقد ساهمت جميع الشعوب الإسلامية في هذه العملية ينبغي العلم بأنه ليس العرب هم الذين كتبوا أول كتب النحو والقواعد للغتهم وإنما علماء من أصل إيراني كسيبويه مثلا!.

وفي زمن العباسيين كانت نيسابور تضم فريقا من العلماء ينتمون إلى كل الأصول «من فارسية، ويونانية، وهندية» وهم الذين انتقلوا إلى بغداد عندما أسس فيها المأمون بيت الحكمة عام 830 ميلادية، أو حواليها ولعب المسيحيون عندئذ دوراً كبيرا في ترجمة العلوم إلى اللغة العربية.

وهذا أكبر دليل على مدى تسامح الخلفاء المسلمين في ذلك الزمان وبخاصة المأمون. ومعلوم أن البطريرك المسيحي خاض مناظرة لاهوتيه مهمة مع الخليفة المهدي.

ومن أشهر المترجمين المسيحيين حنين بن إسحاق الذي مات عام 873 وكذلك ابنه اسحاق ابن حنين ومعلوم ان الفارابي، المعلم الثاني بعد ارسطو كما يقول العرب، كان تلميذا لأحد هؤلاء المترجمين المسيحيين.

ولم يكتف العرب والمسلمون عموما عندئذ بالترجمة وإنما أضافوا إلى العلوم اليونان وأبدعوا إبداعاً ذاتياً وفي ظل الحضارة العباسية خصوصا لم يكن هناك أي فرق بين مسلم من أصل عربي، أو فارسي، أو كردي.. الخ

ومعلوم حجم الدور الذي لعبه الفرس في ظل خلفاء بني العباس فقد كانوا يسيطرون على الوزارة في أحيان كثيرة من خلال عائلة البرمكي أو عائلات أخرى وكانوا يشكلون طبقة من كبار الأدباء، والشعراء، والعلماء، والفلاسفة.

وقد وصل الأمر بأحد المستشرقين إلى حد القول بأن الأدب العربي معظمه كان من صنع الفرس المستعربين! ولكن لم يكن هناك أي فرق بين عربي ومستعرب بشرط أن يكون مسلما بطبيعة الحال. والواقع أن ابن المقفع مؤسس النثر العربي تقريبا كان فارسياً.

وأما بشار بن برد فهو من كبار الشعراء العرب، وكان فارسياً أيضا بل ولم يكن يخف عقائده المزدكية ولذلك مات قتلا بتهمة الزندقة بعد زوال سيده وحاميه الخليفة المهدي. ويمكن أن نذكر أيضا أسم ابي نواس، وآخرين عديدين.

وحتى ألف ليلة وليلة، رائعة الآداب العربية في نظر الغرب على الأقل، هي ذات أصل إيراني صحيح ان الصبغة الإسلامية مخلوعة عليها ولكنها تغطي بالكاد العمق التراثي لإيران القديمة. والواقع ان أسماء أبطالها كشهرزاد. وشهريار الملك، الخ هي إيرانية.

لاريب في انها اغتنت بحكايات أخرى عربية أو إسلامية بالخالص ولكن أقدم حكاياتها ذات طابع إيراني واضح ثم يردف المؤلف قائلا: خلال الفترة الأولى من الهيمنة العربية لم يشهد العالم الإيراني كسوفا حقيقيا ولكنه انهك بسبب الجهود التي بذلها للمحافظة على شخصيته التاريخية وتراثه.

كما أنه وضع نفسه في خدمة الفاتحين أو الحاكمين الجدد: أي الخلفاء العرب. ثم شهد العنصر الفارسي في القرنين التاسع والعاشر انبعاثا سياسيا وثقافيا الأول كان مؤقتا أو عابراً والثاني كان دائما. نقصد بالأول هيمنة البويهيين على مقاليد السلطة حيث أصبح الخليفة العباسي مجرد رمز لا أكثر.

ينبغي العلم بأن العباسيين فقدوا منذ وصولهم إلى السلطة عدة أقاليم ضخمة من الإمبراطورية الإسلامية فاسبانيا وقعت في يد أعدائهم الأمويين وانشقت عنهم بل واصبحت منافسة لهم. وبعد ذلك بوقت قصير وقعت إفريقيا الشمالية في يد السلالات الحاكمة المحلية كالإدريسيين في المغرب الأقصى «1788م» والأغالبة في تونس «800م»

ثم انفصلت بعدئذ مصر وسوريا عن الخلافة العباسية في ظل الطولونيين والفاطميين على وجه الخصوص ولم يعد العباسيون يملكون إلا العراق وإيران ولكن إيران كانت آنذاك تمتد حتى نهر الهند والسند.

وبالتالي فقد أصبحت الإمبراطورية العباسية إيرانية جغرافيا بل وإيرانية ثقافياً إلى حد كبير. وهذا الشيء سوق تكون له انعكاسات لاحقة على مدار التاريخ وحتى يومنا هذا. وبالتالي فلا يمكن ان نفهم الحاضر الا إذا قرأناه على ضوء الماضي. فالعلاقات بين الإيرانيين والعرب أكثر غنى وتعقيداً مما نظن.

 

*الكتاب: تاريخ إيران والإيرانيين منذ البداية وحتى يومنا هذا  *الناشر: فايار ـ باريس 2006

*الصفحات: 521 صفحة من القطع الكبير

1968 السنة التي هزت العالم 
تأليف :مارك كورلانسكي

مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الصحافي الاميركي مارك كورلانسكي وقد نال عدة جوائز على كتبه السابقة، نذكر من بينها تاريخ العالم، سمك القّد، سيرة حياة السمكة التي غيرت وجه العالم، الرجل الابيض في الشجرة.. الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يتعرض المؤلف للاحداث الهامة التي حصلت عام 1968 فهذا العام يعتبر منعطفا في تاريخ الغرب والعالم، ففيه تم اغتيال مارتن لوثر كنغ، وروبيرت كندي، وفيه حصل تمرد تشيكوسلوفاكيا على الهيمنة السوفييتية وربيع براغ، وفيه ظهرت حركات تحرر المرأة في الغرب وبداية نهاية الاتحاد السوفييتي، وفيه ظهر ياسر عرفات على مسرح التاريخ بصفته قائدا للحركة الوطنية الفلسطينية وفيه اهتز النظام الديغولي وكاد ان يسقط بعد الثورة العمالية والطلابية الشهيرة.

نقول ذلك ونحن نعلم ان ثورة مايو 1968 غيرت حياة المجتمع الفرنسي في العمق من جميع النواحي: النفسية، والثقافية، والجنسية، والتحررية، والسياسية، والفلسفية، والواقع ان رياح الثورة كانت تهب منذ فترة على عواصم الغرب وجامعات من روما، الى برلين، لى لندن، الى مدريد، ولكن هذه الثورة بلغت ذروتها في باريس حتى اضطرت الجنرال ديغول الى الرحيل عن فرنسا مؤقتا، بعد ان عجز عن ايقاف التمرد.

ثم يردف المؤلف قائلا: وثورة مايو 1968 كانت في الاصل ثورة ضد المجتمع وتقاليده العتيقة الموروثة عن القرن التاسع عشر، كانت ثورة ضد الهيبة الابوية داخل العائلة، وضد هيبة ارباب العمل في الصانع، او الاساتذة في المدارس.. الخ.

والواقع ان الانظمة التربوية في كل البلدان المتطورة كانت تبدو عاجزة عن مواجهة مطالب كل هذا العدد الهائل من الطلبة الذين يتدفقون على المدارس والجامعات وبرامج السوربون نفسها ما كانت قد تغيرت منذ نصف قرن.

ثم انتقل الطلبة من نقد الجامعة ومناهجها وبرامجها الى نقد المجتمع كله، وبما ان السلطة كانت عاجزة عن اصلاح المجتمع فانه لم يعد امام الطلاب الا الثورة عليها من اجل تغييرها، وبالطبع فكانوا يحلمون بوصول اليسار الى السلطة، وبخاصة اليسار المتطرف على طريقة ماوتسي تونغ او هوشي منه او تشي غيفارا او جماعة تروتسكي.. الخ.

وقد عبر كل ذلك عن نزعة طفولية لدى الشبيبة الفرنسية، وهي نزعة مراهقة من الناحية السياسية ولكنها مليئة بالبراءة وحب الحرية.

وطرحوا عندئذ شعار رامبو الشهير: ينبغي تغيير الحياة، هذه الحياة الرتيبة، التقليدية لم تعد تناسبنا، نريد شيئا آخر غيرها.

يقول هنري ويبر استاذ العلوم السياسية عن مايو 1968 ما يلي: الشيء الذي كان يجذب الطلاب في الماركسية، انذاك هو البعدالتبشيري او التغييري الذي تتمتع به، كانوا يعتقدون ان المجتمع فاسد كليا وغير قابل للاصلاح، وبالتالي فلابد من تدميره من اجل تشكيل مجتمع آخر جديد.

وتدمير المجتمع لا يمكن ان يتم الا عن طريق الثورة العارمة ولذلك انخرطوا في ثورة مايو 1968 التي كانوا يعتقدون بأنها سوف تكنس كل الانظمة اليمينية في اوروبا، وكان الحقد على اليمين الفرنسي الحاكم كبيرا، وديغول كان قد شاخ وقارب الثمانين، وبالتالي فقد ملوا منه على الرغم من عظمته التاريخية.

واعتقد زعماء الحركة الطلابية بأن النقابات العمالية هي التي ستقوم بالثورة طبقا لنبوءة وتوقعات كارل ماركس، فهي أداة التغيير بحسب المنظور الماركسي، وبالطبع فإن الولايات المتحدة كانت هدف كل الاعتراضات والاحتجاجات.

أليست هي رأس الحربة الرأسمالية في العالم؟ الا تقوم بحرب امبريالية بشعة في فيتنام انها عدو الشعوب وينبغي ان تدفع الثمن.

وعلى هذا النحو وصلت حركة التمرد الى بيركلي وبعض الجامعات الاميركية الاخرى، بل وحتى الطلاب في طوكيو تحركوا في كل انحاء العالم كانت تندلع الشرارة الثورية، ولكن بعد ان قام الطلاب في السوربون بعدة اعمال استفزازية اصطدموا برجال البوليس وسقط العديد من الجرحى من كلا الطرفين وعندئذ قرر البوليس اعتقال قادة التمرد الطلابي، وكان عددهم بالعشرات.

وجن جنون الطلاب المتمردين فاجتمعوا في جامعة نانتير بضواحي باريس، وخطب فيهم دانييل كوهين بندت قائلا: سوف نتحرك ضد القمع البوليسي ولن نسكت عن قمع رفاقنا، وصفق له الجميع طويلا لانه كان قائد التمرد.

وساهم المثقفون الكبار في دعم الحركة الطلابية والعمالية، فنزل جان بول سارتر الى الشارع وراح يوزع المنشورات لصالح الطلاب وضد النظام.

فاعتقلته الشرطة لفترة قصيرة ثم اخلت سراحه بعد ان قال لهم ديغول: من يستطيع ان يعتقل فولتير اتركوه حرا… والواقع ان سجن سارتر كان غلطة كبيرة لانه اشهر من نار على علم ولان ذلك يسيء الى سمعة النظام الديغولي.

ثم نزل ميشيل فوكو الى الشارع ايضا، وكذلك جيل ديلوز، وايفي مونتان وعشرات الفنانين والكتاب الآخرين.

وتصاعد الحقد بين طرفي فرنسا: الطرف اليميني او حتى اليميني المتطرف، ثم الطرف اليساري، الحاقد على حكم اليمين، وكادت ان تنشب معركة بالسلاسل بين طلاب اليسار وطلاب اليمين في الحي اللاتيني، ولولا تدخل البوليس لسقط مئات القتلى والجرحى، وعلى الرغم من تدخل الشرطة حصلت اعمال عنف رهيبة وسفكت دماء كثيرة بل وقطعت اشجار باريس في شوارعها الجميلة.

باختصار فان ربيع باريس ذلك العام كان اكثر من جميل، كان ساخنا جدا، وبعد ان حقق الطلاب عدة نجاحات صارخة ضد السلطة واليمين الفرنسي راحوا يستقبلون دانييل كوهين بنديت وكأنه بطل، فقد عرف كيف يتحدى البوليس ويصمد امام التخويف والتهديد، ولمع اسمه منذ ذلك الوقت اصبح شبه اسطورة.

ولكنه الان اصبح عاقلا ومسئولا ولم يعد زعيم الشغب والتمرد، لقد اصبح عضوا مشهورا في البرلمان الاوروبي بل ويساهم في اتخاذ القرارات السياسية ويجتمع بكبار الشخصيات الفرنسية والالمانية والانجليزية.

ولكنه قبل اربعين عاما كان يعتبر من فصيلة الزعران المشاكسين ليس الا.

وقد هجم البوليس على شقته في الدائرة الخامسة عشرة في باريس وقبضوا عليه، ثم اقتادوه الى مقر الشرطة حيث حققوا معه لمدة ثماني ساعات متواصلة.

وقد حقد عليه اليمين المتطرف في فرنسا كثيرا باعتباره زعيم الشغب «وفي 2 مايو من عام 1968 كتب احدهم في مجلة الحزب يقول مهددا: ينبغي ان ننتهي من هذا النذل كوهين بنديت، انه يثير المشاكل والاضطرابات في فرنسا، ينبغي طرده من البلاد فورا، واذا لم تفعل السلطة ذلك فان شبابنا يتعطش لضرب هذا الشخص وتصفيته اذا لزم الامر والمقصود شباب اليمين المتطرف.

ولكن بعد ثمانية اسابيع من الاضطرابات العنيفة والفوضى راحت فرنسا تلتقط انفاسها، وعاد الجنرال ديغول الى البلاد بعد ان هرب لعدة ايام وفي اثناء ذلك تحمل المسئولية رئيس وزرائه جورج بومبيدو بكل قوة ورباطة جأش.

وانتهت ثورة مايو 1968 كما تنتهي كل الثورات، وخلفت وراءها الخيبة والحسرة لانها لم تستطع ان تسقط النظام الحاكم اليميني بحسب رأيها، ولكنها استطاعت ان توصل الجمهورية الخامسة وزعيمها الى حافة الهاوية.

وكالعادة فبعد كل اضطراب فوضوي يشعر الناس بالحاجة الى الهدوء والنظام، وهكذا صوت الشعب الفرنسي لديغول وحزبه بعد الاحداث بشكل كثيف وقوي وكانت النتجية ان سيطر الديغوليون على البرلمان والسلطة من جديد.

وبعد ان كادت الامور تفلت من ايديهم امسكوا بها بشكل اقوى مما سبق، والواقع ان معظم المؤرخين راحوا يتساءلون محتارين: كيف يمكن لفرنسا ان تسلم نفسها للفوضى والثورة وهي تعيش اجمل لحظات حياتها؟ ولماذا كل هذا لتخريب اذا كانت البلاد تعيش وضعا اقتصاديا ممتازاً ويحكمها زعيم تاريخي مثل ديغول، فهل جن الفرنسيون يا ترى؟ من المعلوم ان ميتران حاول استغلال الوضع اثناء الثورة الطلابية وطرح نفسه كبديل عن النظام، ولكن هذه العملية أساءت اليه اكثر مما افادته.

فقد اظهرت انه شخص انتهازي مستعد لاستغلال ازمة البلاد من اجل الوصول الى السلطة.

ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: والواقع ان ثورة مايو 1968 حيرت كل المراقبين، ففرنسا كانت بلدا ديمقراطيا، والنقابات العمالية كانت حرة في العمل وتنظيم المظاهرات الاحتجاجية في الشوارع، والمعارضة اليسارية كانت تهاجم سياسة الحكومة كما تشاء وتشتهي في البرلمان، ولكن قوى اليسار لم تكن تفكر اطلاقا باتباع طريق اخر غير الطريق الشرعي للتعبير عن نقمتها وغضبها على الحكم.

فلماذا اذن اندلعت مظاهرات الشغب والتخريب والفوضى الخارجة على القانون؟ لماذا انتقل هيجان الطلاب في بيركلي، الى طوكيو، الى روما، الى مدريد، ولماذا لم يتحول الى ثورة عارمة على النظام الا في فرنسا؟ لايزال المؤرخون حتى الان يتساءلون عن سر ثورة مايو 1968 في فرنسا

فالبعض يقول بان فرنسا هي بلد الثورة الفرنسية وليس غريبا بالتالي ان تظهر فيها الثورات من وقت الى آخر، والبعض الآخر يقول بأن المجتمع الفرنسي كان بحاجة الى خضة كبيرة لكي يجدد نفسه ويخرج من امتثاليته وعاداته الرتيبة المملة.

فالشبيبة كانت بحاجة الى تأكيد نفسها في ذلك الربيع الجميل، والعدالة الاجتماعية لم تكن متوافرة الى الحد الذي يزعمه اتباع النظام، فالهوة كانت سحيقة بين الطبقة العمالية التي تشتغل وتنتج ثروات البلاد، وبين الطبقة البورجوازية التي تجني معظم ثمار هذا الكدح والعمل.

والواقع ان طلاب الجامعات والمثقفين كانوا يعتمدون على الطبقة العمالية التي هي ثورية بطبيعتها من اجل تغيير النظام وتوزيع الثروة بشكل عادل على الشعب.

وقد توهموا، ولو للحظة بأن الحزب الشيوعي والنقابات التابعة له سوف تمشي معهم في خط الثورة حتى النهاية وتدمير النظام.

ولكن الحزب الشيوعي كانت له حساباته، ولم يتجرأ في نهاية المطاف على اعلان الثورة الكاملة على ديغول، والواقع ان الاحوال المعيشية للطبقة العمالية كانت قد ابتدأت بالتحسن، وبالتالي فلم يرد الحزب ان يضحي بتلك هذه المكتسبات الاجتماعية من اجل سواد عيون الطلاب.

فهناك فرق بين المراهقة السياسية والمسئولية السياسية، ويرى احد المفكرين الذين عاشوا احداث تلك الفترة ان ثورة مايو 1968 كانت حديثة وعتيقة بالية في ذات الوقت، كانت حديثة لانها ارهصت بآفاق القرن الواحد والعشرين قبل ان تحصل، وقديمة لانها كانت لاتزال تؤمن بالشعارات الثورية على الطريق الماركسية او الماوية او ما الى ذلك.

والواقع ان السلطات الفرنسية اجرت اصلاحات عديدة على المجتمع بعد تلك الثورة، وبالتالي فحتى احباطها او فشلها كان مفيدا، ولم تذهب تضحيات تلك الانتفاضة سدى.

ثم ان الماركسية بدت على حقيقتها بعد تلك الثورة، لقد تبدلت محدوديتها كنظرية اجتماعية او انقلابية، وكذبت الأيام توقعات كارل ماركس في انهيار الرأسمالية وحلول طبقة البروليتاريا محلها، فالواقع ان الرأسمالية عرفت كيف تتأقلم مع الواقع الجديد، وكيف تعطي للعمال حياة استهلاكية ترضيهم وتجعلهم يتراجعون عن الحلم الثوري.

وهذا ما كان، فما لبثت الطبقات الوسطى في المجتمع الفرنسي ان اغتنت، وما لبثت طبقة العمال ان تحسنت اوضاعها واصبح العامل الفرنسي يمتلك سيارته الخاصة، وشقته المتواضعة او حتى الجيدة، وكل ادوات الحياة الاستهلاكية الحديثة، وبالتالي فلماذا الثورة اذن يا سيد كارل ماركس؟

نعم لقد اثبتت الطبقة الرأسمالية مرة اخرى انها ذكية وتعرف كيف تتصرف لكي تمتص النقمة الاجتماعية او الشعبية عليها، ولولا ذلك لتحققت نبوءة كارل ماركس ولذهبت الرأسمالية الى مهاوي الجحيم.

واما بالنسبة للنظام الجامعي والبرامج التعليمية والحياة الثقافية بشكل عام فان تأثير هذه الثورة عليها كان كبيرا، فبعدها تجددت البرامج التي كانت سائدة في الجامعات الفرنسية، وظهرت تيارات فكرية جديدة وبخاصة تيار البنيوية، وسيطر رولان بارت على النقد الادبي، وميشيل نوكد وجيل ديلوز على الفلسفة، وكلود ليفي ستروس على الانتربولوجيا، وبيير بورديو على علم الاجتماع،

ولاكان على علم النفس.. الخ، وشحب بريق جان بول سارتر وبدت ماركسيته المطعمة بالوجودية مهترئة اكثر من اللزوم، والواقع ان رولان بارت كان قد خاض معركة كبيرة مع النقد التقليدي السائد في السوربون، وربح المعركة بعد مايو 1968، وقل الامره عن بقية التيارات التجديدية في الفكر الفرنسي

الكتاب:1968 السنة التي هزت العالم الناشر: بالانتاين بوكس ـ نيويورك 2004  الصفحات:441 صفحة من القطع الكبير  the year that rocked the world mark korlansky       ballantine books – n.y 2004

p.441   POSTED BY بطيخة AT 8:44 PM 1 COMMENTS    اذن أنت تعتقد أنك بشر
تاريخ مختصر للجنس البشري 
اذن أنت تعتقد أنك بشر
تأليف :فيليب فرنانديز ـ ارميستو

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور فيليب فرنانديز ارميستو استاذ التاريخ الشامل للبيئة في جامعة لندن، وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها، الحضارة، الطعام، اميركا.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن معنى الجنس البشري وما الذي يفرقه عن الحيوان او يجمعه به، وكنا نتوهم ان هناك قطيعة حادة ونهائية بين الانسان والحيوان فاذا بالعلم الحديث يكشف لنا خطأ هذا التوهم.

والسؤال المطروح في الكتاب هو التالي: ما هي خصوصية الانسان؟ في اي شيء تكمن يا ترى؟ والجواب يمكن تقديمه على النحو التالي: طيلة قرون عديدة كان الفكر الغربي يعتقد بامكانية التفريق القاطع بين الانسان والحيوان او بين الانسان وبقية الكائنات الحية الموجودة في الطبيعة، والواقع ان مسألة الانسان وخصوصيته قد كانت شغلت الفكر البشري منذ 2500 سنة وحتى الان وتروى بهذا الصدد النادرة التالية:

في القرن الرابع قبل الميلاد حصلت مناظرة بين افلاطون، وديوجينوس حول طبيعة الانسان، وكان ذلك امام حضور كبير في احدى ساحات اثينا، وفي اثناء النقاش قال افلاطون بان الانسان هو الشخص الوحيد الذي يمشي على قائمتين وله جلد عار، وعندئذ ترك ديوجينوس الاجتماع فورا وغاب لفترة قصيرة ثم عاد وبيده دجاجة منتوفة، وقذف بها على الحاضرين قائلا: هذا هو انسان افلاطون! وكان يعني بذلك ان تعريف افلاطون للانسان لاغ ولا قيمة له.

في الواقع ان هناك عدة تعريفات للانسان، فأرسطو كان يقول بأنه الكائن الوحيد السياسي، او الحيوان السياسي الوحيد لكي نكون اكثر دقة.

فالحيوان لا علاقة له بالسياسة، ولا يهتم بها، وحده الانسان يعرف معنى السياسة وممارسة السياسة.

واما افلاطون فكما قلنا كان يرى ان الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يمشي على قائمتين فقط في حين ان بقية الحيوانات تمشي على اربع قوائم، يضاف الى ذلك ان جلده غير مغطى بشعر كثيف كالقرد مثلا او بقية الكائنات الحيوانية.

واما الفيلسوف الفرنسي رابليه الذي عاش في القرن السادس عشر فكان يقول بأن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يضحك، هذا في حين ان ديكارت كان يقول بأن الانسان هو الحيوان الوحيد المزود بالعقل، ولذلك قال عبارته الشهيرة: انا أفكر فأنا موجود.

ويرى المفكر الانجليزي توماس هكسلي من جهته ان الانسان هو الحيوان الوحيد الاخلاقي او الذي يعرف معنى السلوك الاخلاقي وما ينبغي فعله او لا ينبغي.

واما بالنسبة لأنغلز وكل المدرسة الماركسية فان الانسان يتم تحديده عن طريق استخدام الاداة، فهو الحيوان الوحيد الذي يعرف كيفية استخدام الاداة لقضاء اغراضه وحاجياته، ونعتقد بالاداة هنا بالنسبة للانسان البدائي آلات الصيد والقنص مثلا من رمح وسيف او أداة حديدية لتقطيع اللحوم، او اداة لاشعال النار والطبخ، الخ.

واما علماء الانثربولوجيا فيقولون بأن الانسان هو الحيوان الثقافي الوحيد في الكون وبالنسبة للعالم الشهير كلود ليفي ستروس فأن الانسان هو الكائن الوحيد الذي لايضاجع النساء المحرمات كالاخت او الأم مثلا، هذا في حين ان الحيوان لايراعي هذه النقطة ابداً.

واما عالم الالسينات الاميركي الشهير شومسكي فيرى ان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يستخدم اللغة لكي يتواصل بها مع الاخرين فلا نجد حيوانا يتكلم مثلا وهو سائر في الطبيعة.

بالطبع فان نظرية التطور تعتقد بأن الانسان هو اصلا من سلالة القرد ولكنه انفصل عنها بفضل اكتساب بعض الخصائص التي تميزه كليا عن القرد.

ثم يتحدث المؤلف عن الحدود التي تفصل بين الانسان والحيوان ويقول: ما هي السمات او الخصائص او التصرفات التي تميز الانسان عن بقية الانواع الحية؟

بالطبع فان علماء البيولوجيا هم وحدهم القادرون على الاجابة عن هذا السؤال، وكذلك علماء الانثربولوجيا وفلاسفة الطبيعة، في الواقع ان الانسان ليس وحده الذي عرف الآلة او معنى الاداة، فالقرود المتطورة في سلالة الشمبانزي عرفت ذلك ايضا، واستخدمت بعض الادوات البدائية لتحقيق اغراضها، كالحجر القاطع، او كالعصا، او سوى ذلك من الادوات.

والانسان ليس وحده الذي يمشي على قائمتين فقط كما يتوهم الكثيرون، فهناك بعض انواع الشمبانزي التي تمشي على قدمين ايضا كالرجل، وبالتالي فإن افلاطون كانت معلوماته ناقصة عن الموضوع.

ثم يردف المؤلف قائلا: وحتى فيما يخص الاخلاق فأننا لا نستطيع ان نستبعد وجود مفهومي الخير والشر لدى بعض الحيوانات، والواقع ان المفكر الغربي في محاولته للبحث عن تعريف قاطع مانع للانسان وصل الى الجواب المسدود.

وقد عبر فرويد عن ذلك افضل تعبير عندما قال: على مدار القرون كان العلم قد اصاب غرور الانسان بجرحين نرجسيين، الاول عندما برهن له بأن الارض ليست في مركز الكون وانما هي عبارة عن قطعة صغيرة ضائعة وسط هذا الكون اللانهائي،

والثاني عندما برهنت لنا البيولوجيا ان الانسان ليس مخلوقا خاصا متميزا عن جميع المخلوقات وانما هو ايضا ينتمي الى عالم الحيوان في بعض جوانبه، فهو ايضا يأكل ويشرب ويتبرز ويتناسل مثله في ذلك مثل بقية الحيوانات.

بالطبع فأن الجرح الاول الذي اصاب الانسان كان نتيجة للثورة الكوبرنيكية واما الجرح النرجسي الثاني الذي اصاب غروره وكبرياء فكان نتيجة للثورة الداروينية، ولكن يبدو ان فرويد اساء فهم مقاومة الانسان لهذه الثورة الثانية، والدليل على ذلك ان الكثيرين من الناس في بلد متطور كانوا يرفضون الاعتراف بنظرية داروين.

والواقع انه اذا كان الغرب يعرف بوجود القردة الكبرى منذ ثلاثة قرون الا انه لم يقم بمقارنة حقيقية بينهما وبين الانسان الا منذ اربعين سنة، وقد وصل الأمر بأحد كبار علماء البيولوجيا المعاصرين الى حد القول: نحن نولد قردة ولكن التربية هي التي تحولنا الى بشر! اما القردة فتولد قردة وتظل قردة طيلة حياتها كلها.

وبالتالي فهناك حدود تفصل بين الحيوان، والانسان في نهاية المطاف، والانسان هو قمة الكائنات الحية لان الله سبحانه وتعالى زوده بالعقل والقدرة على تغيير او ضاعه وتحسينها نحو الافضل، وهذا ما لايستطيع الحيوان يفعله الا ضمن الحدود الدنيا.

الكتاب: اذن أنت تعتقد أنك بشر     تاريخ مختصر للجنس البشري     الناشر: مطبوعات جامعة اكسفورد 2004     الصفحات: 190 صفحة من القطع المتوسط    so you think you`re human?    a brief history of humankind   felipe fernandes – armesto    oxford university press 2004       190      POSTED BY بطيخة AT 8:43 PM 0 COMMENTS  الحرب قوة تعطي لحياتنا معنى

الحرب قوة تعطي لحياتنا معنى
تأليف :كريس هيدجيز

مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الاميركي كريس هيدجيز الذي اشتغل كمراسل اجنبي لعدة صحف اميركية لمدة خمسة عشر عاما. فقد اشتغل في السابق لصالح جريدة اخبار الصباح في دالاس قبل ان يلتحق بالنيويورك تايمز عام 1990.

كما واشتغل في الاذاعة القومية العامة، وكان قد حصل سابقا على شهادة عليا في الادب الانجليزي من جامعة كولغيت، وعلى الماجستير في علم اللاهوت من جامعة هارفارد.

وهو الآن استاذ في الاداب الانسانية وعلم الصحافة في جامعة برنستون وكان عضوا في الفريق الصحفي الذي نال جائزة بوليتزر الشهيرة عن التقارير الاستكشافية التي غطت اخبار الارهاب كما ونال جائزة منظمة العفو الدولية عام 2002 تقديرا للصحافة التي تناضل من اجل حقوق الانسان وهو الآن يعيش في مدينة نيويورك.

وفي هذا الكتاب المثير يتحدث المؤلف عن الحرب ومآسيها وما شهده من اهوالها في عدة مناطق ساخنة من العالم، والواقع انه كان جريئا جدا ومقداما لانه لم يتورع عن تغطية الحروب الخطرة في البلقان والسودان واميركا الوسطى، وحتى الضفة الغربية وغزة.

والدرس الاساسي الذي استخلصه الكاتب من تجاربه الكبرى هذه هو ان الحرب على عكس ما نتوقع يمكن ان تخلع على حياتنا معنى انها تعطينا هدفا في الحياة وتخرجنا من روتين الحياة اليومية وتجعلنا نفهم معنى الوجود والعدم او معنى العذاب والموت.

وبالتالي فتجربة الحرب ليست سلبية كلها كما كنا نتخيل وقد علمته الحروب التي خاضها كصحفي او شهدها اشياء كثيرة ما كان بامكانه التوصل اليها لو بقي في بيته او مكتبه في نيويورك.

ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: كانت سراييفو في صيف 1995 قد تحولت الى جحيم لا يطاق، وهو نفس الجحيم الذي تحدث عنه دانتي في الكوميديا الآلهية وكانت القوات الصربية تحيط بها في الاعالي من كل جانب وتقصفها يوميا بآلاف القنابل والصواريخ.

ولم تكن توجد مياه جارية ولا كهرباء ولا طعام الا القليل ومعظم الناس كانوا يبقون على قيد الحياة من خلال اكل صحن حساء ساخن في اليوم والامهات كن يحصلن على الماء القليل من خلال قوات الامم المتحدة، والواقع ان الام البوسنية كانت بين خيارين: فاما ان تخرج بأولادها الى الشارع لكي تجلب الماء من الحنفيات

وعندئذ تعرض نفسها واولادها لخطر القناصة والقتل بكل بساطة واما ان تترك اطفالها في البيت وتذهب بمفردها للبحث عن الماء ولكن عندما تعود الى البيت قد تجد البناية وقد انهارت على من فيها!

هكذا عاش سكان البوسنة سنوات الحرب الرهيبة التي دمرت البشر والحجر في ذلك الصيف وبعد اربع سنوات من القتال تقريبا قتل خمسة واربعون صحفيا اجنبيا في سراييفو وجرح عدد كبير ايضا، نعم لقد كلفت حرب البوسنة الناس غاليا بمن فيهم الاجانب.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد عشت تلك اللحظات وانا ملتجيء في فندق «الهوليدي ان» وقد عرضت نفسي للخطر اكثر من مرة وشعرت بمتعة عجيبة نتيجة ذلك نعم ان للحرب جاذبية لا يعرفها الا من عاناها ولكني شعرت ايضا بالخوف المرعب مرات ومرات.

لقد اثرت الصراعات والحروب على حياتي اكثر من اي شيء آخر فقد ابتدأت بتغطيتها في السفادور اولا حيث امضيت خمس سنوات من عمري، وبعدئذ ذهبت الى غواتيمالا، ونيكاراغوا، وكولومبيا، وعرفت معنى الحروب الاهلية والمجازر الدموية وشاهدت بأم عيني بشاعة الاجرام.

ثم يردف المؤلف قائلا:

وبعدئذ ذهبت الى الضفة الغربية وقطاع غزة لتغطية الانتفاضة الفلسطينية الاولى ومن هناك ذهبت الى السودان لتغطية الحرب الاهلية الدائرة هناك بين اهل الشمال واهل الجنوب، وهي حرب مرعبة ايضا ذهب ضحيتها مئات الآلاف ان لم يكن الملايين وبعدئذ ذهبت الى اليمن لتغطية الحرب الاهلية التي دارت بين الشمال والجنوب وانتهت بانتصار صنعاء والشماليين ومن هناك قفزت الى الجزائر لمعرفة ما يجري هناك بين الاصوليين والجيش او الحكومة المركزية.

ثم ذهبت بعدئذ الى رومانيا لتغطية احداثها وشهود السقوط المريع لنظام الديكتاتور نيقولاي شاوشيسكو وبعدئذ ارسلتني الجريدة لتغطية حرب الخليج الاولى التي حصلت في عهد جورج بوش الاب وادت الى تحرير الكويت ثم يضيف الصحافي الاميركي كريس هيدجيز قائلا:

لم تبق نقطة ساخنة في العالم الا وذهبت اليها ودخلت معتركها واكتويت بحر نارها وعلى هذا النحو تتشكل شخصية الصحفي المحترف الذي لا يبقى جالسا وراء مكتبه طيلة النهار والواقع ان مثل هذا الصحفي لا يفهم شيئا من قضايا العالم الكبرى وحده ذلك الذي يغامر بنفسه ويذهب الى ساح الوغى يعرف معنى الاحداث التي تحصل في العالم.

ثم يقول المؤلف بانه ذهب بعدئذ لتغطية التمرد الكردي في جنوب شرق تركيا وشمال العراق ايضا واخيرا انتقل لتغطية حرب البوسنة ثم اقليم كوسوفو في نهاية المطاف.

وقد تعرض لمخاطر جسيمة اثناء تغطيته لهذه الحروب فمثلا عندما كان في اميركا الوسطى وقع في كمين نصبته الجماعات المسلحة ولم ينج منه الا بأعجوبة وقد تعرض للضرب من قبل البوليس السياسي في السعودية وطرد من قبل ليبيا وايران،

ثم اسره الحرس الجمهوري لصدام لمدة اسبوع وكان ذلك اثناء تغطيته للانتفاضة الشيعية في الجنوب والتي سحقت في الدم وذهب ضحيتها عشرات الآلاف او حتى مئات الآلاف وهي الانتفاضة التي تلت حرب الخليج مباشرة، هذه الحرب التي ادت الى تحرير الكويت.

ثم قصفته طائرات الميغ الروسية الصنع في البوسنة واطلق القناصة الصرب النار عليه وكادوا ان يقتلوه لولا عفو الله.

ويقول المؤلف ايضا:

لقد شاهدت بأم عيني الموت العنيف المرعب لآلاف البشر في كل هذه المناطق الساخنة من الكرة الارضية وعرفت عندئذ ان الحرب تشكل شخصيتنا وتعمق نظرتنا الى العالم والاشياء بل واكاد اقول بان الحرب هي كالمخدرات انها تتغلغل الى جسمك وتخدرك وتصبح وكأنك لا تستطيع ان تعيش بدونها

ولكن الحرب تشوه كل شيء ايضا انها تجعلك تشعر بمعنى الاشياء او حتى لا معناها انها تدفعك الى تشكيل نظرة عبثية عن الوجود فلماذا كل هذا الموت والخراب اذن؟

ثم يقول المؤلف هذه العبارة الملفتة للانتباه: الحرب تعطي لحياتنا معنى من خلال الموت انها تعطينا التصميم والعزيمة كما وتقدم لنا قضية لكي ندافع عنها فعندما شاهدت الفقر المدقع لمخيمات اللاجئين في غزة شعرت بان الدفاع عنهم عن طريق تعريف العالم بمأساتهم يخلع على حياتي معنى ويشكل قضية انسانية بالنسبة لي كصحفي.

وكذلك الامر فيما يخص العمال المغتربين بين المقيمين في فرنسا والذين يعيشون احيانا في احياء تخلو من كل الخدمات الاجتماعية والصحية احيانا فهؤلاء ايضا ينبغي التعريف بقضيتهم وبالتالي فالحروب او الصراعات ترتبط احيانا بقضية كبرى وتغطية الصحفي لها يشكل خدمة للحقيقة والانسانية.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن حرب بوش ضد الارهاب التي يراها مبررة واخلاقية على نفس طريقة الذين يحاربهم ويقول لنا بانه في 14 سبتمبر اي بعد الضربة الكبرى بثلاثة ايام عرض بوش الامر على الكونجرس فأعطاه كافة الصلاحيات للرد على العدوان وقال الكونجرس في بيان:

للرئيس الحق في استخدام القوة ضد جميع الدول والمنظمات او الاشخاص الذين خططوا لهذا العدوان الغادر او ساهموا في تنفيذه وصدق مجلس الشيوخ على ذلك بالاجماع ماعدا استثناء واحداً.

فالواقع ان النائبة الديمقراطية عن كاليفورنيا السيدة «بربارة ج.لي» اعترضت قائلة: الانتقام العسكري لا يضمن للبلاد الامان ولا ينبغي ان نستخدم الشر لمواجهة قوى الشر وفي الختام يقول المؤلف بان الحرب تشكل لحظات غنية وكثيفة جدا في حياة الانسان ومن عاشها لن ينساها.

الكتاب: الحرب قوة تعطي لحياتنا معنى  الناشر: انكور بوكس ـ نيويورك 2003    الصفحات: 211 صفحة من القطع المتوسط   WAR IS A FORCE THAT   GIVES US MEANING  CHRIS HEDGES   ANCHOR BOOKS.- NEW YORK 2003   P. 211   POSTED BY بطيخة AT 8:42 PM 0 COMMENTS

ثورة الطبقة المراهقة
الاربعاء 9 نوفمبر 2005م، 07 شوال 1426 هـ  غسان الإمام

لا وطن لهذه الثورة. لا أرض فهي تشتعل في اللامكان، في الـNO Mans Land، هنا في أحزمة البؤس والغضب التي تسور مدن المشرق العربي والإسلامي. قد تشتعل هناك في «

القصبة» في قلب مدن المغرب العربي، أو تهب في مدن افريقيا المطلة من الغابة الكثيفة، أو في «غيتو» الأقليات العرقية والدينية المهاجرة إلى مدن أوروبا، أو في خط المواجهة مع الاستعمار القديم

«سبتة ومليلة» أو مع الاستعمار الحديث «غزة والضفة» أو في «غيتو» الغربة حيث مخيمات اللاجئين في لبنان وسورية والأردن والسودان وباكستان.. بل قد تطل من عباب البحر الذي

يقذف إلى بر اوروبا بجثث فتية مبللة، أو بجثث شبه حية جاءت على متن قوارب متهالكة.

كانت الثورات التاريخية من صنع الأرقاء المحرومين في الامبراطورية الرومانية، وفي الدولة الإسلامية (ثورة الزط). الثورات الحديثة، بورجوازية وماركسية، كانت من صنع ثوار المدن، أو من

صنع شباب تأثروا بأفكار فلاسفة الاحتجاج الاجتماعي كروسو ومونتسكيو وماركس ولينين وماو، بل صنعها أيضا رجال الدين أو عسكر محترفون أو آيديولوجيون.

ثورة الستينات، آخر الثورات الراديكالية الحديثة، كانت من صنع طلبة الجامعات في المدن الذين ألهبت خيالهم أفكار تروتسكي ضد النظام الستاليني المتحجر، وأفكار ماركوز ضد نظام الدولة المتعالية

الديغولي، وضد النظام الأميركي الذي ساق شبابه إلى حروب عبثية في كوريا وفيتنام وكامبوديا.

من هم، إذن، هؤلاء الثوار الجدد؟

إنهم جيل آخر. طبقة اجتماعية مراهقة! فتية بين الرابعة عشرة والثانية والعشرين! فتية يختفون في النهار ويظهرون في الليل. فتية أشبه بالوطاويط في أفلام الخيال الفضائي والإلكتروني.

وجوه مجهولة سمراء وسوداء تتكلم لغتها الخاصة بها، وتتبادل إشاراتها وايماءاتها التي لا يفهمها أحد غيرها.

ثورة تختلف عن الثورات، ما أسميه «ثورة الطبقة المراهقة»، لا يمكن نسبها الى انتماء. انها بلا هوية، بلا أسماء، بلا أفكار وفلسفات وآيديولوجيات، بل حتى بلا ثقافة. «الثورة المراهقة»

منبثقة من حالة «شيزوفرانيا» حادة، حالة انقسام وانفصال عن المجتمع والعائلة والمدرسة والنظام السياسي والاقتصادي.

الثورة المراهقة لا يقودها أو يحركها تنظيم سياسي. ثورة بلا قادة وزعماء. ثورة ذكورية بلا نساء وفتيات. مجموعات من المراهقين تتحرك بخفة في انتفاضات لاهبة تشتعل وتمتد بسرعة،

لتنطفئ بسرعة. تبقى النار تحت الرماد، لتعود فتندلع في فرصة مناسبة: اعصار مدمر في نيوأورليانز. خيبة وهزيمة في مباراة كرة. مصرع مراهقين اثنين في ضاحية أولشيه سوبوا

الباريسية، أو تحت وطأة احتلال همجي في الضفة وغزة والجولان. أو بعد صدام مع الشرطة في «غيتوهات» الأقليات العرقية في مدن بريطانيا.

حتى السلاح في الثورة المراهقة يختلف عن سلاح الثورات. انها ثورة بلا طلقات رصاص. ثورة سلاحها الحجر في فلسطين، وحرائق النار في أوروبا، والمدية المنشارية (ماشيت) في

افريقيا. الهدف دائماً رموز الرأسمالية والعولمة والتمايز العرقي والديني: حرق السيارة رمز حرية الطبقة الوسطى والبورجوازية في أوروبا. نهب المجمع الغذائي والتمويني (سوبر ماركت)

رمز الحرية الاستهلاكية المحمومة والقوة الشرائية في مدن أميركا المنكوبة بحرائق وأعاصير واضطرابات، تدمير مطاعم الـ «فاست فود» رمز العولمة التي تقودها الشركات متعددة الجنسية.

الثورة المراهقة، إذن، تجاوزت التنظيم الحزبي والسياسي. لقد حاول السيطرة عليها واحتواءها واستعارتها. انتفاضة الأحجار استعادتها «فتح» من مراهقي الشارع وصبية المخيمات، ثم

سلحتها «حماس»، ففقدت القدرة على الفعل السياسي. في انتفاضة ضواحي باريس والمدن الفرنسية، تسعى المرجعيات الدينية والأصولية، بلا نجاح كبير، لتهدئة الثورة المراهقة، أو استعادة

المبادرة منها، أو لمساومة السلطة والشرطة عليها.

النظام السياسي ساهم، عموما، بلا مبالاته ولا جديته، في تهيئة الظروف المناسبة لثورة الطبقة المراهقة. مع ليبرالية العولمة تحولت السياسة الاقتصادية للدولة الى تهيئة الشروط المناسبة لازدهار

اقتصاد «البزنس». تفتح الصحف العربية والأجنبية، فترى صفحاتها الاقتصادية طافحة بأخبار «البزنس». لا شيء عن اقتصاد المجتمع، ومعاش الناس والسكان.

في ظروف عولمة النظام والاقتصاد، نشأ جيل جديد محروم من كل لذائذ الرأسمالية التي يوفرها النظام للطبقات البورجوازية والوسطى التي يمثلها. لكن لا سكن لأسر الطبقة المراهقة. لا عمل

للشباب. لا مدرسة كفوءة للمراهقين. رفض اجتماعي مطلق لتشغيل السمر والسود. في اوروبا الثورة المراهقة من صنع الجيل الثالث العربي والافريقي، جيل ولد في أوروبا، ولا يعرف بلدانه

الأصلية، بل لا يتكلم لغتها. جيل مراهق معزول عن المجتمع، ومتمرد على العائلة.

حيرة الدولة الأوروبية أمام ثورة الطبقة المراهقة تتجلى في الخلاف داخل النظام والطبقة السياسية ومؤسساتها الحزبية، حول التعامل مع هذا الجيل. الدولة لم تف بوعودها المتكررة بتأمين حاجات

المهاجرين الأساسية، من سكن وعمل ودمج في المجتمع وهي أصلا تنوء بعبء بطالة متفشية بين أجيالها المراهقة والشابة.

كان في ظن نيكولا ساركوزي السياسي الفرنسي البارز ان انشاء مرجعية دينية اسلامية للمهاجرين كاف لاستيعابهم ودمجهم. غير ان هذه المرجعية ما لبثت أن استولت عليها التنظيمات الأصولية

الاخوانية وغير الاخوانية. كان الأفضل تشجيع الأجيال الشابة المهاجرة على الاندماج في المؤسسات الحزبية الفرنسية المشروعة، بدلا من دفعهم إلى «الغيتو» الأصولي. لكن هذه المؤسسات

الحزبية لم تعد جدية مع انكفاء العمل الحزبي الشعبي، وتقارب آيديولوجيات اليمين واليسار، كما هي اليوم في المانيا وبريطانيا.

وهكذا، عندما تندلع انتفاضات الثورة المراهقة، يدفع النظام السياسي بأجهزته الأمنية الى خط المواجهة في الضواحي وأحزمة المدن وأزقة الشوارع. نعم، للقانون في أوروبا قداسة. التدمير

والتخريب وإحراق الممتلكات العامة والخاصة مرفوض، ويعاقب عليها القانون بشدة، لكن عصا الأمن غير كافية لحل اشكالية الثورة المراهقة.

قسوة الأجهزة الأمنية تزيد من غضب المتمردين المراهقين. هنا تقع الأجهزة بين نارين: إذا قمعت ثار أهل المراهقين ومؤسسات «الغيتو» الدينية وأحزاب المعارضة. إذا استرخت

الأجهزة، تمادت الثورة المراهقة، بلا وعيها ولا شعورها بالمسؤولية، في التخريب والتدمير غير المقبولين في المجتمعات المضيفة والمستقبلة.

عندما أطلق ماركس صيحته الشهيرة: «يا عمال العالم اتحدوا» لم يستجب له أحد. استطاعت الامبراطوريات القديمة والدولة القومية حشو خنادق حروب القرنين الأخيرين بالعمال البائسين.

انحاز العمال، في لا وعيهم، الى انتمائهم القومي، لا الى انتمائهم الطبقي. الثورة المراهقة تمكنت في أوروبا، من توحيد العرب السمر والأفارقة السود في النضال من أجل سكن أفضل، وعمل أشرف،

ومساواة اجتماعية، من دون أن ينطلق نداء يدوي: «يا مراهقي العالم اتحدوا»!

في غمرة تناقضات الثورة المراهقة، يحلو لي أن أسأل نفسي: هل العرب عنصريون؟! أجيب بصراحة: نعم، لقد وحدت مراهقيهم السمر والسود الثورة المراهقة. لكن ماذا لو رأى عربي في

عاصمة عربية أسود يرافق فتاة عربية: لا شك انه سيمزقه إربا إربا. في أوروبا، يرى الأوروبي ابنته معلقة بذراع فارسها المراهق الأسمر العربي أو الأسود الأفريقي. فلا يثور ولا يحتج.

يكظم غيظه وغيرته. لكن اذا جاءه هذا العربي أو الافريقي الى مكتبه وشركته ليطلب عملا، رفضه بكل غطرسة عنصريته.

* نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية
POSTED BY بطيخة AT 8:40 PM 0 COMMENTS
الاستنارة بين الفكر العقلاني والفكر المظلم

بين الفكر العقلاني والفكر المظلم    عبد الوهاب المسيري

من المصطلحات التي شاعت أخيرا في الصحف والمجلات المتخصصة، اصطلاح “الاستنارة” الذي أصبح مثل الشفرة بحيث أنه لو استخدمت الكلمة ومشتقاتها، فسيعرف الجميع على الفور من أنت وما هي توجهاتك الفكرية والسياسية، وهي بهذا أصبحت بديلا لكلمة “تقدمي” أو “يساري” التي كنا نستخدمها في الستينيات.

واللغة السياسية في أي بلد تعتمد على هذه الكلمات/الشفرة التي لا تنقل للمتلقي مدلولاً واحدا، وإنما رؤية متكاملة وأساسا تصنيفيا.

وهذا أمر شائع ومقبول في كل الحضارات، ولا مناص من قبوله، ومع هذا فقد يكون من المفيد أن نستكشف كل أبعاد المصطلح الذي نستخدمه وكل تضميناته حتى لا تتحول الشفرة إلى مجرد اختزال كامل للأفكار والواقع، تقف حاجزا بيننا وبين المعرفة بدلا من أن تكون طريقة سهلة وسريعة لتوصيلها.


الإنسان يحوي الذئب داخله وخارجه، وذاته المتحضرة هذه إن هي إلا قشرة واهية تخبئ ظلمة تمور داخل الإنسان ومن حوله

ومصطلح “الاستنارة” كما يستخدم في الخطاب التحليلي العربي مرتبط تمام الارتباط بمفهوم الحداثة، ويفيد أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره وأن عقل الإنسان قادر على الوصول إلى قدر من المعرفة ينير له كل شيء أو معظم الأشياء والظواهر ويعمق من فهمه للواقع ولذاته دون الحاجة إلى أي معرفة تأتيه من خارج النظام الطبيعي المادي، وحركة المادة.

وعقل الإنسان – حسب تصور الفكر الاستناري – قادر على توليد منظومات أخلاقية من خلال معرفته بالواقع المادي ودراسته لحركة المادة، ولذا يمكن تسمية الاستنارة “العقلانية المادية”.

وكان الافتراض أن عقل الإنسان بمقدراته هذه يضفي على الإنسان مركزية في الكون وهو الذي يمكنه من تجاوز عالم الطبيعة بل وذاته الطبيعية، ومن تغيير العالم والتحكم فيه، أي أن الإنسان من خلال هذه المعرفة بوسعه أن يولِّد من داخله معياريته، و”يصبح ما يريده” على حد قول بيكو ديلا ميرانديلا، المفكر الإنساني الإيطالي.

هذه الرؤية تولد في الإنسان ثقة بالغة بنفسه وبمقدراته وتزيد من تفاؤله بخصوص حاضره ومستقبله. ويمكننا أن نسمى هذه الرؤية “الاستنارة المضيئة”، وعندما يتحدث معظم الدارسين فهم عادة ما يشيرون إلى هذا الجانب من حركة الاستنارة.

ولكن ثمة جوانب تفكيكية كامنة في هذه الرؤية العقلانية المادية، وقد نحت أحد مؤرخي الفلسفة الغربية اصطلاح “الاستنارة المظلمة” ليشير إلى هذه الجوانب التفكيكية التي تفكك الإنسان ولا تمنحه أي مركزية أو مكانة خاصة أو مزية على الكائنات الأخرى.

ويرى هذا المؤرخ أن بعض مفكري عصر الاستنارة، لا كلهم، أدركوا الطبيعة التفكيكية المظلمة للعقلانية المادية.

وقد بيَّن هؤلاء المفكرون أنه إذا كانت أصول الإنسان طبيعية مادية كما يرى العقلانيون الماديون من دعاة الاستنارة المضيئة، وأنه تسري عليه القوانين المادية التي تسري على كل الظواهر الطبيعية (أي أنه ليست له أصول ربانية متعالية متجاوزة)، فلا يمكن إذن الحديث عن مركزية الإنسان في الكون، ولا عن المرجعية الإنسانية، ولا عن مقدرة الإنسان على تجاوز ذاته الطبيعية/المادية، ولا عن أن الإنسان خير بطبيعته واجتماعي بفطرته، ولا عن أن الذات الإنسانية مبدعة حرة مستقلة، ولا عن أن ثمة حقيقة موضوعية مستقرة يمكن إدراكها … إلخ

فمثل هذا الحديث في نظر هؤلاء المفكرين هو مجرد ادعاء زائف من جانب الإنسان، ووهم من أوهام الفكر الإنساني الهيوماني الغربي ليس له ما يسانده في الواقع، ومن الأجدى أن يعرف الإنسان حدوده ومكانته في الكون وأن يتخلى عن غروره وخيلائه وأوهامه عن نفسه وعن مقدراته.

وواجب الفلسفة هو أن تدرس الإنسان في ضوء القوانين المادية الكامنة في الطبيعة وتساعد الإنسان على أن يرى نفسه باعتباره كائنا طبيعيا ليس هناك ما يميزه عن الكائنات الأخرى.

إن الخلل في الفكر الإنساني والاستناري المضيء – من وجهة نظر دعاة الاستنارة المظلمة- أنه يرفض مواجهة النتائج المعرفية والأخلاقية المتضمنة في الرؤية العقلانية المادية.


الاستنارة المظلمة همها توجيه الضربات للإنسان وتحطيم صورته المثالية عن نفسه حتى لا يستمد أي عزاء زائف من وهم المركزية والمرجعية الإنسانية، ولا يتمسك بأمل وهمي عن مقدرته على التجاوز

لذا جعل هؤلاء الفلاسفة همهم توجيه الضربات للإنسان وتحطيم صورته المثالية عن نفسه حتى لا يستمد أي عزاء زائف من وهم المركزية والمرجعية الإنسانية، ولا يتمسك بأمل وهمي عن مقدرته على التجاوز، ولا يتعلق بأهداب أي تصور رومانسي عن طبيعته الخيرة الاجتماعية وعن مقدرته على التوصل للحقيقة.

وبذل هؤلاء الفلاسفة قصارى جهدهم في تزويد الإنسان بالحقائق التي تجاهلها أو همشها المفكرون الإنسانيون مثل الأساس الطبيعي المادي للوجود الإنساني، ولدوافع الإنسان وغرائزه وسلوكه وفكره ورؤيته، وزمنية كل الظواهر والقيم، فبينوا أن الإنسان الطبيعي هو ابن الطبيعة وحسب.

ولذا بدلاً من حلم الذات الإنسانية التي تدرك الواقع المادي وتصوغه وتهمين عليه، ظهرت الذات الإنسانية التي يتم تفكيكها وردها بكل قسوة وحياد إلى عناصر مادية في الواقع.

فالإنسان إن هو إلا حيوان لا يعرف غير التربص والافتراس والصراع وحب البقاء والأنانية والبحث عن المنفعة واللذة، شأنه في هذا شأن أبناء الطبيعة الآخرين من قوارض وهوام وحشرات.

وهو -شأنه شأن الحيوان الأعجم- يعيش وحيداً منعزلاً عن غيره من البشر المتربصين به في كون غير مكترث به، أي أنهم ببساطة شديدة ينزعون الخصوصية والقداسة عن الإنسان ويردونه إلى قوانين الطبيعة/المادة، وهي قوانين الحركة العامة التي لا تعرف ثباتاً أو استقراراً أو خصوصية أو قداسة، ولا يمكن للإنسان الإمساك بها.

وبذا أصبح الإنسان جزءا لا يتجزأ من حركة المادة التي لا تعرف ثباتاً ولا وحدة ولا تجاوزاً ولا معنى.

وهم يفعلون ذلك حتى يبينوا للإنسان حقيقته وحقيقة واقعه وينيرون له أبعاده وأبعاد الواقع المظلمة الحقيقية، فهي استنارة مظلمة.

ولعل الفيلسوف الإنجليزي هوبز هو أول مفكر وضع يده على الأطروحات المظلمة الكامنة في العقلانية المادية حين أعلن أن حالة الطبيعة (وهي حالة الإنسان بعد انسحاب الإله من الكون) هي حالة حرب الجميع ضد الجميع، فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان.

وقد تم التعاقد الاجتماعي بين البشر لا بسبب فطرة خيرة فيهم وإنما من فرط خوف الواحد منهم من الآخر وبسبب حب البقاء، فينصبون الدولة التنين حاكماً عليهم حتى يمكنهم أن يحققوا قدراً ولو قليلاً من الطمأنينة.

وقد اتفق معه ماكيافللى في هذا، أما سبينوزا ونيوتن فقد قدما عالماً آلياً تماماً، تنحل فيه الذات في الحركة الآلية للكون.

وبيّن جون لوك أن العقل صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات، وبيّن بنتام أن أخلاق الإنسان مرتبطة بدوافعه وغرائزه وحسب، وبين الماركيز دى صاد وداروين وفرويد أن الإنسان يحوي الذئب داخله وخارجه، وذاته المتحضرة هذه إن هي إلا قشرة واهية تخبئ ظلمة تمور داخل الإنسان ومن حوله.

كما بين يونج أنه لا توجد ذات فردية وإنما ذات جميعة تحوي نماذج أصلية.


الذات الإنسانية الفردية إن هي إلا حفرية من حفريات الماضي ووهم من الأوهام واختراع من اختراعات الإنسانية، والموضوع المادي لا يمكن الوصول إليه وإنما هو نتاج الألعاب اللغوية والقوة

وقد بلور نيتشه أسس الاستنارة المظلمة حين بين أن الذات الإنسانية الفردية هي إحدى الحيل التي يحاول بها الضعفاء أن يخنقوا براءة القوة وتلقائيتها.

فالذات هي التي تفرض المثل الوهمية للوجود الثابت على عالم الصيرورة المادية وحركة المادة العمياء، وهي في واقع الأمر مجرد قناع أو خرافة أو توليفة أيديولوجية أو وضع لغوي يسمى الذات ليس له وجود حقيقي.

ولا يختلف ماركس (المادي غير الإنساني) عن هذا كثيراً فهو أيضاً يرى أن الذات الإنسانية المستقلة وهم ما بعده وهم، فوراء الواجهة الفردية المستقلة يوجد الصراع الطبقي ووسائل الإنتاج.

وقد أدرك عالم الاجتماع الفرنسي أميل دوركهايم الإشكالية الكامنة في المحاولة الاستنارية لتأسيس مجتمع في إطار العقلانية المادية دون إيمان بالإله، حيث اللامعيارية وعدم الشبع تتهدد مثل هذا المجتمع دائماً.

وقد تزايد إدراك الفكر الغربي الحديث لمثل الاستنارة المظلمة، ومن هنا أهمية نيتشه الفلسفية، فمن تحت عباءته خرج ليفي شتراوس والتوسير وفوكوه ودريدا الذين هاجموا مثل الاستنارة المضيئة والإنسانية الهيومانية بكل قسوة وعنف.

فالبنيوية ترى أن هدف البنيوية ليس إعادة تشييد الذات الإنسانية الفردية وإنما فكها وتوضيح أن الذات خرافة، مجرد كلمة في لغة، أو شفرة أو بنية تتجاوز الذات وتتحدث من خلالها، وأن الموضوع الثابت كذلك خرافة، إذ لا يصل إليه أحد.

ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في فكر فوكوه ودريدا وما بعد الحداثة، فلا توجد ذات إنسانية ولا موضوع مادي، فالذات الإنسانية الفردية إن هي إلا حفرية من حفريات الماضي ووهم من الأوهام واختراع من اختراعات الإنسانية الهيومانية الغربية، والموضوع المادي لا يمكن الوصول إليه وإنما هو نتاج الألعاب اللغوية والقوة.

لكل هذا تختفي الذات الإنسانية الواعية الحرة وتختفي فكرة الطبيعة البشرية ويختفي الإنسان ككائن حر مستقل مسؤول ملتزم بمنظومات معرفية وأخلاقية محددة، وبدلاً من ذلك يظهر الإنسان المتشيئ والمتكيف الذي يدور في إطار قصته الصغرى، وهي قصة الذات التي لا علاقة لها بالذوات الأخرى أو بالموضوع.

ولعل الحضارة الاستهلاكية الحديثة التي تصدر عن العقلانية المادية ومثل الاستنارة المضيئة، بينت من خلال تطورها مدى صدق المبشرين بالاستنارة المظلمة.

فبعد روبسبيير وستالين وهتلر ثم ريجان ويلتسين، وبوش وبوتين، وبعد إمبريالية التهمت العالم ودمرته، وبعد حربين غربيتين (عالميتين)، وبعد الأزمات السياسية والاقتصادية المتكررة في العالم الاشتراكي والرأسمالي، وبعد سقوط الاشتراكية في العالم وتلوثه البيئي والأخلاقي، أصبح الحديث عن الاستنارة المضيئة أمر صعب تحيطه الشبهات، واكتسبت الاستنارة المظلمة مصداقية عالية.


ما الفرق بين دعاة الاستنارة المضيئة ودعاة الاستنارة المظلمة إذا كان الجميع يدورون في إطار العقلانية المادية، حيث يرد الإنسان في كليته إلى عنصر مادي كالصراع والرغبة في البقاء وحب السيطرة والهيمنة

والسؤال الآن، ما هو الفرق بين دعاة الاستنارة المضيئة ودعاة الاستنارة المظلمة، إذا كان الجميع يدورون في إطار العقلانية المادية، حيث يرد الإنسان في كليته إلى عنصر مادي يوجد في الطبيعة/المادة مثل الصراع أو الرغبة في البقاء أو حب السيطرة والهيمنة.

ثم يستخدم هذا العنصر لتفسير كل سلوك الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل ويهمل أي عناصر أخرى مثل التراحم والنبل والمقدرة على التجاوز والإحساس بالمسؤولية الخلقية… إلخ باعتبارها أموراً وهمية غير طبيعية غير مادية ليس لها قيمة تفسيرية؟

الفرق بينهم لا يكمن في وصفهم للطبيعة البشرية، وإنما في طبيعة النتائج التي يتوصلون إليها انطلاقا من هذه المقدمات.

فهناك التقدميون ممن طرحوا برنامجاً إصلاحياً، ثم هناك المأساويون الذين أدركوا المأساة فتقبلوا الوضع ولم يأتوا بحل، وهناك أخيرا العدميون البرغماتيون ممن قبلوا الظلمة باعتبارها أمراً نهائياً لابد من الإذعان له.

1- التقدميون كماركس ودوركهايم ومن ينحون نحوهما يرون إمكانية التصدي للظلمة، فهي ليست حالة نهائية ويمكن تأسيس مجتمعات عقلانية مادية حديثة من خلال تطوير آليات معينة للانعتاق ولمحاصرة الظلمة مثل الثورة الاجتماعية والدولة التنين وتحسين البيئة الاجتماعية وربما تحسين الجنس البشري نفسه من خلال الهندسة الوراثية.

2- المأساويون كفيبر وغيره: يمكننا القول أن هناك مجموعة من المفكرين أدركوا أن الاستنارة المظلمة متضمنة في فكر الاستنارة المضيئة والعقلانية المادية، وأنه لا يوجد أي حل لهذه المشكلة.

ولعل من أهم هؤلاء العالم الاجتماعي جورج زيميل وماكس فيبر، فقد وصف كلاهما كيف أن تزايد هيمنة الإنسان على الطبيعة مع تزايد معدلات الاستنارة ستودي بالإنسان وتُدخله القفص الحديدي.

وقد أثر فكرهما في مفكري مدرسة فرانكفورت الذين تحدثوا عن ”مأساة الاستنارة“ و”ليل الاستنارة البارد“ والذين يذهبون إلى أن الاستنارة هي دعوة لأن ينظر الإنسان إلى الطبيعة باعتبارها مادة قابلة للتحويل والاستعمال.

3- العدميون البرغماتيون كدريدا: وهؤلاء هم الذين يرون أنه لا جدوى من الحرب ضد الظلمة ولابد من تقبلها والتكيف معها، حيث أنهم أساسا لا يرون أنها ظلمة، فهم يبشرون بها. ونحن معاصرون لهذه العدمية البرجماتية، المتمثلة في فكر ما بعد الحداثة.
__________________
كاتب مصري

المصدر: الجزيرة

 

شاهد أيضاً

كيف يرى فوكوياما الإسلام؟ ولماذا اعتبر الليبرالية هي التطور النهائي للإنسانية؟

مفكر الأميركي صاحب نظرية نهاية التاريخ يدافع عن تحول أفكاره ومواقفه فوكوياما المتحول تاريخ النشر: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.