الرئيسية / الرئيسية / ثقافة / كتاب جديد عن رؤية أدونيس للعنف الإسلامي بأنه أساس الدولة والمجتمع الإسلامي الأول

كتاب جديد عن رؤية أدونيس للعنف الإسلامي بأنه أساس الدولة والمجتمع الإسلامي الأول

“صندوقُ باندورا”: قراءة نقدية في رؤية أدونيس للعنف والإسلام

حميد عبد القادر

يقدم الكاتب الجزائري أحمد دلباني، في كتابه الصادر حديثاً عن منشورات “ضفاف” ببيروت و”الاختلاف” بالجزائر، بعنوان “صندوق باندورا، هوامش على خطابات الهوية والعنف”، قراءة ناقدة في كتاب أدونيس “العنف والإسلام”.

وركز دلباني في كتابه على ما أسماه بؤس الطرح الثقافوي وعلى ضرورة تجاوز الإيديولوجية العنصرية التي يُروّج لها خدمة لليمين الثقافي والسياسي المُنتعش في الغرب حالياً، انطلاقاً من المُسلمة الكبرى التي يقومُ عليها الطرحُ الثقافوي، موضعُ النقاش، وهي الاعتقادُ بأنّ الإرهاب والعنف يشكلان نتيجة حتمية للرؤية الدينية الإسلامية مثلاً، ما دام الإسلامُ هو مدار المساءلة والمراجعة والاتهام، وما دام العنف اليوم يلبسُ لبوساً دينياً إسلامياً في صورة “حرب مقدسة” ضدَّ الآخر المُختلف. ويكتب: “نحنُ، وإن كُنا لا ننكرُ جانبَ الوجاهة النسبيّ في هذا الطرح، إلاّ إنّنا نميل أكثر إلى الاعتقاد بأنّ جذور العُنف التي تُزعزع استقرار العالم اليوم لم تفلت من قُمقُم الرؤية الدينية الإسلامية فحسب بقدر ما طلعت كشجرة زقوم خبيثة في أصل الجحيم الأرضي بأبعاده التاريخية والاجتماعية والسياسية”.

ترد في كتاب دلباني دراسة نقدية في مؤلف أدونيس، الذي جاء في شكل مُحاورة مطولة بين أدونيس والباحثة الأكاديمية المغربية حورية عبد الواحد. وهذا ربما ما أتاح له، كما يوضح دلباني، أن يقول أشياء كثيرة، وبصورة مركزة، حول الإسلام وعلاقة نصوصه التأسيسية بالعنف؛ وحول ضرورة إعادة التفكير نقدياً في الأصول التي قامت عليها الرؤية الإسلامية للإنسان والوجود؛ وعلاقة الغرب بكل ذلك من وجهةٍ نقدية تدرك، جيِّدًا، براغماتيته وابتعادَ مؤسَّساته الرسمية عن قيم الأنوار والأنسنة التي كانت في أساس مشروع الحداثة الضخم.

وبحسب دلباني، الذي سبق له أن قرأ الهويات المغلقة في مؤلف سابق صدر بعنوان “مفاتيح طروادة”، فإن كتاب “العنف والإسلام” احتوى على كثير من طروحات أدونيس الذائعة منذ شرع في نقد الوحدانية باعتبارها مُؤسَّسة تاريخية وثقافية ظل همُّها الأكبر القضاء على التعدد الثقافي في الفضاء المُتوسطي وخنق ثقافة السؤال ومُغامرات العقل.

وجاء في كتاب “صندوق باندورا”: “نحن نعرفُ أنَّ هذا النقد كان وليدَ التفكيك المُعاصر الذي فتح آفاقاً واسعة من أجل إعطاء حق الكلام للمُختلف وللهوامش التي طمستها إمبريالية العقل المركزيِّ المُهيمِن. يسحبُ أدونيس هذا المُنجَز النقديَّ – الفلسفي على الوحدانية الإسلامية وإمبريالية الحضور التاريخي الإسلامي ليرى فيهما، أيضاً، ما عبَّر عنه نيتشه وهو يصفُ المسيحية التاريخية بقوله إنها “ميتافيزيقا الجلاد”. كل رؤية شمولية، بهذا المعنى، تحمل جرثومة الاستبداد والأحادية التي تستبعدُ المُختلف وتقمع المُغايرة وتطمسُ التعدد. لا يُمكن للرؤية الشمولية المغلقة أن تحبل باحترام الآخر المُختلف ثقافياً أو بالديمقراطية سياسياً إلا من خلال “خرق ثقافي” ونقد جذري لها. هذا هو الموقفُ المبدئي لأدونيس الذي يُدرك جيِّدًا حدودَ ومآزق كل رؤيةٍ مغلقة ونهائية. من هنا نستطيعُ أن نصفَ هذه الرؤية النقدية بقولنا إنها تمثل- جوهرياً- قراءة ثقافية تقفُ عند حدود الخطاب التأسيسي وتحاول أن تكشفَ عن مُضمراته وأشكال النبذ والاستبعاد والقمع التي يُمارسها على المُختلف. وبما أنَّ الموقفَ الإسلاميَّ التقليدي ينهل من الرؤية الإسلامية النهائية للعالم والأشياء نستطيعُ، بالتالي، أن نرى فيه دعوة واضحة إلى العنف الذي يطرح مشكلاتٍ خطيرة على العالم اليوم”.

الإسلامُ ارتبط منذ بداياته بالصِّراع على الحكم

يقرأ أدونيس الإسلام، حسب أحمد دلباني، بوصفه تاريخاً ومُؤسَّسة وسلطة من أجل فهم حاضره على اعتبار أنه – في عمومه – عالمٌ راكدٌ لم يشهد ذلك الفصل بين الديني والدنيويّ على غرار العالم المسيحيِّ مع العلمنة الظافرة تاريخياً منذ بداية العصور الحديثة. وأضاف دلباني: “من هنا ارتباط الإسلام، إلى اليوم، بالعنف الذي هو جوهرياً أداة السلطة المركزية القائمة على احتكار الحقيقة والمعنى والقوة. لقد ارتبط الإسلامُ منذ بداياته بالصِّراع على الحكم الذي برزت فيه بصورةٍ جلية البنية القبلية وشهوة الهيمنة والمال مع ما رافق ذلك من مُمارسات عنفية كان أبرزها إقصاء الآخر وقتل المُعارضين ومُطاردة الفكر المُختلف.

في أساس المُجتمع الإسلامي الأول والدولة الإسلامية الأولى – بحسب أدونيس – فعل عنفيّ. في البدء كان الدم. في البدء كان الاغتصاب. أصبح التاريخ الإسلاميّ مُؤسَّسة لا تحبل إلا بالواحدية والتكرار ولا تتمحورُ إلا حول السلطة السياسية التي تفرضُ قراءتها الخاصة للنص المُقدَّس بما يخدمها ويُبرِّرُ توجهاتها وأفعالها”.

ولا يعترض دلباني على هذه القراءة، على اعتبار أنها لا تتعلق بالتاريخ الإسلاميّ فحسب، وإنما بواقع التاريخ الديني الإمبراطوري في عمومه. وأورد أن ارتباط الدين بالسياسة – شرقا وغربا – قلص من حضور “شهوة المطلق” ومنح شهوة السلطة سندًا سماويًا مطلقًا كي تفصحَ عن أكثر الرغبات عنفًا ودموية. وأضاف: “المُشكلة، إذًا، تكمنُ في المأسسة. تحتاجُ إرادة الهيمنة دوماً إلى مُدوَّنةٍ نصية ووثيقة إيديولوجية تبرِّرُ مشروعها. تحتاجُ إلى المُقدَّس الذي يولدُ معه العالم على إيقاع أسطورةٍ جديدة يُسفحُ فيها دمُ الآخر باعتباره قرباناً. في قراءة أدونيس لمنشأ الإسلام نوعٌ من الجينيالوجيا التاريخية التي تربطه بسياقاتٍ حضارية واقتصادية وسياسية جعلت منه نتاجاً للصِّراع على النفوذ القبلي في الجزيرة العربية أولاً وحوض المتوسط لاحقاً. وقد كانت التجارة عاملاً مهماً في ذلك كما كان هاجسُ السلطة مركزياً. ولدت الوحدانية الإسلامية باعتبارها تأسيساً للواحدية على الأرض وكانت، بذلك، تأسيساً لعالم إمبرياليّ خالٍ من التعدد الثقافي والفكري والسياسيّ. ظلت الوحدانية إيديولوجية للإمبراطورية الناشئة واغتصاباً لفسيفساء العالم الثقافية. ولكن من المهم أن نلاحظ أنَّ هذا الأمر لا يتعلق بالإسلام فحسب وإنما بكل منظومةٍ إيديولوجية شمولية لا مكان فيها للمُختلف”.

إنَّ الأسئلة التي يطرحها أدونيس ضمنياً في كتابه وتأملاته، على ما يرى أحمد دلباني، هي: هل خرج العنفُ الذي يُمارَسُ باسم الإسلام اليوم من النصوص التأسيسيَّة لهذا الدين أم من الواقع الذي يعيشه المُسلمون؟ من الرؤية التي كرَّسها الإسلام للوجود والعالم والمرأة والآخر، أم من تراجيديا التاريخ البائس الذي جعل من المُسلمين ضحايا يبحثون عن خلاصهم في التشبث بالهوية والتطهر من العالم؟

الفكر العربي مُعدّ للبدء بتأسيس

 شروط حياة مدنية جديدة

من الملاحظ أنَّ قراءة ما كتبه أدونيس تكشفُ، وفق ما جاء في كتاب “صندوق باندورا”، عن انحيازه إلى القراءة الثقافية التي تعتقدُ بوجود “خلل في الرؤية الوحدانية للإنسان والعالم” كما قرَّر ذلك في مواضع مُختلفة من مشروعه النقديّ (محاضرات الإسكندرية، دار التكوين – دمشق 2008. ص 58). وبالتالي فالفكر العربيِّ ليس مدعواً إلى أن يبحث عن “إصلاح” الرؤية الشمولية المُغلقة، حسب دلباني، وإنما عليه البدء بالتأسيس لشروط حياةٍ مدنية جديدةٍ تقطع مع اللاهوت السياسيِّ وتنفتحُ على الحقوق الفردية والجماعية والمُساواة وحقوق المرأة؛ أي باختصار ما يشكل دعامة الفكر الديمقراطي الحديث. ويطرح الأسئلة التالية: “لكن ما مدى وجاهة هذه الرؤية التي تقرأ تراجيديا الحاضر انطلاقاً من نصوص دينيَّةٍ تأسيسيَّة كالقرآن؟ هل يُمكن اختزال الحاضر بكل تعقيده في الطرح الثقافويِّ الذي يعتقدُ بقيادة الأفكار والمُعتقدات للعالم؟

هل يُمكن النظر إلى التاريخ باعتباره تراجيديا كونية تخرجُ من الكتب القديمة والنصوص التأسيسيَّة؟ وبمعنى آخر: هل يُمكن اعتبار الرؤية الدينية ونصوصها التمثيلية الكبرى صندوقَ باندورا الذي خرجت منه شرورُ العالم وكل أشكال العنف الرَّاهنة؟ من المؤكد أنَّ البشر يسلكون بمقتضى ما يعتقدون- ولو ظاهرياً- ولكنَّ هذا الأمرَ لم يعد مُقنعاً تماماً لكل من يبحثُ عن الخلفيات الحقيقيَّة للسلوك العدواني العنيف عند الإنسان وبخاصةٍ بعد فتوحات التحليل النفسي في أعماق الحياة اللاشعورية المُظلمة، وكشوف العلوم الاجتماعية حول الأطر العامة الاقتصادية والثقافية والسياسية المُولدة والحاضنة لهذا السلوك العنفي”.

ويجيب: “ما أردنا أن نقول- من خلال ما سبق- هو أنَّ التأكيد على النصوص التأسيسية لثقافةٍ ما قد لا يُساعدنا كثيرًا على فهم حاضرها المُعقد أو فهم علاقاتها المُلتبسة مع الآخر. فالنصوص لا تنتجُ التاريخ ولا يُمكن اعتبارها أسبابا أولى- بالمعنى الفلسفي الميتافيزيقي- تتحكمُ بخيوط الفوضى الكونية التي يُهيمن عليها العنف باسم الدين اليوم. النصوصُ ذاتها نتاجٌ للتاريخ ولبنياتٍ أنثروبولوجية عميقة حدَّدت مصائرَ العلاقات بين البشر ومُجمل الرموز التي ستشكل الحكايات التأسيسية لتجربة البشر في الوجود. وكون القرآن “نصاً عنيفاً جدّاً” كما يُشيرُ إلى ذلك أدونيس (العنف والإسلام، ص 48) لا يعني أنَّ الإرهاب الإسلاميَّ اليوم يستندُ إلى مرجعية القرآن بمعزل عن التاريخ الفعليِّ للمسلمين الذين ظلوا عرضة للاضطهاد والاستعمار الغربي من جهةٍ، وضحايا لاستبداد وفساد الدولة العربية الوطنية من جهةٍ أخرى. أزمنة الرَّمادة هي التي تستخدمُ القرآن للاحتجاج العنيف، أما الأزمنة الأندلسية فلا ترى فيه كتاباً عنيفاً ولا يُمكنها أن تُنتجَ “داعش”. هذا الأمرُ واضح. إنَّ ما يُفسِّرُ العنف اليوم، برأينا، ليس النص أو التاريخ القديم فحسب وإنما- وبدرجةٍ أكبر- الحاضر المُلتهب الذي لم يُحسن احتضان صبوات الفئات الأكثر هامشية ومعاناة في مُجتمعات الإقصاء والبؤس المادي والمعنوي. فالدين يبقى في بعض وجوهه ملاذاً يقي من صقيع الحياة و”قلبَ عالم بدون قلب” كما وصفه ماركس بحق”.

احتجاجٌ أعمى وصرخة أمام

فشل الحداثة السياسية

يتابع دلباني: “ربما كان العنفُ المشهدي في العالم اليوم يلبسُ العباءة الدينيَّة الإسلامية ويُصنفُ- سياسيا- في خانة الإرهاب الأعمى، وهذا صحيحٌ ظاهريا على الأقل. إلا إنَّ فهمه باعتباره ظاهرة مُعاصرة يتطلبُ، برأينا، عدمَ التوقف عند النصوص الدينيَّة التأسيسيَّة فحسب لاستنطاقها وإنما- وربما بدرجةٍ أكبر أيضا- إحاطة بمُجمل الشروط الوجودية المعقدة التي تشجعُ على انتعاش الإرهاب باعتباره احتجاجا وردودَ فعل هوجاء على تفكك الروابط التقليدية وتصدع القيم القاعدية للمُجتمع الأبوي- الذكوري في ظل هيمنة حداثة ليبرالية عرجاء لم تحسن احتضان الفئات المختلفة والنهوض ديمقراطيا بالمُجتمع التعدديِّ من خلال تنمية بشرية فعلية ومتوازنة تقطعُ مع التقاليد بصورةٍ هادئة. هذا ما يدعونا إلى أن نرى في الإرهاب المُعاصر ظاهرة تتجاوز، بكل تأكيد، منطوقَ النصوص الإسلامية التأسيسيَّة لتتجذر في أرضية العصر ومُشكلاته الاقتصادية والسياسية ومطالبه التربوية والثقافية. الإرهابُ احتجاجٌ أعمى وصرخة أمام فشل الحداثة السياسية في مُعالجة مشكلات المواطنة والوقاية من إمكان انفلات مارد الهويات الضيقة “القاتلة” من قمقمها كما يُعبِّر أمين معلوف”.

ويعتقد دلباني أنَّ السماءَ الدينيَّة الموعودة لن يكون لها ذلك البريقُ إلا إذا كانت الأرضُ كسيحة وعرجاء أمام مطالب العدالة والكرامة. ويكتب: “هذا هو الدافع الأساسُ لكل شاب إرهابيّ يطلبُ الخلاص من أرض لم يشعر أبدًا أنها “بيته”. ونستطيعُ أن نلاحظ هنا، بجلاءٍ، كيف أنَّ الدين يمثل سندًا تبريريًا كبيرًا وغطاءً إيديولوجيا يمنحُ الشرعية والقداسة للعنف الكامن في العلاقات الاجتماعية. هذا يعني أنَّ الدِّين لا يُستحضرُ لذاته، وإنما باعتباره ما يمنحُ الشرعية. إنَّ العنفَ ليس وليد الدِّين فحسب- على ما نرى- وإنما هو بالأساس وليد البنية الاجتماعية التي تفرضُ هيمنة طبقة على طبقة أخرى، أو فئة عرقية وثقافية واجتماعية على فئةٍ أخرى. فالعنفُ- بهذا المعنى- بنيويّ في كل تشكيلة اجتماعية وهو يتقنعُ بشرعية رمزية، دينية كانت أو ثقافية، من أجل أن يُعتبرَ أمرًا مقبولا ومشروعا. إنَّ درس بيير بورديو أساسيّ في هذا المجال. تكمن المُشكلة، بالتالي، في تلك اللحظة التي يتحول فيها “العنف الرمزي” إلى “عنف فعلي” أو باصطلاحات أرسطية إن شئنا في الانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وبالتالي فدعوة أدونيس إلى “إعادة التفكير في الأصول” لا يُمكنها برأينا أن تجعلنا أكثرَ فهماً لواقعنا الانفجاريّ المُعقد. إنَّ الأصول الدينيَّة والثقافية بعامة لا تُنتج الواقع الرَّاهن ولا توفر نموذجاً تفسيرياً يؤهل مقارباتنا المُختلفة كي تكونَ أقدر على إضاءة الظواهر الانفجارية بشكل جيِّد. وفي كلمةٍ: العنفُ لا يحتاجُ إلى نص يُبرِّره قدر حاجته إلى واقع يُنتجه”.

العنف ظاهرة

بشرية لا إسلامية

يستنتج دلباني أن العنفَ يمثل ظاهرة بشرية لا إسلامية. ويكتب بهذا الشأن ما يلي: “إنه ظاهرة تستدعي تأملاً أنثروبولوجياً ومُقاربات مُتعدِّدة المداخل تُدمجُ النماذج الثقافية التاريخية كي تبحثَ في جذور هذه الظاهرة التي كانت، ربما، في أصل كل تشكيلةٍ اجتماعية تتعرَّفُ على ذاتها بوصفها “هوية” من خلال فعل عُنفي يتم فيه التضحية بالآخر. هذا أصل كل مركزيةٍ ثقافية تستبعدُ المُختلف من دائرة الخلاص. والقول بأنَّ الإسلام يمثل ظاهرة عنفية نموذجية هو قول لا يحمل في ذاته إلا رواسبَ من المركزية الغربية التي أورثتنا المُفاضلة بين الثقافات والحضارات منذ الحقبة الكولونيالية العنصرية”. ويضيف أن “التطرف الديني الذي ينبع من الأصولية ليس، في جوهره، عودة إلى الدين أو “انبعاثا للمقدَّس والإله” كما يحلو للبعض أن يُعبِّر؛ وإنما هو رد فعل المجتمع التقليدي على تفككه الخاص أمام التغيرات الكبرى وغير المُسيطر عليها. التدين الشامل علامة قلق، علامة أزمة، بحثٌ عن قشة الخلاص في مُحيط عالم فقد بوصلة الاتجاه، عملية دفن لشظايا الوعي الخائب في رمال الوهم بدل التحديق في شمس اللحظة. أما بالنسبة لعالمنا العربيّ- الإسلامي فما سمَّاهُ الكثيرون “صحوة إسلامية” لم يكن إلا ردَّ فعل المجتمع العربي الذكوري- البطريركي على تدهور قِيمه الخاصة أمام حداثة الدولة العربية الأمنية التي كانت مغامرة نخبوية وغير متوازنة. لقد خرج التطرف من شقوق خرائب حداثة الدولة الوطنية العربية، وظل التدين اعتصاماً بالقيم التقليدية- لا الإسلامية بحصر المعنى- باعتباره تمسكاً بالبنية الاجتماعية السابقة على هجمة الحداثة وتفكك علاقات القوة التقليدية القائمة على الإخضاع. من هنا ذلك الانتصارُ للذكورة وقمع المرأة و”حجبها”، والانتصار لكل ما من شأنه أن يمثل شفاءً للفحولة الجريحة من فاجعة “الإخصاء” في الدولة الحديثة. هذا ما يجعلني، شخصياً، أميل إلى ترجيح كفة التاريخ على البنية في النقاش الدَّائر حول الإرهاب الحالي وعلاقته المُلتبسة بالإسلام. كما أميل إلى التحليل الذي يتجاوز كل نظر جوهرانيّ ثقافويّ كسول وعنصريّ يُفسِّرُ الواقع المُعقد وظواهره المُختلفة من خلال اتهام ثقافةٍ معينة باعتبارها مصدرًا للعنف بمعزل عن السياقات التاريخية لذلك. وهو ذاتُ الموقف النقدي الإيجابي الذي جعل المفكر الفرنسي الشهير أوليفييه روا مؤخرًا- بعد اعتداءات باريس- يتحدثُ عن “أسلمة التطرف” لا عن “تطرف الإسلام” انطلاقاً من وجهة نظر تعتبرُ التطرف ظاهرة تجد جذورها في المجتمع لا في النصوص الدينية التي تُستعاد، بطبيعة الحال، لإضفاء الشرعية على الاحتجاج الكامن لدى فئات عديدة من الشبان الذين لم يجدوا مُتنفساً كافياً للتعبير عن وجودهم وتطلعاتهم أو تأكيد حضورهم في المجتمع المُعاصر”.

الغرب… التطرّف ومديح الحدود

وبالانتقال من العالم العربي إلى الغرب يرى دلباني أنه ربما كان مناخ القلق العام اليوم من فشل الحداثة، مع ما يُصاحب ذلك من أزماتٍ كثيرة، مُحبذاً للتطرف اليمينيِّ في الغرب الأوروبي، الذي أصبح يلجأ إلى الهوية و”مديح الحدود”، كما يُشيرُ إلى ذلك عنوان كتابٍ شهير لريجيس دوبريه، فكتب أنه أصبح من الجليِّ أن نرى وجه فولتير يعلوه الشحوب وأن نرى حلمَ كونية “الأنوار” يذبل أمام الانكماش الهوياتي إزاء الآخر الذي لم تحسن مُجتمعاتُ الليبرالية المُنتصرة احتضانه مقابل قوة عمله. ويضيف: هذا التطرف اليمينيّ أصبح يجدُ له صوتاً ضمن النخب الفكرية، التي تخلّت عن اعتبار النموذج الحضاريّ الغربي كونياً وأصبحت تشكك في جدوى الانفتاح على الآخر. نفهمُ جيِّدًا هذا القلقَ العام من عالم يكتنفه العنف ويُهيمنُ عليه انهيار اليوتوبيا الخلاصية في شكلها الإيديولوجيّ الذي ظل يحلم، طيلة عقودٍ خلت، بـ”الصباحات التي تغني”.

وخلص دلباني إلى أن الدِّين لا يزال، بكل تأكيد، يطرحُ مُشكلاتٍ على المُجتمعات العلمانية، كما يقض مضجعَ المُجتمعات التي تنتعشُ فيها الأصولية الدينية بفعل فشل تجارب التحديث وانتكاس مشاريع الدولة الوطنية في القطع مع البنيات السوسيو- ثقافية بصورةٍ متوازنة وجذرية فكرياً وتربوياً وتنموياً، كما هو الأمرُ في العالم العربي- الإسلامي.

ويكتب: “لكننا نعتقدُ أنَّ “عودة المُقدَّس” في الغرب فتحت الباب واسعاً أمام ورشةٍ فكرية جديدةٍ تتمحور حول مُراجعة “ميراث الأنوار” في شكله الراديكالي الذي أفضى إلى العلمنة وطرد الدين من الفضاء العام ومن مُجمل عمليات التوليد التاريخي للمُجتمع بتعبير أركون. نشهدُ اليوم، بمعنى آخر، مُراجعة بشارة أنبياء الحداثة اللادينية: ماركس ونيتشه.

ولكنَّ إعادة التفكير في الدين في الغرب اليوم لا تعني، أبدًا، إمكانَ التخلي عن مكاسب الحداثة العقلية والحقوقية والسياسية وإنما مراجعة لمسارها وانحرافاتها التي ولدت الشمولية ورسخت طلاقَ الإنسان مع الطبيعة ونوستالجيا العلو. أما بالنسبة لنا فالأمرُ مُختلفٌ جداً. نحن نعيشُ في عالم لم يُحدث، بعدُ، قطائعه الضرورية مع التقاليد وبنيات التفكير الماضوية. عالم لم يعرف الحداثة ولم يعش حال الفطام من سيادة الماضي وهيبته ومرجعيته على كل المُستويات: ثقافية كانت أو عقلية أو اجتماعية. هذا ما جعل مُجتمعاتنا هشة أمام امتحان التجربة التاريخية التي كشفت عن فشلنا في احتضان اللحظة الحداثية المُنتصب شرطها عند منعطف الانتقال من محورية اللاهوت إلى محورية الناسوت؛ ومن جاذبية الأصل والهوية إلى شمس الآتي. ظلت الأصولية بكل أشكالها تتسربُ من شقوق تحديثنا الشكلاني. وهذا ما يجعلني أعتقدُ دائماً أنَّ تناول مشكلة الأصولية في مُجتمعنا يجبُ أن لا يحصرها في الدين بمعناه الحصري الاعتقادي، أو في المُدوَّنة الثقافية التي تمثله. لماذا؟ لأنَّ التطرف يعلنُ عن نفسه- متى توفرت الشروط الضرورية- ولو في غياب الدين والتدين المُتوحش الذي نشهد…”.

شاهد أيضاً

شاهد أدونيس:الجابري لم يقدم أي فكرة جديدة ولايوجد حاكم عربي يقرأ خطابه قراءة صحيحة!

في حوار مع إذاعة تونسية خرج فيه أدونيس أحيانا عن تحفظه، وهاجم فيه منتقديه ومتهميه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.