الرئيسية / الرئيسية / مقالات / دين / في الرد على عدنان إبراهيم حول سلسلة مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد

في الرد على عدنان إبراهيم حول سلسلة مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد

في الرد على د. عدنان إبراهيم – 1

هشام آدم
الحوار المتمدن-العدد: 3974 – 2013 / 1 / 16 – 07:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني

ظهرت على موقع اليوتيوب سلسلة مقاطع للدكتور المُجتهد عدنان إبراهيم حملت اسم (مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد) يُناقش فيها الدكتور حجج الإلحاد ويُحول تفنيدها، والحقيقة أنَّ الدكتور عدنان إبراهيم يمتلك المعرفة والثقافة الكافيتين لتُؤهله لخوض مُناقشة مثل هذا الأمر، وذلك من واقع مقاطع عديدة شاهدتها له، فالرجل مُطلِّعٌ وعلى درايةٍ جيّدة بالعلوم والفلسفات وحتى على دراية بما يُسمّى بالعلوم الدينية إلى حدّ كبير، لأنِّي لا أعتقد أنَّ ثمّة شيئًا يُسمى بالعلوم الدينية، فهي لا تمت للعلم التجريبي التطبيقي بأيّ صلّة، إلّا إذا استثنينا علم التجويد والذي أراه أقرب ما يكون إلى علم الأصوات Phonetics أو كأنها أحد تطبيقاتها. ولكن توقفتُ عند اختيار الدكتور عدنان لهذا العنوان لسلسلته، فاختياره لعبارة “زجاج الإلحاد” فيه دلالة على هشاشة الفكر الإلحادي، ولا أدري ما الداعي لاستخدام “مطرقة” لكسر الزجاج، إلّا أن يكون الأمر من نوع تفخيم البرهان في مقابل تبخيس البرهان المُقابل، وهو شيء لا نملك أن نناقشه، لأنّه مما يقع في خانة (وجهة النظر) التي لابد أن تُحترم. وفي اعتقادي، قد أخطأ الدكتور عدنان إبراهيم في منهج البحث حول هذه المسألة تنازليًا، أعني بدء البحث من فكرة الإله الخالق نزولًا إلى البحث عن صحّة الأديان، لأن فكرة الخالق هي في أساسها فكرة ميتافيزيقية تعتبر من الغيبيات، ولا أحد يمتلك “أدلة” قاطعةً حولها، سواءٌ من المؤمنين أو من المُلحدين، ولا يُمكن التدليل على الأمور الميتافيزيقية، وهو ما أشار إليه الدكتور عدنان نفسه في المقطع الثالث عندما أكّد على عدم إمكانية البرهنة على الإيمان بشكل كُلِّي، فليس هنالك “دليل” قاطع يُمكن أن يُقدّم على إمكانية البعث والحساب مثلًا، فهذه من الغيبيات. عمومًا سأحاول في هذا المقال، والذي أعتقد أنّه سيكون مقالًا مطولًا، سأحاول مُناقشة ما جاء في سلسلة الدكتور عدنان إبراهيم وتفنيد ما تعرّض له نقطة نقطة قدر الإمكان.

في المقاطع الأولى لسلسلته تطرَّق الدكتور عدنان إبراهيم إلى آراء الفلاسفة والمُفكرين القدامى والمُحدثين حول الإلحاد وتعريفاته، والحقيقة أنَّ الإلحاد ليس له تعريف واضحٌ ومُحدد يُمكن الركون إليه بقناعةٍ كاملةٍ، وهو ما يجعل مُناقشة قضايا الإلحاد صعبةً للغاية، وأعتقد أنَّ الدكتور عدنان إبراهيم أخطأ، كغيره، في وضع اللبنة الأساسية في مُناقشة الإلحاد، حيث عرَّف الإلحاد على أنّه (إنكارٌ لوجود إله) أو (الإيمان بعدم وجود إله) وهو ما استقر عليه رأيّه من مُجمل التعريفات التي ساقها، وهذه واحدة من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون عند محاولتهم لمُناقشة الإلحاد، فالواقع أنَّ الإلحاد لا يعني أبدًا إنكارًا لوجود إله، ولا حتى الإيمان بعدم وجوده. ولكي نفهم الأمر بشيء من التبسيط، فإنه يتوجب علينا أولًا أن نعرف (ما هو الإيمان؟) حتى نستطيع فهم الإلحاد بطريقة هي الأقرب إلى الصحّة والصواب، فالإيمان هو اليقين الكامل، والقناعة الكاملة بوجود إله، فإن كان هذا التعريف صحيحًا، فإنَّ عكسه هو الإلحاد، ولكننا نخفق غالبًا في تحديد عكس الإيمان؛ فما هو عكس الإيمان بشيء؟ إنَّ عكس الإيمان بالشيء هو عدم الإيمان به، وليس الإيمان بعدمه، لأنَّ عكس الإيمان هو عدم الإيمان وهو اللايقين أو اللاقناعة وهو ما يعني التشكيك، فعكس المُتيّقن هو المُتشكك، وعلى هذا فإن اللاأدريين والذين يُعتبرون في نظر كثير من المُؤمنين مُتشككين في وجود أو عدم وجود الإله، هم في الحقيقة مُلحدون بالنسبة إليّهم، لأنَّ الإيمان بالإله حسب المفهوم الديني يتطلب اليقين الكامل، وهو ما لا يتوفر إلّا عند المُؤمنين.

عندما أقول: “أنا أؤمن بقدرتي على تحقيق النصر.” فإنّ عكس هذه الجُملة تمامًا، هو: “أنا لا أؤمن بقدرتي على تحقيق النصر.” ولكنها ليست متساوية بأيِّ حالٍ من الأحوال لقولي: “أنا أؤمن بعدم قدرتي على تحقيق النصر.” لماذا؟ لأنَّ الإيمان بعدم القدرة ينفي القدّرة، بينما عدم الإيمان بالقدرة، لا ينفيها، وإنما يضع تشككات حول كفاءة هذه القدرة على تحقيق النصر. فصاحب الجُملة الأولى مُتشكك في قدرته على تحقيق النصر، بينما صاحب الجُملة الثانية متأكد من عدم قدرته على تحقيق النصر. والأمر ذاته ينطبق على مسألة الإلحاد، فعندما نقول إنَّ الإلحاد هو (الإيمان بعدم وجود إله) فهذا نفي قاطع يتطلب دليلًا قاطعًا، وهو ما لا يمتلكه أيّ مُلحد، ومثله الإيمان بوجود إله، فهي جُملة قاطعة تتطلَّب دليلًا قاطعًا، وهو ما لا يمتلكه المُؤمن، وسوف نرى خلال هذا المقال أنََّ ما أورده الدكتور عدنان إبراهيم لا يُمكن أن تكون “أدلة” بأيّ حالٍ من الأحوال، على أنَّه من الهام جدًا أن نفهم أنَّ هذه التشكيكية مُختصَّةٌ بالإله الخالق، وليس بالأرباب الدينية أو التصوّرات الدينية عن الإله، وهو ما يُمكن أن نقدّم له حججًا وأدلة قوية وقاطعة، إلّا أن يقف الإيمان حائلًا دون تصديقها والقبول بها، وسيأتي الكلام عن ذلك في وقته وحينه.

إذن فالإلحاد هو (عدم الإيمان بوجود إله) وبمعنى آخر (هو التشكيك في وجود إله) ومن الممكن لأيَّ شخص يمتلك حصافةً لغوية وفلسفية أن يعي تمامًا الفارق الكبير بين التعريفين الذين أوردتهما والتعريفين اللذين أوردهما الدكتور عدنان إبراهيم، لأنَّ قضية وجود أو عدم وجود إله خالق هي قضية غيبية بالكامل، وبالتالي لا يُوجد مُلحد على وجه الأرض مًتيقن تمامًا من عدم وجوده، كما أنّه لا يوجد مؤمن واحد على وجه الأرض مُتيقن تمامًا من وجوده، ولقد ناقشتُ هذا الأمر في مقالٍ سابقٍ لي بعنوان (خطوات مادية نحو تفكيك الإيمان) ووصلتُ في ذلك المقال إلى خلاصة مُفادها أنّ الإيمان، كما أعرفه وكما أرتضيه، هو مُجرّد إحساس قوي بوجود إله، أو بضرورة وجوده، ولكن لا توجد أدلة قاطعة على هذا الإحساس، وهو ما تطرّق إليه الدكتور عدنان إبراهيم في المقطع الثالث عندما أشار إلى مسألة (الحدس) أو ما أسماه بنور القلب وعلاقته بالإيمان، وكذلك في المقطع الأول من سلسلته عندما تكلّم عن “المُعلل” و “المُدلل” فإيمان المُؤمنين هو إيمان مُعلل؛ إذ أنّه يقوم على “عوامل” لا على “أدلة”، وهو عندما تكلّم عن ذلك كان يقصد تمامًا القول بأنّ إلحاد المُلحدين هو مُعلل، وضمنيًا أراد القول بأنّ إيمان المؤمنين فقط هو المُدلل. فماذا يعني لنا الدليل؟ ما هي فكرة الدليل؟

عندما يشك أحدنا في صحّة نسبه إلى أبيه، فإننا يُمكن أن نعتمد على عوامل أو حجج كثيرة: التشابه في الشكل، التشابه في بعض السلوكيات، وبصورة عامة التشابهات أو التقاطعات بين السمات العامة والخاصة بين الابن وأبيه، ولكن هل يُمكن اعتبار هذه التشابهات دليلًا قاطعًا على صحّة نسب الابن لأبيه؟ هل يُمكن أن يكون ذلك من النوع المُعلل أم المُدلل؟ في نظري فإنني أعتبر ذلك من قبيل المُعلل، حتى وإنّ كانت تقترب إلى الصحّة، كأن يكون الابن مُشابهًا لوالده في طريقة مشيه، وطريقة أكله، وحتى في طريقة نومه، ومُشابهًا له في ميوله واهتماماته، وبقدر ما أنَّ هذه التشابهات تحمل نتائج استدلالية يُمكن الاعتماد عليها في صحّة النسب؛ إلّا أنّها تظل في النهاية مُجرّد استنباطات لا تحل محل الحقيقة مطلقًا، بدليل تشابه كثير من البشر حتى دون أن تكون بينهم أيّ صلة قرابة، ومن هنا جاء المثل الشعبي السائد “يخلق من الشبه أربعين” والأمر هنا لا يقتصر على التشابهات الشكلية؛ بل يتعداه إلى التشابه في طريقة الكلام والضحك وفي الميول والاهتمامات وغيرها كثير، في حين أنّ نتيجة فحص الحمض النووي DNA مثلًا هو ما قد يُعتبر “دليلًا” على صحّة أو عدم صحّة النسب، وهو الوحيد الذي يُمكن أن نقول إنه مُدلل، فهو دليل قاطع، ولابد أنّ القارئ الكريم قد وقف على الفارق الجوهري الكبير بين المُعلل والمُدلل بين العمليتين، فالمُعلل هنا يقوم على استنتاجات استنباطية، والاستنباط في حدّ ذاته ليس دليلًا، ولكنها قد تكون إشارات تقريبية، فالتشابهات بين الابن والأب سوف تفقد أيّ قيمة استدلالية لها في حال كانت نتيجة فحص الحمض النووي سلبية، ولكنها قد تكون تعضيدية في حال كانت نتيجة فحص الحمض النووي إيجابية، وفي هذه الحالة فإن “الدليل” لا يحتاج إيَّ استنتاجات تعضيدية، بينما “الاستنباط” يظل دائًما بحاجة إلى دليل يُؤكد صحّتها.

عمومًا .. تطرَّق الدكتور عدنان إبراهيم إلى مقولة سيجموند فرويد التي حاول بها التدليل على أنّ فكرة الإله هي فكرة بشرية من اختراع الإنسان البدائي، وشمل هذه المقولة بنبرة من السُخرية، ثمّ أعقبها برد المُفكِّر المُسلم علي عزت بيجوفيتش (أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك بعد الحرب) بتساؤل أعتبره منطقيًا ومُفحمًا: “إذن فلماذا ظل الناس يخلقون آلهاتهم حتى في عصور العلم؟” وكانت النتيجة التي أراد الدكتور عدنان إبراهيم الوصول إليها في الرد على مقولة سيجموند فرويد: لا يُمكن أن يكون استنتاج فرويد صحيحًا، لأنّه إذا كان الإنسان البدائي هو الذي اخترع فكرة الإله بسبب جهله، فلماذا يُصر كثير من الناس، حتى في عصور العلم على الإيمان بآلهات؟ وهو تساؤل يُذكرني، بطريقةٍ أو بأخرى، بتساؤلات البعض، في معرض انتقادهم لنظرية التطور: “ولماذا لم تتطوّر القردة الحديثة لتصبح إنسانًا؟”(!) وخلال ذلك قام الدكتور عدنان إبراهيم بعرض إحصائيات حاول التدليل بها على وفرة المُؤمنين في مقابل ندرة المُلحدين، ولم يكن دقيقًا في إحصائياته، لأسباب كثيرة، فآخر الإحصائيات تُؤكد على أنّ عدد المُلحدين بلغ المليار نسمة تقريبًا، حسب إحصائية نشرتها قناة العربية الإخبارية، والعدد قد يكون أكبر من ذلك بكثير؛ لاسيما إن وضعنا في اعتبارنا صعوبة حصر عدد المُلحدين لأسباب كثيرة جدًا، معظمها مُتعلق بصعوبة تصريح المُلحدين عن إلحادهم إمَّا لاعتبارات اجتماعية أو سياسية أو دينية، فالمُلحدون؛ لاسيما في الدول الإسلامية أو العربية، يعانون من اضطهاد لا يُمكن أن ينكره أحد، وليس من السهولة أن يصرح الملحد بإلحاده في دولة إسلامية مثلًا، وهذا يجعل أمر حصر عدد الملحدين حول العالم في غاية الصعوبة، وبالتالي فإنَّه يتم احتساب عدد كبير من المُلحدين على أنّهم مسلمين أو مسيحيين، في حين أنهم ليسوا كذلك، دون أن ننسى كذلك المُلحدين الذين لا يهتمون كثيرًا بمسألة التصريح بقناعاتهم الإلحادية لموقفهم الشخصي الخاص من هذه المسألة، لأنَّ ثمّة عددًا وافرًا من المُلحدين يعتقدون بأنَّ الإلحاد مسألة شخصية لا يجب السؤال أو الكشف عنه، فهم غير مُهتمين بذلك على الإطلاق.

على أنّ فكرة الاعتماد على الإحصائيات لا يعني أيّ شيء على الإطلاق، فحتى ولو كانت الإحصائيات التي اعتمد عليها الدكتور عدنان إبراهيم صحيحة (2.5%) فإن هذا لا يُمكن أن يعتبر دليلًا يُستند إليه في صحّة الإيمان وعدم صحّة الإلحاد، ففي الوقت الذي كانت فيه جميع البشرية مُؤمنة بأنَّ الأرض ثابتة وبأنها مركز الكون، وبأنَّ الشمس والقمر يدوران حولها، كان هنالك قلّة (يُعدّون على أصابع اليد الواحدة) تعتقد بعكس ذلك، وفي نهاية الأمر اتضح أنَّ هؤلاء القلّة القليلة جدّا هم من كانوا على صواب.

وإذا نظرنا لمسألة (لماذا ظل الناس يعتقدون بالآلهات حتى في عصور العلم) فإننا سنجد تجاهلًا واضحًا إلى الاضطرادية التي تتزامن بين تقدّم العلوم وزيادة عدد المُلحدين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا ننسى تأثير العُرف والسائد على البشرية، لأنَّ الأديان تحوّلت من مُجرّد ثقافة إلى هويَّة في كثير من البلدان، فيُصبح عندها التخلّص من الأديان مساويًا إلى التخلّص من الهوية والانسلاخ عنها، وهو أمر يصعب على كثيرين احتماله أو حتى مُجاراته، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يرغب في الشعور بأنه مُنعزل عن مجتمعه، ومخالف لهم. ومن ناحيةٍ أخرى كذلك، فإنَّ سطوة العُرف المُمتد إلى عشرات الآلاف من السنوات لا يُمكن أن يتوقع إزالته بقفزة واحدة، مهما كانت تلك القفزة قوية ومُؤثرة، وإنما يتطلب الأمر وقتًا طويلًا، ربما بقدر ما أخذت فكرة الإله بالنضوج والترسخ في الأذهان، ولهذا فإننا نجد في كثير من الدول التي تسود فيها ثقافة ختان الإناث تأثير هذه الثقافة ذات الجذور التاريخية العميقة، رغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها بعض منظمات المجتمع المدني والهيئات والمنظمات الدولية في توعية الناس بمخاطر هذه العادة، وسعيهم الحثيث لإزالتها، فلا نتوقع أن تزول هذه العادة السيئة بين عشية أو ضحاها لمّجرَّد أنَّ مجموعة من النساء المُستنيرات أقمن مُؤتمرًا أو مُؤتمرين أو حتى عشرين مُؤتمرًا لمحاربة هذه العادة والتوعية بمخاطرها، فبالتأكيد سوف تظل هذه العادة موجودة، ولكنها حتمًا ستختفي بالتدريج، ربما بذات التدريج الذي تطلبه نشوء هذه العادة منذ البداية.

وكما أخطأ الدكتور عدنان إبراهيم في تعريف الإلحاد، وهو خطأ يقوم عليه مُجمل دفوعاته التالية، فقد أخطأ كذلك في اعتبار أنَّ الإلحاد عبارة عن مذاهب ومدارس كثيرة ومُتعددة، وكثيرون يعتقدون أنَّ صعوبة وضع تعريف محدد للإلحاد ناجمة في أساسها من تطوّر الإلحاد عبر الزمن سواء بتطوّر مفهوم الإله، أو حتى بتطوّر العلوم، وهذا الأمر غير دقيق على الإطلاق، فالإلحاد ليس مدرسة فكرية أو مذهب فكري، بل هو موقف فكري، وعلى هذا فهي مواقف فكرية متعددة، وليست مدارس أو مذاهب فكرية متعددية، لأنَّ الإلحاد في أساسه هو ضدّ المذهبية وضد الأدلجة الفكرية، لأنَّه ضدّ القداسة والتقديس بجميع أشكاله، وهو جانب مهم جدًا لا ينتبه إليه حتى كثير من الملاحدة، وربما أشرتُ إلى شيء من هذا في مقالي (مقاربات نحو مفهوم الإلحاد) وما عرفته البشرية عبر العصور والأزمنة من مظاهر إلحادية يكون في الغالب من قبيل الصراع الأيديولوجي الإقصائي، فالمُؤمنون على الدوام اعتادوا وصم مخالفيهم في العقيدة بأنهم “ملاحدة” ولكن هذا الوصم لم يكن يعني الإلحاد كموقف فكري، بقدر ما كان يعني كموقف معارض، ولهذا فإنهم لم يكونوا يُفرّقون بين مصطلحات مثل: مُلحد، زنديق، مُهرطق، مُجدّف، ومن بين هؤلاء من كانت لديهم نزعات إيمانية في الأصل، ولهذا فإن الخلط حدث في أساسه من إطلاق النعوت الخاطئة على المعارضين والمخالفين، فالإلحاد ليس هرطقة ولا تجديف ولا زندقة إلّا من وجهات النظر الإيمانية، ومن الظلم أن نجعل الإيمان قيّمًا على الإلحاد؛ لاسيما وأنهما يقفان على موقف النقيض والضد، ففي حين أنّ الإيمان هو اليقين (من وجهة نظر المؤمنين) فإنَّ الإلحاد هو (اللايقين)، ولكنه لا يُمكن أن يكون (يقينًا مُضادًا)، وهذا التفريق هام جدًا في أيّ محاولة لتناول الإلحاد ونقده.

الأمر أشبه بأن تكون مُعارضًا لنظام حكومي ما، وفي الوقت ذاته ألا تكون منتميًا أيديولوجيًا إلى حزب مُعارض. فأنا قد أرفض النظام، ولكن رفض النظام (رغم أنّه يضعني مباشرة في خانة “المُعارضة”) إلّا أنّ ذلك لا يعني بالضرورة انتمائي إلى حزب معارض بعينه، فأكون عندها إنسانًا صاحب (موقف سياسي) ولا أفهم أيّ سبب يجعلني مُؤدلجًا حسب هذا التعريف. فالإلحاد موقف فكري، وهذه ليست أيديولوجيا حتى تكون لها مذاهب ومدارس؛ حسب المفهوم المعرفي والأكاديمي؛ بل هي مجموعة من المواقف، تمامًا كما قد يكون هنالك اختلافات في المواقف السياسية، فهنالك إنسان يرفض النظام ولكنه يرفض التغيير العسكري الدموي، وهنالك آخر يرى أنَّ إسقاط النظام بالطرق العسكرية هو الوسيلة الأنجع، وآخر يرفض النظام ولكنه يرى بضرورة إصلاحات داخل النظام نفسه ووو إلخ، فهي كلّها مواقف سياسية لا يجب أن تعني الأدلجة أو الانتماء لحزب بعينه.

تطرّق الدكتور عدنان إبراهيم في المقطع الثاني من سلسلته إلى تصنيفات أفلاطون للإلحاد والمُلحدين التي ذكرها في كتابه (القوانين)، ومن ضمن تصنيفاته: (1) إلحاد الألوهية، وهو ما أوضحه الدكتور إبراهيم حسب تعريفه (إنكار وجود الإله) ولقد عرفنا في المقال الأول أنَّ هذا التعريف خاطئ تمامًا، (2) إلحاد الربوبية أو العناية الربانية (3) إلحاد القرابين، والإلحاد الثاني هو الرأي الذي يقوم على أنَّ الإله الخالق خلق الكون ثم تراجع ولم يُتمم عمله، ولا يتدخل مباشرة في إدارة هذا الكون وليس جزءًا من نظامه الداخلي، أو كونه ليس مهتمًا بالجزئيات، ويرى أفلاطون أنّ هذا الإلحاد يسم الإله بأنَّه إله كسول لأنَّه لم يُتم عمله، لأنَّ علامة الاتقان هي الإتمام، ويتفق الدكتور عدنان إبراهيم مع رأي أفلاطون هذا، وبالتالي فإنَّه يُؤمن بأنَّ الإله الخالق يتدخل بشكل مُباشر في الكون والظواهر، لأنَّ هذا من تمام عمله، وهو لديه رغبة في الاتصال بالعالم وبالبشر، وكان لابد أن يكون هذا هو موقفه، وإلّا لما كان مُؤمنًا مُسلمًا، ولهذا قال في محاضرته، ما معناه، إنَّ الملحد من هذا النوع، بالضرورة هو كافر بالرسالات والنبوات والأديان، والعكس هنا صحيح تمامًا، فمن يعتقد بمسألة العناية الربانية فهو مُؤمن بالضرورة، ولكن المُعضلة في هذا الموقف هو أنَّ الإله سوف يكون مسؤولًا مسؤوليةً أخلاقيةً عن أيّ ظاهرةٍ طبيعيةٍ حدثت أو ستحدث، لأنّه بتبنيه لموقف العناية الربانية يقف ضد موقف الإلحاد الطبيعي Naturalism القائل بأنَّ الطبيعة تُفسّر نفسها بنفسها، ولا تحتاج إلى أيّ تفسيرات خارجية، لأنَّها ستكون فرضيات زائدة عند ذلك. والطبيعة مُحايدة تمامًا تجاه البشر وتجاه الكائنات جميعًا، فعندما يثور بركان، فإنَّه يثور بصرف النظر عن المآلات الكارثية التي سوف تتعرَّض لها الكائنات الحيّة، فالطبيعة عمياء، والظواهر الطبيعية عمياء كذلك، وهي لا تتعامل بعاطفية أو أخلاقية تجاه الكائنات أو حتى تجاه نفسها، فهل الإله مسؤولٌ فعلًا عن الكوارث الطبيعية التي يروح ضحيتها آلالاف البشر والكائنات الحيّة؟ هل هو مسؤولٌ عن الأعاصير والزلازل والبراكين والتسونامي والمجاعات والفيضانات؟ كيف يُمكن اعتبار هذه الظواهر الكارثية من تمام صنعة الإله؛ وليس عيبًا فيها؟

يُؤمن الدكتور عدنان إبراهيم بضرورة العناية الربانية، وأنَّ من كمال إتقان العمل إتمامه، فهل الإله أتمّ صنعه على الوجه الأكمل برأيه؟ عند هذا الحد يكون المؤمنون مطالبون بتحديد موقف الإله الذي يُؤمنون بوجوده من كل الكوارث الطبيعية التي تعتبر خللًا في صُنعه، وليس كمالًا له بأي وجه من الأوجه، فالزلازل، مثلًا، تحدث نتيجةً لخلل في قشرة الأرض الضعيفة وغير المُتماسكة، فلماذا جعلها الإله على هذا الشكل، وهو يعلم أنَّ هنالك كائنات (ومن بينها البُشر المُدللون عنده) يقطنون فوق هذه الأرض؟ الحركة التكتونية للقشرة الأرضية والتي أدت في نهايتها إلى انفصال القارات كانت لها نتائج كارثية على الكائنات في ذلك الوقت، الثقوب السوداء التي تملأ الكون ألا تعد أحد العيوب في صناعة الإله؟ النيازك الطائشة التي يعج بها هذا الكون أليس عيبًا في صناعة الإله؟ وهنالك مئات النيازك التي تضرب كوكبنا يوميًا، ولكنها تحترق وتذوي قبل أن تصل إلينا، وهنالك نيازك أخرى كبيرة ضربت كوكبنا، وكان لها تأثيرات كارثية جدًا، فأين الإتقان، وأين العناية؟ وإذا نظرنا للأمر من زاوية بيولوجية محضة، فإن إمكانية الإصابة بالأمراض قد يُمكن اعتبارها خللًا في صناعة الإله، وتمامًا مثل ذلك التشوهات الخلقية التي يُولد بها كثير من الأطفال، والتي لا ترتبط بالوراثة أو بأيّ عوامل بشرية أخرى، والتوائم الملتصقين، والطفرات الجينية التي تحدث تشوهات لا معنى لها، كزيادة عدد أصابع اليدين أو الرجلين، فمن المسؤول عن مثل هذه الظواهر: الإله أم الطبيعة؟ إذا كان الإله يتدخل في الكون وفي مصائر الكائنات؛ لاسيما الإنسان، فهل يُمكن اعتباره مسؤولًا عن مثل هذه الظواهر؟ وسوف نأتي لهذا بشيء من التفصيل عندما نتكلّم عن نقد رهان النظم الذي يُقدّمه الدكتور عدنان في سلسلته.

تكلّم عدنان إبراهيم عن (إلحاد القرابين) حسب تصنيف أفلاطون، والذي أعتبر أنَّ الإله بحاجة إلى أنَّ نقدّم لها القرابين إمّا لدفع الضرر أو جلب المصلحة، وشبّه ذلك بالقاضي الذي يبيع ضميره، ولكنّه، أي الدكتور عدنان، يقف موقفًا متسامحًا مع هذا النوع من الإلحاد، ويتعجب من تصنيف أفلاطون هذا، لأنَّ غالبية الأديان تميل إلى تقديم القرابين والأضحيات، ورغم أنَّه لا ينفي أن تكون هنالك أديان تتعاطى مع فكرة القرابين هذه بدافع براجماتي يُسيء إلى الذات الإلهية، إلّا أنَّه في الوقت ذاته ينفي أن يكون مفهوم القرابين الإسلامي مُشابهًا لأيّ من هذه المفاهيم الأخرى، ويستشهد في ذلك بقوله: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين}(الحج:37) وهو بذلك يرى أنَّ مفهوم القرابين الإسلامي مختلف مثلًا عن مفهوم القرابين في اليهودية التي تصوّر الإله على أنّه يتلذذ برائحة الشواء، والحقيقة أنّه قريب جدًا من مفهوم إسلامي آخر نقرؤه في قوله: “عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك” فالله الإسلامي يتلذذ حسيًا من رائحة فم الصائم كما يتلذذ الإله اليهودي حسيًا من رائحة شواء القرابين، فما الفارق؟

إنَّ فكرة تقديم القرابين إلى الإله لطلب رضاه وتجنّب سخطه هي فكرة قديمة جدًا*، ووجدت أوّل ما وجدت في الديانات الوثنية القديمة، ومن المُستغرب جدًا، أن يتم تبني هذه الفكرة في الأديان الأكثر حداثة؛ لاسيما وأنّها تدعي أنّها سماوية، فإذا لم يكن الإله مُحتاجًا إلى جلودها ولا إلى لحومها، فلماذا الأمر بذبحها أصلًا؟ يُقدّم لنا الدكتور عدنان الإجابة على الطريقة الإسلامية من واقع الآية القرآنية {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}(الحج:36) إذن فالفكرة من القرابين هي إطعام الجائع والفقير، فهل لهذا كانت شعيرة؟ فالطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة شعيرة من شعائر الحج، وإن لم يقم الحاج بهما لم يُقبل منه حجّه، ولهذا نقرأ {إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما}(البقرة:158) ومن المعلوم أن الإله الإسلامي يأمر بالصدقات والإحسان للفقراء والمساكين، ولكن هذه ليست شعائر، ولا يُمكن إقران هذا الفعل بفعل الأضحية كشعيرة من شعائر الحج، ولو كان الأمر بالأضحية من باب الصدقة لما تمّ إقرانها بشعائر الحج، بل اكتفى بالحث عليها في غيرها من الأزمنة، وليس فقط في الحج مقصورة؛ لاسيما وأنَّ الفقه الإسلامي يحتوي على زكاة الأنعام، ولها مقدار ونصاب معلوم، وإذا حاولنا فهم قوله {ولكن يناله التقوى منكم} في سياق الآية نفسها، فإننا نجدها بمعنى (الرضوخ) لهذا الفعل وارتضائه كشعيرة مأمور بها من الله، فالفكرة الأساسية هنا إظهار الرضوخ لأوامر الله، وليس أكثر من ذلك ولا أقل، وتلذذ الإله الإسلامي برائحة فم الصائم يأتي كذلك من الباب ذاته، والرضا والفرح بما يفعله الإنسان من أجله.

في بعض الثقافات والديانات الأخرى، يتم إحراق هذه الأضاحي والقرابين، وجاء الإسلام ليختلف عن هذه الشرائع ويأمر الناس بالأكل من هذه الأضاحي والقرابين عوضًا عن إهدارها بالحرق. فإن سألنا: إذا كان الله لا يناله لحوم الأضاحي فلماذا أمرنا بتقديم الأضاحي؟ فإن الإجابة ستكون للأكل منها وإطعام الفقراء والمساكين. حسنًا، فإننا بالعادة، وكل يوم تقريبًا، نذبح الأنعام لنأكل منها، ولنطعم منها الفقراء والمساكين، فهل يُمكننا اعتبراها قرابين لله؟ الإجابة المُتسقة هي: لا، لأنَّ مفهوم الأضحية مرتبط بتوقيت مُحدد وهو الحج، وهو ما يجعلنا نقول: إنَّ فكرة الأضاحي في الحج ليس لها أيّ تفسير آخر غير التفسير الوثني القديم؛ لاسيما إذا عرفنا كذلك أنَّ العرب، قبل الإسلام، كانوا يُقدّمون القرابين لآلهاتهم في شهور الحج المعلومة، فالحج ليس صنعة إسلامية خالصة. إضافة إلى ذلك فإن فقر الفقراء ليس مُرتبطًا بتوقيت مُحدد، حتى يتم ربط التصدّق بهذه اللحوم بهذا التوقيت أو تحديد الأضحية بالضأن وليس بالجمال أو الأبقار أو الغزلان مثلًا، فالجمال أغزر لحمًا، والغزال ألذ طعمًا. المسألة هنا ليست مُتعلقة بالإطعام، فالإطعام هنا نتيجة لاحقة، ولكن الأصل هو القيام بهذا الفعل لإظهار الرضوخ، والرضوخ يُفرح الإله، ويُسعده، ويجلب رضاه ويدفعه سخطه، وهو تمام الفكرة الوثنية بعينها.

قلتُ إنَّ الدكتور عدنان إبراهيم تجاهل الإلحاد من حيث هو موقف فكري، ولكن وللأمانة فإنَّه ذكر ذلك في المقطع الثاني، ولكنه حتى عندما فعل ذلك أقرن هذا المفهوم بالتعريف المُخل والمخطئ، وهو “إنكار وجود الإله” كما تطرّق الدكتور عدنان إلى مقولة بارون دولباخ (Baron d Holbach) التي ذكرها في كتابه (نظام الطبيعة) بأنَّ الإنسان يُولد على الإلحاد، وبأنَّ الإلحاد هي فطرة الإنسان، ووافقه عليها كذلك جون سميث، وقد تناول الدكتور عدنان هذه المقولة بالتسخيف، والاستنكار، وقال بأنَّ الإنسان يولد “خلوًا” أيّ لا مُؤمنًا ولا مُلحدًا، وقال إن الأقرب إلى الدقة هو قولنا أنّه يولد “لاأدريًا” وهنا يتضح لنا تمامًا الأهمية التي أشرتُ إليها في إيضاح فكرة الإلحاد في مقابل الإيمان، فإنَّ قول دولباخ لا يعني إطلاقًا بالإلحاد ذلك المذهب أو المدرسة الفكرية، لأنَّ الطفل أساسًا لا يمتلك الإدراك والوعي الكافيين اللذين يجعلانه مُؤهلًا لاتخاذ أيّ موقف أيديولوجي من أيّ فكرة، وعلى هذا فهو لا يُمكن أن يكون لاأدريًا، وهو ما عاد واعترف به الدكتور عدنان إبراهيم في الحلقة الثالثة من سلسلته عندما تكلّم عن اللاأدرية في مقارنته مع البيرونية أو الأثاراكسيا (Peace of Mind) وقال حرفًا: “لأنَّ اللاأدري قد يكون قد بذل جهدًا عقليًا جبّارًا، وفي النهاية بلغ في نقطة المنتصف، وقال: المسائل متكافئة. لا أعرف” فمن أين للطفل الصغير القدرة على بذل الجهد العقلي للوصول إلى هذه النتيجة؟

لكن دولباخ قصد أنّ الإنسان يولد “خلوًا” فعلًا، ولكن ليس حسب المفهوم الذي قدّمه عدنان إبراهيم، فالخلو هنا لا يُعادل اللاأدرية أبدًا. وأزعم أنّه كان يعني بذلك أنَّ الإنسان سوف يكون خاليًا تمامًا من أيّ فكرة عن الإله، وأنّه إن لم يتعرّض لأي تلقين معرفي خارجي، فإنَّه سوف يكون في نظرنا نحن (كمجتمعات متدينة) مُلحدًا، باعتبار أنّه لا يملك أيّ فكرة عن الإله، ولا أيّ تصوّرات عنه، كما أنّه لن يكون قادرًا على الربط بين مجموعة الظواهر وبين قوى غيبية حسب التوصيفات الدينية لها، وفي الغالب فإنه قد يلجأ، كما لجأ الإنسان الأول، إلى وضع افتراضات لا تخلو من عدم القدرة على الفصل بين القيم والمُجسّدات، وهو تمام ما قصده الدكتور عدنان إبراهيم بقوله: الإنسان يُولد ولديه “استعداد” للإيمان، أو لديه “استعداد” للبحث عن الإله.

وهو أمر طبيعي للغاية في حال عدم توفر المعرفة التي تساعده على تفسير الظواهر الطبيعية، فالإنسان في الحقيقة يُولد ولديه استعداد (ليس للإيمان) ولكن للبحث والمعرفة، لأنّه كائن يمتاز بالفضول المعرفي، وهو ما تفتقر إليه بقية الكائنات الحيّة بنسب متفاوتة، ولهذا فإنَّ أيّ كائن لن يتمكن فعلًا من أن يُصبح فيلسوفًا أو عالم رياضيات، كما أنَّها لن تمتلك القدرة على الإيمان، ولكن هذا ما يتعارض مع المقولات الدينية التي تُصر على وجود علاقة لاهوتية بين الكون وبين الإله الخالق، وهذا ما أقرّ به الدكتور عدنان إبراهيم، وحاول التدليل بذلك على “الملائكة” الذين لا يعرفون الإيمان، ولكنهم مخلوقات مأمورة أو مجبولة على العبادة دون الإيمان، حيث أنّها لا تمتلك الوعي الإدراكي الذي يُؤهلها للخوض في مسائل الإيمان والحاجة إلى البحث عن إله، وبطبيعة الحال فإننا لا نملك أيّ معلومات مُؤكدة عن الملائكة إلّا فيما جاءت في الكُتب المُقدّسة، فلا يُمكننا الحديث عنها، ولكن هذا قد يدفعنا للتساؤل عن إمكانية تعارض ذلك مع مبدأ العدالة الإلهية: فهل من العدالة الإلهية أن يخلق كائنات ويجبلها على عبادته دون أن يكون لديها حريّة الاختيار؟ ما هي حاجة الإله لمثل هذه العبادة الإجبارية المفتقرة إلى أبسط مقومات الحرية والاختيار؟

على أنّه لدينا معلومات من مصادر دينية تُؤكد أيضًا أن بعض الكائنات الحيّة وغير الحيّة لها نزعات إيمانية صريحة، وفي ذلك نقرأ قول القرآن: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا}(الإسراء:44) وقد يقول قائل، بأنَّ هذا من ضرب العبادة الجبليِّة التي لا تحتاج إلى الوعي والإرادة، ولكن دعونا نقرأ هنا: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين}(فصلت:11) ونلاحظ في هذه الآية امتلاك السماء والأرض يمتلكان وعيًا وإرادة حرّة تمكنهما من القبول والرفض، كذلك قوله: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون}(النمل:24) وهذه الآية الأخيرة على لسان الهُدد في قصة النبي سليمان، ومن الواضح أنَّ الهدهد يعرف الله الحق المستحق للعبادة، ويمتلك قدرًا من الوعي اللاهوتي الذي يجعله يستهجن فكرة أن يعبد الناس الشمس من دون الله، ولديه معرفة بعمل الشيطان الإغوائي في الصد عن سبيل الله، فمن أين أتت بهذه المعرفة المُختصة بالبشر؟ ولكن لنا أن نتصوّر أنَّ إنسانًا وُلد ولديه قدرة على تفسير الظواهر بطريقة علمية، أو تم تلقينه المعرفة العلمية منذ اليوم الأول لولادته، فهل نتوقع أن يُصبح مُؤمنًا أو باحثًا عن الإله أو الإيمان؟ بالتأكيد لا، لأنّ بواعث الإيمان الأساسية لدى الإنسان الأول كانت متمثلة في الخوف والجهل مرتبطين ببعضهما ارتباطًا لا يُمكن فصله. على أننا لا يُمكن أن نتصوّر الأمر على هذا النحو التبسيطي المُخل، فإنَّ الإنسان إذا وُلد ليجد نفسه وحيدًا في غابة أو صحراء بعيدًا عن أيّ مجتمعات أو تجمّعات بشرية؛ فإنَّه سوف لن يهتم كثيرًا لمسألة البحث والتأمل في الكون والظواهر الطبيعية، بل سوف يبدأ مباشرةً في ممارسة غريزيته في الصراع من أجل البقاء: مطارة الفرائس وتسلق الأشجار بحثًا عن غذاء، محاولات البحث عن مأوى يقيه البرد والحر، ويُبقيه بعيدًا عن المفترسات الأخرى، سوف يكون مشغولًا بحماية نفسه، والبقاء على قيد الحياة، فتلك هي أولويات أيّ كائن حيّ.

ولهذا فإنّ الفلسفة القديمة بدأت تمامًا مع بدايات العصر الإقطاعي الكلاسيكي، عندما وجد الإقطاعيون أنفسهم محاطين بعدد من العبيد الذين يقومون بأعمالهم الضرورية، مما أتاح لهم الوقت والفراغ المناسبين للتأمل والتفلسف، ولهذا فإن جُلَّ الفلاسفة في تلك العصور كانوا من طبقة النبلاء، فأين للإنسان البدائي أن يجد الوقت المناسب للتأمل والتفلسف، وهو منشغل تمامًا بالسعي وراء البحث عن الطعام، أو الهرب من المفترسات، أو حماية نفسه من ضراوة الطبيعة وقسوتها؟ يجب ألا نتناول مثل هذه الافتراضات بمعزل عن طبيعة الحياة نفسها، وطبيعة الغرائز الإنسانية المماثلة لغرائز الكائنات الحيّة الأخرى، وألا نتجاهل هذه الأولويات التي اختلفت الآن بسبب اختلاف نمط الحياة الإنسانية الحديثة والمُعاصرة، فالإنسان الذي يُولد بعيدًا عن أيّ تلقين خارجي مُباشر، لن يكون على الأرجح مُهتمًا بالبحث عن إله، لأنَّه ببساطة لا يعرف ما تعنيه كلمة إله، ولكنه إن ظل مرهونًا إلى خوفه من الطبيعة، فمن المُحتمل أن يضع افتراضات بدائية جدًا عن محرِّكات هذه الظواهر، وهي بطبيعة الحال افتراضات ضرورية، فعندما يُضاء مصباح غرفتك دون أن تعرف من أضاءَه فإنَّك تضع افتراضات حول من قام بذلك: صديق يُمازحك، عفريت، روح خيّرة أو شريرة، عطل في مفتاح الإنارة … إلخ.

أختم هذا الجزء من المقال بما ذكره الدكتور عدنان في المقطع الثالث تقريبًا من حجّة أو برهان أبو بكر الرازي حول عدم وجود الإله والقائم على تناقض الأنبياء والتشريعات؛ إذ يرى الرازي أنَّ تناقض تشريعات الأنبياء رغم وحدانية المصدر، تدل على عدم وجود الإله، ورغم أنَّ أبو بكر الرازي لم يقصد هذا المعنى تمامًا؛ إلّا أنَّ البرهان له وجاهته على عكس ما ذهبَ إليه الدكتور عدنان، حيث يرى أنَّ الاختلاف بين الأنبياء هو اختلاف في الفروع وليس في الأصول؛ بل ويرى أنَّ الاختلاف في الفروع هو محمدة وليس مذمَّة، لأنَّه يجب أن تكون هنالك تشريعات تتناسب مع كل عصر، لاسيما إذا عرفنا أنَّ بين بعض الأنبياء حقبة زمانية بعيدة نوعًا ما، والحقيقة أنَّ الاختلافات هي اختلافات في الأصول وليست في الفروع كما زعم الدكتور عدنان، فالتصوّرات اليهودية عن ذات الإله، لا تتشابه بأيّ حال من الأحوال بالتصورات الإسلامية مثلًا، ولا بالتصوّرات المسيحية كذلك، فهل يُمكن أن نعتبر هذا النوع من الاختلاف اختلافًا حول فروع؟ الإله في التوراة يتعب ويُصيبه الإعياء، والتصوّر الإسلامي يرفض ذلك. التصوّر اليهودي عن الإله بأنَّه إله عنصري يُفضِّل عرقية على عرقيَّات أخرى دون أيَّ سبب معلوم، والتصوّرات المسيحية عن الإله بأنَّه تجسّد في صورة إنسان يُولد من رحم امرأة، ويتم ختانه، ويجوع ويأكل ويشرب ويصرخ ويبكي ويموت كأيّ إنسان آخر: إنسان وإله في ذات الوقت، والمسلمون لا يتفقون على تصوّر مُوحَّد عن الإله، فمرّة مُجسَّد ومرّة غير ذلك، فكيف لا يكون الأمر اختلافًا في الأصول؟ وإذا لم يكن اختلاف التصوّرات عن الإله هذه من الأصول، ماذا تكون الأصول إذن؟

وهكذا فإننا نجد مجموعة كبيرة جدًا، متعلقة بالتصورات الدينية عن الإله غير متشابه بين أيّ ديانة وأخرى، كما أنَّ المنطق الديني يفترض أنَّ الإله مُطلق في كل صفاته، فهو بالضرورة مًطلق في معرفته، ومُطلق في حكمته، ومُطلق في خيريتيه، ومُطلق في عدالته، وهذا يتناقض قطعًا مع وضع تشريعات تصلح لزمان ولا تصلح لزمان آخر، وهذا يُناقض ما زعم الدكتور عدنان بضرورة اختلاف التشريعات، وطرح الدكتور عدنان سؤالًا استنكاريًَا عن العيب في اختلاف التشريعات، والعيب هو في التصوّر الكُلي للإله، لأنَّ الإله الكُلي لا يُمكن أن يُعجزه وضع تشريعات مُناسبة للإنسان وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة، وهنا بالتحديد تتضح عظمة هذا الإله، وعظمة تشريعاته التي تتجاوز العقل البشري المحدود، والذي يمتاز باتباعه لمبدأ الخطأ والصواب، ويُضطر دائمًا إلى التعديل في تشريعاته الوضعية، فكيف يُمكن أن تكون التشريعات الإلهية مُشابهة، في هذه الناحية، إلى التشريعات الوضعية البشرية؟ ومن هنا تأتي وجاهة برهان الرازي على عكس ما حاول الدكتور عدنان تصويره.

———————-
(*) هنالك مقال قيّم للأستاذ سامي لبيب عن القرابين في التاريخ البشري بعنوان (الله والذبائح والأضاحي – الأديان بشرية الهوى والهويّة) أنصحُ بقراءتِه:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=329016

3

سأبدأ هنا بعرض ما جاء في الحلقة السادسة من سلسلة الدكتور عدنان إبراهيم (مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد)، حيث أنَّني لم أقف على ما يستحق الرد في الحلقتين الرابعة والخامسة؛ لأنَّهما تناولتا بالإطناب التسلسل التاريخي لبعض الآراء الفلسفية، ولم أر أيّ وجاهة في تناول هذا العرض، فهو مما لا يُفيد تناوله سلبًا أو إيجابيًا، ومن جانب آخر فإنني لم أشأ تطويل هذا المقال أكثر مما هو عليه، وأحببتُ أن ألج مُباشرة إلى ما يُمكن أن يكون مُفيدًا في هذا السياق.

من المُلفت للنظر مع بداية الحلقة السادسة الوقوف على عدم الاتساق الفلسفي الواضح لدى الدكتور عدنان إبراهيم، فهو، رغم إيمانه بوجود إله، إلّا أننا نجده يرفض المثالية الفلسفية ويسخر منها، ويعتبرها، كما أعتبرها عدد كبير من الفلاسفة ضربًا من الخيالية؛ حتى أطلقوا عليها اسم الفلسفة الخيالية، ولكنه في الوقت ذاته يقف موقفًا ضدّ المادية الفلسفية، ويراها متجاوزة للطبيعة البشرية؛ حيث أنَّ العقل البشري، بحسبه، ليس بإمكانه البت في كل القضايا، ويستشهد بذلك على بعض المقولات الفلسفية التي ترى أنَّه ليس من الراجحة استخدام العقل في كل المسائل. واستشهد بالحديث النبوي: “اسْتَفْتِ قَلْبَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَـيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَـيْهِ الْقَلْبُ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِـي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِـي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْك”(أخرجه الإمام أحمد والدَّارمي بإسناد حسن) وجاء كلامه هذا في معرض اعتراضه على مقولة نسبها إلى تشارلز دارون تُؤكد على ضرورة استبعاد العواطف من المجال العلمي، وبأنَّ العالم الحقيقي يجب أن يتعاطى مع الظواهر التي يبحث عنها بحيادية تامة، وأن يكون كالصخرة الصماء، والدكتور عدنان بذلك يرى استحالة استخدام العقل في جميع التطبيقات، وأنَّ هنالك من المسائل ما لا يُمكن البتُّ فيها بشكل قاطع لتكافؤ الاحتمالات، وهو مبدأ يتنافى مع المنهج العلمي التجريبي الذي لا يشتغل بالعواطف، ولا يُقيم لها وزنًا، وهو ذات المنهج الذي عاد الدكتور عدنان وأقرّ به، ووصفه بأنَّه منهج دقيق ومُعتبر، وكان يعني بذلك المنهج العلمي الذي لا يُؤمن بالمشاعر والعواطف، وهو شيء من تناقضات الرجل، لأنَّه واقع في المنطقة الوسطى الحائرة بين الميل إلى الإيمان “القلبي” كلَّ الميل، وبين الميل إلى العلم التجريبي المادي كلَّ الميل كذلك، وهو ضرب من ضروب عدم الاتساق، ويظهر هذا الاتساق بشكل جلي عندما أعلن انتماءهُ إلى المدرسة الواقعية النقدية، وهي أحد مدارس المادية الفلسفية.

ومن المُفيد سرد لمحة تاريخية سريعة على موضوع الفلسفة، والذي طرحتُه أكثر من مرّة، في أكثر من مقال، فالفلاسفة كلّهم، دون استثناء، حاولوا، ومازالوا يحاولون الإجابة على سؤال الفلسفة الأزلي والرئيس: “أيهما أسبق للوجود: المادة أم الوعي؟” وانقسموا في سبيل الإجابة على هذا السؤال الكبير إلى مدرستين فلسفتين أساسيتين: المادية الفلسفية، والمثالية الفلسفية، وتتلخص فكرة المادية الفلسفية في القول بأسبقية المادة، بينما تتلخص فكرة المثالية الفلسفية في القول بأسبقية الوعي، وهما مدرستان على طرفي نقيض تمامًا، وخلال سنوات وقرون طويلة من الصراعات الفلسفية بين هاتين المدرستين خرجت مدرسة فلسفية ثالثة، وهي مدرسة توفيقية، تُسمى اللاأدرية الفلسفية، وهم ببساطة يحاولون إيجاد صياغات توفيقية بين المدرستين، ولهذا فقد أطلق عليهم جورج بوليتزر صفة (اللااتساق) فاللاأدري هو في الواقع إمّا مثالي غير مُتسق أو مادي غير مُتسق، لأنَّه لا يُمكنك أن تكون ماديًا ومثاليًا في الوقت ذاته، وإذا كان الدكتور عدنان إبراهيم من النوع الذي لا يُؤمن بإله شخصاني، كالعديد من الفلاسفة والعلماء، لقلنا بإمكانية أن يكون ماديًا مُتسقًا، ولكن لكونه يُؤمن بمفهوم الإله الشخصاني، فإنَّ هذا يتعارض وبصراخة شديدة مع موقفه الفلسفي من المادية الفلسفية، وهو ما يُؤخذ عليه.

عمومًا، تكلّم الدكتور عدنان إبراهيم، عن رفضه لاستخدام العقل في كل التطبيقات حتى التجريبية، والحقيقة أنَّ هذه هي بالتحديد مُشكلة العقليات الدينية التي تُعلي من شأن العلم، إلّا عندما يتصادم مع عقيدتهم ومع ما يُؤمنون به، رغم معرفتهم التامة أنَّ العلم هو علم بلا عواطف، وبلا أخلاق، فالعلم لا يكترث كثيرًا بهاتين القيمتين على الإطلاق، ويتعامل مع الظواهر بتجرّد تام، وقدّ صرّح في بداية السلسلة بأنَّه لن يستطيع أن يكون مُحايدًا بصورة مُطلقة، ولو أنَّه فعل ذلك، لكان خيرًا له؛ إن كان فعلًا باحثًا عن الحقيقة، فالحقيقة لا يجب أن تهب الراحة والرضا للباحث عنها؛ لأنَّها ربما كانت عكس ما يشتهي وما يهوى. ويقول الدكتور عدنان بأنَّ الإنسان في أساسه مكوّن من عقل ووجدان، وربما عنى بالوجدان في هذا المقام (منظومة العواطف والمشاعر) وتلك القيم التي تنظوي تحت مظلة “الروحانيات” وهو، أيضًا، مفهوم ميتافيزيقي صرف، وفي مقالي (خطوات مادية نحو تفكيك الإيمان) تعرّضتُ بشكل تفصيلي إلى هذه الظواهر “الروحانية” وحاولتُ إبانة أنَّها جميعًا ليست سوى تمظهرات مادية للتطبيقات الذهنية؛ فالحب، والكراهية، والغيرة، والحسد، والاشتياق، والحزن، وكافة العواطف والمشاعر الإنسانية منبعها الحقيقي الدماغ، فهذا الدماغ مكوّن من قسمين رئيسيين: الوعي، اللاوعي، وهو مخزن لكافة المشاعر والعواطف وهي ليست سوى مُتعلقات التجارب الإنسانية التي تمر علينا خلال حياتنا اليومية، ويتم استدعاء هذه التجارب بكل انفعالاتها في حالات بعينها، ولكننا نتوهم أنَّها مسائل وجدانية أو روحانية، والحقيقة أنها ليست كذلك، ولقد سقتُ في ذلك المثال أمثلة عديدة تُدلِّل على كلامي ذلك.

ومن الغريب أن يتكلّم الدكتور عدنان عن مفهوم القلب في مجال العلم التجريبي، فهل يُمكن فعلًا أن نستفتي القلب لحل مسائل رياضية مثلًا؟ هل يُمكن أن نستخدم “عاطفتنا” في ترجيح فرضية علمية على أخرى؟ والواقع أنَّ استفتاء القلب، ليس سوى استفتاء للذهن، وهو العمل بمبدأ الترجيح العقلي البسيط أو المُجرّد، فعندما تقف أمام لوحتين جميلتين لشراء إحداهما، فإنك تقوم بعملية ترجيح بسيطة جدًا، ليستقر رأيك في النهاية على إحدى اللوحتين، لأسباب ذاتية، وهذه التفاضيلية ليست سوى إحدى التطبيقات الذهنية البسيطة، ولكن لا يُمكن استخدام هذا التطبيق في المجالات العلمية التجريبية، لأن العلم يقوم على قوانين شديدة الصرامة، وهي قوانين موضوعية وليست ذاتية على أي حال، ولا أُريد الخوض أكثر في مسألة القلب، ومفهوم القلب الديني، ويُمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى مقالي (خطوات مادية نحو تفكيك الإيمان) لمعرفة رأيي في هذا الموضوع. على أنَّه يُمكن افتراض أنَّ للقلب وظائف غير وظيفته البيولوجية في مجالات الحياة اليومية والأعمال الأدبية على سبيل المجاز. ولكن تجدر الإشارة هنا إلى ملاحظة شديدة الأهمية، وهي اعتراف الدكتور عدنان في هذه الحلقة بعدم وجود دليل “علمي” على وجود إله، وهذا ما أشرنا إليه في بداية المقال، وهو مما لا يُمكن إغفاله بحالٍ من الأحوال؛ إذ أنَّ مسألة وجود أو عدم وجود إله، تقع مُباشرة في حقل الميتافيزيقيا الذي لا يتناوله العلم التجريبي، مع مراعاة أنَّ الميتافيزيقيا تهاوت تمامًا مع بروز نظرية النسبية لأينشتاين، وهو ما سوف نتكلّم عنه في وقته.

تطرَّق الدكتور عدنان إبراهيم، في معرض حديثه عن برهان النظم، إلى موضوع “التصميم الذكي” Intelligent Design وتناول هذا المفهوم بشيء من الاختصار، وأوضحَ أنَّ المقصود به هو مجموعة من الأجزاء مترابطة ومُتناسقة بقصد مُعيّن، فيكون كل جزء في مكانه بالتحديد لغرض وهدفٍ مُحدد؛ بحيث أنَّ إلغاء هذا الجزء يُعطّل كامل التصميم، وبحيث أنَّه لا يُمكن التصديق بوجود أيّ جزء اعتباطًا أو بطريقة زائدة. ومن الغريب أنَّه تناول أمثلة على التعقيد، ومنها على سبيل المثال التعقيد اللغوي؛ بحيث أنَّ الحرف يرتبط مع حرف آخر ليُشكّل كلمة مفهومة، والكلمة ترتبط مع كلمة أخرى لتُشكّل جُملة مفهومة، ويرى أنَّ هذا نوع من التعقيد، والواقع أنَّ تعقيد التراكبات اللغوية لا يُمكن أن يُعتبر تعقيدًا كما نفهمه في هذا السياق، وهو مما لا يصح الاستدلال به على أيّ حال. وقد وقع الدكتور عدنان في خطأ يقع فيه الغالبية العظمى من مُنتقدي الإلحاد، عندما حاول المقارنة بين التعقيدات البيولوجية العضوية، والتعقيدات الأخرى، كالتعقيدات التراكبية في اللغة أو في الموسيقى، أو حتى التعقيدات التراكبية الصناعية، والتي تظهر جليةً في مثال شائع يستخدمه غالبية المُؤمنون: “ما هي احتمالية أن تتجمّع مجموعة من المعادن لتُشكّل طائرة من طراز بوينج 747؟” واستشهد بما يُعرف باسم “مُبرهنة القرد” التي وصفها أنطوني فلو Antony Flew بأنَّها “كوم من النفايات” وتقتضي التجربة إحضار مجموعة من القرود وإجلاسها أمام آلات طابعة علّها تكتب سونيتة من سونيتات شكبير (Shall I compare thee to a summer’s day) (!) وتوصلت التجربة إلى أنَّ احتمالية تمكن القردة من ذلك تعادل تقريبًا (1 من عشرة مرفوعًا لأس 690) وأنا أقول إنَّ القردة لم يكن في إمكانها كتابة البيت الأول من القصيدة، ناهيك عن مقطع السونيته كاملًا، ولو استمرت المحاولة إلى ما لا نهاية من المحاولات؛ لأنَّه لا يُمكن التدليل على تطبيقات الصدفة بهذه الطريقة على الإطلاق، كما لا يُمكن التدليل على تطبيقات الصدفة على طريقة مثال طائرة بوينج 747 … ومن المعلوم بالضرورة أنَّ أيَّ احتمالية تصل إلى عتبة ديمسكي William A. Dembski تعادل الصفر.

وفي هذا الصدد فالدكتور عدنان إبراهيم يخلط خلطًا واضحًا بين مفهوم الصدفة، ومفهوم العشوائية، وهو خطأ لا يُمكن أن يُغتفر لمن هو في مثل ثقافته وعلمه، فالصُدفة هي في الأساس قانون، وهي لا تعني العشوائية بأيّ حالٍ من الأحوال، ولقد شرحتُ قانون الصدفة في أكثر من مقال، وأُعيد شرحه هنا أيضًا للفائدة. الصدفة: “توفر مجموعة من العوامل بطريقة غير واعية لتُشكّل ظاهرة” وإذا حاولنا تطبيق هذا القانون على ظاهرة كظاهرة المطر، فإنَّنا سوف نجد أن المطر يتكوّن من خلال توفر عوامل مُتعددة تتكاتف جميعها بطريقة غير واعية (أي غير مقصودة):
= مقدار مُعيّن من الحرارة + مُسطّح مائي = تبخّر
= بخار ماء + سطح أو وسط بارد = تكثّف

هذه الظاهر تحدث بصورة تلقائية غير واعية، ويُمكن ألا تتكرر في مناطق جغرافية بعينها إلّا مرّة كل عام تقريبًا، بينما قد تتكرر هذه الظاهرة في مناطق جغرافية أخرى بشكل أسبوعي أو حتى يومي. هذه هي الصُدفة، ولقد أثبتت التجارب المعملية إمكانية تكوّن أحماض أمينية أولية بمجرّد توفر العوامل التي تساعد على ذلك، وتجربة يوري-ميلر خير برهان على ذلك، والنجاح الكبير الذي أنجزه العلماء بتخليق أوّل خلية حليّة في المعمل أيضًا هي امتداد لهذا الأمر، ولم يعد هنالك أيّ مساحة لمُناقشة قانون الصُدفة بعد نجاح هاتين التجربتين، ولكن تظل هنالك بعض العقبات العلمية التي مازال العلماء يبحثون عنها، وهي ما لا يُمكن أن تشكّل أيّ عائق يُذكر.

على أنّه من المهم التذكير بأنَّ نظرية “التصميم الذكي” التي يتغزَّل بها الدكتور عدنان إبراهيم تم رفضها رسميًا من التدريس في الجامعات الأمريكية والأوربية بسبب أنها “ليست نظرية علمية” في حين أنَّ نظرية التطور هي التي يتم تدريسها، ولابد أنّ نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، ولكن دعونا نعرف الفارق الحيوي جدًا بين “التصميم الحي” و “التصميم غير الحي” وهنا أقصد الكائنات الحيّة والأجهزة التي يصنعها الإنسان لنرى مدى سخافة المقارنة التي يُجريها الدكتور عدنان إبراهيم والخلقيون بصورة عامة. ولنأخذ جهاز التلفزيون كمثال، فهو مكوّن من أجزاء، وكل جزء موضوع في مكانه المُحدد، لتأدية غرض مُعيّن، وإذا تم فصل جزء من هذه الأجزاء فإن التلفزيون لن يعمل، أو لن يعمل بذات الكفاءة المطلوبة، وبالضرورة فإنَّ التلفزيون لابد له من صانع أو مجموعة صانعين أذكياء، لهم غايتهم الواضحة من صناعة هذا الجهاز، ولكن ما هو الرابط الذي يربط بين أجزاء التلفزيون؟ وهل هذه الروابط تمتلك وعيًا فيما بينها، أم أنَّ الوعي هنا وعي خارجي يعود إلى الصانع الذي وضع هذا الجزء في ذلك المكان بوعيه هو، وليس بوعيٍ من الجزء نفسه؟ بينما في الإنسان مثلًا فإنَّ كل خلية حيّة تمتلك وعيًا ذاتيًا بنفسها، وهذا الفارق مهم للغاية، وهو الذي يخلق الفرق بين التراكيب العضوية وغير العضوية، إلى الدرجة التي تجعل المقارنة بينهما عملًا سخيفًا. فالتلفزيون، كجهاز، لا يمتلك وعيًا ذاتيًا بنفسه، ولا وعيًا ذاتيًا بين أجزائه، بينما الكائنات الحيّة تملك هذا الوعي الذاتي، ومن ناحية أخرى، فإنَّ الرابط بين أجزاء التلفزيون هو رابط تصنيعي وظيفي، بينما الرابط بين أجزاء أيّ كائن حي هو رابط تفاعل عضوي كيميائي، ولهذا فإنَّ أيّ خلية حيّة تعرف (بذاتها) ما يتوجب عليها فعله، دون أيّ تدخل خارجي من أحد، بينما أجزاء التلفزيون تحتاج دائمًا إلى وعي خارجي لخلق هذه الروابط.

ومن ناحية أخرى، فإنّ صنع جهاز التلفزيون له غاية، وهذه الغاية هي بالتحديد ما جعلته على هذا الشكل المادي، فما هي الغاية من خلق الإنسان أو الكائنات الحيّة؟ ولماذا يختلف الشكل المادي للكائنات الحيّة إذا كانت كل الكائنات الحيّة تتفق في الغائية؟ نعم هنالك اختلافات بين أشكال أجهزة التلفزيون من أجهزة كبيرة إلى صغيرة، ومن شاشات مقعرة إلى شاشات مسطحة إلى شاشات البلازمة ووو إلخ، ولكن هل يُمكن أن تكون هذه الاختلافات مًشابهة للاختلافات أو “التنوّع” بين الكائنات الحيّة؟ هل يُمكن لنظرية التصميم الذكي أن تُفسّر هذا التنوّع بطريقة علمية؟ الواقع إنّ نظرية النشوء والارتقاء تقدّم لنا تفسيرًا “علميًا” للتنوّع الكبير والمُذهل بين الكائنات الحيّة، ولهذا فإنّ النظرية علمية بجدارة، ولهذا فإنّها تدرَّس في المعاهد والجامعات العالمية، بينما تم رفض نظرية التصميم الذكي، لأنها تفترق إلى العامل العلمي المهم هذا.

ودعونا نطرح، بشكل مبدئي، تساؤلات من شأنها أن تفيد في رؤية نظرية “التصميم الذكي” من زاوية النظر المُناسبة، فإذا كان التصميم هو كما ذكرنا (مجموعة من الأجزاء مترابطة ومُتناسقة بقصد مُعيّن، فيكون كل جزء في مكانه بالتحديد لغرض وهدفٍ مُحدد؛ بحيث أنَّ إلغاء هذا الجزء يُعطّل كامل التصميم، وبحيث أنَّه لا يُمكن التصديق بوجود أيّ جزء اعتباطًا أو بطريقة زائدة) فكيف يعيش الإنسان إذا بُترت إحدى ساقيه أو حتى كلتاهما؟ بل أنَّ هنالك أطفال يُولدون بلا أطراف علوية ولا سفلية(!) وهل بروز إصبع زائد يُمكن أن يعتبر تصميمًا ذكيًا؟ وما هي وظيفة الأثداء لدى الذكور مثلًا؟ وكيف يُمكن أن تُفسّر ظاهرة المُخنثين Shemale وفقًا لنظرية التصميم الذكي؟ وبماذا نُفسّر وجود أجنحة لدى بعض الطيور غير الطائرة: الدجاج أو النعام مثلًا؟ وكيف نُفسّر الأيادي الصغيرة والقصيرة جدًا لبعض الديناصورات المُنقرضة؟ هل يُمكن لنظرية التصميم الذكي أن تُجيب على هذه الأسئلة؟ علمًا بأنَّ هذه الأسئلة يُمكن أن نجد لها إجابات “علمية” شافية في نظرية النشوء والارتقاء، مع أخذنا في عين الاعتبار الطرح الخاطئ جدًا والمغلوط لمفهوم “التطوّر” والتعقيد، من واقع ما يفهمه الدكتور إبراهيم عمّا هو معلوم بالضرورة وفقًا لمفهوم التطوّر البيولوجي، ولكن ربما نتكلّم عن هذا الأمر باستفاضة أكثر في وقتٍ آخر، لأنني لم أنته بعد من مُشاهدة بقية السلسلة، ولعلّي أجد في بقية كلام الدكتور عدنان ما يجعلني أشرح هذا الأمر بطريقة مُتوسعّة قليلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.