أخبار عاجلة
الرئيسية / فلسفة / تعرف على عملاق التحليل النفسي يونغ وأشهر نظرياته المثيرة للاستغراب والجدل

تعرف على عملاق التحليل النفسي يونغ وأشهر نظرياته المثيرة للاستغراب والجدل

المقال الأول

مع يونغ، أشباح النفس والدولة والاستبداد

 «يجب أن لا نفهم الإنسان على أنه وحدة متكررة. بل هو في الحقيقة شيء فريد ومفرد لا يمكننا في التحليل الأخير أن نعـرّفه ولا أن نشبهه بأي شيء سواه»
كارل غوستاف يونغ- التنقيب في أغوار النفس1

سواء اتفقت أو اختلفت معه، فإنك لا تستطيع أن تمر مرور الكرام بيونغ؛ فالرجل تتجسد فيه ملامح مرحلة بلغ الهلع فيها مبلغًا عظيمًا. وهو فضلًا عن كونه عَلَما في علم النفس، فإنه أيضًا مفكّر موسوعي أسقط استنتاجاته العلمية المتخصصة على التاريخ والسياسة والأدب والأسطورة، فخرج بنتائج جدلية. من ذلك أبحاثه العميقة عن اللاوعي البشري التي تتجاوز مجال المتعارف عليه في علم النفس إلى ما هو خارق وغير متوقع. هذا يحتم عليّ أن أوفيه مزيدا من حقه بعد أن أشرت إليه إشارة عابرة في مقالي المعنون بـ«علامات» في كتابي «شياطين في حضرة الملكوت». وكانت فحوى الإشارة هناك أن ليونغ أبحاثًا تحدث فيها عن مكنوناتٍ في اللاوعي الإنساني تتجاوز تجربة الإنسان الذاتية المحضة، ما يعني أن حياة الإنسان لا تبدأ مع لحظة ولادته، بل إنها تمتد إلى ما قبل ذلك.

الشائع في ما نعرفه عن علم النفس أن اللاوعي يتشكل من تجارب الإنسان الحاضرة التي يعيشها تراكميًا بدءًا من طفولته المبكرة وصولًا إلى لحظته الراهنة، فينفعل ويعوّض ويعجّل وينكر ويكبت، ثم يلقي تلك الخلاصات في عالم اللاوعي المعتم قبل أن يستردّها وعيه في لحظات الضعف والانفعال. غير أن أبحاث يونغ خرجت عن الخط المعهود وأشارت إلى أن بعض مكنونات اللاوعي ليست شخصية، بل إنها تنفذ إليه أيضا من موروث صاحبه التاريخي القديم؛ أي إلى وقتٍ لم يكن فيه الشخص المعني موجودًا في هذا العالم.

تتسق هذه الفكرة إلى حد ما مع اكتشافات ديفيد رايك في مجال الجينوم البشري، ومع ما عرفه الفيزيائيون عن الجرافيتونات التي تتركها الثقوب السوداء بعد فنائها. إذًا، وبقليل من الخيال، لا يغادر الماضي دون أن يترك أثرًا منه في حاضرنا. يفعل الماضي ذلك للدلالة على نفسه كما في حالة الثقوب السوداء، أو لتزويدنا بما يعيننا على فهم الحاضر كما في الجينوم البشري، أو للتأثير مباشرة في أحداث الحاضر والمستقبل كما وجد يونغ أثناء دراسته لصندوقنا المعتم الذي نسميه «لا وعيًا» بشريًا.

طالبة الفلسفة

هذه نقطة الانطلاق في كتابه «جدلية الأنا واللاوعي». يسرد يونغ هناك قصة عن طالبة تدرس الفلسفة عانت، بحسب تشخيصه، من عصاب هستيري ذي شدة متوسطة. كانت الطالبة قد فقدت أباها الذي تعلقت به تعلقًا شديدًا طيلة حياته فقررت أن تملأ وقتها بالمعرفة الفلسفية كي تملأ الفراغ الهائل الذي تركه الفقد في حياتها. لكنّ معاناتها استمرت برغم ذلك، فاضطرت إلى الاستعانة بطبيب نفسي يعينها على الخروج من حالتها. هذا الطبيب كان يونغ الذي سرعان ما بدأت المريضة تميل إليه، وتعوّض فقد والدها من خلاله.

هذه حالة عادية في علم النفس. إذ تمارس المريضة الإسقاط، فتستبدل والدَها بأقرب بطل يظهر أمام عينيها. عندئذ يتحول الطبيب إلى أب ومعشوق في الوقت ذاته، ويبدأ عالم الأحلام بالإفصاح عن مكنوناته. يمكن التفاهم في مثل هذه الحالة مع وعي المريضة، لا سيما إن كانت ذكية ومتعلمة كما هي طالبة الفلسفة. لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فرغم أن المريضة أظهرت تفهمًا لحالتها، فإن قوة خفية أصرت على عدم الانسحاب. كانت أحلام المريضة كثيرة ومتنوعة غير أن واحدًا منها بالذات تكرّر بصور متشابهة مع اختلاف في بعض التفاصيل البسيطة. في ذاك الحلم المتكرر، ظهر الطبيب دائمًا بطلًا في المشهد. كان ضخمًا وخارقًا وطويلًا، والفتاة التي إلى جانبه ضئيلة الحجم. يقفان معًا في مكان مرتفع فيحمل الطبيب مريضته برفق ويضمّها إليه ثم ينفخ على الحقول فيهبُّ النسيم وتتماوج السنابل.

لماذا يظهر المعشوق دائمًا بهذا الحجم المفرط في الضخامة؟ هذا هو السؤال الذي أرّق يونغ قبل أن تتكشّف أمامه ملامح الإجابة التي أعانه فهمه للتراث الإغريقي على الوصول إليها. وجد يونغ أن تلك الصورة ليست مجرد إسقاط نفسي عادي لصورة الأب على طبيب الفتاة الخاص. إن الأمر أقرب إلى أن يكون ابتداعًا لصورة إله ضخم وقوي ورحيم. لكن حتى هذا الإسقاط لا يقدّم شيئًا جديدًا في علم النفس لولا أن تفاصيل الصورة هي التي تحمل دلالة غير متوقعة. إن اللاوعي يؤلّه الطبيب كما يحدث في كثير من الأحلام، لكنه هذه المرة يبتدعه بصورة لا تنتمي إلى تجربة المريضة الشخصية. ليس مهمًا أن نقول هنا أن المريضة كانت تقف موقفًا لا أدريًا من قضية الإله، المهم هو أن الله ذا الروح، والنفس، والنفخة، صورة إغريقية قديمة وردت كذلك في نصوص العهد القديم ولها ما يؤيدها في القرآن الكريم 2. كل ذلك يؤيد ما ذهب إليه يونغ في شيئين: أولا أن اللاوعي يؤلّه المعشوق بالفعل. وثانيًا، أن تلك الصورة بالذات لها سند تراثي قديم، ثم اختفت من التراث الأوروبي، تراث المريضة، منذ القرن الخامس عشر الميلادي.

أشارت أبحاث يونغ إلى أن بعض مكنونات اللاوعي ليست شخصية، بل إنها تنفذ إليه أيضا من موروث صاحبه التاريخي القديم؛ أي إلى وقتٍ لم يكن فيه الشخص المعني موجودًا في هذا العالم. 

هذا الاستنتاج يعني أن اللاوعي يستخرج صورة دينية من لا وعي جماعي نفذت إلى أحلام المريضة عبر قناة مجهولة. إنها تستعيد صورة لا تنتمي إلى حاضرها، وليست مما وقع في مجال خبرتها العملية أو المعرفية. تلك صورة عمرها أكثر من خمسمئة عام، وانبثاقها في غير أوانها فتحٌ نفساني يعني الكثير. يقول يونغ: «ولكن يبدو أن اللاوعي يحتفظ بعناصر أخرى غير المكتسبات البسيطة للحياة الشخصية وهو ما أظهره مثالنا عن التصور القديم لله. كانت مريضتي تجهل تمامًا، ولا تعي الصلة الفيلولوجية أو التوازي الموجود في اللغة الألمانية، لغتها الأم، بين كلمة روح وكلمة هواء. لم تكن هذه الصلة قد عُلّمت لها أبدًا، ولم تكن قد خطرت ببالها يوما. (..) وإننا لمجبرون بوجود وقائع كهذه أن نفترض ونقبل بأن اللاوعي لا يحتفظ بمواد شخصية فقط، وإنما بعوامل لا شخصية أيضًا، هي عوامل جماعية على شكل مجموعات موروثة ونماذج بدئية. لقد أطلقتُ إذًا فرضية أن اللاوعي يحتوي في طبقاته العميقة موادَّ جماعية حيّة وفاعلة نسبيًا، وهكذا كنت مقادًا إلى التحدث عن لا وعي جماعي».

إنها إذًا استعدادات مسبقة ظهرت في حالة طالبة الفلسفة وفي عدد من الحالات الأخرى التي شخصها يونغ. أي هي، بلغة العصر، خصائص مدمجة (built in) راسخة في تكويننا النفساني وتتصل من حيث لا ندري بعمق هذا الوجود.

يونغ ومفهوم الدولة

دعونا الآن نموضع يونغ في مكانه اللائق ضمن جدلية الحداثة وما بعد الحداثة.

أولًا، يونغ هو مؤسس علم النفس التحليلي. وهو بالإضافة إلى أستاذه فرويد رائد التحليل النفسي، وآدلر مؤسس علم نفس الفرد، يُعدُّ ثالث ثلاثة وضعوا أسس علم النفس كما نعرفه اليوم. ثم إن يونغ قد تأثر بفلاسفة اتخذوا موقفًا سلبيًا من اللوغوس (العقل) والوعي، مثل نيتشه صاحب نظرية العود الأبدي، وكلايجز الذي عدَّ اللوغوس والوعي مدمّرين للحياة.
عُمّر يونغ زمنًا طويلًا بعد قرينيه؛ فرويد الذي توفي في عام 1939، وآدلر الذي توفي قبل فرويد بسنتين، فعاش يونغ حتى عام واحد وستين؛ أي أنه شهد تجربة النازية كاملة، واستطاع أن يرصد بدقة كمَّ الويلات التي شهدها العالم بسبب الحرب العالمية الثانية. والأهم من ذلك أنه استطاع أن يتخذ موقفًا مدعمًا بتجربته العلمية من أنظمة الحكم الاستبدادية التي طغت في بعض البلدان قبل الحرب وبعدها. تلك العرى التي لم تنفصم عنده بين التحليل النفسي والشهادة على العصر والموقف الأخلاقي من مآلات الحداثة هي التي جعلت ليونغ قيمة كبرى في الشهادة على زمنه.

ثانيًا، وقف يونغ موقفًا سلبيًا من المنهج الإحصائي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون في تشخيص الحالات. وهذه نقطة ذات صلة وثيقة بالعلم التجريبي والحداثة نفسها. لقد وجد نفسه مضطرًا للطعن في «الذات الملكية» للعلم التجريبي التي جعلتها الحداثة الطعن فيها أكبر المحرّمات. بحسب يونغ، هناك فرق بين المعرفة والفهم، فالفهم ولوجٌ إلى داخل الظاهرة بينما المعرفة استنتاجات يقدّمها لنا المنهج العلمي الذي يرصد الظواهر ويقيسها ثم يخرج بأفكار عامة تُصاغ في نظريات. هل كان يونغ يضع حدودًا تحافظ على نقاء العلم ونجاعته؟ لا ندري؛ لأننا لا نستطيع الحكم على المعطيات الغامضة التي اعتاد يونغ تقديمها ضمن تحليلاته النفسية. إن أخذ أحكامه على إطلاقها سيؤدي بنا حتمًا إلى هدم منجزات كثيرة في مجالات العلم والفلسفة والسياسة. وهذا أمر لا تحمد عواقبه.

المهم؛ إن رصدك حدثًا ما، عشرات أو مئات أو ملايين المرات يقودك إلى دمج النتائج جميعها في متوسط حسابي يُستخدم فيما بعد دليلًا على الظاهرة نفسها، بل مقياسًا لها، وأداة للتنبؤ والسيطرة والضبط العلمي الدقيق. العلوم الطبيعية تقوم على هذا الأساس، وتجعلنا مع تراكم الخبرة قادرين على الإحاطة بظروف الظاهرة نفسها، وعلى ضبط المتغيّرات التي تقترب بحالة ما أو تبتعد بها عن المتوسط الحسابي. غير أن من شبه المستحيل في كل ظاهرة أن تنطبق قيمة المتوسط الحسابي على حالة فردية بعينها. هب أنك، والمثل ليونغ، جئت بعدد كبير جدًا من الحصى، ووزنتها جميعًا بعد أن عرفت عددها، فوجدت أن المتوسط الحسابي لوزن الحصاة الواحدة يساوي مئة وخمسة وأربعين غرامًا. ذلك لن يعني أبدًا أنك ستكون قادرًا على التقاط حصاة بعينها لها نفس هذا الوزن. فوجود هذه الحصاة مشكوك فيه أولًا، وهو ليس شرطًا لازمًا للتدليل على صحة حساباتك ثانيًا. فالمتوسط الحسابي شيء، والحالة الفردية دائمًا شيء آخر، يقترب أو يبتعد.

هذا بالضبط هو ما رفضه يونغ في المنهج الإحصائي حين يكون موضوع البحث أو التشخيص هو النفس البشرية. فعلم النفس يفتح لنا نوافذ تمكننا من معرفة هذه النفس بشكل عام. إنه يصدق تمامًا حين يكون ترياقًا جماعيًا لكن مسلّماته النظرية لا تنطبق على ذوات الأفراد، بل إنها تمحو ملامحهم وتحوّلهم إلى نماذج تكرارية لا تختلف عن بعضها في شيء. المجموع غير الفرد دائمًا، وحركة المجتمع ليست تراكمًا عدديًا لحركة أفراده. علم النفس إذًا يجعلنا نعرف النفس لكنه لا يصل بنا إلى مرحلة فهمها. يدافع يونغ هنا عن فردانية الإنسان، ويعلي من شأن خياراته وردات فعله الذاتية. ذلك أن كل شخص هو «استثناء نسبي وظاهرة غير قياسية»، وكل نفس هي كيان عصي على التصنيف والتبويب. إن مشكلة العالم الذي تنبأ به يونغ تكمن في هذا التراكم البغيض، في الأحكام المسبقة التي حوّلت البشر إلى وحدات إحصائية، وفي النمذجة والإخضاع، وتجاهل الإنسان المحسوس لصالح الإنسان المثالي المـُصنّع في مختبرات البحث العلمي، وفي القولبة والنظر إلى الناس كمجاميع بشرية يحكمها منطق إحصائي واحد.

فما الذي يمكن أن يحدث حين نتجاهل خصوصية الإنسان الفرد؟ يرصد يونغ ملامح هذه الظاهرة في مفهوم «الدولة» فيشنّ عليه هجومًا عنيفًا. لا يخبرنا يونغ عن أي شكل من أشكال الدولة يتحدث، لكن الواضح أنه يرمق هذا المفهوم بعين الريبة، ويستخدم النازية كمثال بليغ. وربما عُدّت شهادته على عصره شهادة غامضة ما دام يستخدم كلمة الدولة على إطلاقها.

المجموع غير الفرد دائمًا، وحركة المجتمع ليست تراكمًا عدديًا لحركة أفراده. علم النفس إذًا يجعلنا نعرف النفس لكنه لا يصل بنا إلى مرحلة فهمها.

إن اللعبة معقدة جدًا وذكية جدًا ومخاتلة؛ فالعلم التجريبي صادق، ولا يمكننا الاستهانة بأي حال من الأحوال بمناهجه وبقدرته على الضبط والإخضاع. لكن المشكلة في الرهان، وفي طول المدى الزمني الذي يمكن لنا فيه أن نراهن على تحدينا للنفس البشرية. إن شئتَ أن تتجاهل أهمية الروح فلك أن تعمّم نتائج الفيزياء على الإنسان فتنال غضب يونغ.

إن الذي يحدث هنا هو تمامًا ما يحدث لحزمة الإلكترونات، والتي هي كحزمة فإنها ممّا يدخل في عالم الشهادة؛ أي عالم التجربة والإحصاء والملاحظة، إذ يمكن التنبؤ بخصائصها على أكمل وجه. أما أعيان الإلكترونات فهي مما يقع في عالم الغيب حيث لا قدرة لدى الملاحظ على تحديد الاندفاع أو الموضع.

البشر كذلك من بعض الوجوه؛ فتحويلهم إلى كتل يجعل السيطرة عليهم أسهل. وتستطيع عبر نمذجتهم أن تتحكم في مساراتهم وأن ترصد كل تغيراتهم المحتملة. يمكن لك باستخدام المنهج الإحصائي أن تثق باستنتاجاتك وأن تبني توقعات دقيقة. ستنجح في اللعب على الغرائز والخوف والهلع، وستمتلك خبرة بالطريقة التي عليك أن تخاطب بها الطمع. وستقطف ثمار الغضب أو الرضا، وتشكل قنوات إعلامية تحافظ على حركة القطيع في الاتجاه الذي تريده. قد تفعل هذا كلّه بنية حسنة أو سيئة، أو لعل الأمور ستسير إلى هذا النوع من المآلات من تلقاء نفسها دون نوايا أو مخطّطات. لكن الذي يحدث بالضبط هو أن روح الإنسان الفرد تتهمّش، ويحاصرها النظام من كل جهة. نظام هو الدولة بتجلياتها التي عاشها يونغ في منتصف القرن العشرين.

لعل صورة الدولة التي هجاها إذًا هي هذه الصورة البغيضة التي لا تفصح عن شيء من خصائصها سوى أنها أعلى مستويات التنظيم الاجتماعي، بل هي ثمرة العلم والضبط. عيب تلك الدولة أنها تقوم على طمس الأفراد لصالح الجماعة، والناس فيها وحدات إحصائية ضئيلة القيمة أمام المجموع. فكل فرد هو رقم صغير في بنيان المجتمع الذي تديره دولة تلغي روح الإنسان الفرد. هذا نذير شؤم يحدث حين يتضخم دور الدولة فتتولى مسؤولية التفكير بالنيابة عن الفرد، وتعده بحل جميع مشاكله، وتحيله إلى كائن مُستَلَب.

هنا يكمن الوجع؛ إذ يبدأ الفرد بالتخلي عن نفسه، فيدمر قدراته ويقتل شغفه. إنها عملية تعرية يقف بعدها الإنسان مجرّدًا من مناعته الذاتية. وقد ينفجر الأمر بغتة فتكون الكارثة. فالدولة التي ترعى قطعانًا من العاجزين تمهد الطريق للجنون. تستخرج من لا وعي الأفراد أسوأ ما فيه، تبحث في ثقوب النفس، وتبث الروح في الغرائز، وتخرج من غياهب الماضي أفاعيه السامة. عندئذ تنتعش روح القبيلة. ولا فرق في عالم العاجزين بين قبيلة من قبائل العصر الحجري ودولة تقدّم الرفاه على طبق من طمس عنفوان الإنسان. لا تحتاج المياه الراكدة عندئذ إلا لقليل من الأكاذيب، أو لمجموعة صغيرة من أصحاب العاهات النفسية الصريحة، فتفرض الثورة منطقها، أو تحدث كارثة كالتي عاشها يونغ أيام مجد النازية.

تلك مشاعية بدائية تتخذ شكل دولة؛ أو نظام من «الروابط الأولية» التي رأى إريك فروم أنها تتضمن كبتًا للفردانية لكنها تهب شعورًا زائفًا بالأمان. أمان يقود إلى الهاوية ولا شيء سواها. كان يونغ يخشى من المآلات التي تنتهي إليها الأنظمة الشمولية. ولعله كان متأثرًا بحنّا أرندت التي رأت أن هذه الأنظمة لا تخلق أعداء بقدر ما تخلق ضحايا. لن يطعن في موضوعية الكلام أن هؤلاء جميعًا كانوا يستبطنون النازية في ثنايا حديثهم حيث كل فرد ضحية، والمجتمع ضحية، والمجموعات الإثنية ضحية، والثقافة والفن والمرأة والطفولة ضحايا لذلك الكائن الخارق الذي يعدُّ على الناس أنفاسهم. النازية، بمحرقة أو بدون محرقة، لطخة كبيرة في جبين البشرية. إنها ومعها الستالينية والاستعمار والعنصرية والستار الحديدي الذي قسم العالم إلى نصفين، وأسلحة الدمار الشامل التي روعت العالم؛ كانت أهم ملامح الصدمة التي شكلت موقفا متوجسا من الحداثة في بعدها السياسي.

إسقاط ضروري

الاستبداد لا يتغير وإن اختلفت سياقاته المكانية والزمانية. يصبح الأفراد نكرات، وتنحرف الدولة المزيّنة بالدساتير فتسلب من حياة الفرد أهدافها. تطغى السياسة العامة للدولة التي تقررها نخبة قليلة استطاعت امتلاك مفاتيح القوة على كل شيء. عندئذ تتوجه الطاقات نحو غاية تحددها النخبة، وربما دخل الفرد في طور العبودية الكاملة للدولة؛ ذلك حين تتحول الغايات إلى عقائد، والحكام إلى ضرورات تاريخية تتجسد فيها صفات الآلهة.

هذا نراه في كل مكان، غير أن الذي فات طبيبنا النفسي، ربما بسبب مركزيته الغربية هو أيضًا، أن العالم بدأ يشهد في أيامه، في مناطق أخرى غير قارته الأوروبية، حالات من الاستبداد حطّمت مفهوم الدولة من أساسه، فجعلت من هذا المفهوم هيكلًا شكليًا يستخدم للتغطية على أكثر أشكال الحكم بدائية؛ كحكم الفرد والطائفة والعائلة والعشيرة. وأن وعود الاستقلال والتحرر قد حوّلت الدول داخل هذا الهيكل المزيف إلى ملكيات خاصة. الذي حدث في ألمانيا مختلف بعض الشيء لأن رسوخ الحداثة مكّن شعبها من التعافي والعودة إلى مؤسساته. لقد استيقظ الوحش الأشقر ثم عاد إلى سباته حتى إشعار آخر. أو لنقل أن تحطيم الإنسان في بلاد الحداثة اتخذ مسارًا آخر.

أمّا في العالم الآخر، عالم الشرق المزين بالتمائم والبخور، الغافي عند أعتاب القرن العاشر الميلادي، فلم يكن للحداثة فيه من صولة كي يُعوِّل أحد على مفهوم الدولة؛ الدولة في ألمانيا استدعت أشباح الماضي، بينما أشباح الماضي التي تزداد تألقا وشبابا، ومعها روح القبيلة والطائفة والجماعة هي التي استدعت الدولة في الحالة الأخرى وضمتها تحت جناحها. ذلك أدى إلى أكبر عملية تزوير في تاريخ السياسة، وإلى ترسيخ حالة الجهل والاعتياش على وتر العصبيات الإثنية والطائفية والجهوية.

إنه الاستبداد بحلته الشرقية، حيث كل شيء تعوّذ بسببه عبد الرحمن الكواكبي من الشيطان الرجيم؛ حكومة الفرد المطلق، ووراثة العروش الملكية أو الجمهورية، والسيطرة على الجيوش، وحيازة السلطة المتعالية. وحيث كذلك ما سماه الدكتور حسن حجازي بـ «الإنسان المهدور» الذي تهدر طاقاته ووعيه وفكره وماله، ويصادر حقه في الرفض والثورة والحب والانتماء غير المشروط. وحيث الأعداء والضحايا في آن معا، والقتل الأخلاقي والنفسي، والموت الذي وصفته حنا أرندت بأنه مجهول الهوية.

ختامًا

يبقى أن نقول شيئا؛ إن نقد يونغ للدولة كان نقدًا لعصر الحداثة بأكمله. هو نقد في صميم التنوير الذي حيّد الآلهة ونسي خطورة الوحش الرابض في قلب الإنسان. أنت تخوض رهانًا خاسرًا إذا عوّلت على العقل في الزمن الذي تنتشي فيه الغرائز؛ إذ لا يمكن للعقل أن يسود على الصراخ ولا أن يوقف الحماس المتدفق. على الحداثة إذًا أن تتواضع قليلًا أمام روح الإنسان، لأنها كما وصفتها ماري كليجز، شيدت العقل كـ«سردية كبرى» فجعلت المعرفة مماثلة للعلم، وأقامتها مناقضة للأسطورة. والأسطورة سيئة السمعة إنها «طريقة سيئة وبدائية ولا عقلانية». غير أن عالم النفس الكبير يقول لنا أن الأسطورة لا تغيب، والآلهة كما نقائضها متجذرة في عالم الإنسان. ربما أثرت نشأة يونغ المتدينة في رؤيته هذه؛ إنه يقرُّ بوجود هذا الوحش ويحذر منه. ويرى أنه كائن خالد قادر على الانبعاث في أي لحظة. يحتوي موروث كل شعب على هذه العلامات القارة في الأعماق، التي يمكن استدعاؤها فرديًا، كما في حالة طالبة الفلسفة، أو جماعيًا كما حصل للألمان في ظل النازية. لقد لاحظ يونغ اضطرابًا نفسيًا زائدًا عن الحد عند مرضاه الألمان في السنوات التي ظهرت فيها النازية، وتلمّس شيئًا في الأعماق ينبعث من جديد. كان الوحش الأشقر يتململ والدولة النازية ترعى الكائن الخفي وتستمد منه مبررات وجودها.

رهان ما بعد الحداثة إذًا يكمن في قدرتها على إقامة التوازن بين حاجة الإنسان إلى ذاته كي يرضى عن وجوده، وحاجته إلى النظام كي يبني الحضارة. طغى في ذلك الوقت جزع من مخرجات الحداثة السياسية ساد أوروبا كلها. وبدا أن التشاؤم هو سيد الموقف.

_______________________________________________________________________________

1) من أعمال كارل غوستاف يونغ المترجمة إلى العربية: التنقيب في أغوار النفس البشرية، والنازية في ضوء علم النفس، وجدلية الأنا والوعي.

2) نضرب لذلك مثلًا بما ورد في سورة الحجر «فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين». فنفخ الروح يعادل إجراء الريح عند القرطبي. وفي المعجم الوسيط، الروح هي ما اتسع، وما به حياة النفس، والراحة والرحمة، ونسيم الريح. إذ نقول وجدت روح الشمال؛ أي برد نسيمها.


كارل يونغ: صديق فرويد الحميم الذي فرّق بينهما اللاوعي

غيداء أبو خيران محرر صحفي في نون بوست

كارل يونغ- عالم النفس السويسري الشهير
تُعتبر العلاقة الغريبة بين كل من عالم النفس الشهير سيغموند فرويد وكارل يونغ من أكثر العلاقات غرابةً في تاريخ علم النفس. تلك العلاقة التي بدأت بصداقةٍ شديدة، وتأثّر معرفيّ كبير، تحوّلت مع الأيام إلى صراغٍ علميّ طويل انتقل إلى الحياة الشخصية، لدرجة أن فرويد اتهم يونغ بتمنّي الموت له والإفصاح عن ذلك بطريقة غير مباشرة من خلال محادثة جرت بينهما على متن قطار تحدّث فيها يونغ عن الآثار والقبور وعظام القدماء وهذا ما أثار حفيظة فرويد.

ترجع بداية حكاية العالمين إلى عام 1907، حيث التقى كلٌ منهما للمرة الأولى بعد عام كامل من المراسلات الكتابية حيث كان نجم فرويد آخذٌ باللمعان مع الوقت في حين أنّ يونغ كان متأثرًا ومعجبًا بكتاباته. ويقال إن المحادثة الأولى بينهما استمرت لأكثر من 13 ساعة دون أي توقف يُذكر. فرويد الذي كان يعتبر نفسه “فاتحًا” في علم النفس، رأى في يونغ وليّ عهد له أو خليفةً. أمّا يونغ فقد بجّل فرويد تبجيلًا عظيمًا حتى رآه كأبٍ روحيّ وأستاذٍ لا يُكرّر.

 

freud_jung_10lrg.jpg

فرويد ويونغ يحتفلان بعيد ميلاد يونغ في منزله في زيوريخ- 1907

في عام 1909، سافر الاثنان إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليعرّفا بمدرسة التحليل النفسيّ لجمهورها الجديد في جامعة فوردهام في نيويورك من خلال مجموعةٍ من المحاضرات. أمضى كلاهما 3 أشهر في تلك الجولة شكّلت أوج صداقتهما الحميمة التي انتهت بعد مدة وجيزة نتيجةً لبعض الاختلافات الإيديولوجية الناشئة بينهما.

نشأ خلاف يونج الأساسي مع فرويد من نتيجةَ فهمهما المختلف عن اللاوعي. رأى يونغ نظرية فرويد عن اللاوعي على أنها غير كاملة. وفقًا له، فإنّ تصور فرويد عن اللاوعي فقط كمخزن للعواطف والرغبات المكبوتة هو تصوّر ناقص. ولنكونَ أكثر دقّة، وافق يونغ فرويد في تصوّره للاوعي الشخصيّ، لكنّه اقترح وجود شكلٍ ثانٍ للاوعيّ أعمق بكثير من ذلك الذي يرتكز على الذات والشخصية؛ أطلق عليه مصطلح “اللاوعي الجَمعي”.

اللاوعي عند يونغ ينقسم إلى فرديّ يشمل الذكريات المنسية والأفكار المقموعة وجَمعيّ يشمل التجارب الجمعية المشتركة مع النوع البشري ككل وحصلنا عليها نتيجة التطور
كيف قدّم يونغ اللاوعي؟

تمامًا مثل فرويد وإيريك إيريكسون، اعتبر يونغ أنّ النفس الإنسانية تتكون من عدد من المكوّنات المنفصلة ولكن المتفاعلة في ذات الآن، هي الأنا واللاوعي الشخصي واللاوعي الجَماعي. وفي حين أنّ “الأنا”، وفقًا ليونغ، تمثّل العقل الواعي الذي يشمل الأفكار والمشاعر والعواطف والذكريات التي يدركها الفرد، وهي المسؤولة إلى حدٍ كبير عن الشعور بالهوية والاستمرارية، إلّا أنّ اللاوعي أيضًا يمتلك تأثيرًا على الشخصية، ولكن ليس بالطريقة التي رآها فرويد على أنه مستودع الرغبات الجنسية الخفية والذكريات المنسية والأفكار المقموعة فقط.

اقترح يونغ أنّ اللاوعي يتكون من طبقتين. أولاهما اللاوعي الفرديّ الذي يشمل الذكريات المنسية والأفكار المقموعة، وهو نفس نسخة فرويد من اللاوعي. أمّا الطبقة الأخرى فهي “اللاوعي الجَمعي”، الذي يشمل التجارب الجمعية المشتركة مع النوع البشري ككل وحصلنا عليها نتيجة تاريخنا التطوّري.

وبالتالي، فإنّ العقل البشري لديه خصائص فطرية “مطبوعة” فيه نتيجة للتطور، مثل خوفنا من الظلام أو الثعابين والعناكب، وغيرها من الأمثلة. الفكرة التي أكّد عليها لاحقًا “علم النفس التطوريّ”، شكّلت مساهمة يونغ الأكثر أصالة وإثارةً للجَدل في ذلك الوقت، خاصة بعد إضافته لما أسماه “الأنماط الأولية”.

اعتبر يونغ أنّ ماضينا البدائي هو أساس النفس البشرية وهو ما يؤثّر على سلوكيّاتنا الحالية ويوجّهها.
والأنماط الأولية هي نوع من الاختصار الدراماتيكي للأنماط الموروثة في الجنس البشريّ منذ بدء الخليقة وحتى الآن. وقد بسّطها يونغ بكونها عدة خصائص يسهل التنبؤ بها والتعرف عليها يولد بها جميع البشر وتجعلهم يتخذون ردود الفعل ذاتها في مواقف معينة، وهي مكون أساسي في الإنسان مثلها مثل السمات العقلية التي تلهم الطيور لبناء أعشاشها على سبيل المثال.

وبما أنها موروثة في الجنس البشريّ، فقد رأى يونغ أنّ الأنماط الأولية هذه هي صور وأفكار لها معانٍ عالمية عابرة للثقافات قد تظهر في الأحلام أو الأساطير أو الخرافات أو الأديان أو الأدب أو الفن. ولهذا اعتبر أنّ ماضينا البدائي هو أساس النفس البشرية وهو ما يؤثّر على سلوكيّاتنا الحالية ويوجّهها.

وعلى إثر هذا التعريف، فقد استشهد يونغ بصورة الأم كمثالٍ أصيل. إذ أنّ للأم صورة أولية كانت في الماضي وما تزال حتى الآن، وهذه الصورة هي محصّلة خبرات اكتسبناها عبر الأجيال وتعاملنا معها بطريقةٍ متشابهة. وعلى ذلك كلما تطابقت الأم الفعلية مع الأم الصورة كان التوافق في حياة الطفل والبالغ من بعد، فإذا حدث أن كانت الأم مسيطرة أو نابذة اضطربت حياة الطفل والبالغ في المراحل اللاحقة، ما يؤدي بالشخص إلى البحث عن أمّ بديلة على شكل رمز في العالم من حوله.

ومن هذه النقطة، اختلف يونغ مع فرويد الذي اختزل كافة الدوافع الإنسانية في الدافع الجنسي، كما أنه أعزى تعلٌّق الطفل الشديد بأمه إلى حقيقة أن الأم هي المانح الأول والأساسي للحب والرعاية في حياة ابنها، وليس بسبب ما اعتقده فرويد من احتمالية وجود رغبة جنسية مكبوتة من جانب الطفل لأمه تبعًا لما تصفه عقدة أوديب.

عام 1912 أرسل يونغ خطابًا شديد اللهجة إلى فرويد يصفه فيه بالمتعالي الذي يظن نفسه معصومًا من الخطأ ويحتقر تلاميذه ليرد فرويد بعدها بخطاب يصف فيه يونج بالمريض النفسي ويخبره أن صداقتهما قد انتهت إلى الأبد بعد أنْ ورثّت غضبًا شديدًا واختلافاتٍ كبيرة استمرّت بعد موتهما بين مؤيّديهما وتلامذتهما.

وعلى الرغم من أنّ أفكار يونغ لم تكن شائعة كتلك التي أتى بها فرويد، إما لغموضها أو لاهتمامها بالدين والأساطير، إلا أنه قدّم لعلم النفس ما هو أكثر من نظرية اللاوعي، لا سيّما في تطوير سمات الشخصية الحديثة وتركيزه على الشخصية الانطوائية الانبساطية. وقد لعب أدوارًا مهمة في تشكيل علم النفس والعلاج النفسي والطب النفسي المعاصر، فكان أول من استخدم تقنية “الحلم المستثار” في جلسات العلاج، وابتكر فيما بعد طريقة “العلاج النفسي الرمزي” الذي يلعب فيه الخيال المحفّز دورًا كبيرًا في عملية شفاء الاضطرابات النفسية والعقلية.

ومن أهم أعمال كارل يونغ النماذج الأصيلة لللاوعي الجمعي، تطوُّر الشخصية، الروح في الإنسان والفن والأدب، مقدمة إلى علم النفس التحليلي، الأحلام، التنقيب في أغوار النفس، تحوُّلات الليبدو ورموزه، مشكلات الإنسان الحديث في البحث عن الروح، وآخرها “الكتاب الأحمر”، أكثر كتبه شهرةً والذي احتاج لإنجازه ما يقارب 16 عامًا.


قراءة في كتاب النماذج البدئية واللاوعي الجمعي – كارل غوستاف يونغ

علاء موفق رشيدي
الحوار المتمدن-العدد: 5822 – 2018 / 3 / 21 – 15:04 النماذج البدئية و اللاوعي الجمعي : كارل غوستاف يونغ. دار الحوار – 2016.  ترجمة : متيم الضايع.

يقع الكتاب بما يقارب الخمسمائة صفحة، حيث يسعى المؤلف (كارل غوستاف يونغ) من خلاله للتعريف، بالمفهوم الذي أسس ونظر له أي مفهوم ” اللاوعي الجمعي”، وتحديداً خصائص ما يطلق عليه ” النماذج البدئية الأولى “، والتي يراها بمزايا كونية تجعلها مغايرة عن اللاوعي الشخصي ذو الخصائص الفردية.

يتألف الكتاب من ستة أبحاث قدمها (كارل يونغ ) بين الأعوام 1940 – 1955، وهي على التوالي :
• ( النماذج البدئية للاوعي الجمعي، 1954)
• (نموذج الأم البدئي، 1954).
• (ما يتعلق بالولادة الجديدة، 1950).
• (نموذج الطفل البدئي، 1951).
• (الظواهر المرتبطة بالروح في الحكايات الخرافية، 1948).
• (الوعي واللاوعي والتفرد، 1940).

النماذج البدئية للاوعي الجمعي :

في البحث الأول من الكتاب وتحت عنوان (النماذج البدئية للاوعي الجمعي)، يبين مؤلف غوستاف يونغ، أن فرضية اللاوعي الجمعي غالباً ما استقبلت بإستغراب واستهجان من قبل الناس، ورغم هذا الإستقبال الأولي فإن الناس لا يلبثون أن يشعرون بألفة مع هذا المفهوم، ويبدأون بإستخدامه في تعابيرهم.

يمايز (غوستاف يونغ) بين اللاوعي الجمعي واللاوعي الشخصي. فيرى أن الطبقة السطحية الأولى من اللاوعي تكون حاملة لكل سمات اللاوعي الشخصي عند الأفراد. لكن هذا اللاوعي الشخصي يستقر فوق طبقة أعمق، لا تستمد من التجربة الشخصية، كما أنها ليست إكتساباً فردياً، بل هي طبقة تصل بالفطرة مع الولادة، حسب اعتقاد يونغ الذي يوضح أنه يطلق على هذه الطبقة صفة ” الجمعي ” لأن هذا الجزء من اللاوعي كونياً وليس فردياً.

يدافع (كارل يونغ ) عن فرضية الأساس اللاواعي في تشكيل الأساطير، وهو ينتقد محاولات الإنسان المستمرة لتفسير الأساطير لأنها أهملت اللجوء إلى النفس كمفتاح لفهمها، فيكتب : ( إن الإنسان ينكر ببساطة أن النفس تحوي جميع الصور التي جعلت الأساطير تظهر دوماً، وهذا يبين أن لاوعينا موضوع فعال، وهو يعاني من الدراما الداخلية التي يعيد الإنسان اكتشافها عن طريق القياس في عمليات الطبيعة الكبيرة منها والصغيرة ).

ويضيف (كارل يونغ) موصفاً ومنتقداً التجربة الإنسانية التي أهملت البحث في داخل النفس، قائلاً : (لقد حقق ذكاؤنا أكثر الأشياء هولاً، كما أن مسكننا الروحي أصبح في حالة سيئة. إننا مقتنعون تماماً أنه حتى بمساعدة التلسكوبات الأكبر والأحدث التي تبنى في أمريكا الآن، سيكتشف الناس أن ليس هناك من سماء ملتهبة وراء السديم، ونعرف أيضاً أن أعيننا ستتجول بيأس عبر الفراغ الميت للفضاء النجمي. ولن نكون أفضل حالاً عندما تكشف لنا الفيزياء الرياضية هذا العالم المتناهي في الصغر. في النهاية، نحن نحفر في حكمة العصور كلها وأناسها كي نكتشف فقط أن كل ماهو غال ونفيس علينا، كان قد قيل لنا)

هكذا يحاول (كارل يونغ ) في الفصول التالية الكشف عن ما يطلق عليه ” النماذج البدئية الأولية ” التي يتضمنها اللاوعي الإنساني الجمعي، وهو يطرحها كدلائل للمناقشة ، منها على سبيل المثال، الماء. يبين (كارل يونغ) أن الماء رمز شائع في اللاوعي، وحسب تعابيره فإن البحيرة في الوادي هي اللاوعي الذي يستلقي، وأخيراً يناقش أن الماء من الناحية السيكولوجية، يعني الروح التي أصبحت لا واعية.

ومن هذه الآلية في تحليل الصور البدئية، يركز (كارل يونغ) على ( الأنيما )، كمثال لما يعتبرها أولى الصور البدئية الأنثوية في اللاوعي الجمعي،

إن الأنيما ليست ” النفس ” في المعنى العقائدي، وليست ” الأنيما العقلانية ” ذات المفهوم الفلفسي، بل هي نموذج بدئي طبيعي يلخص بشكل مقنع كل عبارات اللاوعي المتعلقة بالعقل البدائي، وتاريخ اللغى والدين. ويرى يونغ أن بإمكاننا أن نعزو الكثير من الحياة النفسية اللاواعية إلى الأنيما، والتي لا يراها كخصيصة من خصائص اللاوعي، بل هي أحد وجوهه أيضاً، فهي مثمرة من خلال حقيقة أنثويتها تحديداً، لأن الذكورة تنظر إلى كل ما ليس ذكورياً، وكأنه خارجاً عنها، كل ما لاينتمي إلى الذكورة يقع خارجها، وهنا يتم إسقاط صورة الأنيما على النساء عادةً.

ويتابع (يونغ ) عن رمز الأنيما، – التي يطور فكرتها لتكوّن في رؤيته “اللاوعي الأنثوي الجمعي”، فيكتب شارحاً فضاءاتها وعوالمها : ( مع نموذج الأنيما البدئي ندخل عوالم الآلهة، أو بالأحرى العوالم التي احتفظت فيها الميتافيزيقية لنفسها. كل شيء تمسه الأنيما يصبح ذو صفات دينية – يصبح مطلقاً وخطيراً وساحراً ومحرماً. إنها الأفعى في فردوس الإنسان الطيب صاحب القرارات الجيدة والنوايا التي لا تزال جيدة، وهي تقدم أكثر المبررات إقناعاً كي لا نحدق في اللاوعي، وننشغل بما يحطم موانعنا الأخلاقية، فيطلق العنان لقوى كان من الأفضل أن تبقى لاواعية وهادئة).

يشرح (كارل يونغ ) كيفية عمل الأنيما في واحدة من فقرات الكتاب الأكثر إمتاعاً : ( عندما لا يعود المنطق واللامنطق متطابقين، تضعف قوة الفوضى بسبب تقلصها. وعندئذ يكتسي المنطق مجدداً قوة المعنى، ويكتسي اللامنطق قوة اللامعنى. وبهذه الطريقة يظهر كون جديد. وهذا ليس اكتشافاً جديداً في عوالم السيكولوجيا الطبية، بل هي الحقيقة العتيقة التي تظهر من خلال ثراء تجربة الإنسان، وتنتقل من الأب إلى الإبن عبر التعاليم)

نموذج الأم البدئي :

البحث الثاني من الكتاب مخصص ل : ( نموذج الأم البدئي ) ، فيكتب (يونغ ) في هذا الخصوص : ( كأي نموذج بدئي آخر، يظهر نموذج الأم البدئي أوجهاً متنوعة لا نهائية، ويعتبر الأول في الأهمية الأم، الجدة، زوجة الأب، ووالدة الزوجة، ومن ثم أية امرأة توجد علاقة بها، مثال الممرضة، المربية، أو ربما الأسلاف البعيدين من فئة النساء، ومن ثم يتم توصيفهن بالأمهات بالمعنى المجازي، وتنتمي الإلهة، والدة الله العذراء، وصوفيا في الميثيولوجيا الإغريقية، إلى هذه الفئة. كما تعرض الأسطورة تنوعاً ضخماً لنماذج الأم البدئية)

فيما يتعلق بالولادة الجديدة :

وهو بحث ألقاه يونغ كمحاضرة خلال إجتماع ” إيرانوس ” في العام 1939، وهو يعالج عبره مفهوم الولادة الجديدة الذي يحمل جوانب متعددة، وتختلف استعمالاته بين المرة والأخرى، لكن يونغ يحدد الأنواع الخمسة الرئيسية لأشكال الولادة الجديدة، ألا وهي :

1. التقمص Metempsychosis : الشكل الأول هو التقمص أو هجرة النفس، وبحسب وجهة النظر هذه، تطول حياة المرء زمنياً عبر مرورها بحالات جسدية مختلفة، أو من وجهة نظر أخرى، هي سلسلة حياة تقطعها حالات تناسخ مختلفة. وفي هذا النوع من غير المؤكد إطلاقاً إن كان استمرار الشخصية مضموناً أم لا : فربما يكون هناك استمرار للكارما، لكن لا دلائل لدينا عن استمرار لوجود الشخصية من عدمه. ومن نماذجها ما عايشه بوذا من سلسلة طويلة جداً من حالات إعادة الولادة.

2. التناسخ Reincarnation: يعني مفهوم إعادة الولادة هذا ضرورة ضمان استمرار الشخصية. فيعتبر وجود الشخصية البشرية هنا مستمراً، كما يمكن للذاكرة أن تصل إليه، أي إنه عندما يولد المء أو يستنسخ، يكون قادراً، أو يحتمل على الأقل أن يكون قادراً على تذكر أنه عاش حيوات سابقة. وأن تلك الحيوات كانت حيواته، أي كان لديه فيها شكل ” الأنا” ذاته كما هو في الحياة الحالية. وكقاعدة عامة، يعني التناسخ إعادة الولادة في جسد الإنسان.

3. البعث Resurrection : يعني البعث عودة الإنسان إلى الحياة بعد الموت، ويدخل عنصر جديد هنا : إنه عنصر تغيير كينونة الإنسان أو انتقالها أو تحولها. ويكون هذا التغيير جوهرياً بحيث يكون الكائن المعاد بعثه شخصاً مختلفاً تماماً، أو يكون تغيراً لا جوهرياً بحيث تتغير الشروط العامة لوجوده الجديد وحسب، كما يحدث عندما يجد المرء نفسه في مكان مختلف أو في جسد مختلف تشكل بطريقة مختلفة تماماً.

4. التجديد Rebirth ( Renovation ) : يهتم الشكل الرابع بإعادة الولادة بالمعنى المباشر، أي إعادة الولادة على امتداد حياة الفرد. الوجه الأول أن تكون إعادة الولادة هنا تجديداً من دون أي تغيير في الكيان، بقدر ما تبقى الشخصية التي تجددت على حالها بدون تغيير في طبيعتها الجوهرية بل في وظائفها فقط. أما الوجه الآخر لهذا الشكل الرابع فهو ” التحول ” الجوهري، أي إعادة ولادة كاملة للفرد، ويمكن أن نسميه ” انتقالاً ” أما الأمثلة عليها فهي تحول الكائن الفاني إلى خالد، والجسدي إلى روحاني، والبشري إلى سماوي. كما هو معروف عن نموذج تجلي يسوع المسيح وصعوده، وافتراض وجود ” والدة الله ” في الجنة بعد موتها مع جسدها. وفي الأدب يمكن العثور على أمثلة مشابهة في الجزء الثاني من مسرحية (فاوست – غوته) حيث تحوّل فاوست إلى جسد، ومن ثم إلى دكتور مارينوس.

5. المشاركة في عملية التحول Participation in the process of transformation : إن الشكل الخامس والأخير هو إعادة الولادة غير المباشرة. ويحدث التحول هنا عبر موت المرء وولادته من جديد بشكل غير مباشر، عبر المشاركة بعملية التحول التي يتم تخيلها كما لو أنها تحدث خارج الفرد. أي يكون على المرء أن يشهد إحدى شعائر التحول أو يشارك بها يمكن العثور على نماذج مشابهة لتحولات الألوهية في الألغاز الوثنية. وهناك المشاركة في طقوس التلقين التي تمنح البركة بحسب المعرفة التي لدينا حول الأسرار ” الأليوسينية ” التي تشيد بالنعمة التي منحت من خلال طقوس الخلود.

هذه هي أشكال الولادة الجديدة التي يحددها يونغ، محاولاً أن يقدم تعريفاً واضحاً لكل منها، ومبيناً تكرارها عبر الحضارة البشرية، وتمظهرها سواءاً في علاقة الفرد مع نفسه أو مع المجموعة.

هنا يميز (كارل يونغ) بين اختبار المرء للتحول في ذاته، وبين اختباره ضمن مجموعة، فيشرح بدقة : ( إن إختبار الإنسان للتحول ضمن المجموعة، واختباره له في ذاته، شيئان مختلفان. فإن إتحدت أية مجموعة ضخمة من الأشخاص، وتماهى أفرادها أحدهم مع الآخر عبر إطار عقلي خاص، فستحتوي تجربة التحول الناتجة عن هذا الإتحاد تشابهاً بسيطاً جداً مع تجربة التحول الفردية)

ثم يضيف : ( لكن تجربة التحول مع مجموعة تحدث على مستوى وعي أكثر إنخفاضاً من مستوى وعي تجربة الفرد. وهذا يعود لحقيقة أنه حين يتجمع الناس معاً ليتشاركوا عاطفة عامة واحدة، تكون النفس الكلية الناتجة عن المجموعة تحت مستوى النفس الفردية. وإن كانت المجموعة ضخمة جداً، فإن النفس الجمعية ستكون أكثر شبهاً بنفس الحيوان. ومن هنا فإن كان للفرد ما يسمى تجربة جمعية كعضو في مجموعة، فهي تجري على سوية وعي أدنى من التحول الحاصل في التجربة الفردية المحضة)

ليختم عن التمييز بين تجربة التحول الفردية وتجربة التحول مع مجموعة بالقول : ( إن تجربة تحول المجموعة تتكرر أكثر بكثير من تجربة التحول الفردية، كما أن تحقيقها أسهل بكثير لأن حضور عدد كبير من الناس معاً يصرف طاقة إيحاء كبيرة. وبسهولة كبيرة يقع الفرد في الحشد، ضحية إيحاءاته الشخصية. إن المرء لا يشعر بشخصيته في الحشد، ولا يشعر بالخوف أيضاً )

نموذج الماندلا البدئي :

في القسم الرابع يدرس (كارل يونغ) (سيكولوجيا نموذج الطفل البدئي )، وفي القسم الخامس تطالعنا موضوعتان هامتان، الموضوعة الأولى : (الظواهر المرتبطة بالروح في الحكايات الخرافية)، والموضوعة الثانية ( عن سيكولوجية شخصية المحتال)

أما القسم السادس فينقسم إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول بعنوان ( الوعي واللاوعي والتفرد)، والمبحث الثاني بعنوان : ( بحث في عملية التفرد)، والمبحث الثالث بعنوان ( فيما يتعلق برمزية الماندلا)، وهي محاضرة تم نشرها للمرة الأولى بعنوان (حول رمزية المندلا في تكوين اللاوعي ) في العام 1950.

تعني كلمة (مندلا) بالسنسكريتية ” دائرة ” ، وهي مصطلح هندي لحلقات تم رسمها في طقوس دينية، وهي تعرف في الإستخدام الطقسي بإسم يانترا، أي وسيلة التعمق بالتفكير، وهي تعني المساعدة على التركيز عبر تضييق حقل الرؤية النفسي وحصره في المركز. تحتوي الماندلا عادة على ثلاث دوائر مرسومة بالأسود أو الأزرق الغامق ويقصد بها الإبتعاد عن الخارج وتجميع الداخل. وتعود أصولها إلى طقوس بوذية الماهايانا.

ويتضمن الكتاب العديد من الصور التوضيحية عن بنية الماندلا، وكيفية ترابط التشكيلي والنفسي المفاهيمي في الماندلا، التي يعمد (كارل يونغ ) إلى تحليلها بغاية إثبات الأهمية الوظيفية للماندلا، كونها من أدوات التأمل والتركيز والغوص الذاتي بغية إدراك التجربة الذاتية، وهي تعمل على إنتاج نظام داخلي – وهذا سبب ظهورها على شكل سلسلة رؤى تتبع حالات فوضوية غير منظمة تتسم بالصراع والقلق. إنها تعبر عن فكرة الملاذ الآمن والوفاق الداخلي والكلية.

يكتب (كارل يونغ ) عن الدافع من تحليل الماندلا : ( أستطيع أن أقدم العديد من اللوحات من كافة أنحاء العالم، وسيدهش المرء لرؤيته أن تلك الرموز تُحكم بالقوانين الأساسية ذاتها التي يمكن مراقبتها في المندلات الفردية. فظهور المندلات الجديدة التي لم تخضع لتأثير سابق، يبين النتيجة التي مفادها أنها نظاماً يتجاوز الوعي لدى كل فرد قادر على إنتاج الرموز ذاتها أو الشبيهة بها تماماً في أي وقت وأي زمان. وبما أن هذا الميل ليس ملكية فردية بشكل عام، فقد أسميته ” اللاوعي الجمعي ” ، وافترضت وجود صور بدئية كأساس لمنتجاته الرمزية وأسميتها ” النماذج البدئية “. وأريد أن أضيف أنه لا يتم التعبير عن تطابق محتويات الفرد اللاواعية مع مشابهاتها الأصلية من خلال الشكل فقط، بل من خلال معناها أيضاً )

خاتمة :

نختم هذا التقديم للكتاب، بفقرة نختارها من دفاع (كارل يونغ) في ضرورة التعامل، وعدم إهمال دراسة النماذج البدئية، حيث يكتب : ( لن نجني أية مكاسب من تنحية النماذج البدئية جانباً وكأنها شيء عديم القيمة، لأن النماذج البدئية من بين الأصول الثابتة لكل نفس. الصور النموذجية البدئية الأولى من بين الأشياء الأكثر قيمة للنفس الإنسانية، إنها تسكن جنان كل الأعراق البشرية منذ الأزمنة الغابرة. وأن ننبذها كشيء لا قيمة له هو خسارة. ولذلك فإن مهمتنا ليست إنكار النموذج البدئي بل إذابة الإسقاطات من أجل استعادة محتوياتها إلى الفرد الذي فقدها لا إرادياً من خلال إسقاطها خارجه. )

علاء رشيدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.