الرئيسية / الرئيسية / مقالات / دين / فلسفة الملّة وتوضيح الدين عند الفارابي

فلسفة الملّة وتوضيح الدين عند الفارابي

نورالدين علوش/ مؤمنون بلا حدود

مقدمة:

لعله من نافلة القول، الحديث عن الوشائج الوثقى بين الفلسفة والدين عبر التاريخ والعصور؛ فذلك أصبح من البديهيات، التي يمكن القول معها: إنه لا وجود للفلسفة دون الدين، ولا وجود للدين دون الفلسفة.

وهذا القول لا ينطبق على الإسلام وحده؛ بل يسري على جميع الأديان، ولعل اهتمام الفارابي بالدين، من خلال أعماله الفلسفية المختلفة، خير دليل على اهتمام الفلاسفة المسلمين، وانشغالهم بالدين، ومعالجتهم لقضاياه المتنوعة[1].

فالفارابي، حسب محسن مهدي: هو أول فيلسوف طور فلسفة للملّة، تعتمد، في أساسها، على التراث الفلسفي الأفلاطوني والأرسطي، بشكل عام، وعلى الفلسفة الأفلاطونية، بصورة خاصة.

لقد سبق للفارابي أن تناول الدين في كتبه المتعددة، وخاصة في كتاب الحروف، لكنه أبى إلا أن يخصص كتابًا بعينه لفحص هذه المسألة، هو: كتاب “الملة”، وقد يكون، هذا الكتاب، لاحق التأليف لكتاب الحروف، بقرينة عدم ذكره في كتاب الحروف، وذكر غيره من كتب الفارابي في المنطق[2].

الملّة عند الفارابي:

1- الملة في كتاب الملة:

لقد خصص الفارابي كتابًا للبحث في الدين، هو “كتاب الملة”: الذي نرى أن غاية الفارابي الأولى، أو القريبة من تأليفه، هي؛ توضيح حقيقة الدين، وصفات رئيسه الأول، وخلفائه، وعلاقته بعلمي الفقه والكلام، وكذلك، علاقته بالفلسفة[3].

ينطلق الفارابي في تفسيره لمحددات حدوث الملة من فرضية أساسية، مضمونها؛ أنه بعد اكتمال العلوم النظرية والعملية، تأتي مرحلة وضع النواميس، وهذا يحتاج إلى صناعة خاصة بذلك، وهي “صناعة وضع النواميس”، والحاجة إلى وضع هذه الأخيرة؛ هي التي أدت إلى حدوث الملة[4].

ويستعمل الفارابي كتاب “المتناول”، حاليًّا، بالدرس، لتعريف الملة، قائلًا: “الملة؛ هي آراء، وأفعال مقدرة ومقيدة بشرائط يرسمها للجمع رئيسهم الأول، ويلتمس أن ينال باستعمالهم لها غرضًا محدّدًا له، فيهم أو بهم، والجمع، ربما كان عشيرة، أو مدينة، أو صقعًا، أو أمة عظيمة، أو أممًا كثيرة. والرئيس الأول، إن كان فاضلًا، وكانت رئاسته فاضلة، في الحقيقة؛ فإنه يلتمس بما يرسم، أن ينال، هو وكل من تحت رئاسته، السعادة القصوى؛ التي هي، في الحقيقة، سعادة. وتكون تلك الملّة فاضلة”[5].

إن هذا التعريف الواسع والمحايد[6]، حسب الباحث محسن مهدي، لا يبين أي رأي خاص في الله، والملائكة، والنبوة، والوحي، والثواب والعقاب في الآخرة، أو في مجال الأخلاق، ويتكون من أربعة عناصر، تجيب عن أربعة أسئلة:

1) ما هي الملة؟

إنها جملة آراء وأفعال مقيدة بشرائط؛ أي جانب نظري وجانب عملي. النظري: هو مجموعة الآراء المتعلقة بالله وبالملائكة؛ أي الإلهيات، وكذلك، الآراء الخاصة بتركيبة العالم، ومنشئه؛ أي الكوسمولوجيا، والآراء المتعلقة “بالإنسان وحصول النفس فيه”[7].

إضافة إلى تضمن الملة آراء خاصة بالعقل، ومرتبته من العالم، ومنزلته من الله، وكيف يكون من الروحانيين، و”النبوة ما هي؟ والوحي كيف هو؟”[8].

وإذا كان ما سبق من آراء نظرية متعلقة بأشياء نظرية[9]؛ فإن الجانب الثاني من الآراء النظرية، يتعلق بأشياء إرادية؛ أي عملية تخص أفعال الأنبياء، والملوك، والمدن، والأمم[10]، إن كل هذه الآراء، وإن كانت نظرية؛ فإنها تهدف إلى العمل؛ لأنها مجموعة من المثالات، التي يجب أن تساعد الناس في مراسهم[11].

“إن آراء الملة؛ هي صفات تحيل إلى المدنيين، جميع ما في المدينة من ملوك، ورؤساء، وخدم، ومراتبهم، وارتباط بعضهم ببعض، وجميع ما يرسم لهم، ليكون ما يوصف لهم من ذلك، أمثلة يقتفونها في مراتبهم وأفعالهم”[12].

إن الطبيعة العملية للملة، تتجلى بوضوح أكثر في الجانب العملي منها؛ أي الأفعال، وهي: مجموعة الأقاويل التي ترد إلى العبادات، تمجيدًا وتعظيمًا لله، والملائكة، والأنبياء، …إلخ[13]، وكذلك، معاملات أهل المدن[14].

2) من هو الفاعل الذي يحقق له أن يكون الرئيس الأول، واضع الملة؟

فالملة تفترض رجلًا يأتي بشريعة وعقيدة، فيجتمع الناس حوله، لا للاعتقاد فقط؛ وإنما ليقودهم إلى غرض معين؛ فالرئيس الأول: هو الذي يؤسس المدينة الفاضلة، والملة، حسب النص، لا تكون فاضلة إلا إذا كان الرئيس فاضلًا، ولا يكون الرئيس فاضلًا، إلا إذا كان نبيًّا فاضلًا يوحى إليه بالحقائق[15].

3) لمن تقدر تلك الآراء والأفعال؟

إنها جماعة ما، أو جمهور من الناس؛ إذ لا يقدرها الرئيس الأول للملة لنفسه، أو لبعض الأتباع وحسب؛ وإنما يقدرها لجماعة ذات حجم معين.

4) ما هو الغرض؟

في الرئاسة الفاضلة، وهي؛ الرئاسة المؤيدة بالوحي، تقدر الآراء والأفعال في الدين، بحيث “إذا استعملت في المدن أو الأمم، عمرت بها مساكنهم، ونال بها أهلها الخيرات في هذه الدنيا، والسعادة القصوى في الحياة الآخرة[16]، ويوضح الفارابي في السعادة الحقيقية، وهي التي تطلب لذاتها، ولا تطلب في وقت من الأوقات لينال بها غيرها أشياء أخرى؛ إنما تطلب لتنال هذه، فإذا نيلت، كفّ الطلب”[17] هذه السعادة لا تتحقق إلا بإقامة المدينة الفاضلة.

أما في الرئاسة الجاهلية، وهي رئاسة غير مؤدية بالوحي، يكون هدف الدين وغايته تحقيق الخيرات الجاهلية، والتي هي خيرات دنيوية محضة، إما للرئيس الأول، من خلال استعمال أتباعه، واستغلالهم لتحقيق هذه المصالح الدنيوية، وإما للأتباع والجمهور، وإما للرئيس والجمهور معًا؛ فالغاية من الدين، هنا، مقصورة على الدنيا، ولا تتجاوزها[18].

2- الملة والدين والشريعة:

مثلث (الملة، والدين، والشريعة) تتساوى أضلاعه في الدلالة عند الفارابي تارة، وتتفاوت تارة أخرى، ويقول الفارابي في هذا الصدد: “والملة والدين، يكادا يكونان اسمين مترادفين، وكذلك، الشريعة والسنة؛ فإن هذين يدلان، ويقعان عند الأكثر من الأفعال المقدرة من جزأي الملة، ويمكن أن تسمى الآراء المقدرة شريعة، أيضًا؛ فتكون (الشريعة، والملة، والدين) أسماء مترادفة.

فإن الملة تلتئم من جزأين: تحديد آراء، وتقدير أفعال؛ فآراء الغرب المحددة للملة نوعان: إما رأي عبّر عنه باسمه الخاص به؛ الذي جرت العادة أن يكون دالًّا على ذاته، أو رأي عبر عنه باسم مثاله المحاكي له؛ فالآراء المقدرة التي في الملة الفاضلة؛ إما حق، أو مثال حق”[19].

ثم هناك مسألة أخرى، يجب الاهتمام بها، وهي: مسألة الترابط بين الملة والسنة؛ حيث إن الثنائي اللفظ الآخر، يطلق على أفعال مقدرة؛ أي على الجزء الثاني من الجزئين، اللذين منهما تلتئم الملة، وعلى الفرائض، والأقوال، والمعاملات، غير أن أحد اللفظين اللذين يلتئم منهما الثنائي؛ وهو الشريعة، يمكن أن يدل على الآراء المقدرة، أو على الجزء الأول من الملّة أيضًا. وبالتالي؛ فإن الشريعة، والملة، والدين، ألفاظ مترادفة حقًّا، وإن لم تكن كذلك؛ فإن الفروقات فيما بينها ليست ذات بال، وقد وضع لفظ سنّة جانبًا، لأنه، بلا ريب؛ لا يدل على آراء[20].

حسب حسن مهدي؛ فإن هذا الاستعمال العام، يبدو أنه يفترض، مسبقًا، التمييز بين آراء الملّة، وأفعالها، وبين الملل التي منحاها الرأي، وتلك التي منحاها الأفعال على حد سواء.

غير أن الأفعال وحدها، كما الآراء وحدها، لا تكفي لأن تلتئم الملة بها، وبصورة عامة؛ يتطابق عرض الفارابي مع الرؤية المشتركة للملة، غير أن هذه الأخيرة، تميل إلى اعتبار الملة، بالأحرى، شريعة؛ أي أفعال مقدرة، وآراء محددة، ينبغي قبولها، والتقييد بها[21].

  • الملة في كتاب “الحروف”:

خصص أبو نصر الفارابي حيزًا مهمًّا للملة، في كتابه الحروف، خاصة في الباب الثاني (131-161)، ويدرسها في علاقتها بالفلسفة واللغة.

مما لا شك فيه أن كتاب الحروف؛ هو تفسير لكتاب أرسطو طاليس، فيما بعد الطبيعة، (الحروف- مهدي 35)، غير أننا نجد ضمن هذا التفسير؛ “غرض أرسطو طاليس في كتاب ما بعد الطبيعة”، ضمن لغة جديدة، وعصر جديد؛ بل وإضافة غرض جديد؛ هو الملة.

يقدم الفارابي في الباب الثاني، حسب الدكتور محمد عابد الجابري[22]، نوعًا من فلسفة التاريخ، حاول الفارابي أن يشرح فيها تطور الثقافة في المجتمعات، من مرحلة التعبير المشخص بالإشارة والتصويت، إلى أعلى مراحل التعبير المجرد، وهي؛ مرحلة الدين والفلسفة.

وقد لجأ في محاولته هذه إلى المقايسة بين تطور الفكر اليوناني، وتطور الفكر الإسلامي، تارة يقرأ الأول بواسطة الثاني، وتارة أخرى، يقرأ الثاني بواسطة الأول، غير أنه يعرج تارة على الفكر الفارسي، وطورًا على الفكر الهندي، مبرزًا تداخل هذه الثقافات، وانتقال بعضها إلى ميدان الأخرى، محاولًا إثبات الأسبقية الزمنية للفلسفة على الدين، إلى جانب أسبقيتها المنطقية، التي شرحها في كتبه الأخرى، وخاصة في كتاب “الملة”، وكل ذلك بأسلوب تعميمي متقطع، وبطريقة تجريدية جدّ ملتوية، فيها تردد، وغموض، وتستّر، …إلخ.

فيستعرض الفارابي تطور التعبير، ابتداءً من حدوث حروف الأمة وألفاظها، مرورًا بأصل لغة الأمة، ووصولًا إلى حدوث الصنائع العامة؛ الخطابة، والشعر، ورواية الأخبار، وعلم اللسان، وصناعة الكتابة، ثم إلى حدوث الصنائع القياسية، والعلوم النظرية، ثم يتتبع تطور هذه من مرحلة الطرق الخطابية السفسطائية، إلى الطرق الجدلية، التي تأخذ بالاقتراب، شيئًا فشيئًا، من الطرق اليقينية إلى أن: “يصير الحال في الفلسفة، كما يقول، إلى ما كانت عليه في زمن أفلاطون، ثم يتداول ذلك، إلى أن يستقر الأمر على ما استقر عليه أيام أرسطو طاليس؛ فيتناهى النظر العلمي، وتتميز الطرق كلها، وتكمل الفلسفة النظرية، الفلسفة العلمية الكلية، ولا يبقى فيها موضع فحص؛ فتصير صناعة تتعلم، وتعلم فقط، ويكون تعليمها تعليمًا خاصًّا، وتعليمًا مشتركًا.

فالتعليم الخاص؛ يكون بالطرق البرهانية فقط. والتعليم المشترك؛ يكون بالطرق الجدلية، أو الخطابية، أو الشعرية”، ثم ينتقل الفارابي، عبر هذا التأويل الإيديولوجي، إلى هدفه الأساسي، فيقول: “ومن بعد هذه كلها، نحتاج إلى وضع النواميس، وتعليم الجمهور ما قد استنبط وفرغ منه، وصحّح بالبراهين من الأمور النظرية، وما استنبط بقوة التعقل من الأمور العملية؛ فإذا وضعت النواميس في هذين الصنفين، أو ضفنا إليهما الطرق التي يقنع بها الجمهور، ويعلّم، ويؤدّب؛ فقد حصلت الملّة، التي علم الجمهور بها، وأدّبوا، وأخذوا كل ما ينالون به السعادة”.

إذن؛ فالملة هدفها تعليم الجمهور بالإقناع، أو التخييل، أو بهما معًا، ما تنتجه الفلسفة برهانيًّا (الحروف 151).

ولأن الملة تخيل للجمهور الأشياء التي برهنت عليها الفلسفة؛ فلا يتردد الفارابي في إعلان؛ أن الأولى تتقدم على الثانية (الحروف 133)، وذلك؛ لأنها تابعة لها (الحروف 153)، تبعية مزدوجة؛ فهي تبعية زمنية، إذن؛ فالملة إذا جعلت إنسانية، تلت الفلسفة في الزمان، وكذلك، تبعية في المرتبة؛ إذ إنه إذا كانت الملة مستندة إلى فلسفة قديمة مظنونة أو مموهة (الحروف 151)، كانت ملة فاسدة (الحروف 154). أما عندما تكون الفلسفة التي تؤسس الملة فلسفة يقينية؛ فإن الملة، بدورها، تكون صحيحة[23].

يمكن القول: إن معيار التمييز في كتاب الحروف، بين الدين الفاضل، والدين الفاسد؛ هو نوع الفلسفة التي يتبع لها الدين.

فالدين الصحيح: هو الذي يتبع فلسفة برهانية يقينية.

أما الدين الفاسد؛ فهو الذي يتبع فلسفة غير برهانية.

ولكن هناك مشكل يطرح بالقول: (إن الملة جاءت بعد الفلسفة)؛ لأن السؤال المطروح، هنا، هو: إذا كانت الملة قد جاءت بعد الفلسفة، ينبغي أن تكون أكثر تقدمًا منها؛ فكيف يجعل الفارابي الملة إنسانية وهي ليست إنسانية لأنها عبارة عن وحي أو سنة؟

والجواب: إن علم الكلام والفقه، يخضعان الملة لمقتضيات العقل، وبفضلهما يتحول هذا النبع؛ الذي هو الملة، إلى أمر إنساني يمكن الخوض فيه[24]، فالفارابي يقول: “إنه يمكن تأسيس الملة الإنسانية في أي وقت من مسار تطورها، ما دامت تتكون من المعتقدات والممارسات، التي يفرضها المشرّع الإنساني، ولكن كمالها سيعتمد على مدى تقدم الفكر الإنساني، والخبرة الإنسانية، في ذلك الوقت.

فالملة الإنسانية عالقة، أيضًا، في هذه الحركة الدائرية للتاريخ الإنساني، وهي تتشابه مع حركة النواتج الثقافية عبر حدود الأمم، وهي عرضة للانتحال من قبل مدَّعِي تأسيس الملل، الذين يبحثون عن الشهرة والمجد؛ لذلك تكون الملة الإنسانية الأفضل: هي تلك الملة التي تتأسس في ذروة تطور الصناعات الفكرية والعملية”[25].

ونحن نعتقد أن الملة، عندما تصبح إنسانية؛ فهي عبارة عن فقه، وعلم كلام[26].

3– الملّة في تحصيل السعادة:

يعالج الفيلسوف (أبو نصر الفارابي) مسألة الملة في كتاب “تحصيل السعادة”، باعتبار الملّة محاكية للفلسفة، وليست هي نفسها الفلسفة؛ حيث إن الفلسفة معرفة بالموجودات والأفعال عن طريق البرهان الإقناعي؛ فإن هذه الموجودات “متى علمت أن تخيلات بمثالاتها التي تحاكيها، وحصول التصديق بما خيل منها عن الطرق الإقناعية، كان المشتمل على تلك المعلومات يسميه القدماء ملّة”[27].

كما أن الفلسفة والملة، لا تنحصران في الموضوع؛ بل تشتركان كذلك في المقصدان، وهما: “تعطيان الغاية القصوى، التي لأجلها كوّن الإنسان، وهي؛ السعادة القصوى”[28].

ولكن السبل النظرية مختلفة؛ إذ إن كل ما تعطيه الفلسفة من مبادئ، وأسباب، وغايات، (معقولًا أو متصوّرًا)؛ فإن الملة تعطيه متخيلًا، وإن كانت الأولى تتوسل “براهين يقينية”[29].


[1]– محمد آيت حمو، الدين والسياسة في فلسفة الفارابي، ص 27.

[2]– أحمد العلمي حمدان، الكلام كجنس، دراسة لذاتيات الكلام من زوايا ومباحث متعددة، منشورات ما بعد الحداثة، ط1، 2007م، ص 10.

[3]– عزمي طه، سيد أحمد الدين والإيديولوجيا في الفكر السياسي للفارابي، دار المسار، الأردن، 2002م، ص 15.

[4]– عبد الله الطني، معجم الفلسفة الفارابية، بحث لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة، تحت إشراف الدكتور: طه عبد الرحمن، السنة الجامعية 2003م- 2002م، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، ص 180.

[5]– أبو نصر الفارابي، كتاب الملة، نصوص أخرى، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، ط2، 1991م، ص 43.

[6]– محسن مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية، ترجمة: وداد حاج حسن، دار الفارابي، 2009م، ص 142.

[7]– كتاب الملة، ص 45.

[8]– نفس المرجع، ص 45.

[9]– نفس المرجع، ص 44.

[10]– نفس المرجع، ص 45.

[11]– صالح مصباح، مسألة الملة عند الفارابي، ضمن دراسات حول الفارابي، جامعة صفاقس تونس، 1995م، ص 190.

[12]– كتاب الملة، ص 45.

[13]– نفس المرجع، ص 46

[14]– نفس المرجع، ص 46.

[15]– محمد آيت حمو، الدين والسياسة عند الفارابي، دار التنوير، بيروت، ط1، 2011م، ص 31.

[16]– كتاب الملة، ص 54.

[17]– نفس المرجع، ص 52.

[18]– عزمي طه سيد احمد، م س، ص 35

[19]– كتاب الملة، ص 46

[20]– محسن مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية الإسلامية، ص 155.

[21]– نفس المرجع، ص 156.

[22]– محمد عابد الجابري، نحن والتراث مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006م، ص ص 118-119.

[23]– صالح مصباح، مسألة الملة عند الفارابي، ص 199.

[24] – محمد آيت حمو، الدين والسياسة عند الفارابي، ص 75.

[25] – محسن مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية الإسلامية، ص 107.

[26] – محمد آيت حمو، م س، ص 75.

[27] – أبو نصر الفارابي، تحصيل السعادة، ص 90.

[28]– المرجع نفسه، ص 90.

[29]– المرجع نفسه، ص 88.

قراءة لمسألتي الملة والسياسة׃ أبو نصر الفارابي نموذجا

د. فاطمة المومني

fatima almomani
فاطمة المومني

المقدمــة: البحث في تاريخ الفلسفة العربية هو بحث في علم قائم بذاته يستدرج الأحداث والتحولات والتطورات للفكر الفلسفي، هذا يعني أن هذا البحث هو بحث في القوانين التي تحول من الفلسفة فكرا كميا تراكميا وهو يظهر لنا جليا الاختلافات والصراعات وتضارب الأفكار يظهر لنا التقارب والتناسخ لبعض المباحث والأفكار الأخرى وهذا يعني إن الفكر الفلسفي هو فكر إلى حد ما تراكمي أي انه يكون ويتأسس نتاجا لما سبق وكذلك نتاجا للنقد الداخلي والخارجي والذي يبرز كمنهج أصيل لهذا الفكر. إن التناول الفلسفي لتاريخ الفلسفة الإسلامية جعلنا إزاء خطاب فلسفي لا يكتب من فراغ وإنما نتيجة تفاعل عناصر أدت إلى ولادته. هذا التاريخ إنما هو تاريخ مقاصد الفلاسفة، هو زمن الدفاع عن الملة، زمن المدينة الفاضلة، أي نقطة تقاطع الفلسفة والدين والسياسة عند الفارابي. وإن ما قدمه الفارابي ليس نظرية للعلاقات الممكنة بين الملة والفلسفة، بين الشيخ والرعية، بل هو تفكير في وضع الفلسفة في حيز عملي ونظري تسيطر عليه الملة، هو مجال الفكر الوسيط ويبلغ الدفاع عن الفلسفة عندما يتجاوز الفارابي الموازاة بين الفيلسوف والنبي، الإمام وواضع النواميس ومن ثمة هو دفاع عن الفلاسفة وأبعاد للمتكلمين والجمهور وتحديد لوضع الملّة بأنها تتوسّط العوام وأشباه العوام من جهة والفلسفة من جهة أخرى. وما يربوا إليه الفارابي هو تكوين رؤية فلسفية في علاقة مباشرة بالشرع، إلى تأسيس المدينة السياسية. لذلك فأهمية فلسفته تتمثل في تناوله لما يمكن أن نسميها مسألة الدينية السياسية أو الفلسفة الدينية السياسية والتي تتمحور حول قضيتين׃ النبوة والمدينة الفاضلة.

الملة عند الفارابي

إن مسألة الملة بقدر ماهي شائكة فهي هامة لأنها نقطة تقاطع الفلسفة والدين والسياسة عند الفارابي، ولكنها شائكة لأنها تظهر عند الفارابي بمظهر محاولة التوفيق بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة، بين العقل والنقل ولكنها في واقعها دفاع الفيلسوف عن الفلسفة في زمن الملة.

إشكالية الملة نجدها بين أقوال الفارابي فكان كتاب”الملة” هو كتاب وضع الملة وتم هذا الوضع ك׃ « تحديد أراء وتقدير أفعال يرسمها للجمع رئيسهم الأول يلتمس أن ينال باستعمالها غرضا له فيهم أو بهم محدود». والمقصود بالملة الأنساق الدينية كما ظهرت وتشكلت عند الأمم. فالملل ظهرت بعد أن استلهمت تعاليم الفلسفة القويمة لغاية إيصال مفاهيمها ومضامينها المجرّدة إلى أذهان عامّة تجسيم المبادئ عن طريق فعل الاقتناع على الخطاب وعن طريق تجسيم المبادئ المجرّدة في صور حسية تقدّمها المخيلة حتّى تكون يسيرة على الفهم. والملة تحمل وحيا وهي تشتمل على أراء وأفعال وأن قلنا إنها تتم عن طريق الوحي فإنّ ذلك يعني أنها لا تملك براهينها في ذاتها لأن الوحي كآراء وأفعال. وحسب الفارابي فان الملة ليست مطالبة بتقديم البراهين بل ان براهينها توجد في الفلسفة.

إنّ الملّة هدفها تعليم الجمهور بالإقناع أو بالتخيل أو بهما جميعا، ولأن الملّة تخيل للجمهور الأشياء التي برهنت عليها الفلسفة فلا يتردد الفارابي في إعلان أن الأولى تخدم الثانية وذلك لأنها تابعة لها تبعية فهي تبعية زمنية. إن الملّة إذا جعلت إنسانية تلت في الزمان الفلسفة، لكن إذا كانت الملة مستندة إلى فلسفة “قديمة مضنونة أو مموهة ” كانت “ملّة فاسدة ” أما عندما تكون الفلسفة التّي تؤسس الملّة “فلسفة يقينية” فأن الملّة بدورها تكون “صحيحة”. أن الملة الفاسدة أشبه هي كذلك “بالسيمولاكر” الأفلاطوني فهي تخيل ومثالات لأراء كاذب في حين تكون الملّة الصحيحة أشبه بالعلم إذ هي محاكمة لفلسفة يقينية هي “الفلسفة في الحقيقة” ويؤكد الفارابي ما سبق أن بينه في” رسالة التحصيل” من أن الملة شبيهة بالفلسفة ولكنه يركز هنا على رفع” محنة الفلسفة “׃ «إذ لا يؤمن أن تلحق الفلسفة وأهلها مضرة عظيمة من تلك الملة وأهلها». إن الملة في حال كونها نبوة تكون موضوع تعقل فلسفي يحددها ويؤسسها أي يعتقلها من جهة أصولها ومن جهة غاياتها.

بحث الفارابي في العلاقة بين الفلسفة والملة بحيث يرى أن الملة ليست كالفلسفة النظرية التي تكون مطلقة، الملة إذن هي مقيدة بشرائط نسبية. وواضع الملة له معرفة فلسفية، هي المعقولات النظرية المطلقة والتي لا تتغير. من ثمة الملة خادمة للفلسفة وهي أقل مكانة منها لسبب يقدمه الفارابي مفاده أن الفلسفة كونية في حين إن الملة خاصة لأمة معنية وهو ما يمثل نقدا ضمنيا كزعم الدين أن يكون لكل الناس. وينتج عن ذلك تأكيد تبعية الفقه والكلام للملة إذ ليس المتكلم إلا خادما للملة يصحح <مثالات الحق على أنها هي الحق ولذلك فالفارق بينه وبين الجمهور ليس كبيرا. أما الفقه فأنه يتشبه بالمتعقل. بين الفارابي أن صناعة الكلام والفقه متأخرتان عن الملة، والملة متأخرة عن الفلسفة يعني الفلسفة بالجملة تقدم الملة. ولقد أيد الفارابي موقفه هذا بمثال يرتبط بالصناعة فكما أن الصانع يسبق أدوات الصنع التي يستعملها فإن الفلسفة بالمثل تأتي أولا ثم تتبعها آلاتها وأدواتها التي يستعملها فإن الفلسفة بالمثل تأتي أولا ثم تتبعها آلاتها وأدواتها التي من ضمنها نجد علم الكلام والفقه .فإذا كان هذا العلمان تابعان للفلسفة فإن هذا يفضي إلى اعتبار الفارابي أن رغم المفكرين استعمال الفلسفة للكلام والفقه والملة هم مجرد أدوات للحكمة أدوات بمعنى انها وسائل تعليمية فالفقه إن كان يبحث في استخلاص القوانين والأحكام من النص والدينية لغاية ضبط أمور الناس في ما بينهم فانه لابد أن يعود إلى الفلسفة.

بما أن علم الكلام والفقه علوم خادمة للملة، فإن الملة أيضا تعتبر آلة للفلسفة وهي تخدم الحكمة في تبليغ تصوراتها المجردة استنادا إلى أولا فن التخيل وثانيا فن الإقناع والمقصود بالتخيل هو التصوير والتشخيص المرتبط بالمبادئ والكليات الفلسفية التي لا تستطيع العقول البسيطة استيعابها تحكم عدم تعودها على الرياضة الفكرية التي يمنحها صاحب الملة بعدا ماديا حتى تحصل المنفعة لكل الناس وتصبح بذلك وسيلة للإدراك المعرفي ودفعا للقيام بالأعمال الخيرية علاوة على التخيل .

لم يفرق الفارابي بين الدين والفلسفة بل حاول التوفيق بينهما أو توحيدهما لأنهما بنظرة يهدفان إلى غاية واحدة ويعالجان المسائل ذاتها، والنبي لا يختلف عن الفيلسوف بالوحي لان الفيلسوف يتلقى العلم مثل النبي من العقل الفعال وإنما يختلف عنه بالملكة التي يتصل بها بالعقل الفعال إنها المتخيلة عند النبي والعقل المستفاد عند الفيلسوف، يقول الفارابي ׃ «إن الملة الفاضلة شبيهة بالفلسفة«. الملة وجدت لعامة الناس وهي عبارة عن أراء نظرية نزلت إلى النفس النبوية عن طريق العقل الفعال وبعلاقة مع المتخيلة وبما إن هذه الآراء نظرية لا يمكن لعامة الناس استيعابها.

الصلة بين الملة والفلسفة

يبدو طابع فلسفة الفارابي، طابع توفيقي بين الحكمة والملة بين الفلسفة (لغة برهانيه تجريدية) والدين (لغة حسية تصويرية) إذ يصدران عن العقل الفعال، وهذا العقل بنيته تتركب من “عقل هيولاني” (مادة غير متشكلة ليس لها صورة) و”عقل فعال”( هو الذي يهب الصور).

يبحث الفارابي في الصلة بين الملة والفلسفة يبحث فيها أسبقية الملة على الفلسفة وهي تهمنا بصفة خاصة، ماذا تعني الفلسفة الحقيقية بالنسبة للفارابي؟ الفلسفة هي التي تضمن شيئا مطلقا لطبيعة الإنسان. الملة ليست كالفلسفة، النظرية التي تكون مطلقة الملة إذن مقيدة بشرائط نسبية وضع الملة له معرفة فلسفية، هي المعقولات النظرية المطلقة والتي لا تتغير، سيضع ملة واضع الملة يبحث عن الغرض/الغاية ويزن الوسائل التي تسمح بتحقيق السعادة كمعقول نظري مطلق كلي مجرد في الواقع. يرى الفارابي أن الفلسفة خطاب كوني بمعنى أنها تتجه إلى جميع الأمم.حاصل القول، أن الملة خادمة للفلسفة وهي أقل مكانة منها لسبب يقدمه الفارابي مفاده أن الفلسفة كونية في حين أن الملة خاصة لأمة معينة وهو ما يمثل نقدا ضمنيا لزعم الدين أن يكون لكل الناس.

السياسة عند الفارابي

إن تحديد وجوه التناسب القائم بين التدبير الإلهي للمدينة الفاضلة والتدبير الإلهي للعالم وبين أجزاء العالم وأجزاء المدينة من شروط تأسيس هذه المدينة، ففي المدينة الفاضلة نجد الفارابي يهتم بالشروط التي يجب أن تتوفر في رئيسها. والاهم هو القدرة على إرشاد الرعية وتعليمها. ويبلغ أهل المدينة الفاضلة السعادة إذا حصلت لهم الخيرات الطبيعية الإرادية وتحصل لهم هذه الخيرات بمعرفة مبادئ الموجودات ومراتبها والسعادة والرئاسة الأولى والأفعال المحمودة المؤدية إلى السعادة.

إن التناول الفلسفي لفلسفة الفارابي السياسية ينتهي بنا القول إلى تحديد وجوه التناسب القائم بين التدبير الإلهي للمدينة الفاضلة والتدبير الإلهي للعالم، غير إن بلوغ هذه المرحلة يستوجب تحديد شروط المرور من العلم المدني للوجود بماهر العلم المدني الذي موضوعه الوجود ويتعلق الأمر بالإخضاع النظري إلى العملي أي بإخضاع ما من شأنه أن يعلم-لا- أن يعمل إلى جهة النظر التي نتناول بها ما شأنه أن يعمل׃ بنية المدينة ووضع الخيال بما يكشف عنه من علاقات مثيرة بين بنية المدينة وبنية المعرفة.

تتنزل الفلسفة السياسية للفارابي في هذا الإطار منزلا متميزا لهذه المسألة-الخيال- بما تكشف عنه من علاقات مثيرة بين بنية المدينة وبنية المعرفة. يتراوح القول الفلسفي الفارابي في الخيال والمخيلة وما بين قول يحدد وضعها في سلم المعرفة وقول يعين وظيفتهما في أسلوب السياسة وفي بنية المدينة. وينجم عن ازدواج التعامل مع هذين المفهومين اشتباه في معنى الخيال وفي وضع المخيلة ضمن جهة يتحدد التخيل كإحدى درجات الإدراك الحيواني كزيف موضوعه وزيف تمثيله لموضوعه أو تبدو المخيلة سيمة القوة الناطقة أن تتفاعل في أقصى درجاتها لتستفيد ما يرد عليها من لدن العقل الفعال من الحقائق الخالصة.

فالتخيل تكريس لمبدأ المشابهة واستغلال له وليست الملة من هذه الناحية باعتبارها نظام الاعتقاد في المدينة إلا نسق المتشابهات، فالتخيل آلية اختزال العالم في بنية المدينة وبعبارة أخرى فإن الوجود المدني هو الذي يؤسس آلية التخيل لكونه هو الذي يعطيها الإحداثيات التي يمكن بالرجوع إليها إعادة بناء العالم. هكذا تكون مدينة الخيال معلقة إلى النظر الإلهي فلا يروح فيها من الخيال إلا بمقدار محاكاته للحقيقة ولا يتدخل اللامعقول إلا بحسبان التعقل النظري وميزانه. منزلة المخيلة من قوى النفس الإنسانية (القوى الحسية، القوى المخيلة، القوى العقلية). قوة النفس الإنسانية تترتب بحسب تعقدها في سلم تصاعدي (الغازية، الحسية، المتخيلة، الناطقة) هو تدرج من قوى دنيا إلى قوى متوسطة إلى قوى عليا.

في كتاب””أراء أهل المدينة الفاضلة”يتكلم الفارابي على المدينة الفاضلة، ويهتم بالشروط التي يجب أن تتوفر رئيسها والشرط الأهم هو القدرة على إرشاد الرعية وتعليمها، والشرط الثاني هو عدم حاجته إلى من يرأسه أو يعلمه لأنه قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل. ولن تحصل هذه العلوم والمعارف إلا للطبيعة العظيمة الفائقة. وهي تحصل عندما ينتقل العقل من عقل بالفعل ثم إلى عقل بالفعل مستفاد. وهذا العقل المستفاد يستطيع أن يتصل بالعقل الفعال ويستمد منه العلوم والمعارف بطريق الفيض وبما أن العقل الفعال فائض بدوره عن السبب الأول أو الله لذا يقال إن الله هو الذي يوحي توسط العقل الفعال. وإذا لم تتوافر هذه الصفات في شخص بعد الرئيس الأول عمل الرئيس الأول عمل الرئيس اللاحق بشرائع الرئيس الأول.

وأهل المدينة الفاضلة ينقسمون إلى طبقات أو مراتب بحسب استعداداتهم الفطرية والآداب التي حصلوها. والرئيس هو الذي يرتب ذلك فيضع كل إنسان في المرتبة التي تليق به. وتتسلسل المراتب في الشرف حسب قربها وبعدها من رتبة الرئيس. ومراتب المدينة الفاضلة تشبه مراتب الموجودات في العالم. فكما أن مراتب الموجودات تبتدئ من الله وتنتهي إلى المادة الأولى، وترتبط وتأتلف بعضها ببعض كذلك مراتب أهل المدينة الفاضلة تبتدئ بالرئيس الذي يشبه الله وتنتهي بالطبقة الدنيا التي تخدم ولا تخدم. ويبلغ أهل المدينة الفاضلة السعادة إذا حصلت لهم الخيرات الطبيعية الإدارية. وتحصل لهم هذه الخيرات بمعرفة مبادئ الموجودات ومراتبها، والسعادة، والرئاسة الأولى والأفعال المحمودة المؤدية إلى السعادة. وهذه الأمور تعرف إما بطريقة البرهان وإما بطريقة التخيل والمحاكاة والطريقة الثانية هي طريقة العامة الذين لا قدرة لهم بالفطرة على تعقلها إما الطريقة الأولى فخاصة بالحكماء.

نرى أن الفارابي ربط سياسة المدينة بالنبي يحدد مجالا لممارسة السياسة مختلفا عن المجال الذي عرفته المدينة اليونانية ويختلف كذلك عن المجال الذي سيفتحه سبينوزا بفصله بين السياسي والديني. لكن لم يتوقف الفارابي في هذا الأمر عند مستوى تأكيده على الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى نبي وبالتالي إلى سياسي فهو بالإضافة إلى ذلك قد جمع في ذات الوقت بين النبي والفيلسوف. فحاكم المدينة الفاضلة هو في ذات الوقت نبي، فيلسوف، سياسي. واستمد الفارابي تصوره هذا انطلاقا من “نظرية الفيض” وعمل العقل الفعال حيث أنه إذا ما وهب الصور للعقل عند هذا الإنسان فهو يصبح فيلسوفا. فهو إذن في نفس ألان فيلسوف ونبي بحسب الملكة التي تتلقى الصور. نلاحظ أن الفارابي ينطلق من نظرة شاملة في إطار منظومة فلسفية متماسكة يعني ينطلق بها من مستوى المعرفة إلى المستوى السياسي والعمود الفقري لهذه المنظومة هو “نظرية الفيض” التي فيها استطاع أن يجعل من الإنسان الفرد يجمع بين خصائص النبي والفيلسوف وجمع بينهما ليعطيهما تصورا خاصا للنبي والفيلسوف والسياسي.

الخـــــاتمة

إن ابرز ما يحرك مساءلتنا لتاريخ الفلسفة لهذا الغرض هو في الحقيقة أن نتعقب الفحص عن فكر فلسفي يسعى للتوفيق بين الفلسفة والملة واستنادا على مفهوم “العقل” من أجل تبرير مسلمات وقع التسليم بها مسبقا׃ فخطاب العقل هو خطاب كوني، حقيقة مطلقة، وهو ليس خاص بدين أو مجموعة أو بأي علم هو عام للإنسانية، لكن أهمية مسألة الملة نظرا لأنها نقطة تقاطع الفلسفة والدين والسياسة عند الفارابي.

د. فاطمة المومني

شاهد أيضاً

شاهد..حكم هولندي يسجل هدفا ويقرر احتسابه بنفسه!

شهدت مباراة “هاركيماس بويز” و”هويك” ضمن دوري الدرجة الثالثة الهولندي لكرة القدم، لقطة طريفة عندما …