أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / ثقافة / ماركس الذي لم يغِب: بعد 200 عام على ولادة «الشبح»

ماركس الذي لم يغِب: بعد 200 عام على ولادة «الشبح»

شاكر جرّار/ موقع حبر 7iber.com

الأحد 20 أيار 2018

«كانت قوى أوروبا في القرن الماضي تقول: يجب عليه في المستقبل، أن لا يتجسد، لا جهرًا في الحياة العامة، ولا سرًا (..) ويجب علينا أن لا نتركه يعود ثانية»، جاك دريدا، «أطياف ماركس».1

بعد الأزمة المالية عام 2008، رحّب القرن الحادي والعشرين مجبَرًا بكارل ماركس، الرجل الذي يحيي العالم هذا الشهر ذكرى قرنين على ولادته في 5 أيار 1818، في بلدة ترير الألمانية. في الوقت الذي كانت فيه بنوك كبرى تنهار إثر الأزمة، تصدّر وجه ماركس بلحيته الكثيفة كبرى الصحف العالمية، بعناوين عريضة على شاكلة «عودة ماركس»، و«لقد عاد»، و«الشبح يعود». وافترضت هذه «العودة» أن ماركس قد تلاشى مع سقوط الاتحاد السوفياتي وهزيمة المعسكر الاشتراكي وانتصار الرأسمالية. فقد حمل هذا الانتصار حينها رغبة سياسية شديدة لمناصري الرأسمالية بالتخلص من ماركس وإعلان موته وإرساله في أحسن الأحوال إلى المتحف، كرجلٍ أوروبي عاش في القرن التاسع عشر وتخطاه العصر ولم تعد لكتاباته قيمة تذكر.

ففي عام 1993، دُعي الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا لإلقاء محاضرة في جامعة كاليفورنيا-ريفرسايد والمشاركة في مؤتمر يناقش حالة «ما بعد ماركس» بعنوان «إلى أين ستذهب الماركسية؟». حينها كان قد وصل خطاب «النهايات» إلى مبتغاه، فالعديد من مفكري الغرب -كما نستخلص من دريدا- كتبوا بحماسة شديدة عن «نهاية الأيديولوجيا» و«نهاية ماركس والماركسية»، مبشرين بحقبة جديدة، معتبرين لحظة نهاية الحرب الباردة وانتصار الليبرالية هي لحظة «نهاية التاريخ» بوصفها إعلانًا لهيمنة نموذج واحد على العالم أجمع هو النموذج الليبرالي.

كشفت سرديات «عودة» ماركس بعد الأزمة المالية عام 2008 حقيقة أن الرجل لم يمت كما بشرت خطابات ما بعد الحرب الباردة، لكن هذه السرديات افترضت غيابه منذ نهاية الحرب الباردة وحتى بداية الأزمة. وقد تأثرت هذه السرديات أولًا بخطاب «النهايات» والقراءات «الما بعدية» للتاريخ التي تنظر إليه كمجموعة من الحقب التي تبدأ إحداها بإعلان اندثار الحقبة التي سبقتها، وثانيًا برغبة أنصار المدرسة النيوليبرالية بالتخلص من ماركس باعتباره جزءًا من إرث الحرب الباردة. لكن حضور الرجل بهذه الحيوية بعد أكثر من 135 عامًا على وفاته، واستمرار أفكاره كأساس أو إلهام لعدة مدارس فكرية، تدعونا للتشكيك بهذا «الغياب»، وللتساؤل عن سبب هذا الحضور وعمّا قد يؤول إليه في السنوات المقبلة.

هل غاب ماركس حتى يعود؟

عام 1999 وبعد أقل من عقد على نهاية الحرب الباردة، أجرت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) استطلاعًا طلبت فيه من مستمعيها تسمية أعظم مفكر في القرن العشرين. جاء كارل ماركس في المركز الأول في نتيجة الاستطلاع، بينما حل آينشتاين ونيوتن وداروين في المراكز الثاني والثالث والرابع على التوالي. وفي مقال نشرته مجلة ذي إيكونوميست البريطانية عام 2003 بعنوان «ماركس بعد الشيوعية»، تشير البحوث المجراة على موقع أمازون وغيرها من مواقع بيع الكتب إلى أن عدد الكتب المتوفرة والمتعلقة بماركس يفوق عدد الكتب المتعلقة بآدم سميث بما يتراوح بين خمسة وعشرة أضعاف. ويخبرنا المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم أنه عند البحث عن اسم كارل ماركس على جوجل في تشرين الأول 2008، ظهرَ لماركس أكثر من 32 مليون مرجع وهو واحد من أكبر الأرقام الخاصة بكبار المفكرين في العالم، حيث لم يتقدم عليه سوى داروين وآينشتاين، وكان الفارق كبيرًا جدًا بينه وبين آدم سميث2.

من الصعب أن نجد مفكرًا عاصر ماركس وما زال يحظى باهتمام كالذي يحظى به ماركس في أيامنا. في مقبرة هايغيت شمال لندن، يرقد هربرت سبنسر الذي كان يلقب في حياته بأرسطو العصر، وبموازاة قبره يرقد ماركس الذي كان مجرد شخصٍ «عاش على المنحدرات السفلى لهامبستيد [في لندن] عالةً على مال صديقه»3 فريدريك إنجلز، الذي تحمّل أيضًا تكاليف دفنه وجنازته التي حضرها 11 شخصًا فقط. زرت المقبرة قبل قرابة خمس سنوات، وما يلفت انتباه الزائر ليس فقط أن عليه أن يدفع بضع جنيهات لزيارة قبر ماركس، بل الأهم هو إجابة موظف الاستقبال عند سؤاله «هنا يرقد كارل ماركس؟» بالقول: «نعم، وسبنسر أيضًا». لكن هل يعرف الناس حقًا من هو سبنسر اليوم لكي يهتموا بزيارة قبره؟ أم أن الزوار يتوافدون للمقبرة من كل أنحاء العالم لزيارة كارل ماركس ولا أحد غيره؟

«كان ماركس قبل كل شيء ثوريًا. وكانت مهمته الأولى في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخرى في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه»

لعل أحد أهم أسباب استمرار حضور ماركس حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، هو قوة حضور «البيان الشيوعي» في تسعينيات القرن الماضي، كوثيقة تاريخية أثبتت العولمة راهنية الأفكار المتضمّنة فيها. فقد نُظر إلى البيان باعتباره نصًا رئيسيًا لفهم العولمة الرأسمالية، ما منحه قيمة كبيرة وشهرة لم تحظَ بهما معظم الأعمال الكلاسيكية في العالم. ساعد في ذلك أيضًا صعود العديد من الحركات المناهضة للعولمة والتي تبنّت البيان كمرجعية نظرية لحركتها. من المؤشرات التي تبرهن الحضور القوي للبيان في نهايات القرن الماضي، على سبيل المثال، بيع ما يقارب 100 ألف نسخة منه في بريطانيا وحدها4 بين عامي 1996-1997. ووفقًا لقاعدة بيانات أعدها مشروع Open Syllabus شملت ما يزيد عن 1.1 مليون مقرر جامعي في الجامعات الأمريكية، حلّ البيان الشيوعي، الذي يصادف هذا العام ذكرى مرور 170 عامًا على كتابته، في المرتبة الثانية من حيث عدد المرات التي ورد فيها كمتطلب جامعي في مقررات أقسام الاقتصاد، وفي المرتبة الثالثة في كل الأقسام في تلك الجامعات، علمًا بأن المرتبة الأولى في الحالتين كانت لكتاب «عناصر الأسلوب» وهو دليلٌ للكتابة. وإلى جانب ذلك، فقد ظلت تنويعات مختلفة تظهر على البيان في الثقافة السائدة باستمرار، مثلًا على شكل أفلام كرتون أو روايات مصورة تحاول شرحه، إضافة إلى إحالات مستمرة إليه في قطاعات مختلفة من الإنتاج الثقافي.

لذا، إذا افترضنا أن ماركس كان حاضرًا منذ بدايات القرن الماضي حتى سقوط الاتحاد السوفياتي لسبب رئيسي وبسيط، هو أن أكثر من ثلث البشرية كانت تعيش تحت أنظمة حكم ادّعت أنها تسير على نهجه وأفكاره5، فإن الرجل حافظ على حضوره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بسبب راهنية أفكار البيان الشيوعي كوثيقة تساعد على فهم وتفسير العولمة الرأسمالية، من بين أفكار أخرى. وإذا أضفنا تأكيد سرديات العودة مرارًا على أنه قد «عاد» بقوة إثر الأزمة المالية عام 2008، فإننا نستطيع أن نقول بأن ماركس لم يغب، بل كان دائم الحضور.

اختزال ماركس: مصلحٌ رأسمالي، وعالمُ اقتصاد، وأكاديمي

في ظل هذا الحضور، لا تكف في الوقت ذاته محاولات استدخال ماركس في الخطاب النيوليبرالي السائد من خلال ممارسات انتقائية اختزالية تنزع عنه ثوريّته ونقديّته؛ محاولات تسعى إلى تحويله إلى «مُصلحِ» أزمات رأسمالية لإضفاء شرعية ما على النظام الرأسمالي، إضافة إلى محاولات تفتيت وتجزئة فكره من خلال تصويره كأكاديمي متخصص في مجال معين يتوافق مع التقسيمات الحديثة للعلوم.

يترافق هذا مع ترحيب مبالغ فيه من قبل المناهضين للرأسمالية بإقبال العديد من الرأسماليين ورجال الأعمال على كتابات ماركس. كان هوبزباوم أحد هؤلاء حين تحدث بإعجاب عن اهتمام قرّاء مجلة رحلات الطيران الداخلية للخطوط الجوية المتحدة (United Airlines) وغالبيتهم من رجال الأعمال الأميركيين، بقراءة مقالات عن البيان الشيوعي6. بينما أكد المنظّر السياسي البريطاني آلان وودز أن الأزمة المالية في 2008 تسببت في «خلخلة أفكار بعض المفكرين البرجوازيين» فأصبحوا يعترفون، ولو على مضض، بأن «ماركس كان على حق».

يعود العديد من الرأسماليين ورجال الأعمال لماركس في الأزمات، تحديدًا، بغية التنقيب عن نصوص تساعد على إصلاح النظام الرأسمالي والمحافظة على ديمومته وفعاليته، وكأن ماركس كان يتحدث عن أزمات ظرفية أو طارئة وليست بنيوية مصاحبة لتطور الرأسمالية نفسها. مثلًا، كتب جورج ماجنوس، كبير المستشارين في بنك UBS الاستثماري السويسري ورئيس الخبراء الاقتصاديين السابق في البنك نفسه، مقالًا بعنوان «أعطوا كارل ماركس فرصة لإنقاذ الاقتصاد العالمي». يستدعي فيه ماركس ليقول إن الرأسمالية أصبحت متوحشة بطريقة لا يمكن الدفاع عنها، ومن أجل أن تستمر وتدوم عليها أن تصلح نفسها لتبدو «أقل» وحشية مما هي عليه. لهذا فإن معظم نقاشات رجال الأعمال عن ماركس هي نقاشات رأسمالية داخلية لا أكثر، تسعى إلى التقليل من وحشية هذا النظام من أجل تجميله والمحافظة عليه، ولا يمكن قراءتها على أنها مؤشر على تصالح حقيقي مع أفكار ماركس.

إن استدعاء ما يسمى بـ«الخبراء» الاقتصاديين لماركس لكي يؤدي دورًا إصلاحيًا في هذا النظام، ينزع عن الرجل نقديته وثوريته الساعية إلى تغييرٍ لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إزالة نظام الإنتاج القائم على الملكية الخاصة، الذي يسمح للأقلية بمراكمة الثروة بينما تستمر معاناة الأغلبية التي حرضها ماركس، بوصفه ثوريًا، على نسف كل «البنية الفوقية»7 للمجتمع الرأسمالي. لذا، لا يكفي النظر إلى تحليله للرأسمالية من زاوية قراءته لأزماتها فقط أو كشفه للعمليات الاقتصادية التي تنتج الاستغلال، فمحاولات «معالجة» هذه الأزمات والعمليات تحمل خطابًا أيديولوجيًا يهدف إلى تغييب نقد ماركس وقتل أي تصور لعالَمٍ آخر حتى على مستوى الخيال.

لا تنمّ خطابات «التسامح» مع ماركس عن فضيلةٍ أخلاقية بقدر ما تكرس عنجهيةً أكاديمية ترفض القبول بأن حضور ماركس الدائم هو بسبب راهنية أفكاره النقدية.

لم يكن ماركس أبدًا عالم اقتصاد بالمعنى الكلاسيكي، فعلم الاقتصاد ذاته يقوم على «عقلانية» مفترضة تقع خارج شروط المجتمع والتاريخ. موضوعية هذا العلم هي مجرد انعكاس لمحاولة الرأسمالية إخفاء الاستغلال تحت سطح تبادل السوق بوصفه عملية طبيعية، تقع أيضًا خارج شروط المجتمع والتاريخ. لقد قدم ماركس نقدًا قاسيًا لعلماء الاقتصاد في كتابه بؤس الفلسفة، واصفًا إياهم بـ«الممثلين العلميين للطبقة البرجوازية»8 كونهم يعبّرون عن «علاقات الإنتاج، وتقسيم العمل والائتمان والنقود.. إلخ، كمقولات ثابتة خالدة لا تتغير»9. جادل ماركس -بدلًا عن هذا- بأن العلاقات الاقتصادية الرأسمالية هي نتاج نمط اقتصادي محدد وتاريخي وليست نتاج قوانين طبيعية، أبدية، خالدة، «مستحيلة التجاوز»10، نابعة عن «ميل في الطبيعة البشرية»، كما نظّر آدم سميث وغيره من علماء الاقتصاد الكلاسيكيين.

خطبَ إنجلز، في جنازة ماركس، قائلًا: «كان ماركس قبل كل شيء ثوريًا. وكانت مهمته الأولى في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخرى في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه». يتضح هذا الجانب بالاطلاع على انخراطه السياسي المباشر في ثورات 1848 في أوروبا، في ما عرف بربيع الشعوب، وتفاعله الشديد مع كومونة باريس والحرب الأهلية الأمريكية، وملاحقته المستمرة من قبل حكومات مختلفة في عصره، ما دفعه أساسًا للنزوح إلى بريطانيا، حيث عاش في لندن تحت رقابةٍ لصيقة من عدة أجهزة استخباراتية أوروبية. كل هذا جعله بحسب وصف إنجلز في الخطبة نفسها «أفضل المكروهين وأكثر المُشهَّر بهم في عصره. فقد قامت حكومات مطلقة وجمهورية على حد سواء بترحيله عن أراضيها، وتنافس البرجوازيون من المحافظين أو من أقصى الديمقراطيين على التشهير [به]».

إن طمس ثورية ماركس يُفرغ نقده من معناه، فقد شغل النقد مساحة هائلة من كتاباته. حتى قبل أن يكتب «رأس المال» الذي حمل عنوانًا تحتيًا «نقد الاقتصاد السياسي»، وقبل كتابة «نقد برنامج غوتا»، وقبل كتابة «العائلة المقدسة» مع إنجلز الذي حمل عنوانا تحتيا «نقد النقد النقدي» كتب ماركس الشاب، رسالة بعنوان «من أجل نقد لا يرحم لكل ما هو موجود»، يشرح فيها رؤيته لخط ومسار مجلة الحولية الألمانية الفرنسية التي كان أحد محرريها. لذا، فإن تهميش وجه ماركس الثوري هو أمر أساسي من أجل فتح الباب لفصل وجوهه الأخرى عن بعضها. فدون ثورية ماركس، تصبح مداخلاته في الفلسفة والاقتصاد والتاريخ وغير ذلك مجرد تحليلات يمكن تبنّيها أو نقدها دون اهتمام بما تستتبعه هذه المداخلات وتنشده من نشاط ثوري. وبذلك يتم تحييد ماركس وإفراغ إرثه من بعده التغييري، أي من هدفه، وتحويله إلى «عالم اقتصاد» أو«خبير أزمات رأسمالية» أو فيلسوف.

في المقابل، لم يتوقف الكلام المنمق عن الطريقة المثلى لقراءة ماركس اليوم بعد «تحريره من الماركسية» كأيديولوجيا، أي قراءته قراءة أكاديمية موضوعية11؛ هذه القراءة التي ساهمت بعودته، بعد أن «أسيء فهمه» -أي تمت شيطنته- لسنوات. العديد من هذه الخطابات تهدف لـ«التسامح» مع ماركس خالٍ من الماركسية. طبعًا، لا تنمّ هذه الخطابات عن فضيلة أخلاقية متسامحة بقدر ما تكرس عنجهية أكاديمية تدّعي الحياد غير المؤدلج من جهة، وترفض من جهة أخرى القبول بأن حضور ماركس الدائم سببه الرئيسي والأهم هو راهنية أفكاره النقدية غير القابلة للاختزال. لهذا قد يكون من المهم إلقاء نظرة على بعض أفكار ماركس المحورية وإعادة قراءة نصوصه وتحليلاته التي قد تكون على صلة بعالمنا اليوم أكثر من العديد من الخطابات المعاصرة.

بيان الأمس واليوم والغد

في أواخر عام 1847، كلّفت «عصبة الشيوعيين» الشابّين كارل ماركس -ذي الثلاثين عامًا- وفريدريك إنجلز -ذي الثمانية وعشرين عامًا- بصياغة البرنامج السياسي للعصبة. بعد بضعة أسابيع من التكليف، أنهى الشابان كرّاسة صغيرة لا تتجاوز الثلاثين صفحة أطلق عليها في حينه اسم «بيان الحزب الشيوعي»، الذي نشر باللغة الألمانية في لندن في شباط/ فبراير عام 1848. واكبَ نشر البيان اندلاع ثورات 1848 التي عمّت أوروبا، لكن لم يكن له ذلك الأثر عليها، حيث لم يحظَ إلا باهتمام مجموعات ثورية صغيرة، وغاب عن الأنظار حتى سبعينيات القرن نفسه، بعد أن ازدادت شهرة ماركس في الجمعية الدولية للعمال، أو «الأممية الأولى»، وبعد دفاعه عن كومونة باريس في كتابه «الحرب الأهلية في فرنسا». لكن هناك سبب آخر أعاد لهذه الوثيقة أهميتها بعد أكثر من عقدين على كتابتها، إذ عُرض البيان أثناء محاكمة قادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني بتهمة الخيانة، وتلا الادعاءُ نصَّ البيان الذي طبع لاحقًا كجزء من محاضر جلسات المحكمة، ما ساهم في نشره بشكل واسع12.

إن تقديس أي نص من نصوص ماركس يتناقض جوهريًا مع فكر الرجل نفسه، الذي شدد مرارًا على تاريخية كتاباته التي تحاكي واقعًا سياسيًا واجتماعيًا محددًا. وهذا تمامًا ما أكده ماركس وإنجلز في مقدمة طبعة عام 1872 من البيان، أي بعد قرابة ربع قرن من كتابته، بقولهما: «لقد شاخ هذا البرنامج اليوم في بعض نقاطه [في إشارة إلى الفصل الثاني منه] بتأثير التقدم الضخم الذي أنجزَته الصناعة الكبرى خلال الخمسة والعشرين عامًا الأخيرة»13. لكن هذا لا يمنعنا من أن نرى كيف أن العديد من أفكار البيان ما زالت على صلة بعالمنا المعاصر بشكل بارز، ولا يمكن تجاوزها لكونها قديمة فحسب.

شخصيًا، لم أقرأ في حياتي نصًا سياسيًا ببلاغةِ وتأثير البيان الشيوعي. وقد يعود هذا إلى خصوصية النص المعبّأ بالوصف الفصيح عميق المعنى. ولعل الكاتب والمحرر السابق لمجلة «ذا نيويوركر»، لويس ميناند، التقط هذه البلاغة حين وصّف البيان بـ«القنبلة التي توشك أن تنفجر بين يديك». فقوة البيان كنص ثوري بليغ، إضافة إلى حججه المتماسكة، جعلته «أحد أفضل مؤلفات الأدبيات السياسية على الإطلاق»14 وأكسبته شهرة وانتشارًا واسعين للغاية. فهو يقدم صورة عامة عن تاريخ تطور النظام الرأسمالي والبرجوازية بشكل يساعدنا على فهم النظام العالمي الذي نعيش فيه اليوم، ويحتوي بشكل ملفت على مجموعة كبيرة من الأفكار التي تلامس واقعنا الحالي بشكل دقيق.

توقع البيان قبل 170 عامًا اضمحلالَ الطبقة الوسطى، «بل إنهم بفضل تطور الصناعة الكبيرة، يرون اقتراب ساعة اختفائهم الكامل».

يحاجج العديد من الرأسماليين بأن الرأسمالية التي نعيشها لم تعد نفسها رأسمالية القرن التاسع عشر التي عاصرها البيان، وهذا صحيح تمامًا، فالرأسمالية الصناعية المبكّرة تختلف اختلافًا كليًا عن الرأسمالية الإمبريالية الاحتكارية العابرة للقوميات والدول. لكن المثير للاهتمام هو أن ماركس وإنجلز استطاعا رسم صورة عامة لرأسماليتنا المعاصرة قبل 170 عامًا. وكما يقول الباحث والوزير اليوناني السابق، يانيس ڤاروفاكيس، في المقدمة التي كتبها لطبعة 2018 من البيان الشيوعي باللغة الإنجليزية: «إن إدراك ما وراء الأفق هو طموح أي بيان. لكن أن يتمكن [البيان] من أن يصف بدقةٍ عصرًا حلّ بعد قرن ونصف، وأن يحلل التناقضات والخيارات التي نواجهها اليوم، كما فعل ماركس وإنجلز، فهذا أمرٌ مذهل بحق. في أواخر الأربعينيات من القرن التاسع عشر، كانت الرأسمالية متداعية، ومحلية، ومتشظية، وخجلى. ورغم ذلك، أمعن ماركس وإنجلز النظر فيها وتنبّآ برأسماليتنا المعولمة، المُؤمولة، المُصفّحة، المتطورة، متعددة الخصائص».

ففي الوقت الذي لم تتجاوز فيه الرأسمالية مرحلة الطفولة بعْد، كان ماركس يتحدث عن عالميتها ورغبتها العارمة في تجاوز الدول والقوميات. فقد أشار البيان إلى رغبة البرجوازية الجامحة باكتساح «الأرض بأسرها»15 لكي «تعشعش في كل مكان» مدفوعةً بحاجتها إلى أسواق جديدة تمنح البرجوازية «باستغلالها للسوق العالمية، طابعًا عالمًيا»16. وقد يكون هذا أقرب وصف لما نسميه اليوم الرأسمالية العابرة للقوميات التي تديرها شركات عملاقة ذات رساميل ضخمة. في عام 2010، مثلًا، شكلت ثروة 500 شركة في الولايات المتحدة 73.5% من كل الناتج الوطني الإجمالي. وتجني أكبر 2000 شركة في العالم إيراداتٍ بلغت 32 تريليون دولار، وأرباحًا بلغت 2.4 تريليون دولار، كما يشير آلان وودز. كما أن إيرادات آبل وأمازون وجوجل مجتمعات في 2017 فاقت إيرادات دول الخليج مجتمعة.

قبل التطور التكنولوجي الهائل الذي نعيشه، وما يسّره ذلك من أتمتة الحروب وتسريع التدمير الهستيري للبيئة، وهو ما يخشى الكثيرون تهديده لمستقبل كوكبنا بأسره، شبّه البيان تطور الرأسمالية الحديثة القائم على وسائل إنتاج جبارة بـ«الساحر الذي لم يعد يعرف كيف يتحكم في الشياطين التي استحضرها»17. هذا التهديد هو ما وصفه البيان بعبارة «كل ما كان مكينًا ومستقرًا يتطاير هباءً منثورًا»18. فالتقدم المهول في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يفتح سجالًا واسعًا اليوم حول العلاقة بين رغبات رأس المال بالتوسع اللانهائي من جهة، والتغيير الشامل في شكل حياة البشر وتسليع علاقات الناس ببعضها البعض، إضافة إلى مستقبل الأسرة والدين ومجمل العلاقات الاجتماعية.

وفي الوقت الذي تخبرنا فيه الإحصائيات والدراسات عن تزايدٍ سريع في عدد المهن والوظائف المهددة بالاندثار بسبب الأتمتة والذكاء الصناعي، تعود إلى الأذهان إحدى مقولات ماركس التي تحاجج بأن بقاء البرجوازية مرتبط بتثويرٍ مستمرٍ لأدوات الإنتاج، وأن هذا الانقلاب المتواصل في الإنتاج يصاحبه حالةُ تزعزعٍ دائمٍ في البنى الاجتماعية.

يحتوي البيان على إشارات عامة حول الدولة، والقانون، والعائلة البرجوازية، والزواج الأحادي، واضطهاد النساء. شكلت جميع هذه المداخلات عدةً نظرية قيمة للعديد من المفكرين التقدميين، طوروها وبنوا عليها لتصبح أشد صلة بواقعنا. تثبت العديد من الأفكار الواردة في البيان، والمصاغة بأسلوب شعري، عبقريةَ وبصيرةَ كاتبيْه. فقد توقع البيان، بتحليلٍ وجيه ومتماسك، ما يسمى اليوم بتداعي أو اضمحلال الطبقة الوسطى، حيث تحدث عن طبقة «تتذبذب بين البروليتاريا والبرجوازية (..) لا تفتأ تعيد تشكيل نفسها دون انقطاع، لكن أعضاءها ينحدرون باستمرار، بسبب المزاحمة، إلى صفوف البروليتاريا، بل إنهم، بفضل تطور الصناعة الكبيرة، يرون اقتراب ساعة اختفائهم الكامل»19.

توقع ماركس كذلك تطورًا معينًا للرأسمالية يقوم على تركيز شديد لرأس المال وتراكم هائل للثروة، يصاحبه فائض إنتاج وبطالة ولا مساواة، إضافة إلى فائض بؤس للملايين من البشر. ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة أوكسفام في بداية هذا العام ، فإن 82% من الثروة المتولدة في العام الماضي ذهبت إلى أغنى 1% من سكان العالم، في حين أن 3.7 مليار شخص، يشكلون نصف سكان العالم الأكثر فقرًا، لم يشهدوا أي زيادة في ثرواتهم. ويحتاج المدير التنفيذي لإحدى أكبر خمس شركات أزياء عالمية لأربعة أيام فقط ليجني من المال ما تجنيه عاملة ملابس بنغلاديشية طيلة حياتها. ويشير التقرير نفسه إلى أنه في الولايات المتحدة، يجني المدير التنفيذي في ما يفوق اليوم الواحد بقليل ما يجنيه العامل العادي في سنة كاملة. وتبلغ تكلفة رفع أجور 2.5 مليون عاملة ملابس فيتنامية إلى الحد الأدنى للمعيشة 2.2 مليار دولار، هذا المبلغ يساوي ثلث المبلغ الذي تلقاه الشركاء في أكبر خمس شركات في قطاع الملابس عام 2016.

يعزو البيان عملية الاستيلاء والسلب هذه المتسببة في شقاء ملايين النساء والرجال في العالم إلى تركيز الملكية في أيدي القلة، ولا مخرج من هذا البؤس سوى بإلغائها، الذي هو كسر لحلقة مفرغة من إفقار الأغلبية. فكما يقول البيان ببلاغة مخاطبًا البرجوازيين: «ارتعبْتم لأننا نريد إلغاء الملكية الخاصة. لكن الملكية الخاصة لتسعة أعشار أعضاء مجتمعكم الراهن ملغاة. ولأنها موجودة بالنسبة لكم، فهي لهذا بالذات معدومة بالنسبة للتسعة أعشار. إنكم تلوموننا لأننا نريد القضاء على ملكية، تتطلب كشرط لا بد منه لبقائها، حرمان أغلبية المجتمع الساحقة من كل ملكية. وباختصار، تتهموننا بكوننا نريد إلغاء ملكيتكم أنتم، وهذا ما نريده بكل تأكيد»20.

ختامًا، ولما سبق من أسباب، فإن هذه الأفكار الأساسية في البيان الشيوعي وغيرها من أفكار ماركس لا تزال حاضرة بقوة في أي تحليل عميق لأزمات المجتمعات المعاصرة، وما تزال أطروحات ماركس  مؤسسةً لعدة مدارس فكرية غنية تفرعت بدورها في عدة اتجاهات، متقاطعةً مع تيارات مختلفة كالنسوية والبيئية واللاسلطوية والحركات المعادية للاستعمار، وما زالت تخلق جدلًا مستمرًا ومتجددًا يستمد دافعيته من ماديته وثوريته وحاجته لخلق بديل، في وقت تعجز أو تستنكف فيه مدارس سائدة أخرى عن مجرد تخيل البديل طالما ظلت تبسط هيمنتها بقوة المال والسلاح.

 ما تزال أفكار ماركس، بعمقها وسِعة نطاقها وتنوع القضايا التي عالجتها، قادرة أكثر من غيرها من الأطر النظرية على تفسير أكبر قدر من أوجه الأزمات التي ينتجها النظام الذي نقده ماركس ونظّر للثورة عليه وشارك في ذلك بما أتيح له في عصره. إن هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل ماركس حيًا اليوم بعد 200 عام على ميلاده. وطالما ظل هذا النظام، الذي سعى ماركس طيلة حياته إلى تحطيمه، قائمًا، فستظل أفكار ماركس ذات صلة وقدرة على توفير أسس جوهرية لفهم العالم وتغييره.

  • الهوامش والمراجع

شاهد أيضاً

هل أطاحت انتفاضة شباب العراق ولبنان بالطائفية السياسية؟

شهدت الموجة الثانية من الحراكات العربية تمردا واضحا على قيود الطائفية والمناطقية، لصالح مطلبها الأهم …