أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / متفرقة / كاراكترات / نظرة في أوهام العقل حسب بيكون: من وهم القبيلة إلى وهم السوق والمسرح

نظرة في أوهام العقل حسب بيكون: من وهم القبيلة إلى وهم السوق والمسرح

أوهام العقل

“لم يَرَ أحدٌ أسبابَ أخطاءِ الإنسان أكثر من بيكون” -كوندياك

نشر بيكون كتابه الأشهر “الأورجانون الجديد” عام 1620. وهو الجزء الثاني فحسب من كتاب أكبر هو “الإحياء العظيم”[1] Instauratio magna ، الذي وضع خطتَه في ستة أجزاء ولم يتم منه إلا هذا الجزء. وكان قد كتب من قبل كتاب “النهوض بالعلم” فجعله الجزء الأول من “الإحياء العظيم” بشكلٍ مؤقت. وكلمة “أورجانون” تعني الأداة أو الآلة (أي آلة الفكر)، وهو الاسم الذي وضعه المدرسيون في العصور الوسطى على مجموع مؤلفات أرسطو المنطقية[2] التي كانت أداة كل بحث في ذلك الحين. وقد اختار بيكون هذا الاسم لكتابه تعبيراً عن معارضته لمنهج أرسطو ومنطقه، وبقصد أن يُنَحِّيه ويحل محله.

يتضمن “الأورجانون الجديد” جانبين أو قسمين: قسماً سلبياً يتناول مواطن الخطأ والزلل في ذهن الإنسان حتى يبذل وسعه لتجنبها، وقسماً إيجابياً يتناول قواعد التجريب ويستغرق الكتابَ الثاني برمته. وإذا كان الجانب الإيجابي من فلسفة بيكون قد تَكَشَّف قصورُه وتجاوَزَه الزمن، فإن الجانب السلبي يظل حياً راهناً يلقي أضواءً كاشفة على أخطاء رئيسة تحدق بالعقل البشري في كل زمن، ولايزال البشر يقعون فيها إلى يومنا هذا. الأمر الذي يجعل الكتاب الأول من “الأورجانون الجديد” كتاباً خالداً لا يَنفَد عطاؤه على مَرِّ العصور.

ثمة أربعة أنواع من الأوهام تُحدِق بالعقل البشري، وتظل تلاحقه في عملية تجديد العلوم نفسها، وتضع أمامه العوائق ما لم يأخذ البشرُ حِذرَهم ويُحَصِّنوا أنفسَهم منها قدر ما يستطيعون. “فدراسة الأوهام هي بالنسبة إلى تفسير الطبيعة مثل الدحوضات السوفسطائية بالنسبة للمنطق العادي”[3]. كان بيكون قد عرض لهذه الأوهام في كتاب سابق له هو “Advancement of Learning”(تقدم المعرفة/النهوض بالعلم/إنهاض العلم) نشره عام 1605، ولكنه لم يقيِّض لها أسماءً. أما في الأورجانون الجديد فقد أطلق عليها أسماء تدل على براعة منقطعة النظير في استخدام الاستعارة الحية.

  1. “أوهام القبيلة”

“نحن لا نرى الواقعَ كما هو وإنما نراه كما نحن”

أناييس نِين

“هذا العالمُ كما ندركه هو صورتُنا الرمزية عن العالم الموضوعي المستقل عنا”

جون إكلس

تتعلق أوهام القبيلة (أوهام الجنس أو النوع) بالطبيعة البشرية بما هي كذلك، وتشمل البشر جميعاً:

– فنحن جميعاً ميالون إلى أن نحتكم إلى حواسنا وأن نجعلها مقياساً للأشياء. وهذا ميلٌ خاطئ لأن الحواس شيءٌ منسوب إلى الإنسان وليس إلى العالم. نحن لا نرى الأشياءَ كما هي عليه، وإن الذهن البشري أشبه بمرآة غير مصقولة تضفي طبائعها الخاصة على الأشياء فتشوهها وتفسدها. يقول بيكون في الشذرة 2: 40: “الغلط الكبير للحواس هو أنها ترسم خطوط الطبيعة بالإطار المرجعي للإنسان لا الإطار المرجعي للطبيعة”. كما أن الحواس البشرية قاصرة عن إدراك كل شيء في الطبيعة: إن العين البشرية لا تلتقط كل ضروب الأشعة والموجات، والأذن البشرية لا تلتقط من الترددات الكائنة في الطبيعة إلا قسطاً يسيراً جداً. وقُل الشيءَ نفسه في بقية الحواس. من هنا يأتي أكبر عائق للفهم البشري: فالأشياء التي تمس الحواس تكون لها الأرجحية على الأشياء التي لا تمسها مباشرة مهما عَلا شأنُها. هذا ما يجعل التأمل يتوقف في عامة الأحوال حيثما يتوقف الحِس.

– ونحن ميالون إلى أن نرى في العالَم نظاماً واطِّراداً أكثر مما نجده فيه.

– ونحن نؤخَذ بالشواهد الإيجابية لأي رأي أو اعتقاد ونغض الطرفَ عن الشواهد السلبية حتى إن كانت أكثر عدداً وثقلاً![4] ويبدو أن الدماغ البشري بحكم تكوينه يجد صعوبةً في “معالجة” الإشارات السلبية أكثر مما يجدها في معالجة الإشارات الإيجابية. يُسَمَّى هذا الخطأ المعرفي، بالمصطلح الحديث، “انحياز التأييد” confirmation bias، أي البحث عن التأييد دون التفنيد؛ ويذهب البعض إلى أن هذا الانحياز هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية “المُخَلِّدة لذاتها” و “المُحَقِّقة لِذاتِها”[5].

– ونحن نؤخَذ بشواهدَ لافِتةٍ قليلة ونظن أن كل شيء آخر يسير على غِرارِها ويجري مَجراها. نحن متسرعون في التعميم، نستبِق الطبيعةَ، ولا نَجِدُّ في البحث عن أمثلة سالبة مُفَنِّدة تختبر فروضَنا اختبارَ النار.

– ونحن لا نفهم الأمور فهماً بريئاً أبداً؛ ذلك أن فهمَنا مُشرَبٌ دائماً بإرادتنا وعواطفنا وأمانينا. نحن نُصَدِّق ما نُفَضِّله، ونرى ما يَطِيبُ لنا أن نراه، ونرفض كل ما هو غير تقليدي خوفاً من رأي العامة.

_ وإن بالعقل البشري مَيلاً إلى ممارسة نشاطه دون توقف: إنه كالحصان الهائج الذي لا يعرف كيف يقف؛ ولايزال يَغُذُّ في السير وإن كان ذلك بغير جدوى؛ ولذا فمن غير المتصوَّر عنده أن يكون هناك حَدٌّ ما للعالَم أو نقطة نهاية، إذ يبدو له دائماً، بما يشبه الضرورة، أن هناك شيئاً ما وراء ذلك الحد أو النهاية. وشأن العقل البشري مع الزمان كشأنه مع المكان فليس بوسعه أن يتصور كيف تدفقت الأبدية نُزُلاً إلى يومنا هذا… وثمة نفس الصعوبة فيما يتعلق بقابلية الخطوط للانقسام إلى مالانهاية والناجمة من انفلات فكرنا وعجزه عن التوقف. ويتجلى هذا الانفلات ويزداد إيذاءً في عملية اكتشاف العِلل. فرغم أن المبادئ القصوى (الأكثر عمومية) في الطبيعة ينبغي أن تكون وقائع محضة هي كما وُجِدَت عليه ولا يمكن أن تُحال إلى عِلة، إلا أن الفهم البشري في عجزه عن التوقف لا يزال يتلمس شيئاً ما سابقاً في نظام الطبيعة؛ ثم في غمرة جهاده في المضي إلى ما هو أبعد إذا به يرتد إلى ما هو أقرب! (أقرب مأخذاً)، أعني العِلل الغائية، التي هي أكثر ارتباطاً بطبيعة الإنسان منها بطبيعة الكون، والتي هي من أكبر مصادر الفساد في الفلسفة[6]. “إن الغائية مصدرها إنساني نلاحظها في خبراتنا السلوكية ونرتكب الخطأَ حين نسقطها على الطبيعة”[7]. “ولا شك أن تأكيد بيكون لهذا الميل إلى تجاوز الذهن لذاته، يُذَكِّر المرءَ بما سيقوله كانت kant فيما بعد عن ميل الذهن إلى تجاوز حدود التجربة والخوض في مسائل ميتافيزيقية لا ضابط لها، ولا دليل على صحتها أو بطلانها. فعمل بيكون في هذا الصدد هو نوع من نقد العقل، أعني نقد للعقل العلمي الذي كان سائداً في عصره”[8]. وفي أواخر الكتاب الثاني (الإيجابي البنائي) من الأورجانون الجديد يقول بيكون: “..ولكن لما كان منطقي يوجِّه ويُرشِد الفهم، حتى لا يقبض بِكلَّابات العقل الصغيرة على تجريدات محضة ويتشبث بها، بل يخترق الطبيعة بالفعل ويكتشف خواص الأجسام وقواها، وقوانينها المنقوشة في المادة. ومن ثم فإن هذا العلم لا ينبع من طبيعة العقل فقط بل من طبيعة الأشياء_ فلا عجب أن يمتلئ بإيضاحات وملاحظات مبثوثة في تضاعيفه وتجارب في الطبيعة، كأمثلة على الفن الذي أُعَلِّمه”[9].

– يميل الفهم البشري بطبيعته الخاصة إلى التجريد، ويفترض جوهراً (ثابتاً) وواقعاً فيما هو عابرٌ ومتغير. غير أنه أفضل لنا أن نُشَرِّح الطبيعةَ إلى أجزاء من أن نجردها (وهذا ما فعلته مدرسة ديمقريطس التي حققت تقدماً أكبر من غيرها في اختراق الطبيعة).

  1. أوهام الكهف

“مَن رآكَ مِن حيث هو فإنما رأَى نفسَه”

محيي الدين بن عربي

“ويبدو واضحاً لِزُقاقِنا أن الحقيقي والسَّوِي أشياءُ من صنعِهِ هو

ذاته، ومن صنع منازلِه وأكوامِ قِمامتِه”

طاغور

“الكهفُ مصادفة. كلُّ شيءٍ شاركَ في صَوغِك وصَبِّكَ كان شيئاً

عارِضاً طارِئاً[10]، كان اعتِباطاً”

المقصود بالكهف هنا هو كهف الفردانية[11]، فكل فرد من الناس يعيش من نفسه في كهفٍ خاص به يعترض ضياءَ الطبيعة ويشوهه. إن لكل فرد من البشر تكوينَه الجِبِلِّي الخاص ومَوروثه الجِيني، وثقافتَه التي نشأ عليها، وتربيتَه وظروفَه وقراءاتِه وقُدوتَه وصِلاته الحياتية. مِن الناس مَن يميل إلى ملاحظة الفروق بين الأشياء وتأمُّل التفاصيل، ومنهم مَن هو أميل إلى ملاحظة أوجه الشبه بين الأشياء وهم أصحاب المِزاج التأملي الاستدلالي. وكلا الصنفين من العقول عُرضة للشطط، سواء بالتشبث بالفروق التافهة أو بخيالات التشابه. كما أن بعض العقول مغرم بالقديم وبعضها مُتَيَّم بالجديد، بينما الحقيقة ينبغي ألا تُلتمَس في حظوة زمنٍ بعينه فذاك شيء غير مضمون، بل في ضوء الطبيعة والتجربة وذاك شيء خالد. وعلى كل دارس للطبيعة أن ينظر بارتيابٍ إلى كل ما يفتن عقله ويأخذ بِلُبِّه، حتى يحفظ ذهنَه صافياً ومتوازناً.

  1. أوهام السوق

“يظن الإنسانُ أنه يصنعني ويستخدمني

الحقَّ أقول لك، أنا الذي أُسَخِّرُه وأُسَيِّرُه

وأقودُهُ كالمُنَوَّمِ

ولا أسمح أن يَرَى من العالَم إلا ما أريدُ له أن يَرَى”

اللغة

“لا مكان للحرية إلا خارج اللغة . غير أن اللغة البشرية،

لسوء الحَظ، لا خارجَ لها”

رولان بارت

“ضَيَّعَتنا الألفاظ. سَمَنَّاها فأكلَتنا

خانَتنا الألفاظ. نَصَبناها شِراكاً لِلحق فَصادَتنا

حَبَسَتنا الألفاظ. عَزَلَتنا تروسُها ومفصَّلاتُها عن تروس الأشياء

وما يُوَشِّجُها مِن سِرٍّ وسُيور”

تنشأ أوهام السوق عن تواصل الناس واجتماعهم ومداولاتهم، وهي أخطر أنواع الأوهام. تلك هي الأوهام التي تنشأ عن اللغة وتتسلل إلى الذهن من خلال تداعيات الألفاظ والأسماء. يميل الناسُ إلى قبول أفكارٍ معينة ويُسَلِّمون بها تسليماً، وما يَدرون أنها مُبَيَّتَة في صميم اللغة نفسها[12]. يظن الناسُ أن عقلهم يتحكم في الألفاظ، بينما الحقيقة أيضاً أن الألفاظ تعود وتشن هجوماً مضاداً على الفهم. ذلك أن الألفاظ تكوَّنت في الأصل لكي تلائم قدرةَ عامة الناس؛ وهي تحدد الأشياء بخطوط تقسيم تسهل على الذهن العامي. وحالما أراد الذهن العلمي أن يغير هذه الخطوط لتلائم التقسيمات الأصوب للطبيعة فإن الألفاظ تعترض الطريق وتقاوم التغيير. “الألفاظُ لا تحدِّد مدلولاتها بكل دقة ولسنا في حياتنا اليومية بحاجةٍ إلى تلك الدقة، ولكن إذا استخدمنا تلك الألفاظ في الحياة العملية بانَ قصورُها”[13]. ومن ثَم تنتهي كثير من الحوارات العلمية والفكرية إلى خلافات حول ألفاظ وأسماء بدلاً من أن تدخل في صميم موضوعاتها. لذا فإن علينا أن نواجه الأشياء مباشرة، ولا نكتفي بمواجهة الأشياء من خلال الألفاظ اللغوية[14]. يقول بيكون: “ما الكلمات إلا صور المادة. أن تقع في حب الكلمات هو أن تقع في حب صورة”. وفي كتابه “موسيقى الحوت الأزرق” يقول د. علي أحمد سعيد (أدونيس): “إنها ثقافةٌ مؤسسةٌ على خللٍ أصلي في العلاقات بين الأسماء والأشياء. بل ليس في هذه الثقافة أشياء. كلها ألفاظٌ واستيهامات. والمعرفة فيها لا تنشأ من استقراء الطبيعة والأشياء وتغيراتها، وإنما تنشأ، على العكس، من استقراء المقروء: النصوص وتأويلها”[15].

يذكر بيكون نوعين من الأخطاء تفرضهما اللغةُ على الفهم. فإما أسماء لأشياء لا وجود لها[16] (كالقدر والمحرك الأول وعنصر النار)، وإما أسماء لأشياء موجودة ولكنها مختلطة غير محددة لأنها جُرِّدَت من الأشياء على عَجَل ودون تدقيق (مثل كلمة رَطب). وتتدرج الأسماء في قصورها وافتقارها إلى الدقة، فأقل الألفاظ خطأً أسماء المواد، تليها أسماء الأفعال، أما أكثرها خطأ فأسماء الكيفيات أو الصفات.

كان بيكون، إذن، مستبقاً لتيارٍ كامل في الفلسفة، هو التيار التحليلي، الذي جعل الفلسفة برمتها تحليلاً للغة يكشف غموضها والتباسها ويضع يده على مكامن الخطأ في استخدامها. ولكن بيكون لا يُغرِق في ذلك (إغراقَ المدرسة التحليلية) بحيث يسوخ في مشكلات لفظية فتفوته المشكلات الحقيقية.

  1. أوهام المسرح

“كَذَبَ الظنُّ لا إمامَ سوى العَقلِ مُشِيراً في صُبحِهِ والمَساءِ

إنما هذه المَذاهبُ أسبابٌ لِجَذبِ الدنيا إلى الرُؤَساءِ”

المعري

“إيَّاكَ واحذَرْ أن تَكُو نَ مِن الثِّقاتِ على ثِقَة”

ابن فارس

هي الأوهام التي انسربت إلى عقول البشر من النظريات والمذاهب التي تفرض نفسَها على الأذهان نتيجة احترامنا الزائد لآراء القدماء. إن كل المذاهب التي تَعَلَّمَها الناسُ وابتكروها حتى الآن هي أشبه بمسرحيات تُؤَدَّى على المسرح، خالقةً عوالِمَ من عندها زائفةً وهمية. وفي مسرحيات هذا المسرح الفلسفي قد تلاحِظُ نفسَ الشيء الموجود في مسرح الشعراء: أن القصصَ المؤَلَّفة للمسرح أكثرُ تماسكاً ووجاهةً وإمتاعاً من القصص الحقيقية من التاريخ وأقرب لرغبات الناس. يقول بيكون: “ولا ينسحب حديثي على الفلسفات والمذاهب الرائجة اليوم فحسب، ولا حتى على المذاهب القديمة، فمايزال بالإمكان تأليف الكثير من المسرحيات الأخرى من نفس النمط وتقديمها بنفس الطريقة المصطنعة، وإضفاء الاتفاق عليها، مادامت أسبابُ أغلاطِها المتفاوتة هي أسباب مشتركة إلى حد كبير. ولا أنا أقصر حديثي على الفلسفات الكلية، وإنما أشمل أيضاً كثيراً من العناصر والمبادئ الخاصة بالعلوم، والتي اكتسبت قوتها الإقناعية من خلال التقليد والتصديق الساذج والقصور الذاتي”[17].

ثمة ثلاثة أنواع من أوهام المسرح، أو ثلاثة فصائل من الفلاسفة يمثلون هذه الأوهام: الفصيل النظري أو السوفسطائي، والفصيل التجريبي العشوائي empiric، والفصيل الخرافي المشعوِذ. أما الصنف النظري، ويمثله أرسطو، فيخلق عالماً من الأفكار المجردة التي لا يقابلها في الواقع شيء_ كالمقولات، والقوة والفعل، ويعالج كل الموضوعات من خلال هذه الأفكار. وحتى التجارب القليلة التي أجراها كانت نتيجتها قد تحددت مقدماً عن طريق الاستدلال. وأما الصنف التجريبي العشوائي فيعتمد على تجارب قليلة لا تخضع لمنهج منظم، يحاول أن يبني منها فلسفةً كاملة. ومن هؤلاء الخيميائيون القدامى الذين يتعجلون الوصول إلى نتائج قبل أن يبنوا أبحاثهم على أساس متين. وأما الصنف الثالث فهم أصحاب الخرافات الذين يمزجون الفلسفة باللاهوت، ولا يفرقون بين التفكير المنظم وبين الأسطورة الشعرية. ومن هؤلاء فيثاغورس، وكذلك أفلاطون الذي ينتمي إلى هذه الفئة ولكن في صورة أدق وأخطر[18].

معيار الإجماع:

كان هناك شبه إجماع في عصر بيكون على فلسفة أرسطو؛ ولكن بيكون يقول “إن مسألة الإجماع هي أيضاً خادعة ولا تصمد للتمحيص. فالإجماع الحقيقي هو ذلك الذي ينطلق من أحكام حرة تلتقي جميعاً، بعد فحص المسألة، في نقطة واحدة. ولكن الغالبية العظمى من الذين قبلوا فلسفة أرسطو قد ارتهنوا أنفسَهم لها من خلال الحكم المسبق وسلطة الآخرين؛ الأمر إذن أقرب إلى الاتِّباع والتحَزُّب منه إلى الاتفاق. وحتى لو كان اتفاقاً حقيقياً وعريضاً، فمن الخطأ الذريع أن نَعُده تأييداً صادقاً وصلباً ذلك الاتفاق الذي يتضمن قرينةً قويةً إلى العكس. فبئس الدليلُ الإجماعُ في المسائل الفكرية.. فلا شيء أثلج لصدور الطَّغام من ذلك الذي يَفتِن الخيالَ ويوثق العقل في أغلال الآراء الشائعة. وما أجدرَنا إذن أن نستعير قول فوشِيون من مجال الأخلاقيات إلى مجال الفكر: “إذا ما غَمَرَكَ الدهماءُ بالتأييد والإعجاب فتَحَسَّسْ أخطاءَك!!”[19].

معيار القِدَم:

وتتمثل أوهام المسرح أيضاً فيما تكتسبه المذاهب القديمة من سلطة بحكم قِدَمِها لا بحكم صدقها. وهو “يُفَكِّك” لفظة “القدم” antiquity نفسها، ويكشف تهافتَ فهمِنا لها في هذا المَقام فيقول: “إن الرأي الذي يرفع به الناسُ من قيمةِ القِدَم هو رأيٌ عقيمٌ تماماً ولا يكاد يتفق مع اللفظة. ذلك لأن كِبَرَ العالَمِ وتَقَدُّمَه في العمر هو ما ينبغي أن يُعتبَر “قِدَماً” في حقيقة الأمر. وهذه هي الصفة المميزة لزمننا نحن لا للعمر المبكر للعالم في أزمنة القدماء. فإذا كان هؤلاء الأخيرون بالنسبة لنا قدماءَ مُسِنِّين فإنهم بالنسبة للعالم مُحدَثون صغار. ولَمَّا كنا نتوقع من الشخصِ الأكبرِ معرفةً أكبرَ بالشئون البشرية وحكماً أنضجَ مما نتوقعه من الصغير، بفضل خبرة الكبير وبفضل كثرة، وتنوع، ما رآه وسَمِعَه وتأمَّلَ فيه، فإن لنا أن نتوقع من عصرنا أموراً أعظم مما نتوقعه من العصور القديمة، مادام العالم قد تقدم في العمر وازدادت ذخيرتُه واكتنزت بما لا نهاية له من التجارب والملاحظات. وينبغي أيضاً أن نأخذ في اعتبارنا أن كثيراً من الأشياء الجديرة بأن تُلقِي الضوءَ على الفلسفة قد اكتُشِفَت وأُمِيطَ عنها اللثام بفضل الرحلات والأسفار الطويلة التي زَخَرَت بها أيامُنا. إنه لَيكونُ مخزياً حقاً للجنس البشري أن تُستكشَف أصقاعُ العالمِ المادي_ الأرض، والبحر، والنجوم_ وتُستظهَر على هذا النحو المذهِل، بينما تَبقَى حدودُ العالمِ الفكري محصورةً في الكشوف الضيقة للقدماء”[20].

كان ألونسو الأراغوني يقول في مدح القِدَم: إنه يبدو خيراً وأفضل في أربعة أشياء: الحَطَب القديم لِيُحرَق، والخمر القديمة لِتُشرَب، والأصدقاء القدامَى لِيُوثَق بهم، والمؤلفون الأقدمون لِيُقرَأُوا[21].

معيار السلطة:

“أما عن السلطة فهي من الجبن بحيث تُولِي ثقةً غير محدودة لمعلِّمين معينين بينما تغمِط الزمنَ حقَّه. الزمنُ هو معلِّمُ المعلِّمين، ومن ثم فهو سلطة كل سلطة. فقد صدق من أطلق على الحقيقة “بنت الزمن” لا بنت السلطة. لا عَجَبَ، إذن، إذا كانت قيود القِدَم والسلطة والإجماع قد كَبَّلَت قوى البشر فصاروا عَجَزةً (كما لو كانوا مسحورين) عن مقاربةِ الأشياءِ ذاتها”[22].

تلك هي الأوهام وخصائصها. “وكلها أوهام ينبغي التخلي عنها وشجبها، وتطهير العقل وتحريره منها، حتى لا يبقى ثمة إلا مدخل واحد إلى مملكة الإنسان، المدخل القائم على العلوم؛ مثلما أنه لا مدخل إلى مملكة السماء إلا عبر طهارة الطفولة”[23].


أوهام بيكون والاضافة الجديدة

يحيى محمد

يعود تقسيم الاوهام البشرية الى الفيلسوف التجريبي فرانسيس بيكون خلال القرن السابع عشر. ففي كتابه (الاورغانون الجديد) قام بتصنيفها الى انواع اربعة كالتالي:

1ـ اوهام القبيلة، او اوهام الجنس البشري، اذ يشترك فيها البشر كافة. فالذهن البشري هو اشبه بمرآة غير مستوية تتلقى الاشعة من الاشياء وتمتزج طبيعتها الخاصة بطبيعة الاشياء فتشوهها وتفسدها. فهي اوهام تتعلق بتحيزات الروح البشرية وقصور ملكاتها وانفعالاتها، او تأتي من خلال عجز الحواس او شكل انطباعاتها. فوفق هذه الاوهام يتم فرض الميول الذاتية على الاشياء قبل القيام بمحاولات التجربة والاختبار.

2ـ اوهام الكهف، وهي تختص بالفرد، وتصدر«عن الطبيعة الخاصة لعقل كل فرد وجسمه»، كما تتحقق باتباع الفرد لبيئته وثقافته وعاداته وظروفه الخاصة، او تأتي وفقاً لقراءاته واحترامه واعجابه بالشخصيات، او وفق اختلاف الانطباعات التي تتركها الاشياء في الاذهان المختلفة، ومن ثم تتحدد نظرة الفرد للاشياء. وقد اعتبر بيكون هذا النوع اخطر الاوهام.

3ـ اوهام السوق، وهي اوهام اللغة. فالالفاظ اللغوية تتوسط في التعامل بين الناس فينشأ عنها الاستخدام الخاطئ عبر «كلمات سيئة بليدة تعيق العقل، فلا تجدي فيها تعريفات ولا شروح قد دأب المثقفون على التحصن بها احياناً». فهناك خلط ومغالطات توقع الناس في مجادلات لا حصر لها. وهي اكثر الاوهام ازعاجاً، اذ تتسرب الى الذهن من خلال تداعيات الالفاظ.

4ـ اوهام المسرح، وهي اوهام ناتجة عن النظريات والمعتقدات الخرافية، وعن القواعد المغلوطة للبرهان، ويشمل ذلك ما يتعلق بالفلسفات والنظريات القديمة منها والحديثة. ويصل فيها الحال الى ان الكثير من العناصر والمبادئ الخاصة بالعلوم تكون قد تسربت الى العقول علناً واكتسبت قوتها الاقناعية من خلال التقليد والتصديق الساذج1.


هذه هي اوهام بيكون الاربعة، ونعتقد انها تحتاج الى شيء من التحليل والاضافة. فعلى الاقل ان هناك نوعاً جديداً يحتاج الى تبيان، وهو الاوهام الصورية في قبال الاوهام التصديقية التي تحدث عنها بيكون. ومن حيث التفصيل نسجّل ملاحظاتنا كما يلي:

اولاً: يلاحظ ان اوهام القبيلة هي اقرب للاوهام الصورية منها الى الاوهام التصديقية. وبعبارة ادق يمكننا اعتبارها تتضمن نوعين من الاوهام، هما الاوهام الصورية والتصديقية. فبيكون يعرّفها ويشبهها بالمرآة غير المستوية وان لها طبيعة خاصة تمتزج مع الاشياء، وهي بذلك تعبر عن الاوهام الداخلة ضمن القبليات الصورية الثابتة اكثر مما تعبر عن الاوهام التصديقية، رغم الامتزاج الحاصل بين القضايا الصورية والتصديقية، لان الاخيرة تتضمن الاولى من دون عكس. لكن في هذه الحالة ان اصل الاوهام يعود الى جهاز الحس الصوري المركب فينا، ومن ثم من المحال علينا الخروج من سجننا الذاتي لنرى الاشياء على حقيقتها وجهاً لوجه كما هي. وفي الدعاء النبوي نقرأ: ربي أرنا الاشياء كما هي.

ثانياً: هناك اوهام صورية اخرى تتصف بكونها عارضة وليست ثابتة واولية كالسابقة، وهي قد تعبر عن المعاني الذهنية والنفسية مثلما قد تعبر عن المعاني الحسية. ومن ابرز ضحايا هذه الاوهام اولئك المصابون بالهلوسة والفصام والبارانويا وغيرها من الامراض النفسية المعروفة. كما يتعرض لها الافراد في المراحل الاولى من الطفولة، حيث يتخيلون اشياء خرافية امام اعينهم. ومثلهم الذين يتناولون جرعات كبيرة من المسكرات وبعض انواع المخدرات. كذلك يتبادر للافراد احياناً بعض من هذه الصور الوهمية عند حالة الاستفاقة والصحو من النوم مباشرة. وتظل هذه الاوهام طارئة ومتغيرة عادة، لكنها بالغة التأثير والوضوح، خلافاً للاوهام الصورية الاولى.

ثالثاً: من حيث التحليل ان اوهام الكهف لدى بيكون تعتمد على صنفين من العوامل الداعية لها، هما العوامل التكوينية والمكتسبة. واذا كانت العوامل المكتسبة واضحة بمصادرها البيئية المختلفة؛ فان العوامل التكوينية تعبر عن ميول وامزجة طبعية تلد مع الفرد وفق تكوينه النفسي والبايولوجي والجيني دون ان تعزى الى البيئة اساساً، ومن ثم انها تفضي الى الاوهام المناطة بها. فمثلاً كثيراً ما نرى الاشقاء لدى الاسرة الواحدة يتصفون بطبائع مزاجية مختلفة تؤثر على ميولهم المعرفية، رغم تشابه الظروف التي يعيشون في ظلها. فقد تجد بعضهم يميل الى الانغلاق او الشدة والحدة في التفكير فيما يميل الاخر الى الانفتاح والهدوء والتسامح. فالمزاج يؤثر في التفكير، ومن كان حاد المزاج فانه يغلب عليه التسرع في الاحكام المعرفية والقيمية ومن ثم الوهم. وكل ذلك قد يكون ضمن تركيبة الفرد من الناحية التكوينية او البايولوجية. وهو ما قد يلقي ضوءاً على طبيعة الشخصيات العلمية التي سادت ماضياً وحاضراً، فبعضهم يتصف بالحدة والتشديد على مستوى الفكر والعقيدة كما هو حال ابن حزم وابن تيمية مثلاً، فيما يتصف البعض الاخر بالاعتدال والتسامح، وبينهما درجات متفاوتة بلا حدود.

رابعاً: يعرّف بيكون اوهام المسرح بانها اوهام التفكير المغلوط، او هي نتاج الاستنتاجات الفكرية المغلوطة، وبحسب تحليلنا انها تأتي بنتائج لا تتفق مع ما تقتضيه المقدمات المنطقية، كأوهام اليقين الذاتي الذي لا تبرره المقدمات المرتبط بها. ويكثر هذا النوع من الاوهام لدى منظومات التفكير القديمة. وهي قابلة للتناقل بعدوى التلقين والاعجاب والتقليد من خلال اوهام الكهف، فتبدأ بكونها اوهاماً فكرية، لكنها تستمد بقاءها من خلال التقليد والاعجاب والظروف التي تكتنف اهل العلم والبحث، فهم يتأثرون بقانون التقليد كبقية الناس وفق العوامل البيئية والثقافية. فكثيراً ما يواجه العلماء صعوبة في تغيير وجهة النظر العلمية بعد أن تتوطد الفكرة جيلاً بعد آخر، تبعاً للإلفة والتقليد. فحول نظرية الأثير في فيزياء نيوتن، والتي تشبث بها بعض العلماء بإصرار رغم ما تتضمنه من تناقضات، كتب (ليوبولد انفلد) يقول: «الأحكام المسبقة عميقة الجذور لا تزول بسهولة. فالفيزيائي في القرن التاسع عشر لم يكن على استعداد للتخلي عن نظرية الأثير، لم يكن في وسعه إنكار الادلة المستمدة من التجارب، ولكنه كان يستطيع تغيير حجته». لذلك فقد كان أبو الكيمياء الحديثة لافوازييه يحذر من هذه الأحكام المسبقة، وكما قال: «هذه الافتراضات التي ما برحت تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، تكتسب وزناً إضافياً من تأييد الثقات لها إلى أن تقبل آخر الأمر كحقائق أساسية حتى من جانب العباقرة»2.

خامساً: يعتقد بيكون ان من الممكن التخلص من جميع انواع الاوهام عبر ما سماه الاستقراء الصحيح3، اي استنطاق الواقع عبر التجارب والملاحظات والاختبارات، مع انه اذا كنا نعتبر ان من ضمن الاوهام هي تلك المتعلقة بالجانب الصوري الاولي فاننا نعجز عن تعديل هذا النوع. كذلك فانه اذا كان من الممكن للفرد ان يتفادى الكثير من الوهم فانه يعجز عن ان يتفادى جميع حالات الوهم باضطراد، لا سيما اوهام الكهف، وهو مبعث خطورتها.

سادساً: اذا اردنا ان نعيد صياغة الاوهام مع اعترافنا باهمية ما قدمه بيكون في هذا الصدد، فستكون كما يلي:

أ ـ اوهام صورية، وهي على صنفين كالتالي:

1ـ اوهام ثابتة او اولية، وهي التي نتعرّف من خلالها على الاشياء الحسية مباشرة، وتعبر عن الامتزاج بين الطبيعة الذهنية للانسان والاشياء المدركة. وتتصف بانها مشتركة بين البشر كافة.

2ـ اوهام طارئة خلّاقة، وهي غير متأصلة مثلما هي الحال لدى الاولى، كما تتصف بانها غارقة في الوهم الخلّاق والتأثير الذاتي خلافاً لما قبلها، وتحدث لاسباب طارئة كثيرة. ويتحقق ظهورها اول الامر لدى الاطفال الصغار عندما يتخيلون وجود اشياء لا يدل عليها الحال. وبالتالي تتصف بانها احد مصادر اوهام الكهف التصديقية.

ب ـ اوهام تصديقية، وهي ذاتها التي طرحها بيكون والتي سبق عرضها، وباختصار انها تنقسم الى ما يلي:

1ـ اوهام القبيلة، وتتصف بكونها مصدر خداع بسبب الاوهام الصورية.

2ـ اوهام السوق او اللغة.

3ـ اوهام الكهف، وهي على صنفين: كسبية بيئية وطبعية ناتجة عن ميول وامزجة تكوينية. وهي اخطر الاوهام واشدها تأثيراً على البشر.

4ـ اوهام المسرح او التفكير المغلوط، وهي خاصة بالاستنتاجات الفكرية المغلوطة.

ويتبين مما سبق ان هناك نوعين اساسيين للاوهام، هما الاوهام الصورية والتصديقية، وان ما تحدث عنه بيكون بوضوح هو الاخيرة فحسب.

1فرنسيس بيكون: الاورجانون الجديد، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013م، فقرة 39 وما بعدها، ص28 وما بعدها.

اكتب تعليقا وسينشر فورا..فهدفنا هو كل التعليقات