أنا علماني !

Advertisements
عمار السواد

حين يشعر الاسلاميون بخطر من خصم ضد ايديولوجيتهم ولا يجدون له تهمة، فالتهمة “علماني”.

فأمام جمهور قلق على عقائده، طقوسه، عاداته، نظامه الابوي، على اطمئنانه الروحي، هذه “التهمة” جريمة. لأن العلماني في تصورهم، كافر، مدمر لعقائد الناس وطقوسه وعاداته…

Advertisements

لذا، حين شعرت أوساط من الاسلام السياسي بالخطر من التظاهرات العراقية، وأدركت أن أغلب الشرائح المشاركة ليست بعثية ولا وهابية ولا داعشية، لم تجد سوى “العلمانية” تهمة لتحشيد الجمهور ضدها، ومحاصرة زخمها، وحين أدركت أن الأمر صعب، جعلت ذلك مبرراً لأن تحرك قواعدها للمشاركة في التظاهرات وتقديم نفسها كممسكة بزمام مبادرة قيادة التظاهرات. ولكن بالمحصلة النهائية، أخفقت الى حد كبير، فحضور جمهورها بقي محدوداً، أو ان الزخم المشارك امتصه.

التظاهرات ليست علمانية، لكنها تضم نسبة كبيرة من العلمانيين، والشعارات ذات الطابع العلماني لم تشكل النسبة الأكبر، بل غلب عليها طابع مكافحة النهب والتصدي للخراب، حيث يجتمع الكل ويؤمن الجميع. وبتعبير آخر ان للعلمانيين دورا فاعلا في التظاهرات، لأن المثقف الذي يمثل إحدى ركائز الحراك في الغالب علماني، لكن أسباب الحراك هو انعدام الحياة الطبيعية في العراق وسيادة النهب على العملية السياسية. والفساد غير مرتبط بايديولوجيا معينة، فالعلماني الموجود في الحكم فاسد أيضاً، لكن أغلبية أصحاب القرار والنفوذ والحكم ينتمون للاسلام السياسي.

Advertisements

وهنا يخشى الاسلام السياسي الشيعي على نفسه، لأن جميع أطيافه، تقريباً، في العراق مشاركة في العملية السياسية. الاسلام السياسي السني أيضا، لأن جزءا منه في الحكم والجزء الآخر ضمن معارضة دعمت وجود داعش والقاعدة من قبل. أي ان هذه التيارات، إضافة الى خشيتها على مصالحها الخاصة، تخشى من أن انهيار تجربتها بحكم الفشل وسقوط الثقة، ما يؤدي بالضرورة الى لجوء الناس للآخر العلماني أو على الاقل الذي لا يؤمن بالاسلام السياسي. وقد حصل هذا سابقاً، مع فشل وجرائم النظام السابق المحسوب على “فصل الدين عن الدولة”، ذهب الناس إلى البديل الإسلامي.

وبالفعل إن التجربة “العلمانية” للجمهورية العراقية كانت مخيبة ومسيئة لمنهج فصل الدين عن الدولة، لأنها ارتبطت بنظم مستبدة وقمعية. ولم تستطع الرؤية النقدية في العراق والبلدان المتشابهة معه في الفشل السابق، أن تقدم مقاربة مقنعة ومراجعة حقيقية لما جرى. ولهذا من الخطأ رفع شعار “العلمانية هي الحل” ردا على شعار “الاسلام هو الحل”. العلمانية جزء من الحل، وهناك أيضا الديمقراطية والمساواة والدولة الحديثة والحريات والنزاهة… هي بالتحديد تضمن رفع القداسة عن العمل السياسي والدولة، ما يسهل تطبيق باقي فقرات الحل لبناء دولة مدنية.

إن العلمانية التي تضمن الحريات الدينية والمدنية على حد سواء، وتسمح للكل بممارسة ما يرونه ويعتقدونه شريطة عدم اللجوء الى العنف، ليست تهمة، بل هي سلب إبعاد المقدس الديني عن السياسة الدنيوية. وهي حين تكون مصاحبة للديمقراطية الليبرالية… تؤدي الى حماية المجتمع من غلواء القمع تحت أي مسمى كان. فالتهمة ليس أن يقال عن المرء “أنت علماني” فهذه قناعة وفكرة، بل أن يقال عنه قاتل، ناهب، فاسد، ارهابي، فاشل…

المصدر: موقع إيلاف

شاهد أيضاً

ذبح 50 شخصا في ملعب كرة قدم شمال موزمبيق على يد ” مسلحين إسلاميين”

Advertisements قام مسلحون يعتقد أنهم ينتمون لتنظيم “أهل السنة والجماعة” بقتل  اكثر خمسين شخصا ذبحا …

%d مدونون معجبون بهذه: