كيف تحول الخطاب الإسلامي في الفضائيات إلى مشروع ديني بحت بعيد عن مشاكل الناس الحقيقية؟

حين يتحول المشروع الإسلامي إلي فكر منفعل .

Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements
 شيخ عبد الرحمن بشير .
حين يتحول المشروع الإسلامي إلي فكر منفعل
في منطقتنا المسلمة مشروع فكري حملتها الصحوة في السبعينيات من القرن العشرين ، وتأكد حاجته في الثمانينيّات حين بدأت إرهاصات الفشل من الدول، وصار بديلا محتملا في نهاية الثمانينيّات ، وبداية التسعينيات حين بدأ الإتحاد السوفيتي، ومعه المنظومة الشتراكية يدخلان في التحلل والتفكك، بل وصار قوة في الشارع حين رأت الشعوب نوعا من الإنفراج في بداية الألفية الثالثة، وانحازت الشعوب نحو المشروع في لحظة انبثاق الربيع العربي، وكل ذلك أكد وجود قوة ذاتية للمشروع،
ولكننا نلاحظ في منطقتنا في القرن الأفريقي وجود فكر إسلامي منفعل، غابت عنه الفاعلية في كثير من أطروحته، بل وتحول الخطاب الإسلامي في الفضائيات إلي مشروع ديني بحت بعيد عن مشاكل الناس الحقيقية من الحروب الأهلية، ومن النزاعات السياسية ، ومن غياب الدولة المركزية ذات القبول الشعبي ، بل وتلاحظ سيادة الفتاوي المضطربة في الفضائيات، والكلام عن الدين والقضايا الكبري بشكل عفوي بعيد عن النصوص المحكمة والمقاصد الشرعية، وعدم الإحاطة المطلوبة للمسائل والنوازل بفقه شرعي متوازن ومحكم .
أين الخلل ؟
لقد أفزعني الخطاب الديني المبثوث في الإعلام المرئي والمسموع، بل والموجود في التواصل الإجتماعي في الشبكة العنكبوتية، وخاصة حول ما يتعلق في الهجرة الشرعية من أحكام مرسلة تؤكد في إدانة الشباب المهاجر، والهارب من جحيم المنطقة، والمتجه نحو جحيم آخر ولكن بلا وعي، فهو يهرب من الموت ليلقي الموت بشتي أنواعه في الجهة الأخرى، فهؤلاء الشباب هربوا من الموت البطيء في بلادهم، والمصنوع منهجيا من قبل مافيا المال والسياسة ( أنظمة الحكم) ، ومن وراءهم الغرب الراعي لهذه الدول الكرتونية التي تجد نفسها دائما خاوية من كل سند في وقت متاخر ، وهذا ما أكدته الوقائع مؤخرا بأن الغرب لا يعرف الحليف الأبدي في المنطقة ، ولكنه يعترف أمرين فقط وهما:



ه
– مراعاة المصالح الإستراتيجية والحيوية لشركاته وشعوبه، فتنتهي حدودهم السياسية حيث تنتهي مصالحهم الكبري ، ورؤيتهم لمصالحهم في المنطقة مبنية علي رؤية أمنية، وهذا واضح في الوفد المرافق للرئيس الأمريكي في حضوره في قمة الخليج المنعقد في الرياض.
– الدفاع عن اسرائيل كحليف استرتيجي وحيد في المنطقة، فلا يوجد في الشرق الأوسط حليفا استراتيجيا يأخذ موقعه من السياسات الأمريكية والدول الغربية .
انتقل الفكر الديني من موقع تكوين الرأي العام من خلال المحاضرات والخطب والكتب ذات الرؤية الإسلامية إلي انشاء خطاب ديني ذي اللون الوعظي والإرشادي، ومن هنا صار جل الدعاة نجوما للنساء ذات الثقافات المنخفضة، والأجيال المسنة في الغرب، وفي منطقتنا، بينما نجح الخطاب الإسلامي في مرحلة الصحوة مستوعبا للجيل المتعلم، والدارس للعلوم التقنية من الأطباء والمهندسين، ومن غيرهم من ذوي التخصصات الإنسانية، وهذا يعتبر نوعا من التراجع، بل ويشير وفقا لبعض الدواسات إرهاصات أفول شمس الصحوة.
تشير دراسات أخري بأن ثمة علامات تدل علي بداية مرحلة مابعد الصحوة، وهي مرحلة طبيعية ، ذلك لأنه لا يوجد فكر بشري خالد حتي ولو كان يستمد قوته من الدين الخالد كالفكر الإسلامي، فإن لكل شيء بداية ونهاية ، ويتم ذلك عبر سنن كونية واجتماعية ، ولهذا نجد أن أغلب الدعاة والمفكرين الذين حملوا هم الصحوة عن فكر ورؤية انتقلوا إلي الدار الآخرة ، وكان آخر الراحلين الدكتور حسن الترابي رحمه الله ، ولم يبق في الساحة من يصنع الفكر عن اقتدار إلا قلة من الرواد ، ونجد كذلك في داخل المدارس الصحوية سيادة التقليد للمفكرين المؤسسين ، والتوجه نحو الحياة لأجل العيش ، كما نجد كثيرا من رجالات الصحوة في منطقتنا تحولوا من عالم الفكر إلي عالم السوق ، فهذا التحول الإعتباطي يمثل إرهاصا أوليا في تحلل مشروع الصحوة .
نلاحظ في ساحتنا الفقهية والتوعوية خلطا كبيرا ما بين قضيتين آساسيتين ، فقه الدين ، وملاحظة فقه التدين ، فنحن قد نجد في كتب الفقه بحوثا تساعدنا في فقه الدين ، ولكن أين ؟ وكيف نجد البحوث التي تساعدنا في فقه التدين ؟ وكيف نعرف مدي التدين الموجود في الشارع ؟ هل التدين في صعود أم في هبوط ؟ ما المعيار في ذلك ؟ بل وما الفرق ما بين الدين كرسالة وتعاليم سماوية تحملها نصوص عامة وخاصة في الوحي المتمثل بالكتاب ، وما صح عن السنة النبوية ، والتدين الذي هو كسب بشري يتمثل استجابة الإنسان لتلك التعاليم في زمانه ومكانه ؟
في خطاب الدعاة في منابرنا الإعلامية خلط ما بينهما ، فالدين يتميز بالمثالية والكمال والعصمة، ولكن التدين الموصوف بالمحدودية والنسبية اختلط به إلي حد كبير ، فرأي الواعظ صار جزءا هاما من الدين المنزل ، كما أن رأي المفتي في الفضائيات لا يراعي الزمان المفترق ، ولا المكان المختلف ، ولا يعطي أولوية في كلامه تحقيق المناط ، ومراعاة المآلات ، ولهذا تحول كلام الدعاة في أغلب الأحيان معروفا سلفا ، بل وساد في أوساط التدين الخطاب الأنثوي ( الخطاب العاطفي ) .
يقول المفكر السوري الأستاذ عمر عبيد حسنة: أن أصول المشكلات الإنسانية وثوابتها، يمكن أن تكون واحدة في العصور كلها، وأن مظاهرها وأشكالها هي التي تتعدد وتتنوع وتختلف ، ولولا هذا التجدد لاكتفت البشرية بالنبوة الأولي، ولما جعل الإجتهاد المستمر مصدرا للتشريع في النبوة الآخرة، ولما جاءت معظم نصوص المراد الإلهي عامة ومرنة ، لتكون قادرة علي استيعاب العصر وتصريف شؤون الناس وفق الهدي الديني، فيما وراء الثوابت، الأمر الذي لا بد له من الإجتهاد لكل عصر .
لا يستطيع المفتي وكذلك الداعية أن يساير العصر ما لم يفقه العلوم الاجتماعية والنفسية ، فهما يساعدان العالم الديني في فهم التحولات التي وقعت في المجتمع ، ولهذا كان من المطلوب دينا أن لا يتوقف العقل المسلم عن السير في الارض باحثا عن أوضاع المجتمعات ، والتعرف علي السنن في تاريخ الأمم ، ومعرفة آيات الله في الآفاق والأنفس ، ولكننا نلاحظ في خطابات الدعاة في عصرنا ، وخاصة في منطقتنا التجاوز المتعمد لهذه العلوم الهامة ، فلا معني للفقه الديني إن لم يكن مؤسسا علي معرفة كاملة بالواقع ، وهو ما يسميه ابن القيم بفقه الواقع ، ومن خلالهما يحصل النوع الثالث من الفقه ، وهو فقه التنزيل .
الخلل الموجود في الساحة الدعوية لا يعني عدم وجود الدواء المرغوب، ولكن المشكلة تكمن في غياب الطبيب الذي سوف يقرر من الواقع المعين نوعية العلاج، ومن يستعمله؟ وإلي متي يستعمله ؟ وهذا النوع من الغياب في أدبيات الخطاب يدل علي وجود خلل هائل في تركيبة الخطاب الديني ، وهذا هو السبب الأساسي لترهله ، وانسحاب الإجيال المتعلمة منه .
إن الساحة الاسلامية في هذه اللحظة ، وأنا ابنها ، وأتابعها بدقة في كل ما يقال ، او يكتب ، تشكو من غياب منهج فكري يبني الأمة ، ومن خلالها ينطلق الداعية في خطابه ، ويتوجه إلي المجتمع برسالة ذات رؤية واضحة ، وإلا فقد تكاثر في سوق الفكر بما أسميه ( تجار الفكر ) ، حتي رأينا في ساحتنا الصحوية عيادات الإستشفاء بالقرآن ، وهي بدعة لم تكن في عصر السلف ، وكأن القرآن تحول من مشروع فكري يستقطب العقول الهائلة من الغرب والمسلمين في لحظة انبثاق الصحوة كروجيه جارودي الفرنسي ، وكيت مورو الكندي ، ومراد هوفمان الألماني ، وعلي عزت البوسني ، ومحمد عمارة المصري ، وعماد الدين خليل العراقي ، وعلي شريعتي الشيعي ، وأبوالاعلي المودودي السني الباكستاني إلي مشروع خرافي يحارب فقط في إخراج الجن من الأجساد المنهكة ، وخاصة النساء اللواتي تعانين من أمراض نفسية تحتاج إلي جلسنا نفسية هادئة ، ولو كان للدعاة فكر مستنير لصنعوا من خلال المعاناة مشروعا إسلاميا ينطلق من القرآن في معالجة الأمراض النفسية .
إن الخطاب الحالي يساهم في تكريس العلل وفي تعميق المشاكل، ويعجز عن الرؤية الحقيقية للمشكلات، فهو لا يفرق بين الجلاد والضحية كما رأينا في إدانات بعض العلماء للشباب الذين توجهوا نحو البحر هروبا من الموت البطيء في عالمنا المتوتر ، ولكنهم يقعون في موت محقق ينتظرهم في البحار ، أو فيما قبل ذلك من قطاع الطرق ، ورجالات الموت الذين يحولون أجساد الشباب إلي قطع غيار بشري قابل للبيع في لحظة تعرت البشرية من روح الانسانية .
يغيب في خطاباتنا دراسات الأحوال المختلفة للشعوب ، فالشعوب الرعوية لها خطابها ، والشعوب الزراعية لها خصوصياتها، كما أن للشعوب الصناعية لها خصائص، وبالتالي لها خطاب مختلف، بل وللشعوب المسلمة في المراحل المختلفة من استضعاف، وتوثب، وتمكن لها خطابات مختلفة ومتباينة، يراعي فيها صاحب الخطاب الظروف المكانية والزمانية، والامكانيات والمأمول، ويحاول أن يقول كلمته تحت ضوء مراعاة المرحلية والتدرج ، وبتم كل ذلك عبر فهم صحيح للدين كمشروع متكامل، ينطلق من النص الشرعي، دون أن يغفل عن المقاصد العامة والخاصة للنصوص الشرعية، ويحاول بقدر المستطاع تنزيل ما فهم من النصوص إلي الواقع المقصود ، وهذا هو الاجتهاد المطلوب في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا.
لدينا أزمتان في خطابنا الإسلامي المعاصر، وخاصة ذلك الخطاب المبثوث في الإعلام، وهما أزمة الفهم، وازمة التعامل مع ما نتج من الفهم، ولهذا نعيش في أزمة مركبة ، فهناك خطاب ديني مكرر، لا يلتفت إليه الشباب المتعلم لأسباب منهجية، كما توجد خطابات أخرى متشددة لا تحسن سوي اللعن والتكفير، والاستعلاء الفارغ علي الناس وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ونجد إلي جانب ذلك خطابات لا تعرف من الواقع الجديد شيئا، فهم يتعاملون مع التاريخ الوسيط في لحظة ما بعد الحداثة ،بل وجدت من أهل الفكر والدعوة من لا يعرف الفروق الدقيقة ما بين الحداثة، وما بعد الحداثة، ومع ذلك فهو يتصدر للخطاب في المنابر الدعوية،
وهذه الأزمة ناتجة من وجود متخصصين في الشريعة ولكنهم لا يعرفون شيئا يذكر في العلوم الانسانية، كما أننا نجد في منطقتنا متخصصين في تلك العلوم ولكنهم يفتقدون المرجعية الشرعية، فما لم نحول البوصلة إلي الإتجاه الصحيح سوف نحاول زرع الألغام في عقولنا، فالحل يكمن في تجاوز القطيعة والفصل، وفي صناعة الوصل ما بين الأمرين في الشخص المفتي، أو العالم.
لقد جاء زمن المراجعة لخطابنا، فهذا أوانه ، فيجب أن نسأل لماذا النساء فقط زبون دروس الدعاة؟ ولماذا تحول الرجال من التفاعل مع خطاب بعض الدعاة؟ هل المشكلة في الخطاب؟ أم المشكلة كما يقول بعض الدعاة في الرجال؟
ولماذا فشل الفكر الدعوي توريث المشروع للشباب؟ ولماذا تحول خطاب الصحوة من عالم الفكر إلي عالم الفتاوي؟
ولماذا انحصر خطاب بعض الدعاة في المسائل الدينية البحتة والأحوال الشخصية؟ هل تم علمنة المشروع الصحوي مع مرور الزمان؟
وهل نجح الآخرون في إفراغ المحتوي من مشروع الفكر الدعوي؟ وهل نجحت الأنظمة النفطية استيعاب الصحوة وتدجينها؟
إن المسلم لديه إحساس مرهف ، ويجب أن يستخدم كل ذلك في معرفة المسار والمصير، وقديما ذكر المفكر الفقيه محمد الغزالي في مقال له في مجلة الأمة التي كانت تصدر من قطر في الثمانينيّات من القرن العشرين، أن الأمة بحاجة إلي مراجعة، لا إلى رجوع ، ولكن هل من عاقل ينظر؟

شاهد أيضاً

تعرف على نشأة أصول الفقه في المذهب الإمامي

يذهب بعضهم إلى أن بدايات الاجتهاد والقواعد الأولى لعلم أصول الفقه قد وضعت زمن الرسول …

%d مدونون معجبون بهذه: