الرئيسية / الرئيسية / مقالات / دين / جلال الدين الرُّومي وسيرته الأسطورية

جلال الدين الرُّومي وسيرته الأسطورية

جلال الدين الرُّومي وسيرته الأسطورية
إن أغلب ما يثار من الكتابة المضادة للفكر الصوفي عن مولانا جلال الدين لا يعوّل عليه كثيرًا لأن مصدره غير صحيح في أغلبه ويعتمد على روايات منتخبة لا يحسن من خلالها تكوين رأي سليم.
1

 

عندما تزداد نارُ المحبَّةِ تأجُّجاً، تغدُو عاجزةً، ويُصبحُ الدَّاءُ دواءً وينكشِفُ السّرُّ، السّرُ ظاهرٌ والرَّجُلُ خفِيٌّ، ما شأنُ العاشق في هذا. في محلَّة الأرواحِ، أيُّ شيءٍ أجمل؟ تقديمُ الرّوحِ؛ فدع عنك اليقينَ والظّنَّ

شيخُ الإسلام الأنصاري الهَرْوي[1]

استاء أحد شيوخ «المولَوِية» من كثرة الجدال والنِّقاش الدَّائر في عصره حول الطُّقوس والممارسات الصُّوفية، ورأى أنَّ الكتابة المضادَّة لم تَفهم إشكالياتِ الممارسة الرُّوحِية، كَوْن أصحابها يفتقرون إلى المعرفة والخبرة، ورأى أنَّه من الأفضل ألاَّ يُناقَش الموضوع مع الذين يهاجمونه، وقد يأس من الحديث معهم، على الرَّغم من ذلك كتب بنفسه رسالةً في حقِّ «الدَّوران الصُّوفي» وتحدَّث فيها عن شرعيَّة السَّماع الصُّوفي مستندًا إلى القرآن وممارسة أتْباع النَّبي للذِّكر بطرائق مختلفة في الإسلام المبكِّر، منتهيًا إلى أنَّ شريعة اللَّه لا تُحرِّم مِثل هذه الطُّقوس[2].

تظل المولَوِية موضوعًا للجدلِ والنقاشِ، ويحظى مولانا «جلالُ الديِّن الرُّومِيِّ» باهتمام بالغ شرقاً وغرباً، ومؤخراً نجد حُضورًا كبيرًا لأقواله ومعارفه الصُّوفيَّة، الجمهورِ الأكبرِ يلتقط كلَّ ما يُُكتب عن الرُّومِيِّ أو له بِحبٍّ وشغفٍ بالغٍ، وقد انزعج البعضُ من أتباعِ الطُّرُقِ الصُّوفيَّة لهذا الحُضور، ممَّا حَدَا ببعضهم أن يَنزِع عن الرُّوميِّ تصوُّفِه ويَصِمُ التَّصوُّف الفارسيِّ بابتعادهِ عن الشريعةِ. الموقفُ نفسَهُ أكثر حِدَّةً وصرامةً من جانب التَّيار السَّلفي، فقد أعاد أحدُهم إثارة نفْس ِالمشكلات التي استاء منها «نُوري أفندي»، وتحدَّث عن «فُسُوق الُمولَوِية» وعن نشرهم للفُجور واستهانتهم بتعاليم الإسلام، معتمداً في ذلك على قراءة كتب التَّاريخ، جاعلِاً المقولات العَقَدِيَّة حاكِمة على ما يَرِد هنا أو هناك من أخبار، وقد ناقشْتُ في سياقٍ آخر نموذجاً لتعامله مع «الرُّومي والمغُول».

في هذه الورقة أتناول مصدراً غَلَبت عليه الأسطورية كما هو الشَّأنُ في الكتابةِ المَنَاقِبِيَّة وقَصَص القدِّيسيين، أرَّخ للرُّومي والمُولَوِية بقلم  الُمرِيد الذي يكتُب عن شيْخه، والمُؤمِن عن نَبيِّه، والعاشق عن مَعْشوقِه، فغابت الحقيقةُ وسْط هذا الكمِّ من التبجيلِ والأسْطَرِة، ممَّا وضع الباحث أمام مُهمَّة صعبة وهو يتعامل مع هذا الكمِّ الهائلِ من الموادِ.

البعضُ وُفِّق في التعامل مع المَرْوِيَّات التَّاريخية، والبعض الآخر اتخذها مَطِيَّة لإدانة الرُّومِي، وسنرى في هذا المقال أمثلة لذلك.


الأفلاكي وسِيرة الرُّومِي

اشتُهر «الأفلاكي» بكتابه «مناقِب العارفين» وهو الكتاب السَّيَرِي الأكثر طولاً وتفصيلاً في كلِ ما يتعلق بسيرة الرُّومي وآبائهِ الرَّوْحيين وتلاميذه ومُرِيدِيه، ورغم أنه يقدِّم معلومات مُفصَّلة عن أشياء كثيرة في كتابه، إلاَّ أنَّ «الأفلاكي» تَظَلُّ جوانب كثيرة من حياته غير معروفة عند المحققِّين والمؤرِّخين، فحَسَب «ثاقب دده» نعرف أنَّ اسم الأفلاكي «أحمد آهي ناطور»، تتلْمَذ ل«بدر الدِّين تِبريزي»، وله سياحات ورحلات قطعها في سبيل تحصيل العلم، ويُقال إنَّ أبيه كان يَرْوي مناقِب «بهاء الدِّين ولد سلطان العلماء» ووالد حضرة مولانا «جلال الدين».

بدأ الأفلاكي في كتابة «مناقِب العارفين» في قُونِيَّة في عام 718هـ / 1318م واستمر في تنقيح الكتاب وتوسيعه فترة طويلة؛ لذا توجد من الكتاب أكثرَ من نُسخة، يعثُر قارئها على تعديلاتٍ كثيرةٍ، وكما أُهمِلت المعلومات عن حياته وكأنه كان نِسْيًا مَنسيَّا، فلم يبَرُز اسمه على نُسَخ مناقِب العارفين[3]!

جَمَع «الأفلاكي» مرْويَّات سيِرته عن طريق الُمشَافَهَة من أشخاص أحبُّوا مولانا واتَّبعوا طريقته التي أبْرَز ملامحها ابنِه سلطان ولد، بعض هؤلاء الأشخاص كانوا على قيدِ الحياة والتَقوا بمولانا وولده، وكعادة المحبِّين تم إضفاء هالات ونِسبَة أشياء كثيرة إلى محبوبهم من باب التَّبجيل والتَّعظيم يستحيل قَبُولها عقلاً أو صدَّروها عن الرُّومي، كما يستحيل حدوثها في الواقع كما سيأتي في هذا المقال.

التقى «الأفلاكي» بـ «أولو عارف جلبي»[4] وبُناء على تشجيعه بدأ في كتابة السِّيرة، وليس غريباً على «الأفلاكي» أن يعتقد في كرامة «جلبي»، ويَنسِب إليه كرامات كثيرة، «فجلبي» الحفيد الأبرز لمولانا، والحامل للأنوار السَّبعة «وجهه مبارك ميمون، ومشاهدته مباركة للأرواح»[5]، لذا فملازمة «الأفلاكي» حقَّقت له مُبتغاه من التَّعرُّف على عالم مولانا عبره، لأنَّ الأفلاكي لم يعرف الرومي معرفةً شخصيةً إذ وُلد بعد وفاته، ومن خلال مُطالعَة «لويس فرانكلين» لمناقِب العارفين يؤكد لنا ما أكَّده غيره من الدَّارسين على النَّحو التَّالي: «صورة الرُّومِي التي رسمها الأفلاكي غَيرُ مُقيَّدة بأي ذكريات مُباشِرة للرُّومي، المخلوق البشري، ولعل هذا يُفسِّر جُزئياً تَقَبُّلِه القصص الأكثر خيالية وغرائبية، التي تدور حول موضوع الشَّخص الذي هام فيه. ويروي الأفلاكي أحداثاً خارقةً للعادة من دون أن تطرُف له عيْنٌ، إلى جانب تفاصيل أكثر دُنيَوية عن حياة الرُّومي العائلية تبدو قابلةً للتصديقِ إلى الحدِّ الكافي. وعندما يكتُب الأفلاكي بعد ذلك بكثير يقدِّم معلومات أكثر كثيرًا في شأن حياة أولو جلبي والُمولَوِية المتأخِّرين، وإذا كان العلماءُ غير ميَّالين إلى النَّظر إلى مَناقِب الأفلاكي على نحوٍ أكثر تحقيقاً وتمحيصاً، فما ذلك إلاَّ لأنَّ التَّفاصيل السِّيَرِيَّة التي يُقدِّمها لا يُمكن العثور عليها في أي مصدرٍ آخر» [6].

تُنسِبُ السِّيَرُ الصُّوفيةُ أعمالاً وكرامات لا يمكن قَبُولها من قِبل كثيرين وبخاصَّة خُصوم التَّصوف، وتتم إدانة المتصوِّفين بُناءً على هذه المَرْوِيَّات، اللاَّفت للنظر أنَّ التلقِّي السلفي لمولانا وسيرة حياته لا يَذكُر شيئاً من هذه الخوارِق، بل يُحاول طِيلة الوقت أن يُظهر مصداقيَّة المصدر الأسطوري؛ ليُؤكد لجمهوره ما وصل إليه من استنتاجات تجعل حكمه محلَّ رضا وقَبول تام، وإذا ذُكِر أمراً خارقاً فإنَّه يتغافل عن عدم إمكانية تحقُّقه واقعاً وأسطوريَّته وينشغِل بما يَمَس المُعتَقَد فيه!

وقد تناولنا في مقالين سابقين الإشارة إلى هذه المشكلة

الأول: هل الرومي زنديق؟

الثاني:  مولانا جلال الدين الرومي والمغول؟

وتأتي المقالات التالية تَتِمَّة لهذا الموضوع الذي بدأناه على موقع «إضاءات» فعسى أن تكون فيه فائدة للقارئ الكريم.


الهوامش

[1] : رسائل خواجه عبد الله الأنصاري، ص 132، نقلاً عن (بحثًا عن الشمس، من قونية إلى دمشق)، ترجمة الأستاذ عيسى علي العاكوب، نشرة نينوى، دمشق 2015، ص 92.

[2] : لمتابعة موقف المولوية تجاه ما يثار من إشكالات حول طريقتهم وطقوسهم، راجع : ألبرتو فابيو أمبروزيو، الدرويش الدوّار: عقيدة الصوفية وطقوسها في القرن السابع عشر، ترجمة الأخت لويزات معوض، نشرة دار المشرق بيروت 2015، ص ص 178-215.

[3] : راجع فرانكلين د. لويس، الرومي ماضيًا وحاضرًا، شرقًا وغربًا-حياة جلال الدين الرومي وتعاليمه وشعره، ترجمة عيسى علي العاكوب، نشرة وزارة الثقافة، دمشق، 2010م ص ص 492-512.

[4] : وُلد أولو عارف جلبي في يوم الثلاثاء الموافق للثامن من شهر ذي القعدة عام 670 هجرية (7 يونيو 1272م) وهو ابن سلطان ولد وفاطمة ابنة قويومجي شيخ صلاح الدين، أحب مولانا جلال الدين حفيده جدًا وكان يدلله كما كان حضرة النبي يدلل الحسن والحسين، متمثلاً بميراث المحمديين، فقد قال عليه السلام (فليكن طفلاً من عنده طفل). نشأ جلبي برعاية مولانا وسلطان ولد وكان محبوبًا من البيت المولوي، وبدأ عارف جلبي يمثّل الطريقة المولوية عندما وافت المنية أباه، وقد أمضى حقبة من عمره في السياحة والترحال، من أقواله: (إن المتصوفة العارفين هم شمس الشموس، وإن الشمس لتنير بنورهم). وقال أيضًا قبل وفاته: ( إن الذهاب إلى جوار المحبوب يبدل من حال إلى حال، ويتوجب التخلّص من الوجود والفرار منه، وليس من الصواب الذهاب بغطرسة ووقاحة إلى المحبوب الجميل الذي يشبه القمر، بل يلزم الذهاب إليه بوجه شاحب شديد الاصفرار وعينين مغرورقتين بالدموع). راجع: عبد الباقي كليبنارلي، المولوية بعد جلال الدين الرومي، ترجمة عبد الله أحمد إبراهيم، نشرة المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2003، ص ص 115-145.

[5] : كان سلطان ولد يحبُّ ابنه جلبي كثيرًا وهو من وصفه بهذا الوصف، راجع: عبد الباقي كليبنارلي، مرجع سابق ص 115.

[6] : انظر: فرانكلين لويس، الرومي، مرجع سابق ص 495.

2

تُنسبُ السِّيَرُ الصُّوفيةُ أعمالاً وكرامات لا يمكن قَبولَها من قِبَل كثيرين وبخاصةٍ خصوم التَّصوف، وتتمُّ إدانة المتصوِّفين بُناءً على هذه المَرْوِيَّات، اللاَّفت للنظر أنَّ التلقِّي السَّلفي لمولانا وسيِرة حياته لا يَذكر شيئاً من هذه الخَوَارِق، بل يحاول طيلة الوقت أن يُظهر مِصداقيَّة المصدر الأسطوري؛ ليؤكد لجمهوره ما وصل إليه من استنتاجات تجعل حكمه محلَّ رضاً وقبولٍ تامٍ، وإذا ذُكِر أمراً خارقاً فإنه يتغافَل عن عدم إمكانية تحقُّقِه واقعاً وأسطوريَّته وينشغل بما يَمَس الُمعتقَد فيه!

ومن ذلك ما فعله «أبو الفضل القونوي»[1] في كتابه «أخبار جلال الدين الرومي»، إذ اعتمد الأفلاكي مصدراً رئيساً[2] لكتابة سيرة مولانا برؤية مُخاصَمَة، وسأُورد هنا نماذج لتعامله مع المروِيَّات تَبعاً للاعتقاد ومحاكمةً لها دون النَّظرِ إلى تحقُّقِ وقوعها:

1-يَنقِل أبو الفضل في ص 130 عن «الأفلاكي» مروية تتحدث عن «شمس تبريزي» وهو في بغداد، وللتنويه لا نعرف الكثير عن شمس فبرغم آلاف الصَّفحات التي كُتبت عن الرُّومي لم يُكتب عن شمس في كُتُب التَّاريخ أو الطَّبقات سوى النَّزْر اليسير الذي يجعل سبيل التعرِّف على شخصيته أمرًا خاضعًا للظنِّ والتَّخمين، اللهم إلاَّ إذا قرأنا كتابه «المقالات» الذي اكتُشِف حديثًا، وحاولنا أن نلتقط منه أخباره كما يرويها بنفسه.

يقول الأفلاكي[3]: «بينما كان «الشمس» يمرُّ في بغداد بباب أحد القصور، إذا بصوت عَزْف يَطرُقُ مسامعه، فأراغ أن يستمع إليه شيئًا، فدخل القصر، فأشار سيد القصر الغافل عن سرِّ هذه النَّشوة إلى عبدِه أنْ اضرب هذا الدَّرويش ليذهب. فاستلَّ العبدُ سيفه وهجم عليه، لكن الفالج سرعان ما نزل بيده، فأمر عبده الآخر فجَمُدَت يده في الهواء، وخرج «الشمسُ» من القصرِ وأخذ الطَّريق فلم يلحق به أحدٌ. وفي اليوم التالي رحل سيد القصر إلى الدَّارِ الآخرة»!

لم يلتفت «أبو الفضل» إلى إصابة شخص بالفالج وتوقُّف يده عن الحركة بشكلٍ آليِّ، والآخر كذلك! إن هذا لو حدث بالفعل لجعل من كانوا يوَدُّون إيذاء «شمس تبريزي» يؤمنون به كما نقرأ في السِّيَر والتَّاريخ عن أمثال ذلك!

لكن «القونوي» علَّق على الرِّواية مثْبتًا إياها قائلاً: «هذا مُتطفلٌ يدخل البيوت بغير إذن أصحابها، وهو اعتداءٌ، فما قوبل به الشمس لا يُلام صاحب القصر عليه لأنه يدفع بذلك عن عِرْضِه. وتأمَّل قوله «فلم يلحق به أحدٌ» فإني أخَال أنَّه هرب بسرعة كبيرة، هروب الجُناة المعتدين المتطفِّلين»[4].

2-قَبِل «القونوي» مروية الأفلاكي التي تتحدث عن لقاء «شمس« «بالرومي» وسفَّه من حوار دار بينهما كان الحوار مجال الحديث فيه عن عظمة حضرة النَّبي والإنكار على «بايزيد البسطامي»[5]، لكن «القونوي» تعمَّد ألاَّ يَذْكُر شيئًا من ذلك، وركَّز اهتمامه على المقطع الأخير في رواية الأفلاكي: « وأُغلِق عليهِما باب حجرةٍ فيها، وحُرِّم على أهل الدَّار أن يدخلها منهم أحداً، إلاَّ «صلاح الدين زركوب»، وبقيا في الحجرة ثلاثة أشهرٍ وقيل ستَّة[6]، لم يخرُجا منها قط». يُعلِّق القونوي: «وهذا يعني أنهما قعدا عن صلوات الجماعة في المسجد وعن الجمعة»[7]! وزاد في هامش الصفحة أن شمساً كان يؤخِّر الصَّلاة عن وقتها بغير قصدٍ! لا مجال عند الكاتب للتأويل أو المجاز فإن صحت الرواية ألاَّ يمكن أن يكون معناها التزام الرُّومي بصحبة شمس وأنه لم يكن ليترك فرصة للجلوس معه إلا والتزم بذلك.

3-يَذكر الأفلاكي أن شمساً طلب من الرومي شخصاً يخدمه، فقدَّم مولانا زوجته «كيرا خاتون» لتخدمه، فرفض شمس وطلب غلاماً، فقدَّم مولانا ابنه «سلطان ولد» ليخدم شمسًا، فطلب شمس من مولانا الخمر، فملأ مولانا إبريقًا من حيِّ اليهود وقدَّمه إليه، فأخبره شمس أنه كان يختبره وعقَّب قائلاً: إنما فعلتُ ذلك لأعلم درجة حلمه وصبره، مضيفاً: إنَّ عالم مولانا يضيق عنه نطاق الرِّواية لسِعَتِه.

مَنَحَ «القونوي» الرواية دلالة جنسية مُدِينًا الرُّومي، فما يطلبه شمس يتعلق عنده بأن يتخذ غلاماً أو امرأة ليس للخدمة فحسب وإنَّما للمتعة! فعقَّب على الرواية بشكل تهكُّمي: «ونحن بهذا عَلِمنا غِيرته على حُرَمِه وفقهه في دينه»[8].

لم يلتفت القونوي إلى رواية مماثلة تدل على أن «شمس» كان يختبر فعليًا «الرُّومي»، رغم إيراده لها -في بداية كتابه- لكنَّه انشغل عنها بإدانة الشَّخص المذكور أيضًا. يُورِد «الأفلاكي» الرِّواية على النَّحو التَّالي:

قال الشَّيخُ «أوحدُ الدِّين» «برغبةٍ كاملةٍ: أريد بعد اليوم أن أكونَ في خدمتك! قال: إنك لا تطيق صُحبتي. فجدَّ الشيخُ وقال: اقبَلْني في صُحبَتك، أرجوك. قال: بشرط أن تشرب النَّبيذَ معي على الملأِ في وسْط سوق بغداد. قال: لا أقدر على ذلك. قال: تقدر أن تأتي لي بنبيذٍ خاصٍّ. قال: لا أقدر. قال عندما أشربُ تقدِرُ أن تصحبني. قال: لا أقدرُ. فصرخ مولانا شمسُ الدين: انصرف عن الرجال». يُعلّق العلامة «فروزانفر» على الرواية قائلاً: وكان غرضَه من هذا الكلام اختبار «أوْحد الدين» في مقام التَّجريد والتَّفريد الذي تتمثل حقيقته في مرحلة المعاملات في صرف النَّظر عن الخلق والتوجُّه إلى الخالق بكمال الهِمَّة وتمامها[9].

يمكننا أن نرى في الرواية أثرًا لحضور الخِضْر «العبد الصالح» مع النبي «موسى» عليه السلام، ففي الرِّحلة التعليميَّة التي سجَّل القرآن وقائعها كانت الحوادث التي تُعرض على النبِّي «موسى عليه السَّلام» بمثابة اختبار له، فما يبدو غير منطقيِّ أو مخالفٍ للتعاليم وأحدثه العبد الصالح كان بمثابة درس لموسى عرف فيه الفارق بين فعل المخلوق وحكمة الخالق، ومن المعروف أنَّ شخصية «الخِضْر» كانت حاضرة في التُّراث الصُّوفي والتفسيري والحديثي، فربما كانت هذه الشَّخصية حاضرة في خيال كاتب الرُّواية التَّاريخية «الأفلاكي» -إن لم يتحقق لقاء «شمس» بـ«الكرماني»[10]– وربما كان شمس مستحضرًا لنموذج الخِضْر، فهو نفسه كشيخ له علاقة بمُرِيد أقرب إلى صورة الخِضْر التي يرسمها التُّراث الصُّوفي[11].

4-ذكر «القونوي» في كتابه مرويِّات عدَّة عن «سلطان ولد» ابن مولانا، نُقِل جميعها عن «الأفلاكي»، مُدِينًا سلوكه من وجهة نظر المَقُولات السَّلفية[12]، لكنه أحجم عن ذكر مَرْويَّات لا يمكن تصديقها عقلاً، ربَّما لأنَّ هذه المرويات تجعل من المصدر الذي يعتمده للتأريخ لحياة «الرومي» والمولوية مصدرًا غير موثوق في مصداقيته، سنذكر رواية واحدة من جملة هذه المرويات التي لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال.

يَحكي «الأفلاكي» عن الفترة التي سبقت فِطام «سُلطان ولد» عن حليب أمه قائلاً: «كان «سلطان ولد» دائمًا ينام في حضن حضرة مولانا، وعندما كان يريد في التهجُّد أن ينهض ويقوم لصلاة قيام الليل كان «سلطان ولد» يصرخ ويبكي، وعندئذ كان حضرة مولانا من أجل تسكينه يترك الصَّلاة ويضعه في حضنه. وعندما كان يطلبُ حليب أمِّه كان مولانا يضع ثديه المبارك في ِفي «وَلَد». وبأمر الله بسبب فرط حُنوّ الوالد كان يتدفق حليبٌ صافٍ «لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين» إلى أن يشبع من لبن ذلك الذي هو أسد المعنى وينام، مثلما انبثق الماءُ الزُّلال من بين أنامل رسول الله»[13].

يضرب «القونوي» صفحًا عن مثل هذه المرْويات[14] ولا يوردها في كتابه ويركِّز أكثر على ما يلتمس فيه مخالفةً للعقيدة أو ما يَقدَح في السَّلوك ويُّظهر الرُّومي في صورة غير أخلاقية. كذلك أغفل  عن ذكر مرويات «للأفلاكي» تقدُّم الرومي عالمًا محبًّا للفقه والشَّريعة، نذكر منها ما أورده «الأفلاكي» على لسان مولانا قائلاً: «كان الإمام أبو حنيفة النعمان والمطلبي «الشافعي» وأئمة آخرون «رضي الله عنهم» من صُنَّاع عالم الأرض الجذباء، من اتَّبع طريقهم بكلِّ صدقٍ واتخذ هؤلاء العقول العظيمة كقُدوة، ظلَّ في مأمنٍ من شرِّ الخُبثاء وتُجَّار الدين ونجا. لكن «الجنيد» و«ذا النون» و«بايزيد» و«شقيق البلخي» و«إبراهيم بن أدهم» والمنصور «الحلاج» وأمثالهم، فهم طيورٌ مائية، سبَّاحون عابرون لبحر الفِكر، من اتَّبعَهم نجا من مكر الهوى الخادع، وتقدَّم في طريقه نحو جوهرة بحر القُدرة[15].

 


الهوامش

[1] : وُلد محمد عبد الله أحمد في مدينة قونيه عام 1966م / 1386هـ، وأتم تعليمه في المملكة العربية السعودية، ولا يزال يقيم فيها، وتلقى كتبه رواجًا في محيط المملكة، وبفضل انتشار الدور التي توزّع كتب التيّار السلفي، لقيت كتبه رواجًا في مصر وبيروت وغيرها من البلدان العربية، يختار محمد لكتبه عناوين تقترب من اللغة التراثية، لذا ظنّ البعض أنه مؤلف قديم، وبعض الجمهور الذي يحب الرومي اليوم التقط كتابه عبر الإنترنات لكنه سرعان ما زهد فيه نظرًا للغته الصادمة للقارئ، ومن المفارقة أن الشيخ محمد في حوار له مع بعض الشباب نصحهم باستخدام الحكمة والموعظة الحسنة التي يتحلى بها الصوفية في حديثهم مع الآخرين، وقد استبدل هو في كتابته لفظة العاشق والمعشوق بـ(الناكح والمنكوح) بما تحمله من دلالة مسيئة، وهو من إشكالات التعاطي مع نصوص الآخرين فعدم الوعي باللغة يؤدي إلى هذا الخلل في فهم مراد الآخر، والكلمات التي أدانها الشيخ السلفي ترد في أشعار (الشيخ عبد القادر الجيلاني، والهروي الأنصاري) لكنه لا يهتم إلا بتحقيق غايته فحسب.

[2] : يقول الكاتب: (وأمّا مصادري التي أنقل منها أخباره، فمصدرٌ رئيس هو كتاب مناقب العارفين للأفلاكي، ثم كتاب: سبهسالار، وكتب أخرى باللغة التركية والعربية)، راجع أخبار جلال الدين الرومي، نشرة السعودية 2000، ص 71.

[3] : النقل عن مناقب العارفين للأفلاكي، النسخة التركية، والترجمة بقلم القونوي.

[4] : السابق نفسه، ص 72.

[5] : يسأل  شمس الدين التبريزي مولانا: (من الأعظم: أبو يزيد أم محمّد؟ فقال مولانا: ما هذا السؤال، محمدٌ خاتَمُ الأنبياء، فأية علاقةٍ له بأبي يزيد؟ قال شمس الدين : ولكن لماذا يقول مُحمّدٌ: «وما عرفناك حقّ معرفتك»، وقال أبو يزيد: «سبحاني ما أعظم شاني»؟ فوقع مولانا من هيبة هذا السؤال وغاب عن الوعي، وعندما استعاد وعيه أخذ بيد مولانا شمس الدين…). راجع فروزانفر، ص 103.  وترد الرواية في كتاب شمس «مقالات» ، وقد ذكرتها ليلي أنفار في كتابها (الرومي: دين الحبّ)  وعلّقت عليها تعليقًا مفيدًا، راجع قراءة وترجمة عائشة موماد، المنشورة في الأوان، المقال الثالث، السبت 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 . ويعلّق عطاءُ الله تديّن على هذا اللقاء قائلا: (صُنعت حكايات في شأن طريقة لقاء هذين الرجلين، والمقبول هو أن شمسًا في السابع والعشرين من شهر جمادي الآخرة سنة 642هـ وصل إلى قونية، أما تاريخ لقاء الشخصين وكيفية هذه الواقعة فأمرٌ غير واضح). راجع (بحثًا عن الشمس، من قونية إلى دمشق)، ترجمة الأستاذ عيسى علي العاكوب، نشرة نينوى، دمشق 2015، ص 31.

[6] : رواية الأفلاكي كما يذكرها العلامة فروزانفر في سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي تقول بأنه (أدخله إلى حجرة، ولمدةأربعين يومًا لم يسمح لمخلوق بالدخول)، راجع الترجمة العربية للأستاذ عيسى علي العاكوب، نشرة دار الفكر، دمشق 2006، ص 103. ولعل الكاتب نقل هذه المدة الزمنية عن عبد الرحمن الجامي في نفحات الأنس، فهو الذي حدد مدة الخلوة بثلاثة أشهر. قارن فروزانفر، السابق نفسه ص 104.

[7] : السابق نفسه، ص 138.

[8] : أخبار جلال الدين، ص 144، 145.

[9] : راجع (من بلخ إلى قونية) ، مرجع سابق، ص 100، 101.

[10] : راجعت دراسة وترجمة إفراج أحمد أمين محمود الكفراوي  لـمناقب أوحد الدين الكرماني ، نشرة مكتبة الثقافة الدينية،القاهرة 2011. فلم أعثر على رواية تثبت هذا اللقاء، وتعود الرواية إلى أفلاكي وجامي حسب تحقيق العلامة فروزانفر.

[11] : للتعرف على أثر الخضر في التراث الصوفي الإسلامي، راجع: أبو الفضل بدران، الخضر في التراث العالمي، نشرة المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2012، ص ص 88-106.

[12] : راجع القونوي، أخبار جلال الدين، مرجع سابق، ص ص 208-213.

[13] : راجع فرانكلين، الرومي شرقًا وغربًا، مرجع سابق ص 458.

[14] : يبالغ الأفلاكي في نسبة كرامات لمولانا من باب التعظيم ، فيتحدث عن فترة تعلّمه العلوم الشرعية وهي أنه عندما كان مولانا أستاذا لعلوم التصوف بالمدرسة المقدمية بدمشق، وبينما كان في نزهة، ارتفع بجسمه في الهواء وسط دهشة تلاميذه الذين تحولوا إلى مريدين له منذ ذلك اليوم.

[15] : راجع: Clément Huart, «De la valeur historique des mémoires des derviches tourneurs» dans «Journal asiatique», sér. 11, vol. 19, p. 308-317، Les saints des derviches tourneurs. Récits traduits du persan et annotés (tr. of Aflāki [q.v.], Manāqeb al-ʿārefin), 2 vols., Paris, 1918-22. وأشكر الأستاذة عائشة موماد التي ترجمت لي بعض المواضع عن هذه النسخة والاقتباس المدرج أعلاه ص 201.

3

جلال الدين الرومي، عالم بفقه الحنفية ومتصوف وصاحب الطريقة المولوية المنسوبة إلى (مولانا) جلال الدين.

 ياربنا أنزِلْ على هذا العالم الماء الطَّهور، حتى تصبح جملة ناره نوراً!
إنَّ ماء البحر كلِّه رهن أمرك.
و الماءُ و النارُ-يا إلهي- مما تملك.
فإنْ تُرد تصبح النارُ ماءً زلالاً، وإن لم تُرد، فإنْ الماء أيضاً يصبح ناراً.
وهذا الطموحُ فينا إنما هو من إيجادك، و الخلاص من الظُّلم-يا ربّ- من عطائك.

من ابتهالات الرومي.


فروزانفر والأفلاكي

ثَمَّة تعامل مختلف مع مروِيَّات «الأفلاكي»، يُلاحظه من يطالع سيرة «جلال الدين الرومي» التي كتبها «فروزانفر»، فإلى جوار مصادره الكثيرة عن الرومي نجد حضوراً لمرويات الأفلاكي من بداية السيرة إلى منتهاها، فيَذكُر في مقدمة كتابه أنه أدرج أكثر مطالب هذا الكتاب في تضاعيف السِّيرة، حتى أنَّ القراء بعد مطالعة كتاب فروزانفر ليسوا بحاجة إلى قراءة المناقِب، ويقول: «وحيثما لزَم الانتقادُ لم أُحْجِمْ عنه»[1].

ومن نماذج تعامله مع مرويات «الأفلاكي» مناقشته للخصومة التي حدثت بين «الفخر الرازي» وبين «بهاء ولد سلطان العلماء»، فأغلب الكُتَّاب يؤكدون ذلك اعتمادًا على نقد بهاء ولد لطريقة الفخر الرازي المفسِّر، ومن المعروف أن الصُّوفية يعيبون طريقة الحُكماء والفلاسفة ببيان شديد الوضوح، ويعُدُّونهم منحرفين عن جادة الصَّواب، لإعلائهم من شأن العقل على الروحانيات، ومن كلام مولانا «جلال الدين الرومي» في هذا الشأن: «إن قدم الاستدلاليين من الخشب، والقدمُ الخشبية لا تمكين لها البتة». ومنه أيضًا: »ذو العقل يهرب من النَّملة الميِّتة حذرًا، وذو الحُبِّ يدوس على التِّنين ولا يَعْبأ».

وفي المثنوي يرِد مشهدًا لمجادلة عائلية يكون فيها العقل هو الأب، وتكون فيها النفس الروح الدنيا، هي الأم. فالأم تريد أن تدلل طفلها الإنسان بإبقائه في البيت قريبًا من صدرها، لتجنبه كل أنواع المشاق في الحياة. أما العقل الأب فيعظُها بأن ترسل الصبي إلى المدرسة من أجل إعداده لحياة شريفة. ويمثِّل هذا المشهد الطريقة التي يتحدث بها معظم المتصوِّفين عن العلاقة بين العقل والنفس، الملكات الطبيعية الدنيا[2].

لم تكن هذه الإشارات بصارِفة لفروزانفر من أن يتحقق من صدق رواية الأفلاكي أن الفخر الرَّازي كان سببًا في هجرة والد مولانا من بلخ، فتعقّب روايات الأفلاكي عن الهجرة ورأى أن أغلبها متعارض إلى حدِّ أنه لا يمكن الجمع بين المرويَّات، وعقَّب على ذلك قائلاً: «والظاهر أن الأفلاكي من أجل إثبات كرامة أسرة مولانا، وجَعلِها في غاية القرب في المقام الإلهي، بل في نهاية الاقتدار والاستطاعة في عالم الكون والفساد والتصرف في الحوادث والأكوان، جمع هذه الروايات من دون مراعاة الترتيب التاريخي، وقد كتب الآخرون أيضًا في كتبهم مقلِّدين إياه. وبوجود روايات السابقين التي أيَّدتها القرائنُ التاريخية قدر المستطاع، أرى أن السبب الرئيس لهجرة بهاء ولد من بلخ إنما كان الخوف من سفك الدِّماء والقسوة لدى جيش التتار»[3].

ويدعم فروزانفر رأيه بالاستناد إلى مصدر أكثر وثوقية في الحديث عن الرومي وأسرته، وهو سلطان ولد في مثنوي ولد نامه، إذ يجعل هجرة جدِّه على أثر إيذاء أهل بلخ له ومصاحبةً في الوقت لحمْلَة المغول، ولا يذكر الفخر الرازي والخوارزمشاه.

لا يتوانى فروزانفر عن نقد مرويات الأفلاكي كلَّما وجدها غير مطابقة للأحداث التَّاريخية، ومخالفة لما يرِد في المراجع التي يؤرِّخ لها المعاصرون للحدث، فنراه يعقِّب مرةً أخرى في حادثة هجرة عائلة الرومي على الأفلاكي قائلاً: «وغيرُ معلومٍ من أي مصدرٍ جمع الأفلاكي هذه الروايات، وعلى أي أساس جاء بها مخالفة لرواة شيخه ومرشده، على الرغم من أن مثنوي ولد كان في حوزته، وكان هو نفسه ملازمًا لسلطان ولد وتلميذًا له»[4].

وتتكرر عبارات من مثل: «أخطأ الأفلاكي في أمر …»[5]، وكذلك « رواية الأفلاكي محلّ إشكال»[6]، «ولا بد أن الأفلاكي يتصرف في كلامه بطريقة أخرى لكي لا يتناقض أول الرواية مع آخرها»[7]، وعبارات أخرى توضِّح اختلاق الأفلاكي بعض المرويات من باب نشر الطريقة، من مثل: «يكون الأفلاكي قد أورد ذلك من عنده»[8]، «ذلك أن الأفلاكي في أغلب هذه الأمور يسوق كلامًا خارجًا عن دائرة التحقيق، وهدفه في كتابه الترويج لطريقة المولويين وعقيدتهم»[9].

يتعامل فروزانفر على هذا النحو من التثبُّت مع مروياَّت الأفلاكي بعد عرضِها على المصادر التَّاريخية، فإذا كان هناك ما يدعمها اعتمدها واستفاد منها لكتابة سيرة الرومي، وإن بدت مشكلة ناقشها، وإن كان هناك ما يُعَضِّدُها من كلام الرومي نفسه تتأكد صحتها، ومن ذلك ما يسرِده فروزانفر في الفصل الثامن عن «صورة مولانا وسيرته»، فكما تُطْلعنا رسائله المترجمة والمنشورة[10] نعرف أنَّ الرُّومي كان محطُّ أنظار ملوك الروم وأُمرائهم، وكانت هذه الطبقة تتوق إلى لقائه، وكان يجالس على الأكثر الفقراء والمحتاجين ويسعى دومًا لخدمتهم وتلبية احتياجاتهم، يفعل هذا الرومي في وقتٍ كان يوصِد بابه مرارًا كثيرة أمام الملوك. يتحدث فروزانفر عن أخلاق مولانا الرومي في المعاملات ويستأنِس بمروِيَّة للأفلاكي تدعم رفضِه للأمراء، ويعقِّب عليها قائلاً : وهذا الكلام تؤيِّده الإشارات الموجودة في «كتاب فيه ما فيه»[11]. وحينما نراجع كتاب فيه ما فيه النثري  لمولانا نعثر على ما يؤيد كلام فروزانفر، فالفصل الثالث من الكتاب والذي يبدأ بالقول المأثور «شرُّ العلماء من زار الأمراء، وخيرُ الأمراء من زار العلماء، نِعْمَ الأميرُ على باب الفقيرِ، وبِئس الفقيرُ على باب الأمير» يشرح فيه مولانا لماذا لم يكن حريصًا على صُحبة الملوك وزيارتهم، وفي الفصل السابع نشاهد صورة من ضَجر «معين الدين بروانه» من عدم لقاء الرومي به ويروي «بروانه» أن والد الرومي لم يكن يحبُّ لقاءه أيضًا، وكان يتعلَّل بالانشغال قائلاً: «لا أرغب في أن يأتي الأمير في حالة لا أستطيع أن أكون فيها لطيفًا معه وليس لديَّ الفراغ لأن أعظه وأتجاذب أطراف الحديث معه»[12].

لم يمنع تبنِّي فروزانفر لخطاب الرومي ومحبَّته له أن يدقِّق في المرويات ويستند إلى القرائن والبراهين التي تساعده في كتابة سيرة أقرب لما كان عليه قدر استطاعته، ولم تجعله محبَّته يُكرِّر فعل الأفلاكي الذي بالغ كثيرًا في رسم صورة خيالية للرومي.

لعل المُتَلقِّي المُخَاصِم للرومي لا يَقنَع بمثال المحبِّ الكاتب عن الرومي، لذا سنختم هذه المقالات بذكر مثال للتعامل مع مادة الأفلاكي من وجهة نظر تاريخية وحضارية، أُجِيزت الباحثة التي كتبته على دراستها ومنحت درجة الدكتوراه في المملكة العربية السَّعودية التي يصدر منها الشيخ القونوي كتاباته المعلنة الخصومة للتصوف بعامة والرومي بخاصة، والباحثة على الرغم من تبنِّيها المقولات الاعتقادية «السلفية» إلا أن القارئ  لأُطروحتها سيدرك إلى أي مدى تحيُّز القونوي ولم يتناول السِّيرة المولوية بشكل علمي.


الهوامش

[1] : راجع فروزانفر، مرجع سابق، ص 29.

[2] : راجع أنا ماري شيمل، العقل والتجربة العرفانية عند أهل التصوف، ضمن كتاب المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام، تحقيق فرهاد دفتري، نشرة الساقي بيروت، 2004، ص 200، 201.

[3] : راجع فروزانفر، مرجع سابق، ص 45.

[4] : السابق نفسه، ص 48.

[5] : قارن السابق نفسه: ص 51، 53.

[6] : راجع ص: 207، 212.

[7] راجع ص: 209.

[8] السابق نفسه، والصفحة نفسها.

[9] : راجع ص 198.

[10] : ترجم رسائل مولانا جلال الدين الرومي الأستاذ عيسى علي العاكوب؛ معتمدًا على نشرة توفيق هـ. سبحاني. ونشرتها دار الفكر، دمشق 2008.

[11] : راجع فروزانفر، مرجع سابق، ص225.

[12] : راجع فيه ما فيه، لمولانا جلال الدين الرومي، ترجمة الأستاذ العاكوب، ص 32.

شاهد أيضاً

هل القرآن صالح لكل زمان ومكان؟ نعم ولا فهناك 700 نص مقدس لا يصح العمل بظاهرها!

هل القرآن صالح لكل زمان ومكان؟، حوارات في العمق….700 نص مقدس لا يصح العمل بظاهرها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.