الرئيسية / الرئيسية / ثقافة / تحقيق ما للإلحاد من مقولة: رفْضُ الدين دليلٌ على عدم وجود الخالق؟

تحقيق ما للإلحاد من مقولة: رفْضُ الدين دليلٌ على عدم وجود الخالق؟

تحقيق ما للإلحاد من مقولة.. هل رفْضُ الدين دليلٌ على عدم وجود الخالق؟

بواسطة الوليد الكندي
في ٤٥٠ صفحة من منشورات الجمل جاء كتاب (تحقيق ما للإلحاد من مقولة) لمؤلفه الباحث التونسي محمد المزوغي لينتصر لوجهة النظر الإلحادية، كما يقول الكاتب. ولكنّ المخيّب للآمال هو أن الكتاب ركّز في محتواه على نقد الأديان الإبراهيمية على وجه الخصوص- و هدف إلى تبيان شرّها وخرافاتها و تناقضاتها متخذًا من ذلك كله منطلقًا ومسوغًا للقول بعدم وجود الإله الخالق.

لكن، كان حرِيًّا بالكاتب أن يضع له عنوانًا يشي بنقد الأديان عوض الانتصار للإلحاد، حيث أنّ الحجج التي ساقها في موضوع إثبات وإنكار وجود الخالق لا تتجاوز صفحات قليلة، بينما الغالب الأعظم منها كان في الهجوم على الإسلام والمسيحية وأحيانًا اليهودية بِسَوق مواضيع شتّى حول نقد الأديان كثر النقاش حولها، ولا جديد فيها مثل الحروب الدينية والاستعباد ولا عقلانية الإيمان والتعصّب.

الأمر الآخر المثير للدهشة أن يصرّح الكاتب أنّ تبنّيه للإلحاد نابع من الصورة التي عرضها اللاهوتيون والمتكلّمون عن صفات الخالق وإقراره أنّ تِلكُمُ الصفات غير عقلانية ولا إنسانية ومتعارضة بعضها مع بعض ثمّ يقفز باستنتاج أنّ ذلك دليل على بشرية الأديان ومن ثمّ عدم وجود الإله الخالق، أي أنّ عدم مقدرة الإنسان على وضع الأوصاف الخاصة بالخالق وعجزه عن استكناه طبيعته و عدم اتفاق الفلاسفة ورجال الدين على صفات الإله هو دليل قاطع على عدم وجوده.

الخلاصة التي يخرج بها قارئ الكتاب المنصف هي أنّ الكتاب في جوهره دعوة إلى نبذ الأديان والتخلّي عنها، وطرح الإلحاد المنكر للألوهية بديلًا عنها. وذلك واضح فيما نقله الكاتب عن أحد الفلاسفة فيما قاله بأنّ الاعتقاد بعدم وجود الله أكثر تشريفًا للخالق من نسبة الظلم والفظائع إليه.

فيما يلي استعراض مختصر لفصول الكتاب مع تعليق موجز على كلّ فصل.

مرافعة عن الإلحاد
في الفصل الأول، استعرض المؤلف الأفكار المسبقة عن الإلحاد وأبرزها النظرة الدونية من الناس والفلاسفة تجاه الملحدين وفكرة شقاء الإنسان دون الله.
– ‏ثمّ تحت عنوان (لمَ الإلحاد؟) يستعرض مقولة فولتير عن أنّ الإلحاد نتيجة لاختلاف علماء اللاهوت (الكلام) في تعريف الله وصفاته، ويورد شواهد على ذلك من مؤلفات علماء الكلام المسلمين.

– ‏في باب “الكتب المقدسة ينبوع الإلحاد” يستمرّ المؤلف في الإحالة إلى فولتير الذي هاجم المعجزات التوراتية والإنجيلية ناسبًا إياها إلا اللاعقل، وفَعَل المؤلف المِثل بالنسبة للقرآن ثمّ ذكر أنّ الأمر الثاني الذي تحويه الكتب الدينية هو العنف والتوحّش.

– ‏في باب (اليقين الإيماني ضدّ الشكّ العقلاني)، قام بمقارنة موفقه بين يقين اللاهوتيين وشكّ الفلاسفة في تعريف الخالق.

– ‏ثمّ يقوم الكاتب بتفنيد دعوى الإجماع على الألوهة ودعوى أنّ وجود الخالِق فطرة موجودة بداخل كلّ إنسان وذلك بالإحالة إلى الفيلسوف الفرنسي “بايل” ومنطلقه الأساسي في محاجّته هو وجود مجتمعات تؤمن بتعدد الآلهة.

– ‏بعد ذلك، ناقش المؤلف عدم اتفاق الأديان والفلاسفة على تعريف الإله وصفاته حتى من داخل الدين الواحد واعتبر ذلك دليلًا على زيف الأديان ولاصدقيّتها، ولكن لم يوضّح علاقة ذلك بنفي وجود الإله، إذ أنّ وجود خالق صانع للكون كفكرة لا علاقة له بوصفنا وتصوّرنا لذلك الخالق والصانع.

– ‏تحت عنوان (الإلحاد و الفضيلة) أعاد المؤلّف فكرة التحسين والتقبيح العقليين التي قال بها المعتزلة والتي اتّخذها ابن الراوندي لاحقًا حُجّةً لإنكار الأديان. وَذَكَر المؤلف أنّ الأخلاق الدينية هي أصلًا ميكيافيلية؛ همّها الأول هو إرضاء الخالق بعكس أخلاق الملحدين النابعة من العقل حصرًا. وههنا نقطتين كان حريًّا بالمؤلف أن يناقشهما: الأولى هي عن علاقة وجود الخالق بفساد الأخلاق الدينية كما يصفها، والثانية عن مبرّر حديثه عن “أخلاق الملحدين” بالجمع ووصفها بأنها نابعة من العقل وهو ما يتضمّن القول بوجود عقيدة إلحادية متكاملة يتبناها جميع الملحدين، وكما هو واضح فهذه مقولة مخالفة لما نراه من تعدّد مشارب ومسالك الملحدين وعدم اتّفاقهم واجتماعهم على غير إنكار وجود الخالق.

كيف فسدت الأديان؟
في الفصل الثاني تحت عنوان (فساد الأديان) نقرأ:

– ‏تحت عنوان “بطلان النبوّة” يسرد المؤلف الاعتراضات ضدّ النبوة كما جاءت في كتاب (المطالب العلية) للفخر الرازي، وأبرزها: عدم احتياج الخالق إلى العبادات ولذلك فلا معنى من تعذيب الخلق على تركه، مخالفة المعجزات للسّنن الكونية والقوانين العقلية، كفاية العقل للوصول إلى الأحكام الخلقية وما يعنيه ذلك من انتفاء الحاجة إلى النبوة والرّسالات، الأوامر الدينية بقتل الكفّار وسلب أموالهم وديارهم، تمجيد الأنبياء لأنفسهم ونسبة ذلك إلى الله. المؤلّف يشنّ هنا حملة شعواء على الأديان ولكن كعادته لا يبيّن علاقة ذلك بإنكار وجود الخالق، والأشدّ من ذلك أنه يقتبس الاعتراضات من الرازي دون إيراد ردوده عليها ولا توجد أيّ إضافة جديدة من المؤلف هنا بل هو مجرّد عرض واقتباس.

– ‏حروب الأنبياء:
هنا لوم وتقريع لا جديد فيه ضدّ الأديان التي ارتُكبت الحروب باسمها وتحت قيادة أنبيائها. الكاتب، كما هو واضح، يرفض الرأي القائل بأنّ نشوء الدين لا ينفصل عن أحداث التاريخ الجارية بما فيها من حروب، وسواء اتّفقنا في نسبة تلك الحروب إلى الدين أم لا فهذا ليس كافيًا لتقويض أسس الأديان عقليًا.
– ‏تحت عنوان (وثتية الأديان) تمحورت الفكرة حول أنّ الأديان – الإبراهيمية كما يبدو من الاستدلالات- وصفت الخالق بما لا يليق به من النعوت ولذلك فإنّ القول بعدم وجوده أسلم للعقل من إلصاق تلك الأفعال والصفات الشنيعة به.
– ‏لاهوت الطاغية: يقول الكاتب أنّ في الأديان حربٌ تدور رحاها بين الله و الشيطان والإنسان ثم يسوق كلامًا للاهوتيين مسلمين مبنية على فكرة أنّ ما يأمر به الله ويأذن فهو خير حتى لو كان في نظرنا من أشنع الشنائع، مثل تجويز فعل الله للشرور والقبائح عند الأشاعرة ويُستدل بآيات إغواء وإضلال الله للكفّار وختمه على قلوبهم، ويردّ، بل الأحرى، يرفض كلّ التأويلات التي قام بها المعتزلة لهذه الآيات لتتوافق مع أحكام العقول، وهذا الرفض لأجل إثبات التُّهَم بأنّ إله المسلمين طاغية يوجب الكفر على جماعة بقضائه وقدره ثم يعاقبهم ويعذبهم عليه.

– ‏مكارم الأخلاق أم تخريب الأخلاق:
يقول الكاتب أنّ الأديان جاءت لإذلال الإنسان وتمريغ عقله في الحضيض، ثمّ يستعرض تاريخ المسيحية منذ استضعافها على يد الرومان حتى الحروب المذهبية ومحاكم التفتيش وتسلّط الكنيسة.

– ‏شناعات المسلمين: الحروب الدينية والمذهبية والسبي والرّق والجزية وقتل المرتدّ وزواج القاصرات، كل هذه المواضيع التي ما فتئ المفكرون الإسلاميون يناقشونها منذ ظهور الاستشراق جاء المؤلف ليثبت شناعتها وبالتالي شناعة المسلمين ممهدًا لإطلاق مقولة: الإلحاد هو الحلّ!

– ‏لعنة الأديان: تعميم ما سبق أعلاه على كل الأديان وإعادة تأكيد أنّ الاديان التوحيدية أشدّها خطرًا.

الدين والشقاء
– ‏يستهلّ الفصل الثالث (شقاء المؤمنين) بعنوان فرعي هو “سعادة الإنسان دون الله” حيث يستعرض المؤلف كثيرًا من الأدبيات الإسلامية الزهدية الداعية إلى احتقار الدنيا وأدبيات أخرى تعتبر العلم الديني هو العلم الجدير بالتعلم وألّا أهمية لما سواه من ضروب المعرفة والبحث عن الحقيقة وإن كنّا نوافقه في خطأ هاتين الفكرتين فإننا لا نجد فيهما دافعًا قويًا لإسقاط الأديان كما يزعم المؤلف.

– ‏رهان باسكال: ينص رهان الرياضي وعالم الاحتمالات الشهير باسكال على أنّ الإيمان بالله أحوط وهو أخف الضررين عند مقارنته بعدم الإيمان لأنّ عواقب الإيمان إن اتضح صدقه هي الفوز والنجاة في مقابل الهلاك والخسران في حالة عدم الإيمان. وقد تمّ نقد هذه الفكرة كثيرًا خلال القرون الثلاثة الماضية وقام الكاتب بإيراد بعض نقود فولتير، مثل أنّ المراهنة ليست مرادفة للحقيقة الموضوعية بل هي عزاء للنفس فقط.

– ‏جحيم المؤمنين وجنة الملحدين: مقارنة براغماتية بين حياة المؤمن الذي يعيش حياة عبد في خوف دائم من سيّده – الله- وحياة الملحد الحرّ الذي لا يخشى شيئًا غيبيًا بل يعيش راضيًا عن نفسه.
وقع الكاتب في ثلاثة أخطاء؛ فهو أوّلًا قسّم الناس إلى قسمين فقط هما مؤمنين دينيين وملحدين متجاهلًا اللادينيين، وهو ثانيًا عمّم صفة الحياة الرغدة على كلّ الملحدين والحياة التعيسة على كلّ المؤمنين، وهو ثالثًا أراد أن يفنّد حقيقة وجود الخالق من عدمه بناءً على النتائج العملية لكليهما.

– ‏شقاء المسلمين: اتّكاءً على كتب التفسير والحديث ثم نقلًا من الإمام الغزالي، يسعى الكاتب إلى تقرير أنّ المسلمين يحلمون بالكوابيس بسبب خوفهم من الآخرة وأن الثقافة الإسلامية هي ثقافة تفكُّر دائم في العذاب والجحيم. هذا الكلام ينطبق على فئة غير يسيرة من المسلمين ولذلك فهذا سبب كافٍ من وجهة نظر الكاتب لترك هذا الدين.. إلى ماذا؟ إلى الإلحاد!

– ‏مصير مرعب: نقد وهجوم على أفكار التراث عن عذاب القبر ونزع الروح من الجسد والحساب وجبرية القضاء والقدر. يحاكم المزوغي أتباع دين بأكمله من خلال كتابات الغزالي!

– ‏الجحيم للجميع: إدانة للخطيئة الأولى في المسيحية التي يتم توارثها من الآباء إلى الأبناء. بعدها يعرج الكاتب على ذكر الغيبيات الدينية وأنها جميعًا غير عقلانية وفي مقدّمتها الاستعداد للموت وأنّ المؤمن يعيش حياته لا لغاية سوى الاستعداد للموت ولِما بعده عوضًا عن عيش حياته ويستشعر وجوده فيها.

محاولة لإثبات موقف الإلحاد
في ‏الفصل الرابع بعنوان (تقرير الإلحاد) نجد الفصول التالية:
– ‏الفلاسفة والألوهية: يتحدّث الكاتب عن التعارض بين الفلسفة والإيمان وكيف أنّ الإله الذي اعترف به مشاهير الفلاسفة يختلف عن إله الأديان في كثير من الأوصاف، كالخلق من عدم والعناية ومفارقة الطبيعة، ثم يستعرض هجوم علماء الكلام المسلمين على الفلاسفة ضاربًا مثالًا بهجوم ابن تيمية وابن خلدون والشهرستاني على الفلاسفة المشائيين والصوفيين. ثم يطالب المؤلف أن يكون الفلاسفة أكثر راديكالية في رفض تصور الإله و لا يكتفوا بنقد تصورات الأديان عنه بل عليهم أن ينكروا وجوده كذلك!
– ملحد بالقوة: يستعرض أفكار فولتير الذي كان يحتقر الدين والنقاشات التي جرت بينه وبين الماديين أمثال دولباخ وديدرو الذين عاتبا فولتير على عدم تصريحه بالإلحاد وعلى اعترافه بوجود قوة مطلقة وراء العالم، ولكن المؤلف يستطرد أن موقف فولتير من الدين المسيحي وإله المسيحيين كان حافزًا كبيرًا لانتشار الإلحاد.
– هداية المؤمنين: يعقد الكاتب مناظرة بين المؤمنين والماديين يخلص منها بالنتائج التالية:

١- كلا الفريقين يؤمنان بوجود مبدأ خالد مشروط بالحتمية ولكن نسبته إلى الطبيعة لا تتنافى مع القول بحتمية القوانين التي يخضع لها المبدأ العام بعكس نسبته إلى الإله.
٢- إنكار الإله ضامن لعدم اعتباطية خرق قوانين الكون.
٣- النسق الإلحادي هو الذي يعطي تفسيرًا عقلانيًا للشرور.

– ‏جهل المصمم الذكي:
ينقل المؤلف رأي فيورباخ في أنّ فكرة الخلق من عدم أساسها سيكولوجي بحتة راجعة إلى أنانية الإنسان ورغبته في تسخير الطبيعة لإرادته وشهوته. ثمّ يصف نظرية التصميم الذكي بأنها سلاح خطابي ويورد أمثلة على دور الصدفة في الطبيعة والبيولوجيا وانتفاء الغائية مقتبسًا بعضًا من كتابات أرسطو الشاب في كتابه (الحث على الفلسفة). ثم يورد تعليقات وشروح ابن رشد وألبرتو الكبير وتوما الإكويني على أرسطو؛ فقد قام هؤلاء الفلاسفة بمحاولة إثبات – برأي الكاتب- انتفاء القصدية والغائية وراء الخلق، ثم اقتطع من الفخر الرازي أدلة الماديين في إنكارهم للألوهية متجاهلًا ردوده – الرازي- عليهم كالعادة، وبعدها ينتصر للملحدين بذكر وجود الاختلال والشرور في العالم محيلًا إلى اقتباس لشيشرون والفخر الرازي مرة ثانية.

ثم يقوم بالإحالة إلى ديفيد هيوم في نفي العلية والسببية وعدم وجود دليل تجريبي على أنّ عالمنا هو أحسن ما يمكن، ويقوم بمحاولة إثبات الصدفة ونشوء الكون المتناسق من الخواء واللا انتظام، ويصفه بأنه وُجد بسبب طفرة ويذكر “نصل أوكام” القائل بعدم إكثار العلل دون سبب ثم يعيد ذكر معضلة الشر الأبيقورية.

وكما هو واضح فإنّ المؤلف هنا يورد سرديات تاريخية تمت مناقشتها كثيرًا ويعطيها صبغة القطعية واليقين وعدم الدحض.

– ‏دولباخ أو الإلحاد للجميع:
يبدأ الكاتب بالأسف على العبارات اللاذعة التي وجَّهها بعض الفلاسفة نحو كتاب دولباخ (نظام الطبيعة)، ثم يورد فقرات من هذا الكتاب تتحدث عن أنّ فكرة الألوهية نشأت لحاجة الإنسان البدائي لتفسير أحداث الطبيعة، ثم يقول بأنّ الإله المتوهم أصبح لاحقًا طاغية ومتجبرًا ومحبًا لإذلال البشر وأن قدرة الله وعلمه يتنافيان مع حرية الإنسان ومعنى التكليف، وأنّ الإله يحب طقوس التقرب إليه والتذلل والخنوع.

– ‏لاهوت التناقض .. تحطيم العقل: يبدأ بالحديث عن تعارض خيرية الله مع وجود الألم والشر، ثم عن تعارض حكمته في إعطاء الإنسان المقدرة على معصيته مع الحكمة من معاقبة الناس. ويصف الإله -حسب الأديان- بأنه متجبّر محبّ للانتقام والتعذيب، ثمّ يأتي بكلام إنشائي عام عن عدم وجود دليل دامغ لكل العقول على وجود الخالق.

– ‏إفلاس التوفيقية: نقد لبرهان كانط الأخلاقي في إثبات وجود الخالق ثم عرض لمساقط كانط و آرائه بخصوص الحرب والمرأة والمساواة بين الناس، وكأن الكاتب يربط بين هذه الآراء وبين برهان كانط الأخلاقي.

– ‏لاهوت الصمت: يقول الكاتب أن كل محاولات البرهنة على وجود الخالق ينطلق أصحابها من مقدمة إيمانية في داخلهم وأن وجود منكرين للخالق يقوم دليلًا على عدم قوة الأدلة ولو كانت معرفة وجود الخالق أمرًا عقليًا لكان حكرًا على الأذكياء فقط.

– ‏عدم وجود الله .. البراهين: ذكر ستة براهين أهمها: ١- معضلة الشر ٢- التوق السيكولوجي لوجود الإله ٣- خِسّة ووضاعة الإنسان واستصغاره ونقصه.


تقديم وتعقيب على محاضرة ”الإلحاد نظرة وشهادة“

للمفكّر التونسي ”محمد المزوغي“

معهد رابطة آل صليبا جبيل في 12/12/2014

تقديم

هدم من أجل البناء

قبل أن أعرفه فيلسوفاً، ومفكّراً رائداً وفي طليعة المفكّرين العرب الحاليين عرفته أستاذاً وقارئاً وصديقاً ودوداً، وأكبرت فيه صدقه ووفاءه. وذكّرتني طيبته ومكارم أخلاقه بقاعدة فلسفية تقول: الأخلاق لا تبنى على الدين. وإنما الدين يبنى على الأخلاق. وعندما قرأته أعجبت بجذريته: صريح حتى الفضيحة، لا يوارب، ولا يساير، ملحد على رأس السطح، يدكّ عروش المتستّرين بالدين والمتاجرين به. وكم ذكّرني بقولة جبران:«أنا متطرّف لأن مَن يعتدل بإظهار الحق يبيّن نصف الحق، ويبقي نصفه الآخر مخفياً وراء خوفه من ظنون الباس وتقوّلاتهم».

محمد المزوغي، لا يهادن الدين ولا رجاله، ولا يهاب عنفاً ولا إرهاباً، وهو من أوائل مَن فضحوا الأصوليات وتنبّئوا بما ستوصلنا إليه، وها نحن نعيش اليوم نذراً من المخاطر التي حدّثنا عنها المزوغي، واعتبره بعضهم يومها مغالياً في توقّعاته.

كتبت له البارحة كلمة تتوسط الجدّ والمزاح، فقلت: محمد الأول حطّم أصنام مكّة، ومحمد الثاني حطّم أصنام الثقافة الإسلامية المعاصرة. أسماء كبيرة وشهيرة:محمد أركون، هشام جعيط وغيرهما أنزلها عن عروش تتربّع عليها منذ زمن طويل نزع أقنعتها وفضح زيف الكثير من طروحاتها، وأظهر فيها وجه الأصوليّ المتجلبب بجلباب العلماني والمفكّر العصري.

يدكّ الأسوار، لا يهاب في صرخة الحق لومة لائم. يهدم، فيذكّرني بِـ شيڤا في الثالوث الهندوسي براهما الخالق ڤشنو الحافظ، وشيڤا المدمر. فلا بدّ من هدم وجرأة على الهدم لإعادة الإعمار. يهدم ليشقع مدماكاً فوق مدماك، ولبنة إثر لبنة، فيبني عمارته الفلسفية. وكل كتاب من كتبه:كانط والأنوار، تحقيق ما للإلحاد من مقولة،… حجر زاوية في عمارة فلسفية لا أخالها إلاّ ستكون شامخة في يوم قريب. فهو صاحب مشروع فلسفي نهضوي يتبلور أكثر فأكثر مع كل كتاب يصدر.

البارحة سمعته في مؤتمر فلسفي يقول: الأديان تتنافر وتدحض بعضها بعض.

الأديان فن تسميم الشعوب بالغيبيات ويدعو إلى التخلّص من الدين تماماً كما حطّم حيوات ملايين البشر.

هذه المأساة ستقوى وتتجدّد والقضاء عليها لا يتمّ إلا بفسخ فكرة الإله التي ولّدها الرعب مقترناً بالجهل. ولم يتسنَّ له متّسع من الوقت ليعرض فكره ويشرح فلسفته، وهذا ما حفزني لدعوته إلى هذا المركز لأتيح أولاً له ما لم يتح بالأمس، ولأتيح ثانياً الفرصة للكثيرين ممّن قرأوا له أو سمعوا عنه أن يعرفوه وجهاً لوجه ويسمعوه مباشرة.

وقفة معاناة أمام الدين

لا أطمح في تعقيبي المختصر هذا على مداخلة صديقي د. محمد المزوغي أن أردّ أو أعلّق أو أفنّد كل ما قاله. جاء في سياق كلامه أنه صنف مؤلّفاً من نحو 450 ص لعرض الإلحاد وإثباته والدفاع عنه([1])، وهو بالتالي غير قادر على تلخيص كل ذلك في نصف ساعة من الزمن. إنها حالي تحديداً، فهل أستطيع في ربع ساعة قصيرة أن أتناول وقفته المؤثرة أمام الدين والإله ورفض الأول وإنكار وجود الثاني والتعليق على هذا الموقف الفلسفي والتعقيب عليه من كل جوانبه أو تفنيده؟! بالطبع لا. لذا أكتفي ببضعة خطرات وانطباعات.

الكائن الترنسندنتالي

وأسارع بداية إلى القول أنني لست بتاتاً في وارد أن أضع نفسي في موقع المدافع عن الدين، ولا عن الإيمان بوجود الله، فلا الجدل في هذه الأمور يستهويني لا سيما وأنني لا أقرّ بجدواه، ولا السجال من طبيعتي.

وأتوقف أولاً عند موقف المزوغي الإلحادي وطبيعته ودوافعه، ويلفتني بداية تعريفه للإلحاد، إذ يقول:«الإلحاد هو رفض الإيمان أو القول بوجود كائن متعالٍ Transcendental مهما كان هذا الكائنNégation de l’escistence d’un être transcendentale.

وإذ أوافقه تماماً عى هذا التعريف، ألحظ أن فيه يكمن الفرق كل الفرق بين أنظمة ثلاث:

– الدين، الفلسفة والتصوّف.

الدين والفلسفة كالنار والماء

يقول المزوغي إن الدين والفلسفة مثل النار والماء أي أنهما من طبيعتين مختلفتين متنافرتين فلا يمكن أن يلتقيا، وذلك خلافاً لما قاله هيغل وفلاسفة آخرون إذ اعتبروا أن لا فرق بين الفلسفة والدين فطموحهما واحد:المطلق l’Absolue.

ولا أخفي أنني أميل شخصياً إلى موافقة المزوغي في تمييزه بل تفريقه الواضح الجليّ بين الفلسفة والدين، فحتى لو سلّمنا جدلاً أن الهدف والطموح واحد: المطلق فالأداة والنهج مختلفان الفلسفة أداتها العقل ونهجها التفكّر. أما الدين فأداته والاعتقاد ونهجه التسليم بالوحي أو الكتب المقدّسة… الخ.

هل الفلسفة ملحدة بطبيعتها؟

أما قول المزوغي إن الفلسفة بطبيعتها ملحدة، فألمس فيه بعضاً من مغالاة. ويذكّرني بمبدأ فلسفي يقول:العقل الصحيح هو الذي لا يتعصّب للعقل. ولا يمكن أن نبرّئ المزوغي من تعصّب واضح للعقل، بل وللعقل الإلحادي المنكر للإله وجوداً وتجلّياً. وقد عرفت الفلسفة عبر تاريخها فلاسفة كباراً مؤمنين أمثال الأكويني وأوغسطينوس وابن سينا وغيرهم، فكيف نقول إنها بطبيعتها ملحدة. وبالمقابل فالقول المناقض أي أن الفلسفة بطبيعتها تقرّ بوجود الله لا يقلّ خطلاً عن نقيضه. ويلوح لي أن الفلسفة والعقل أداتها الأولى كما أسلفنا عاجزة عن أن تحسم القول في هذه الإشكالية الكبرى التي قضّت مضجع الإنسان مذ وعى ذاته ومصيره:الكائن الأسمى وتأكيد وجوده أو نفيه، وكثير من التأملات الفلسفية منذ بداية ظهور الفلسفة تدور حول هذه النقطة بالذات:الله وجوداً أم نفياً.

العقل يعجز عن الإثبات أو النفي، وهذا ما عبّرتُ عنه سابقاً بالقول:«براهين الفلسفة واحد يضرب الآخر ويعطّله، أعطني برهاناً على وجود الله، أعطك بالمقابل عشرة على عدم وجوده، والعكس صحيح»([2]).

وكم استغربت في مسيرتي الفكرية أن البرهان على وجود الله، يمكن أن يستخدم هو نفسه لدحض هذا الوجود.

ولكنني، ورغم كل ذلك، لا أنفي بالمطلق قول المزوغي ”أن الفلسفة ملحدة بطبيعتها“ فهي تقود دوماً إلى الإلحاد، فهذا الأخير مرحلة أساسية من مراحلها، فمن تفلسف أو أراد أن يتفلسف لا بدّ له من أن يمرّ بالإلحاد وإن لم يقف عنده وقوفاً نهائياً، ذلك كان اختباري الشخصي والذي عبّرت عنه بالقول:«الفلسفة، وكم أحببتها في صباي، رمتني في أحضان الإلحاد والتيار العبثي Absurde ضياع عبّرت عنه في ما أسميته رحلة من الإيمان… إلى الشك»([3]).

وقديماً قال علماء الإسلام وفقهاؤه:«مَن تمنطق شهراً، تزندق دهراً».

وبكلمة توجز وتكثف أقول:إن أنت أقلّه لم تلامس الإلحاد في مسارك الفكري، بقيت غريباً عن الفلسفة.

الكائن التجاوزي واختبار التجاوز

وأعود إلى تحديد المزوغي للإلحاد ونفي الكائن  الترنسندنتاليTranscendental. فإذا كان بمقدور المرء أن يختبر بنفسه التعالى أو التجاوز Transcendance.

فما القول في الاختبار هذا؟ إنه طريق آخر يتخطّى العقل والاعتقاد في آن. ولا يتبع سوى التجربة الصوفية أو الاستبطان الداخلي أو الاستبصار.. قد يستخفّ مَن يقدّس العقل ومَن يتبع الإيمان كلاهما بهذا الطريق، ولكن الموقفين الرافضين ليس من شأنهما أن يلغيا هذا الخيار ولا ازدرائه أو التقليل من أهميته. فلسنا في وضعية الاحتمال الثالث مقصى Tiers Exclu. فالعقل، لا سيما في عملياته الذهنية Mind يبقى محدوداً، وفرويد نفسه يقول: العقل البشري ضعيف وعاجز بالمقارنة مع الرغبات والغرائر البشرية، أما اليوغا فتقول العقل (الفكر Mind) محدود جدّاً مقارنة بألـFeeling الشعور والحدس.

اللاّإيمان موافق لطبيعة الإنسان

وما يستوقفني في إلحاد المزوغي أنه ليس مجرّد معرفة اتّباعية اكتسابية، بل معرفة تفكّرية تأمّلية وتصل أحياناً إلى مستوى المعرفة الاختبارية.

ويعبّر عن ذلك قوله: خيار اللاّإيمان خيار موافق لطبيعة الإنسان، وأفهم من قوله هذا أنه خيار موافق لطبيعته هو ومنسجم معها.

فما يجذبني في شخصية هذا الصديق أنه منسجم مع إلحاده صادق فيه وغير متصنّع. بل أكاد أقول لا يمكنني أن أتصوّره إلاّ ملحداً، فلو كان مؤمناً بأي دين لفقد العفوية والطبع والسليقة، وهي بمجملها أساس سحره وكاريسمه. المزوغي منسجم مع إلحاده يتفاعل معه تفاعلاً اختبارياً عميقاً، وكون إلحاده فعل أكثر مما هو ردّة فعل يجعل منه جزءاً أساسياً لا يتجزأ من شخصيته أي طبيعته، ويجعله متصالحاً مع ذاته لا في غربة أو اغتراب عنها، ويعبّر عن ذلك قوله:الإلحاد يُشعر الإنسان بالسعادة وقوله الآخر، تربح راحتك وسعادتك متى أيقنت أن لا إله ولا أعرف لمَ أميل بإصرار إلى الأخذ بأقواله هذه على وجه التخصيص (انطباقها عليه هو) وليس التعميم.

الاختبار الصوفي خيار ثالث!!

وهذا الجانب الاختباري أو بالحري إغفاله أراه الثغرة بل الفجوة الأساسية في منظومة المزوغي الفكرية والفلسفية. فهو أمام ثنوية الفلسفة والدين لا يتردّد في اختيار الفلسفة، ولكنه يسقط الخيار الثالث من أي حساب: أي التصوّف Mystique أو اليوغا، وأداته الاختبار.

يستوحي المزوغي عنوان كتابه ”تحقيق ما للإلحاد من مقولة“ بل يأخذه مباشرة عن البيروني في تحقيق ما للهند من مقولة فليته أخذ عن هذا الأخير شيئاً عن الهند. ففكر الشرق الأقصى وفلسفته غائبان عن منظومته الفلسفية، أو مغيّبان تماماً. ويكاد عرضه ينحصر في ثقافتين على خطورتهما وأهميتهما:الغرب بمختلف جذوره وتيّاراته والإسلام. ونكاد لا نجد شيئاً عن الشرق الأقصى على الرغم من أن لهذا الأخير موقف آخر، ورؤيا أخرى مميزة ومختلفة تماماً.

ولكن الاختبار الصوفي ليس ميزة الشرق الأقصى وحده، وإن كان هذا الأخير أكثر تركيزاً من سائر الثقافات عليه. لا بل إن مفهوم الهند والشرق الأقصى عموماً للدين يختلف اختلافاً بيّناً عن مفهوم الديانات الإبراهيمية والغرب له ففي الهند والهندوسية:ما يهمّ ليس ما يعتقده الإنسان ويؤمن به، بل ما يختبره.

Ce qui importe chez l’homme ce n’est pas ce qu’il croit mais ce qui’l expérimente([4]).

الحقيقة هي كل شيء، ولا شيء في آن

والصوفيون باختباراتهم المتشابهة يقرّبون بين الأديان بينما يباعد أهل اللاهوت والعقائد بينها.

ويميّز أهل التصوّف على اختلاف مدارسه بين الإيمان (الاعتقاد بالغيبيات وبما لايمكن برهانه) والعرفان أي الاختبار المباشر. الإيمان بالله أو اختباره عبر التخطّي Transcendance والوعي الصافي. ففي التخطّي اختبار مباشرة للمطلق ووقفة أصيلة إزاءه. وكثيراً ما يتماهى في هذا الاختبار اللاشيء وكل شيء، الفراغ واللامتناهي. تقول مَا أنندا مايي Ma Ananda Mayi (1896 – 1982) كبيرة حكماء الهند في ذلك «الحقيقة هي كل شيء، ولكنها لا شيء كذلك. فيمكنكم أن تسمّوها واحدة. اثنتين، أو متعدّدة، أو حتى لا متناهية، فكلّها أسماء صحيحة»([5]).

اللامتناهي واللاشيء واحد، الحضور الكلي والغياب الكلي مترادفان. اختبار المطلق أو اختبار العدم متساويان، وجهان لاختبار واحد، تقول أنندامايي في ذلك:«حتى الشعور بغياب الله هو تجلٍّ له كي نعي حضوره»([6]).

وكم عبّر الصوفية واليوغيون عن اختبار المطلق باختبار العدمShunia أو الفراغ Vacuité. فاللامتناهي Infinie يصغر أو يكثّف إلى نقطة Point أي ما لا حجم ولا كمّ له، والمطلق واللاشيء واحد.

تقول ما أنندا مايي معبّرة عن هذه الحقيقة «العليّ يمكن أن يكون كل شيء ولا شيء إطلاقاً»([7]).

وتخلص أنندا مايي في النهاية إلى التأكيد وبجرأة تامة أن القول بوجود الله وبعدم وجوده سيّان، فلا فرق عند السالك:«قل هو موجود أو غير موجود أو أنه ما بعد الوجود واللاوجود، أو حتى أنه أيضاً أبعد من كل ذلك»([8]).

ولن أطيل أكثر، حسبي القول أن الإلحاد متى جاز إلى مستوى الاختبار قرب من الاختبار الصوفي أو أقله أمكنه فهمه. ولا يغربنّ عن بالنا أن في أنظمة الفلسفة الهندية نظام ملحد تماماً هو السانخيا، وقد تناوله البيروني في التحقيق بالعرض والشرح، وليت المزوغي عاد إليه. وكذلك فبوذا ملحد والبوذية وإن اعتبرها أكثر الناس ديانة فهي ملحدة، ولا تؤمن بإله.

البشرية تربح أكثر مما تخسر بالتحرر من الدين

أصل إلى موقف المزوغي من الدين، فإنكاره الجازم لوجود الله يقوده حتماً إلى ثورة عارمة ومتأججة على الدين. فيدعو إلى «التخلّص من الدين تماماً كما حطّم حيوات ملايين البشر» وإلى:«تخليص الناس من الهلوسات الدينية». ويؤكد أن «الأديان فن تسميم الشعوب بالغيبيات» وهو هنا يذكّر بكارل ماركس القائل:«الدين أفيون الشعوب». ويكرّر أن «الأديان تتنافر وتدحض بعضها بعضاً» ما يذكّر بقول محمد بن زكريا الرازي أن تناقض الأديان دليل على تهافتها وبطلانها جميعاً.

ويخلص المزوغي إلى أن الظاهرة الدينية مجموعة من الخرافات للسيطرة على عقول الناس، وبالمقابل فالعقلانية تقودك إلى الإلحاد.

ولا أستغرب هذه الثورة، وقد جاءت نتيجة طبيعية عنده للإلحاد في حين تأتي عند آخرين شعلة وبداية نحو هذا الأخير.

وفرويد بنتيجة بحثه في الدين، ولا سيما في كتابه الطوطم والحرام أكّد أن البشرية تربح أكثر ممّا تخسر إذا ما تحرّرت من عبء الدين ودعا إلى استبدال الدين بالنشاط العقلي.

أما فريدريك نيتشه فرأى أن الديانات دموية بطبيعتها، فلا مفرّ مع الأديان من الحروب. ولست أخالف صديقي المزوغي في أن الديانات تفرّق البشر وتزرع الشقاق بينهم لتحصد الحروب، ولكنني أودّ أن أتوقّف عند مفهوم يوغيّ للدين يقول: الدين أن تأخذ عن اختبار الآخر وتأخذ به. والتصوّف أن تختبر بنفسك. وقد دعا بوذا وقبله حكماء اليوغا إلى التدرّج من المعرفة الاكتسابية (الدين) إلى التفكّرية (قد تكون الفلسفة) فالاختبارية (التجربة الذاتية).

التصوّف يتجاوز الأديان

والدين بوجه ما استخدام للاختبار الصوفي ومحاولة لشرحه وتوظيفه. يقول المفكر والفرنسي لوي بوردي في ذلك:«لولا الحدوسات الصوفية التي ميّزت بعض الأشخاص المحظوظين، لما وجدت الأديان. ففي باطن كل ديانة نجد رسالة صوفية. وكل ديانة تفترض التصوّف. ومع ذلك يبقى أكثرنا تديّناً يجهل الحالات الصوفية»([9]).

وكأنني بِـ بوردي قد وضع الإصبع على الجرح فأهل الأديان ورجالاتها والمستفيدون منها، بعيدون كل البعد عن التجربة الصوفية التي كانت في أساس كل دين. وفي هذا الجانب تكمن أكثر أسباب التفريق والتباعد بين الناس ودور الأديان الحاسم في ذلك. ومتى أفرغ الدين من مضمون صوفي اختباري، وهذه حال أكثر الأديان في أيامنا بل كلّها، قصر على الطقوس والعقائد، وقد كانت هذه دوماً عامل تفريق وشرارة تفجير.

أفهم ثورة المزوغي قلت، وأتفهّمها، والأديان ستبقى حقل ألغام وقنابل موقوته، قابلة للانفجار في أية لحظة. وأوافقه رفضه القاطع لمقولة محمد أركون:«الدين هو الرأسمال الرمزي للشعوب». وتأكيده أن «العلمانية تحمي المجتمع من سطوة الدين وتحمي الدين».

مصيبتنا تقديس الأشياء

وأطرب حتى النشوة لقوله:«لا أقدّس الرجال، فتقديسهم يدمّر حياة الناس» ومصيبتنا الكبرى في الشرق هي تقديس الرجال والأشياء وجعلهم أصناماً، والمزوغي في هذا الجانب هو فعلاً محطّم أصنام.

وأذكر هنا قولاً للفيلسوف والحكيم الهندي كريشنا مورتي يتهكّم فيه على ظاهرة التقديس:«أخذت منذ سنوات بدافع التسلية صخرة صغيرة من حديقتي ووضعتها على رف ولعبت بها، حاملاً لها الزهور كل يوم. وبعد انقضاء شهر غدت جدّ مقدّسة»([10]).

الإلحاد يحلّ مشاكل ويولّد أخرى

ولا أرى مفرّاً من أن ألحظ أنه إذا كان الإلحاد إنكار وجود كائن متعالٍ يحلّ عقداً ومشاكل فكرية وفلسفية، فهو يعقّد أخرى. وأبرزها مسألة الروح والحياة بعد الموت. وكلاهما موضع نفي قاطع عند المزوغي. فالإنسان مذ وعى وجوده وخشي المصير وهو في بحث دؤوب عن حياة بعد هذه الحياة، وعن عالم ما وراء هذا العالم. والحضارات القديمة من فرعونية ورافدية وفينيقية وغيرها شاهد بيّن على ذلك. فأن يتأكد للمرء أنه آيل إلى العدم ليس إلاّ، وأنه لا يخلد سوى بعض المفكّرين والعلماء في أفكارهم واكتشافاتهم، فذاك مدعاة أكيدة للإحباط عند أكثر الناس. ولسنا نحلم في هذه العجالة أن نقدّم أجوبة عن هذه الإشكالية الكبرى، والتي طالما حيّرت الباحثين والمفكّرين ولا تزال.

وختاماً، فما يشدّك في كلام المزوغي وخطابه هذا الجانب الإنساني الودود والشفّاف، والذي يلتقي فهي بكلّ العاملين لخير البشرية. وفي الاجتماع البشري لا مناص من التعدّدية، فالمهمّ ليس الالتقاء على الأفكار والعقائد، بل احترام حق الآخر في الاختلاف.. وفي البحث.

والشاعر العربي يقول:

ما دمت محترماً حقّي فأنت أخي

آمنت بالله أم آمنت بالحجر

[1] – المزوغي، محمد، تحقيق ما للإلحاد من مقولة، بيروت، منشورات الجمل، ط1، 2013.
[2] – صليبا، د. لويس، سائح على ضفاف الذات، حكاية مسار صوفي،تقديم عماد فغالي، جبيل، دار ومكتبة بيبليون ط1، 2014، ص 15.
[3] – صليبا، سائح، م. س، ص 15.
[4] – صليبا، د. لويس، أقدم كتاب في العالم، ريك ڤيدا دراسة ترجمة وتعليقات، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط3، 2011، ص 36.
[5]- Lannoy, Richard, Amanda Mayi her life and wisdom, USA, Element Books, 1996, p26.
[6]- Annandamayi Ma, Matri Darshan, Germany, verlag, 1988, px.
[7]- Annanda Mayi Ma, l’enseignement de Ma, traduction Josette Herbert, Paris, Albin Michel, 1988, p 294.
[8]- Annandamayi Ma, en tout et pour tout, traduction J.C. Marol, Paris, Le Fennec, 1994, p 22.
[9]- Bordet, Louis, Religion et mysticisme, Paris, PUF, 1959, p 134.
[10]- Krishnamurti, J, The awakening of intelligence, USA, Harper, 1987, p 43.

شاهد أيضاً

مقدمة في نشأة الأديان والفرق بين الوثنية والتوحيدية

الجذور الوثنية في الديانات الإبراهيمية  بقلم: أمل الخطيب تشترك الأديان الإبراهيمية الثلاثة في دعوتها للإيمان بإلهٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.