الرئيسية / الرئيسية / مقالات / دين / تاريخ وفقه الحجاب في آشور وبابل ومصر والإسلام واليهود

تاريخ وفقه الحجاب في آشور وبابل ومصر والإسلام واليهود

الحجاب موضوع معقد جدا..لكنه يستحق الدراسة لأهميته..أدناه سنحاول تقديم نبذة تاريخية عنه في العالم القديم فضلا عن الدين الإسلامي واليهودي

في الحضارة السومرية  4500 قبل الميلاد – 2334 قبل الميلاد
—————————————————————————–
حضارة نشأت في الألف الخامس وسط العراق الحالي وتحديدا في مناطق سامراء لتنتقل بعدها في جنوب العراق أو جنوب بلاد ما بين النهرين.. وتعد أقدم حضارة عرفتها البشرية وتعتبر المؤسسة الاولى لمعظم المنجزات الحضارية الكبرى. لاختراعهم الكتابة والعجلة وعلوم الفلك والحساب وغيرها. حيث إنهم وثقوا العقود ودونوا المعاملات التجارية وعقود الزواج فضلا عن إبداع أقدم الملاحم والأساطير البشرية وكذلك النصوص الدينية.

والديانة السومرية هي أول دين عرفه التاريخ فهم أول من كتبوا قصصا عن الجنة، في ديلمون وكيف بدأ الخلق وفقا لاسطورة اينوما أيليش “عندما في العلى” وكذلك كيف حدث الطوفان وفقا لملحمة كلكامش.

وهي أقدم ملحمة أدبية في التاريخ تحكي سيرة حاكم مدينة أوروك وكيف كيف نجت وعمرت الأرض بعد نهاية الطوفان.
وبالرغم من أن التاريخ أخبرنا عن حكم امرأة سومرية اسمها شوب-أد وأن قصة الخلق السومرية لم تميز جنسيا بين الرجل والمرأة الا أن مكانة المرأة في هذا المجتمع كانت دون الرجل.. ويحق له حتى ان يبيع زوجته لايفاء دين عليه! كما ان الأحكام الخاصة على المرأة كانت اقسى بكثير فالرجل الزاني يصفح عنه لان ما فعله نزوة أما المرأة الزانية فتعدم..كما أن المرأة التي تقصر في واجبات الامومة كان يتم قتلها غرقا!
وتظهر المرأة في بعض المقتنيات النسائية السومرية وهي تغطي شعرها كما يظهر أثار معروضة في المتحف البريطاني..كما ظهرت في بعض النقوش الجدارية وشعرها مزين بعمامة مدورة كعصبة سميكة.

الحضارة الاكادية   2334 قبل الميلاد – 2154 قبل الميلاد
————————————————————————–
هي حضارة سامية نشأت في بلاد ما بين النهرين ونافست حضارة سومر وسط العراق ووصلت الى عزها ومجدها ابان حكم سرجون الذي وضعته امه حين ولادته في سلة ورمته في الفرات الى أن عثر عليه شخص في خدمة ملك “كيش” فرباه في القصر قبل أن يشب ويترقى في منصبه ثم يستولي على العرش وقد ظهر سرجون هذا كقوة حوالي عام 2334 قبل الميلاد وأخضع سومر وباقي البلاد المحيطة كعيلام والخليج  واستمرت فترة حكم سرجون الذهبية هذه حتى عام 2279 قبل الميلاد, وبعده بدا الضعف يدب في الدولة وقد انتهت هذه الدولة اثر غارات الغوتيين الجبليين عليها بحدود عام 2154 قبل الميلاد.

فتوزعت مدنها بين الغوتيين الجبليين والسومريين الذين استقلوا مجددا ببعض مدنهم إثر ثورة أوروكاجينا.

لم يعدل الأكاديون في القوانين السومرية الا قليلا كما لم تظهر في الآثار التي وجدت اي تعديلات في القوانين الخاصة بالمرأة وبأي شيء يخصها بما فيه لباسها وتغطيتها لشعرها.

في الحضارة البابلية  1763 قبل ميلاد – 600 قبل الميلاد
———————————————————————
أسس حمورابي دولة بابل عام 1763 قبل الميلاد بعد ان طرد الغوتيين الجبليين القادمين من القوقاز والذين دمروا اكاد ثم أسس شرائعه او قوانينه المسماة باسمه التي لا تزال نصوصها موجوده ومتداولة الى يومنا هذا.
والحضارة البابلية حققت انجازات هامة على صعيد الفلك والطب والرياضيات.
ومن الفترة التي سيطر فيها الكلدانيون على بابل عام 625 قبل الميلاد بقيادة نابوبلاصر صار يطلق عليها اسم الامبراطورية البابلية الثانية والتي برز فيها اسم نبوخذ نصر القائد الكبير المعروف في كتب التراث الاسلامي ببختنصر والذي دمر دويلة يهوذا وسبى شعبها مرتين عامي 597 قبل الميلاد و 586 قبل الميلاد.
انتهت دولة بابل من الوجود حين اجتاحها الفرس بقيادة قوروش عام 539 قبل الميلاد وذلك بعد وفاة نبوخذ نصر الذي خلفه حكام ضعفاء كان آخرهم نابونائيد الذي حاول انقاذ مملكته ولم يفلح ويقال انه ذهب لمناطق في الجزيرة العربية كالمدينة المنورة.
لم يكن واقع المرأة جيدا في بابل, فالمرأة كانت تتبع زوجها دون استقلال في العمل وفي الادارة وكان عليها ان تطيعه في كل شيء حتى المعاشرة بل يستطيع الرجل أن يخرج المرأة من بيته أو يتزوج عليها أو يتعاطى معها كجارية فيفقدها حريتها لمجرد أن تخالفه.
وان أخطات في تدبير شؤون المنزل كان يستطيع ان يرفع أمرها الى القاضي فيصدر حكما باغراقها في الماء!
ووفقا لقوانين حمورابي فالمرأة هي كسلعة يشتريها الرجل: “الزواج یتم عندما یكون ھناك عقد یقوم رجل بموجبه بشراء امرأة”.
وكان يحق للرجل أن يرهن زوجته لفترة زمنية محددة تسديدا لديون عليه, وأن يطلقها ان لم تنجب
  أما على صعيد الحجاب, فقد عرفت بابل الحجاب عند المرأة وسنت فيه قوانين متشددة جدا لدرجة أن المرأة العاهرة ان ضبطت محجبة تعدم, والمرأة المتزوجة ان كشفت عن شعرها خارج بيتها تعدم.
الامر الذي يدل أن الحجاب قد صار لزوميا على النساء الشريفات والمتزوجات.
فالمرأة عندما تتزوج كان عليها ان تغطي شعرها من أجل تمييزها كما أن العاهرة كان ينبغي تمييزها عن غيرها ويفهم منه أن المتزوجة التي تخرج دون تغطية شعرها كانت تفقد حقوقها اذ تتحول بنظر المجتمع الى عاهرة.
اذا يبدو من قوانين حمورابي وبابل هذه أن الحجاب كان من أجل التمييز ولم يأخذ بعد اي صبغة دينية

في الحضارة الآشورية    2500 قبل الميلاد – 600 قبل الميلاد
————————————————————————–
الآشوريون هم اقوام سامية عاشت في شمال بلاد ما بين النهرين وهم من الاكاديين أصلا وقد قامت بينهم وبين البابليين صولات وجولات فسقطت دولتهم بيد البابليين ايام حمورابي عام 1760 قبل الميلاد قبل أن يستولي الملك الآشوري شلمنصر على بابل عام 1273 قبل الميلاد.
ومنذ عام 775 قبل الميلاد بدأ الآشوريون توسعاتهم غربا فاستولوا على فينيقيا والسامرة واحتلوا اورشليم بقيادة سرجون الثاني وسبى اليهود.
دمر الآشوريون بابل عام 686 قبل الميلاد.
وفي عام 616 قبل الميلاد أنهى الكلدانيون بزعامة نابوبلاصر الدولة الآشورية التي جاهدا حاول ملكها سين شار اوشكن ابن آشوربانيبال الصمود الا انه فشل, والحق يقال ان التوسع الآشوري غربا كان سببا جوهريا في نهايتها.
أما واقع المرأة يومها فكان سيئا, فكانت المرأة ملك لزوجها والبنت ملك لأبيها.
أما الحجاب فيعد الآشوريين أكثر من تشدد به وأولاه عناية مشددة ونظم فيه القوانين.
فبعض الحفريات التي وجدت في آشور تبين العقوبات ضد النساء الذين لا يرتدين الحجاب.
فكان على الجارية والتي لم تكن ترتدي الحجاب, كان عليها أن ترتديه عندما تخرج مع سيدها.
  وكان الرجل اذا أراد الزواج من جارية فانه وأمام الملأ يحجبها معلنا انه صارت زوجته.
وفي مدونة قوانين مكتشفة في آشور زمن حكم تغلات فلاصر(1077 قبل الميلاد) ينص القانون على منع المتزوجات وبنات الأحرار من الخروج من المنزل حاسرات الرأس.
كذلك لا يحق للعاهرة والاماء تغطية رؤوسهن والا فصلم الآذان هو العقوبة المنتظرة.
ففي اللوحة الطينية المكتشفة في آشور القديمة: لا زوجات الرجال ولا الأرامل ولا النساء الآشوريات اللاتي يخرجن إلى الطريق يمكنهن ترك رؤوسهن مكشوفة. بنات الرجل سواء أرتدين شالاً أم جلباباً أم عباءة، لا ينبغي لهن ترك رؤوسهن مكشوفة. المومس يجب ألا تحجب نفسها، ويجب أن يكون رأسها مكشوفا
وفي احدى المنحوتات الجدارية التي تعود الى زمن الملك الآشوري سنحاريب (حوالي 700 قبل الميلاد) تظهر نساء مرتدين ثوبا طويلا متأزرين بشال يلفهن حتى الكاحل
فيظهر أن الحجاب في آشور كان لتمييز الحرة من الجارية والمتزوجة من غير المتزوجة والشريفة من العاهرة, ولم يكن له أي دلالة دينية
وفي الحجاب دلالة تبعية للمرأة  وهو ايضا ضمانة لها لأنه يجنبها التعرض للتحرش الذي كانت تتعرض له العاهرات او الجواري الغير محجبات

في الحضارة المصرية الفرعونية
  ————————————-
مصر الفرعونية يبدأ التأريخ لها منذ وحد الملك مينا قطري مصر (الشمال والجنوب) عام 3200 قبل الميلاد واعتبر بذلك مؤسس الاسرة الفرعونية الأولى واستمرت الى زمان دخول الاسكندر المقدوني اليها عام 323 قبل الميلاد
في مصر الفرعونية تمتعت المرأة بحرية كبيرة أكثر من اي بقاع أخرى الى درجة أن المؤرخ اليوناني هيرودس حين زار مصر فوجىء من حياة المرأة فيها وتحررها واختلاطها بالناس.
تمتعت المرأة باحترام كبير وكانت النظرة للشخص تتحدد بالوضع الاجتماعي لا بالجندرية, فاشتغلت بالادارة والتجارة ونعمت بحقها من الارث بالتساوي مع الرجلوقد تمكنت المرأة وانطلاقا من الحرية التي تمتعت بها من أن تصبح في عديد الحالات وريثة العرش 
والنساء اللواتي سنحت لهن الفرصة في حكم مصر القديمة: مريت نيت, خنتكاوس, نيت اقرت, سبك نفرو, حتشبسوت, وتاوسرت
أما الحجاب فلم تعرفه مصر الفرعونية لكنني آثرت الكتابة قليلا هنا لأن احدى المنقوشات التي وجدت تحدثت عن تقلص دور المرأة وانحسار نفوذها والتعصب ضدها وظهور الحجاب في فترة حكم الهكسوس لمصر وبقي الحال على ما هو عليه حتى زوال حكمهم.
فمن هم الهكسوس وما قصتهم هنا مع المرأة والحجاب؟
الهكسوس هم من يطلق عليهم أيضا اسم الملوك الرعاة وهم شعوب بدوية من اصول مختلفة احتلت مصر في نهاية حكم الأسرة الفرعونية ال14
فقد دخلوا مصر من الشرق وحكموها ابتداءا من عام 1789 قبل الميلاد الى عام 1580 قبل الميلاد حين طردهم الثائر المصري أحمس الأول
والهكسوس هم من القبائل البدوية لكنهم ساميون مثل بني اسرائيل ويظهر هذا من خلال أسماءهم السامية مثل : صكيرحار وخيان وغيرها.

الخلاصة أن الحجاب كان من أجل التمييز بين الامراة الحرة والجواري والغير المتزوجات وكذلك للتمييز بين الشريفة والعاهرة “ووجودها كان شبه طبيعي”


الحجاب في الفقه اليهودي .. د سامي عامري

اتفق فقهاء اليهود على فريضة تغطية المرأة رأسها, لكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الأمر. وقد ظهرت بينهم نقاشات طويلة لازالت تشغلهم إلى اليوم حول حكم وضع باروكة على الشعركحجاب تغطّي به المرأة رأسها.

استقرّ في الذهنيّة العلميّة لأحبار اليهود أنّ المرأة مصدر جاذبيّة للرجل, وأنّ التوراة قد عملت على منع حدوث الفتنة من التقاء النفس المثيرة والنفس المستثارة, وقد وجدوا في الأسفار المقدّسة بغيتهم لتأكيد حرمة كشف المرأة رأسها, من خلال اعتماد أكثر من مسلك استنباطي: بمراقبة دلالة لفظ, أو بالتفتيش في لحمات السياق, أو بردّ القضايا العينيّة إلى إطلاقات النصوص..وقد جُمع هذا التراث الفقهي في عدد من المصادر؛ من أهمها التلمود بمشناه, كما ظهر هذا العمل الاستنباطي في كتب الشروح والتقنين المتأخّرة لأفراد الفقهاء –كما هو الأمر مع ((موسى بن ميمون))- أو في الكتب ذات الطابع التأمّلي بنزعتها الصوفيّة؛ كالمدراشات والزوهار..

الإجماع على وجوب تغطية الرأس :

نقل الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) إجماع فقهاء اليهود على حرمة أن تكشف المرأة اليهوديّة المتزوّجة كامل شعرها في الشارع؛ فقال: ((يبدو أنّه لا يوجد مصدر تشريعي (نصّ أو فقيه) مقبول يسمح للمرأة المتزوّجة بأن يكون كامل شعرها مكشوفًا في الأماكن العامة. )) ((In public there appears to be no accepted halachic source to permit a married woman to have her hair totally uncovered))[1] , وقال أيضًا: ((يعتبر اليوم أمر تغطية المرأة شعرها عند المشرّعين (اليهود) في العالم, حُكمًا موضوعيًا, وتبقى مسألة طريقة (ارتداء الحجاب) متأثّرة بالتحوّل الاجتماعي, دون أن يمسّ ذلك أصل الحكم)) ((Today, woman’s hair covering is seen as an objective norm throughout the halachic world, the method of which may be influenced by social change, but not the basic requirement))[2]

وقد نقل نفس الإجماع أيضًا الحبر ((جتزل إلنسون)) ((Getsel Ellinson)) في قوله: ((كلّ السلطات (العلميّة) متّفقة بصورة تامة على أنّ المرأة المتزوّجة ملزمة بألاّ تغادر بيتها بشعر مكشوف. اختلاف الآراء منحصر في أمر تفاصيل هذا التحريم.))[3]. [4]

شعر المرأة عورة :

قال الحبر ((ششث)) ((ששת)) في التلمود صراحة: ((شعر المرأة عورة)) ((שער באשה ערוה)) (Berachoth 24a), وهو أيضًا ما قرّره الحبر الشهير ((يعقوب بن آشر)) الذي كان من أشهر علماء اليهود في القرون الوسطى, في كتابه التشريعي اليهودي الشهير ((ארבעה טורים‎)) [5], وقال الفقيه اليهودي البارز, الحبر ((يعقوب ب. ميير))[6]: ((يشير نصّ ((شعر المرأة عورة)) إلى (مسألة شرعيّة) النظر إليه.))[7], وهو ما وضّحه العالم التلمودي اليهودي: ((Ravad of Posquires)) [8] بقوله إنّ الرجل ((ممنوع من النظر إلى أيّ موضع من المرأة ولو كان إصبعًا صغيرًا أو شعرها.))[9]

وقد ذكر التلمود أنّ الحبر ((ششت)) قد قال إنّه ((إذا حدّق الواحد في الإصبع الصغير للمرأة؛ فكأنّما حدّق في الموضع السريّ من جسدها (أي فرجها))) ((כל המסתכל באצבע קטנה של אשה כאילו מסתכל במקום התורף)) (Berachoth 24a)؛ وفي ذلك دلالة على أنّ جسد المرأة بالنسبة للرجل في اليهوديّة, مصدر انجذاب جنسي لا بدّ من نأي الأعين عنه.

كما قرّر العديد من أعلام فقهاء اليهود أنّ على المرأة أن تغطّي رأسها بناء على القاعدة التشريعية اليهوديّة المسمّاة ((לפני עיור)) (لفني عيور) [10] والتي تُعنى برعاية الجوانب الأخلاقيّة والسلوكيّة. ورتّب التلمود على تعدّيها حكم (الحرمان) (חרם) بإقصاء من خرقها من المجتمع اليهودي وردّ انتمائه إليها. وقد قرّر فقهاء اليهود هذا الحكم بناء على هذه القاعدة؛ لأنّ المرأة بابتذالها في اللباس تقود الرجل إلى أبواب الخطيئة.[11]

الحجاب من العرف المقدس:

جاء في التلمود (Kethuboth 72a): ((ואלו יוצאות שלא בכתובה העוברת על דת משה ויהודית ואיזו היא דת משה מאכילתו שאינו מעושר ומשמשתו נדה ולא קוצה לה חלה ונודרת ואינה מקיימת ואיזוהי דת יהודית יוצאה וראשה פרוע …)) ((هؤلاء يُطَّلقن دون أن يعطين كتابهن[12] :الزوجة التي تنتهك شريعة موسى أو العرف اليهودي. ماالذي يعدّ انتهاكًا لشريعة موسى؟ الجماع عند حيضها … ماالذي يعدّ انتهاكًا للعرف اليهوديّ؟ الخروج برأس مكشوف …)) ويضيف التلمود في شرحه أنّ مدرسة الحبر ((إسماعيل)) قد فهمت أنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ التوراة تمنع بنات إسرائيل من الخروج برؤوس مكشوفة.

وقد ذكر الحبر ((جتزل إلنسون)) أنّ ((جلّ السلطات (العلميّة) في الحقيقة تتعامل مع مسألة خروج (المرأة) بشعر مكشوف على أنّه خرق لتحريم توراتي.)) [13]

ونظرًا لما قد يبدو في النص التلمودي السابق من تمييز بين الشرع الموسوي والشرع العرفي؛ فقد أكّد عدد من أعلام الفقه اليهودي على أنّ العرف اليهودي المقصود هنا هو مسلك ديني ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل؛ وقد قرّر الحبر ((إسرائيل ميير بوبكو))[14] في كتابه الفقهي الكبير ((مشناه بروراه))[15] أنّ إلزام المرأة بتغطية الرأس لا تعلّق له في الفقه اليهودي بأعراف المجتمعات وإنما هو أمر متعلّق بالمعايير الموضوعيّة للعفّة التي لا تتأثّر بطبائع المجتمعات وتحوّلاتها.[16]

ونقل الحبر ((ماير شلر)) أنّه لم يقل أحد من ((البوسقيم)) [17] أنّ تغيّر الأعراف من الممكن أن يؤدّي إلى السماح للمرأة أن تكشف شعرها.[18]

ويعتبر الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) من أهمّ من أكّد على أنّ هذا الحكم التلمودي بمنع المرأة من كشف رأسها, إنّما يعود إلى نصوص التوراة ذاتها؛ فقد فسّره بقوله: ((هذه الأمور, إذا خالفت (المرأة) واحدًا منها؛ عُدّت خارقة لشريعة موسى: أن تخرج إلى الشارع بشعر مكشوف.

وما هو عرف اليهود؟ إنّه كلّ عرف متعلّق بالعفّة التي اعتادتها بنات إسرائيل. هذه هي الأمور التي إذا تعدّت واحدة منها؛ فقد خرقت العرف اليهودي: أن تخرج إلى الشارع أو زقاق مفتوح برأس مكشوف دون غطاء كما هو صنيع كلّ النساء, حتّى ولو كان شعرها مغطّى بشال.))[19]

ويعتبر الحجاب –في نظر فقهاء اليهود- طابعًا خاصًا بالمرأة اليهوديّة يميّزها عن غيرها بهذا المسلك الأخلاقي المتميّز والراقي؛ ولذلك قال ((فلنا غاون)) في تعليقه على ((الجمارا)): ((ليس من مسلك بنات إسرائيل أن يسرن في الشارع برؤوس مكشوفة))[20] ..

وقد عُدّ الحجاب علامة من العلامات التي تتميّز بها المرأة اليهوديّة عن المرأة الوثنيّة؛ حتى إنّه قد جاء في مدراش سفر العدد 9/16 أنّ الوثنيّات فقط, هن من يخرجن برؤوس مكشوفة, وفي ذلك تعبير شديد على إدانة السفور وربطه بالعبادات الوثنية المرذولة!

الحجاب دلالة على العفة:

يقول الدكتور ((مناحيم م. براير)) ((Menachem M. Brayer))[21] في كتابه ((النساء اليهوديات في أدب الأحبار)): ((كان من عادة النساء اليهوديات أن يخرجن بغطاء رأس، وفي بعض الأحيان يغطين كل الوجه إلا عينًا واحدة.))[22] . وقد استند على نصّ التلمود في (Shabbath 80a)؛ إذ قد جاء في هذا النصّ في حديثه عن استعمال النساء للزينة, قول الحبر ((هونا)) ((הונא)): ((المرأة التقيّة تستعمل الكحل لعين واحدة)) ((צנועות כוחלות עין אחת)).

وقد ذهب الحبر ((صموئيل)) ((שמואל)) والحبر ((نحمني)) ((נחמני)) في نفس الموضع السابق من التلمود إلى أنّه يجوز استعمال الكحل للعينين معًا من باب التزيّن, فقط لنساء القرى الصغيرة؛ ويبدو أنّهما قد اختارا هذا القول لاعتقادهما أنّ باب الافتتان في القرى الصغيرة أقلّ ..

وجليّ من الحديث عن استعمال الزينة لعين واحدة فقط, أنّ هذا النص متعلّق بفريضة انتقاب المرأة, وهو ما فهمه عدد من النقاد من هذا النصّ. [23]

تمثّل امرأة اسمها ((قمحيث)) ((קמחית)) في الكتابات الدينيّة اليهوديّة, رمزًا من رموز العفّة والالتزام الأخلاقي العالي؛ فقد جاء في التلمود أنّها قد سُئلت عن السبب الذي وفّقها ليكون لها سبعة أبناء يتولون منصب رئاسة الكهنة, فأجابت بقولها: ((لم تر قائمة باب بيتي ضفائر شعري طوال أيام حياتي)) ((מימי לא ראו קורות ביתי קלעי שערי)) (Yoma 47a)..

لقد كان أمر ستر اليهوديّة شعرها, بل وكامل بدنها, محلّ عناية من كثير من فقهاء اليهود لاتصاله الوثيق بخصلة العفّة التي لا بدّ أن تتحلّى بها المرأة اليهوديّة؛ حتّى إنّ ((دانيال القوميصي))[24] قد شنّ هجومًا لاذعًا على اليهود الحاخميين[25] لأنّهم أجازوا للمرأة اليهوديّة أن تكشف وجهها للأمميين (غير اليهود). [26]

الحجاب للمرأة المتزوّجة :

جاء في كتاب ((المائدة المنضودة)) ((שולחן ערוך))[27] للفقيه اليهودي البارز ((يوسف قارو)) [28]: ((يجب على النساء المتزوّجات أن يغطين رؤوسهن على الدوام, أمّا غير المتزوّجات فلا ينطبق عليهن هذا القانون.))[29]

وجاءت قواعد ستر الرأس في التلمود على هذه الصورة: ((يغطّي الرجال رؤوسهم أحيانًا, ويكشفونها أحيانًا أخرى, لكنّ النساء يغطّين رؤوسهن دائمًا, ولا يغطّي البناتُ الصغار رؤوسهن البتّة.)) (Nedarim30 b)[30] .. ولذلك ذهب جمهور فقهاء اليهود إلى إلزام المتزوّجات دون العذارى بالحجاب, وربّما يعود ذلك إلى ظاهرة الزواج المبكّر عند اليهود, إذ إنّ عامة العذارى هن من صغيرات السنّ اللائي لم يبلغن الحلم أو لم يتجاوزنه بسنوات كثيرة.

وذهب بعض أعلام الفقه اليهودي في المقابل إلى إلزام غير المتزوّجة أيضًا بتغطية رأسها؛ فقد كتب ((باخ)) قائلاّ بما أنّ ((مصدر التحريم هو فقرة ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن بشعر مكشوف)), ولم تقل هذه الفقرة بقصر الكلام على النساء المتزوّجات؛ فإنّ المتزوّجات وغير المتزوّجات داخلات في الحكم.)) [31]

وكان الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) موافقًا ((لباخ)) في صرامته؛ إذ قد قال في كتابه في الشرع التوراتي: ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن إلى السوق برأس مكشوف؛ سواء كنّ متزوّجات أو غير متزوّجات.)) [32]

الباروكة كحجاب:

اتفق فقهاء اليهود على فريضة تغطية المرأة رأسها, لكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الأمر. وقد ظهرت بينهم نقاشات طويلة لازالت تشغلهم إلى اليوم حول حكم وضع باروكة على الشعركحجاب تغطّي به المرأة رأسها.

وقد جاء في التلمود أنّ ((رب)) ((רב))[33] قد قال: ((كلُّ ما منع الحكماء الخروج به إلى الشارع؛ فهو ممنوع في فناء البيت باستثناء شبكة الشعر (hair-net) والباروكة)) ((כל שאסרו חכמים לצאת בו לרה”ר אסור לצאת בו לחצר חוץ מכבול ופאה נכרית)) (Shabbath 64b) وأضاف التلمود أنّ الحبر ((عناني بار شاشون)) ((ענני בר ששון))[34] قد خالفه في جواز ذلك .. وهو ما يظهر الجدل المبكّر حول شرعية الباروكة لتغطية الشعر, وقبل ذلك, هو يثبت أهميّة وجوب تغطية الشعر ابتداءً.

ذهب بعض الفقهاء اليهود إلى القول بجواز أن تلبس المرأة باروكة تغطي بها شعرها, بإطلاق .. وذهب آخرون إلى أنّ لبس الباروكة لا يجوز إلاّ في البلاد التي من أعرافها أن تلبس المرأة باروكة, فإن لم تكن هذه العادة موجودة؛ فإنّ على المرأة أن تغطي رأسها بخمار .. وذهب في المقابل جمهور فقهاء اليهود, إلى عدم شرعيّة لبس الباروكة كوسيلة لتغطية الشعر, ومن أعلام من ذهب هذا المذهب الحبر ((Ya’akov Emden)) والحبر ((Vilna Gaon)) والحبر ((Shlomo Kluger)) و((Maharaz Hayot)) و((Chatam Sofer)), و((Zanzar Rav)), و((Maharsham)), حتّى قال الحبر ((عوبيديا يوسف)) ((Ovadiah Yosef)): ((يبدو أنّ غالبية الأحرونيم [35] يحرّمون (الباروكة)))[36]

حلق العروس شعرها:

انتشرت عادة حلق النساء اليهوديات شعورهن بالكامل عند إقامة العرس في هنغاريا وفي جليقيا بإسبانيا وفي أوكرانيا, وهن يقمن بتغْطية رؤوسهن بمنديل بعد حلق الشعر. وكان النساء في بعض الأزمان يستعملن الباروكة بصورة كليّة أو جزئيّة بعد ذلك. ولازالت هذه العادة موجودة إلى اليوم في الأوساط اليهوديّة المتديّنة في فلسطين المحتلّة.

كان هناك عدد من الفقهاء (البوسقيم) ممن أيّدوا بشدّة حلق العروس شعرها, وحجّتهم في ذلك أساسًا أنّ العروس بفعلها ذاك تضمن ألاّ يظهر من شعرها شيء, فيما عارض آخرون هذا العرف لأنّه يجعل المرأة تبدو قبيحة يوم عرسها![37]

والثابت من هذا العرف (الغريب!), هو أنّ اليهود في فقههم, يتعاملون بحرج شديد مع شعر المرأة وأمر ستره وكشفه؛ ممّا أداهم إلى مثل هذا المذهب المنكر!

الرجل الذي يرضى بكشف شعر زوجته, ديوّث :

لمّا كان حكم تغطية المرأة المتزوّجة رأسها موصولاً بالتوراة, والعرف اليهودي السويّ, ومراعاة العفّة التي أريد للمرأة اليهوديّة أن تتميّز بها عن غيرها؛ فقد كان سماح الرجل لزوجته أن تسير في الشارع مكشوفة الشعر, من القبائح والرذائل الشنيعة التي تظهر وهاء إيمان هذا اليهودي وعدم التزامه بما تدعو إليه الأسفار المقدّسة وأقوال الأحبار المرجّحة؛ ولذلك قرّر الأحبار أنّ من يرى زوجته تخرج ورأسها غير مغطى؛ هو رجل كافر (godless). وعليه إلزامًا أن يطلّقها [38] ..

وجاء في ((الزوهار)) في نفس الشأن: ((قال الحبر ((حزقياهو)): ((لتكن اللعنة على كلّ رجل يسمح لزوجته أن تكشف شعرها. هذا جزء من عفّة الأسرة.)) (Zohar III, 125b)[39]؛ وهو ما يعدّ منتهى الرفض واللفظ لمن يرضى أن تحسر المرأة عن شعرها في غير بيتها. وقد علّق الحبر ((أبراهام جومبينر)) ((אברהם גומבינר))[40] على هذا الحكم بقوله: ((أكّد الزوهار بشدّة على ألاّ يظهر أيّ من شعر المرأة, وهذا هو العرف المقبول.))[41]

الجزاء الأخروي الوبيل للتبرّج:

ثبت بما سبق أنّ المرأة التي ترضى أن تكشف شعرها في الشارع, مذنبة في الدنيا, وعليها وزر عظيم بسبب ما فعلت .. ولاشكّ أنّ عقابها الدنيوي له ما بعده من عقاب أُخروي[42], وقد جاء في أحد ((المدراشات)) في الحديث عن المرتبة الرابعة في النار: ((دخل البيت الرابع, ووجد نساءً معلّقات من أثدائهن. قال أمامه: ((اكشف السرّ, وفسّر هذه المأساة العظيمة.)) قال له … ((هؤلاء هنّ النسوة اللائي كشفن رؤوسهن في الأسواق …)) [43] .. ولا شكّ أنّ هذا العقاب كفيل بإثارة الهلع في صدر من تؤمن بربّانية مصدره, كما أنه قبل ذلك دليل صريح على شناعة كشف المرأة شعرها في غير بيتها!


شاهد أيضاً

مسرحية “أين الهناك” لصالح حسن فارس تشارك في حفل ختام مهرجان قرطاج العالمي

ضمن فعاليات الدورة الثانية من مهرجان قرطاج الدولي في تونس سيشهد يوم ختام المهرجان تقديم …