تعرف على تعاليم الفيلسوف والسياسي والخطيب الروماني شيشرون

تعاليم الخطيب الروماني شيشرون

بقلم دDr. Mohamad Farhan, philosopher
Posted on by drmfarhan

تقديم :

ينظرُ الأكاديميون الغربيون المعاصرون بعيون الإكبار والتقدير إلى الفيلسوف ورجل الخطابة والمنظر السياسي ماركوس تيلوس شيشرون (106 – 43 ق.م) وذلك للأثار العميقة التي تركها على أطراف متنوعة من الثقافة اللاتينية عامة والفلسفة اليونانية التي إنتشرت وشاعت خلال الإمبراطورية الرومانية خاصة [1].

Advertisements
Advertisements

بل ونلحظ إن أثره إمتد إلى عصور الحداثة الأوربية ، فقد مارس تأثيراً واضحاً على فلاسفة القرن الثامن عشر وخصوصاً على فيلسوف التنوير الفرنسي فولتير(1694 – 1778) والذي أعلى من مكانة شيشرون ورفعه إلى الطوابق العالية.

ذلك عندما تكلم عن كتابه حول الكهانة ورأى إنه أفضل كتاب ولدته دوائر الثقافة والإنشاء في العالم القديم .

لمحات من سيرة شيشرون

ولد الطفل ماركوس شيشرون في 3 كانون الثاني من عام 106 ق.م ، وكانت ولادته في مدينة آربينو الإيطالية ، وهي مدينة تلال تبعد أكثر من ستين ميلاً إلى جنوب العاصمة روما . وكان يتمتع المواطنون الأربينونيين يوم ولد شيشرون بالجنسية الرومانية .

أما تاريخ حصولهم على الجنسية الرومانية فإنه يصعد إلى عام 188 ق.م وبالتحديد قبل ولادة شيشرون بأكثر من ثمانين عاماً.

Advertisements

ولاحظ علماء اللنكوستيكا إن الأربينونيين بدأوا يستخدمون اللغة اللاتينية بدلاً من لغته الفولسين الأصلية (وهي فرع من اللغات الهندو أوربية..) وقبل منحهم الحق بأن يكونون مواطنين رومان[2].

وهذا الحال يحملنا على القول بأن الجماعات الإيطالية الأصلية التي عاشت وإندمجت بالمجتمع الروماني ، قد صرفت ما يُقارب القرنيين في عملية هضم وتمثل اللغة والثقافة اللاتينيين، وغطت بالتحديد القرنيين الثاني والأول قبل الميلاد.

وهذا القدر الثقافي لعب دوراً مهماً في تحديد هوية ومستقبل شيشرون ؛ رجل دولة وخطيب ومن ثم كاتب مأمول متفرد . كما صنع هذا القدر من شيشرون ” أن يكون سيداً عظيماً للخطابة والإنشاء اللاتينيين ”.

Advertisements

الحقيقة إن شيشرون ” لم يكن رومانياً بالمعنى التقليدي ” وهذا الحال رفع من درجات وعيه. وزاد من حساسيته من هذه القضية طول حياته [3].

ومن المفيد الإشارة إلى إنه خلال هذه الفترة من تاريخ الرومان إذا تطلع شخص ما إلى أن يكون مثقفاً فما عليه إلا أن يكون متمكناً وبدرجات عالية من الحديث والكتابة في كل من اللغتين اللاتينية واليونانية . مع العلم إن أبناء الطبقات العليا من الرومان ، كانوا ” يفضلون اليونانية على اللغة اللاتينية في مراسلاتهم الشخصية . بل ويحسبون إن اليونانية أكثر صفاءً وإشعاعاً وتتميز بدقة تعابيرها مقارنة باللاتينية ” . ويضيفون إلى إن يُفضلون اليونانية بسب إنها تتسم بالثراء والعمق المعرفيين.

Advertisements

وعلى هذا الأساس فضلها أبناء الطبقات العليا ثقافة وأدباً لهم . ومن هذا الطرف تركت طبعات واضحة على شخصياتهم ومجتمعاتهم .

والشاهد على ذلك خطاب يوليوس قيصر والذي إستشهد بكلمات الكاتب المسرحي التراجيدي الأثيني ميناندر (342 – 290 ق.م) حين تكلم (أي يوليوس قيصر) عن سلطة اللغة والثقافة اليونانيتين والذي قال ” بأن كل من اللغة والثقافة اليونانيين قد تم تعليمهما في مدينة آربينو قبل أن تنضم وتتوحد مع روما ” .

وهذا الفعل السياسي يسر عملية التمثل الثقافي في المجتمع الروماني وخاصة بين أبناء النخب الثقافية المحلية [4].

ولد شيشرون في أحضان عائلة نبيلة تنتمي إلى ما يُعادل طبقة الفرسان . وكان والده ماركوس تيلوس شيشرون من رجال أملاك الأرض الأثرياء .

أما أمه هلفيا فكانت ربة بيت . وكان والده فكان يُعاني من بعض العوق والذي كان السبب وراء عدم إنخراطه في الأعمال الحكومية والعامة .

ولذلك ركز إهتمامه على الدراسة بصورة مكثفة وذلك تعويضاً عن عوقه . أما والدته هلفيا ففي الحقيقة لا يتوافر لدينا الكثير من المعلومات حولها سوى إنها كانت مثل حال نساء عصرها ، مواطنة رومانية ووظيفتها الرئيسية هي ” إدارة شؤون البيت ” .

ومن المفيد أن نشير إلى كلمات ولدها الصغير كونتيوس تيلوس شيشرون (102 – 43 ق.م) [5] والذي وصف والدته في رسالة له فقال ” إنها كانت ربة بيت ذات مواصفات عالية وتتمتع بذكاء وشخصية محترمة ” [6].

أما كونتيوس شيشرون فهو الأخ الأصغر للفيلسوف ماركوس تيليوس شيشرون وبالتحديد كان الفيلسوف أكبر منه بأربع سنوات فقط .

وعلى أساس إهتمام والدهما بتعليمهما الأكاديمي ، فقد تم إرسالهما سوية إلى للدراسة في كل من روما وأثينا . ولاحظنا إن هناك عدد من الأكاديميين الغربيين من يحتمل إنهما درسا في رودس كذلك وهذه الفترة من الدراسة إمتدت ما بين 79 – 77 ق.م) [7].

ووفقاً لرواية الفيلسوف الإفلاطوني فلوطرخس (بلوتارك) فإن الفيلسوف شيشرون ” كان تلميذاً فذاً ويتمتع بذكاء خارق ، وإن طريقته في الدراسة لفتت إنتباه الجميع في روما ” [8].

لقد حصل ماركوس شيشرون في روما على عرض لدراسة القانون الروماني ، وتحت إشراف الأكاديمي والسياسي من أتباع الجمهورية الرومانية كونتيوس سكافيلو (حوالي 159 – 88 ق.م) [9] وهو متخصص في القانون الروماني ودرس الفلسفة على يد الفيلسوف الرواقي من جزيرة روديسا بانتيوس الرواقي أو الروديسي (185 – 110 ق.م) [10].

Advertisements

وهذا الجانب يحملنا على الإمساك ببعض من مصادر شيشرون في مضمار الفلسفة عامة والفلسفة الرواقية خاصة والتي نزلت عن طريق أستاذه سكافيلو الذي كان جسراً معرفياً مرت من خلاله الأثار الفلسفية الرواقية للفيلسوف بانتيوس الروديسي ووجدت طريقها إلى ذهنية التلميذ شيشرون .

ولاحظنا ونحن نقرأ في أعمال الفيلسوف الرواقي بانتيوس إنه ألف كتاباً بعنوان حول الواجباتوكما نعلم إن واحداً من كتب شيشرون جاء بهذا العنوان بالضبط .

ولذلك نحسب إنه من خلال أستاذ شيشرون كونتيوس سكافيلو قد تعرف شيشرون على كتاب بانتيوس والذي كان المصدر الأساس أو ربما الوحيد لكتاب شيشرون الذي جاء بالعنوان ذاته [11].

وبعد مرور سنة واحدة على دروسه التي تلقاها من إستاذه سكافيلو [12]، تحول التلميذ شيشرون إلى معلماً ومشرفاً على برنامج تعليم عدد من الطلبة الشباب ومنهم الخطيب والسياسي (الجمهوري اليوناني) ماركوس كاليوس روفس (82 – 48 ق.م) [13].

ومجموعة أخرى من رجال المحاماة الشباب [14]. كما وكانت لدى شيشرون ميولاً نحو الشعر وفعلاً فقد حاول في شبابه كتابة الشعر ، ودفعه هذا الهم الشعري إلى ترجمة أعمال شاعر اليونان الملحمي هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد).

وترجم قصيدة الشاعر اليوناني آراتوس (315 – 240 ق.م) والتي حملت عنوان الظاهرة (الفينومنا) ومن ثم تأثر بالشاعر الملحمي الروماني فيرجل (70 – 19 ق.م) وقرأ له قصيدته الطويلة (الملحمة) التي حملت عنوان جيريكا والتي تكونت من اربعة كتب والتي ظهرت عليها آثاراً فلسفية أبيقورية[15].

وحال شيشرون مثل أغلب معاصريه من الرومان ، فقد تعلم باليونانية وترجم منها مفاهيم الفلسفة اليونانية إلى اللغة اللاتينية وبذلك وفر لطلاب الفلسفة والمثقفين الرومان مُعجماً فلسفياً منثورة مادته في نصوصه وكتاباته . إضافة إلى إنه ترجم العديد من الأعمال الفلسفيةوقدمها للجمهور الروماني.

Advertisements

ومن الملاحظ إن شيشرون بدأ بدراسة اللغة والثقافة اليونانية وهو في سن الصبا ولذلك كانت العوائل والأصدقاء المقربين لعائلته ، يطلقون عليه في مرحلة الصبا وللتندر إصطلاح ” الولد الصغير اليوناني ”.

وكل هذا صحيح ، ولكن للدقة إننا لاحظنا إن هاجس شيشرون كان على الدوام ، هو الإرتباط بأواصر قوية تشده إلى ” النُخب الرومانية التقليدية ” . وهذا فعلاً ما تطلع إليه وعمل على تحقيقه بكل جد ومثابرة في حياته وبدرجات عالية من النجاح [16].  

شيشرون وتحوله ضفاف الفلسفة والتأليف

وفي أواخر التسعينات وبواكير الثمانينات قبل الميلاد عشق شيشرون الفلسفة وإنغمس في مباحثها دراسة وتأملاً . ولاحظنا إن هذا التحول نحو ضفاف الفلسفة قد ترك أثاراً عميقة على مجمل حياته.

فمثلاً عمل بكل جد على تقديم الفلسفة اليونانية وجاهد بقوة على شيوعها في دائرة الثقافة اللاتينية (وهي لغة وثقافة الرومان) وذلك من خلال قيامه بترجمة المفردات الفلسفيةإلى اللغة اللاتينية وبذلك وفر للقارئ الروماني معجماً فلسفياً بلغته اللاتينية كما أشرنا أعلاه.

Advertisements

كما وتقرب من فلاسفة عصره فقابل مثلاً الفيلسوف الأبيقوري فيدرس الأبيقوري (138 – 70 / 69 ق.م) والذي زار روما عام 91 ق.م تقريباً.

ورافق شيشرون في زيارته إلى الفيلسوف فيدرسأتباعه وطلبته كل من سكافيلو وتاتيوس بومبونيوس (110 – 32 ق.م) والأخير بومبونيوس على خلاف شيشرون ظل أبيقورياً إلى نهاية حياته [17].

وبالمناسبة إن الفيلسوف فيدرس كان رئيس المدرسة الأبيقورية في آثينا يومذاك [18]. وكان معاصراً للفيلسوف والخطيب شيشرون وإتصل الأخير بالفيلسوف الأبيقوري فيدرس في فترة شبابه يوم كان مقيماً في روما . ومن ثم تجددت معرفة شيشرون بالفيلسوف الأبيقوري في عام 80 ق.م يوم إقامة شيشرون في آثينا وخلال ذلك كان فيدرس شيخاً ورمزاً قائداً للمدرسة الأبيقورية.

ومن ثم توسعت علاقة شيشرون برموز الأبيقورية ، حيث كانت له صداقة مع فيلوس (وهو بالطبع ليس المؤرخ الروماني ماركوس فيلوس (19 ق.م – 31م) لأن الأخير ولد وشيشرون مات قبل ولادته على الأقل بخمس وعشرين سنة [19]) .

وقدم شيشرون فيلوس مُدافعاً عن العقائد الأبيقورية في محاورته الفلسفية التي حملت عنوان حول طبيعة الألهة [20] والتي كتبها شيشرون عام 45 ق.م ، والتي تألفت من ثلاثة كتب وتم فيها مناقشة مضمار اللاهوت برؤية عدد من فلاسفة اليونان ومن مدارس فلسفية مختلفة .

وبالطبع ناقشت إضافة إلى النظريات الأبيقورية ، النظريات الرواقية[21]والشكية [22] وموقف شيشرون منها [23].

ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ بأن كتاب أو رائعة شيشرون حول طبيعة الآلهة هو محاورة فلسفية . وإن شيشرون يناقش في كل كتاب منها ، موضوعات اللاهوت ومن وجهات نظر الفلاسفة اليونان وبالطبع من مدارس فلسفية مختلفة . فمثلاً هناك مناقشات لوجهات نظر الفلاسفة الرواقيين والفلاسفة الأبيقوريين والفلاسفة الشكاك .

كما وفي الكتاب فعل تدقيق وإمتحان قام به شيشرون لمجمل من الأسئلة الأساسية في مضمار اللاهوت اليوناني . وإقتصر دور شيشرون في هذه المحاورة على دور الراوي على الرغم من إنه لم يلعب دوراً فاعلاً في المناقشة التي جرت بين الفلاسفة . ولمزيد من الفائدة نُشير إلى شخصيات هذه المحاورة ، والتي تكونت من الشخصيات الآتية :

1 – الشخصية الأولى هي شخصية الفيلسوف غايوس فيلوس (وهو بالطبع ليس المؤرخ الروماني ماركوس فيلوس على الإطلاق كما ظن بعض الأكاديميين الغربيين ولسبب بسيط وهو إن الأخير كما بينا ولد بعد موت شيشرون على الأقل بخمس وعشرين سنة ..) وإنما هو غايوس فيلوس الفيلسوف الأبيقوري والذي مثل المدرسة الفلسفية الأبيقورية [24].

2 – الشخصية الثانية هي شخصية الفيلسوف كونتيوس لويسلوس باليبوس (عاش حوالي 100 ق.م) وهو فيلسوف رواقي وهو من مدينة قادس (بالعربية) الأسبانية [25]. ووضعه شيشرون في موقع المقارنة مع أفضل فلاسفة اليونان . ولعب باليبوس في المحاورة دور الشارح للاهوت في النظريات الرواقية . وكانت حجته الفلسفية برأي شيشرون ذات وزن راجح بين الآراء المتداولة [26].

والحقيقة إن باليبوس له حضور في محاورة أخرى كتبها شيشرون وهي محاورة رتنسيوسوفيها يقدمه شيشرون من مناصري الأراء الرواقية . وهذه المحاورة تُعد  اليوم من محاورات شيشرون الضائعة .

Advertisements

3 – الشخصية الثالثة هي شخصية الفيلسوف غايوس أورليوس كوتا (تقريباً 124 – 73 ق.م) وهو الخطيب ورجل الدولة الروماني ، وهو خال يوليوس قيصر من طرف أمه يورليا كوتا . وقدمه شيشرون في محاورتين من محاوراته ؛ الأولى حول الخطابة . والثانية حول طبيعة الآلهة وقدمه في المحاورة الآخيرة واحد من مناصري الأكاديمية الجديدة (أي المدرسة الشكية) [27].

ولاحظنا إن رائعة شيشرون حول طبيعة الآلهة ضمت :

أولاً – الكتاب الأول والذي تكون من مدخل شيشرون ومن ثم عرض حالة فيلوس في اللاهوت الأبيقوري ونقد كوتا للأبيقورية .

ثانياً – وركز الكتاب الثاني على شرح باليبوس ودفاعه عن اللاهوت الرواقي .

ثالثاً – وتناول الكتاب الثالث نقد كوتا لمزاعم باليبوس .

ويبدو برأي الأكاديميين الغربيين إن نتائج شيشرون متناقضة وفيها صمت وسكوت واضح وهو برأيهم نمط من ” ستراتيجيات الإنفتاح الحضاري (المدني) ” . وهذا فعلاً ما فعله شيشرون وشمل به مزاعم باليبوس ، التي رأى فيها ” الكثير من الصدق والحقيقة تقريباً ” [28].

والحقيقة إن كتاب شيشرون حول طبيعة الآلهة ، لم يكن عملاً أبيقورياً أو رواقياً تقليدياً . وإنما هو إضافة وإشعاعاً بل وفيه مذاقاً وملحاً شيشروني خاص على النص الأبيقوري والرواقي . إلا إنها ظلت من زاوية العقيدي الأبيقوري والرواقي تناقش وجهات نظرهم حول الدين واللاهوت . ومن المفيد الإشارة إلى إن الجدل مفتوح ومستمر بين الأكاديميين الغربيين وبالتحديد حول أسئلة من مثل ؛ هل إن ألهة الأبيقوريين والرواقيين مثل آلهتنا ؟

أم هل إن آلهتهم هي مجرد نتاج فعلنا الذي قام بالإختراع على آلهتهم ؟ وللإستشهاد لاحظنا مثلاً إن الأكاديمي ديفيد كونستان (بروفسور الكلاسيكيات في جامعة نيويورك ولد عام 1940) يرى ” إن ألهة الأبيقورية آلهة حقيقية بمعنى إنها موجودة مثل الذرات تلتقي وتتحد وتمتلك خصائص ولها معنى ومفهوم مثلما يعتقد الناس ” [29].

ومارست محاورات شيشرون ، وخصوصاً محاورة حول طبيعة الآلهة ، إضافة إلى محاورة حول الواجبات [30]. ومحاورة حول الكهانة (العرافة) تأثيراً بالغاً على إتجاهات الفلسفة الرومانية (أو اللاتينية / الإيطالية) وذلك من طرف إنها عالجت موضوعات الإلهام والوحي .. وهذه المحاورة أي حول طبيعة الآلهة ألفها شيشرون عام 44 ق.م وهي تتألف من كتابين [31].

والحقيقة إن هذه المحاورة مارست تأثيراً على فلاسفة القرن الثامن عشر ، وبالتخصيص على الفيلسوف الفرنسي فولتيروالذي قال عنه ” إنه ربما كان أفضل كتاب أنتجه العالم القديم ” [32] كما أشرنا إلى ذلك في التقديم . أما محاورة في الكهانة فهي واحدة من محاورات شيشرون المهمة ، والتي جاءت من فعل التكهنأو التنبؤء وهي لا علاقة لها بالتنبوء أو التكهن العلمي القائم على فهم سببي .

وإنما على فعل الإلهام والذي يحدث بعون ومساعدة إلهية [33]. وفعلاً فإن هذه الظاهرة قد أهملها مجتمع العلماء والفلاسفة الشكاك ونظروا إليها على إنها مجرد خرافة [34].

Advertisements

والواقع إن مقالة شيشرون حول الكهانة (أو العرافة) هي مقالة فلسفية إلا إنها إتخذت شكل المحاورة . وفيها شخصية شيشرون الشخصية الرئيسة (إضافة إلى أخيه كونتيوس) حيث يقوم شيشرون بالتحليل والكلام . ولاحظنا إنه مهتم بالتفاصيل وخصوصاً تحديد إنماط وأشكال الكهانة .

فمثلاً يقسمها إلى نمط إلهامي (ويدرج حالات الجنون) ، ونمط الأحلام ، ونمط فيه يمتلك الشخص ملكات أو قدرات على التأويل والشرح والتفسير . وهي تشمل بعض الطقوس مثل تقديم التضحية (تضحية الحيوانات) وقراءة بعض النصوص ، ومن أنماطها علم التنجيم والذي تتضمن قراءة الطالع (المستقبل) وذلك من خلال مراقبة طيران الطيور وترجمة ما تدل عليه ، وكل ذلك يحدث بوحي من الألهة ..

والكتاب الأول هو دفاع عن الكهانة وفيها بعض الأثار الرواقية . أما الكتاب الثاني ففيه تفنيد ماركوس شيشرون لكل مظاهر الكهانة والعرافة ومن زاويته الأكاديمية الفلسفية .

وكونت هذه المحاورة مصدراً أولياً من مصادر الدين الروماني . وضم شيشرون فيها مقتطفات من قصيدته المشهورة بعنوان حول القنصلية [35].

ولاحظنا إن كتابات شيشرون النقدية في القرن الأول قبل الميلاد في مضمار الكهانة قد ألهمت الروائي والخطيب اليوناني الأشوري لوكين السميساطي (125 – 180م) في القرن الثاني بعد الميلاد ودفعته إلى كتابة العديد من المحاورات والتي تمثلت بالشكل الأتي ؛ محاورات الموتى ، ومحاورات الألهة ، وعقائد للبيع ، ومن ثم رائعته التي حملت عنوان الإسكندر : النبي الكذاب[36].

وبالطبع هو غير الإسكندر المقدوني (356 – 324 ق.م) وإنما هو الإسكندر أبونتشيس (105 – 170م) والذي ولد بعد موت الإسكندر المقدوني بأكثر من قرنين وعقدين من السنيين .

ولما كان لوكين حاله حال شيشرون معجباً بالأبيقورية وفلسفتها . فقد ألف لوكين محاورة الإسكندر : النبي الكذاب ضد الإسكندر أبونتشيس الذي حرق كتاب الفيلسوف أبيقور ، وقال لوكينمندداً بالإسكندر أبونتشيس ومقيماً كتاب أبيقور بل ومناقشاً : ” ما الكرامات التي خلقها هذا الكتاب ؟ إنها كرامات السلام والهدوء والحرية .

وهي طريق تحريرهم من الخوف والآمال الزائفة والرغبات الشديدة والإسراف المتطرف . كما وهي تعمل على رفع ذكائهم ، وتمكنهم من الصعود إلى طوابق الحقيقة العالية ، وتُطهر فهمهم وتنقيه من الأدران والحماقات .. وتُسدد تفكيرهم نحو الطريق المستقيم حيث الحقيقة والصدق ” [37].   

أما فيما يخص محاورة شيشرون التي حملت عنوان حول الواجبات ، فقد ألفها عام 44 ق.م وهي السنة الأخيرة من حياته ، وكان عمره يومها ثلاثة وستين عاماً . وكتبها بإسلوب رسالة وجهها إلى ولده ماركوس شيشرون (وبالمناسبة إن ولده يحمل إسم والده ذاته وجده كذلك وهذا تقليد روماني) ويوم كتبها شيشرون كان ولده يدرس الفلسفة في آثينا .

وهي في المحط الآخير محاولة لتحديد السلوك المثالي العام [38]. وفيها ينتقد يوليوس قيصر ودكتاتوريته وفي صفحات مختلفة . وفيها واضح الأثر الذي تركته الأكاديمية المشائية (أي الأرسطية) وكذلك المدرسة الرواقية وخصوصاً الفيلسوف الرواقي بانتيوس .

تألفت محاورة حول الواجبات من ثلاثة كتب ؛ الأول ناقش فيه الشرف . والثاني درس فيه المنافع . والثالث عالج فيه قضية الصراع . ويزعم شيشرون إن غياب الحقوق السياسية هي التي أفسدت الأخلاق . ومن ثم يتحول للحديث عن القانون الطبيعي وحسب رأيه هو القانون الذي يحكم سلوك البشر و الألهة [39]. وفيه يحثُ ولده ماركوس على إتباع الطبيعة والحكمةوالسياسة ويحذره من الإستسلام إلى اللذة والكسل [40].

Advertisements

فلسفته السياسية : حول الكومنولث والقوانين

ومن ثم جاءت محاورة شيشرون والتي حملت عنوان حول الكومنولث وحول القوانين ، وكلاهما بنظر الأكاديميين الغربيين من أكثر الأعمال أهمية في مضمار الفلسفة السياسية [41]. كما إن هاتين المحاورتين كونتا مادة مجلد واحد من مجلدات أعمال شيشرون .

إلا إن هذا المجلد عرض مقتطفات وقام بترجمتها وتركيبها عدد من الباحثين الأكاديميين الغربيين بإشراف البروفسور جيمس زيتزيل وهو بروفسور الكلاسيكيات في جامعة كولومبيا . وجاءت النصوص مسنودة بمدخل مكثف وملاحظات وإضافات .

وعلى هذا الأساس فإن هذا المجلد توزع في محاورتين (أو كتابين) :

الأول – حول الكومنولث وتكون من ستة كتب (أو ستة أجزاء) . ولاحظنا إن الكتاب الأول كون مقدمة وفعلاً فقد جاءت بعنوان مقتطفات المقدمة [42]. وضم هذا الكتاب عدة محاور ؛ عرض في الأول منها خطابه إلى أخيه كونتيوس والإلتزام والواجب نحو قطر واحد من أقطار الإمبراطورية الرومانية .

كما وبين أهمية كل من التعليم النظري والخدمة العملية ، ودحض الحجج ضد المشاركة في الحياة العامة . إضافة إلى بحثه فيما يتمتع به من مؤهلات (أي مؤهلات شيشرون) وبالتحديد من طرفي الخبرة و التعليم [43].

بينما جاء المحور الثاني بعنوان البيئة والمناقشة التمهيدية [44]. ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن القارئ الأكاديمي لرائعة شيشرون حول الكومنولث ، سيندهش من المنهجية المعاصرة التي تناول فيها موضوعة الكومنولوث وهو يكتب في القرن الأول قبل الميلاد هذا الخطاب الفلسفي السياسي .

Advertisements

والشاهد على ذلك مناقشته للظاهرة الكونية والأسس العملية لعلم الفلك (وفي الفلك إمكانية قراءة المستقبل) [45]. ومن ثم عرض طرفان من وجهة نظره للفلسفة ، وبالتحديد الموقف من الموضوعات الإنسانية [46]، والتحضير للحياة العملية [47]، وإنتخاب الموضوع (أي موضوع الدراسة) وأفضل أشكال الكومنولث [48].

أما المحور الثالث فقد جاء بعنوان النظرية الدستورية (أو بلغة شيشرون نظرية الدساتير) [49]. ومن الملاحظ على منهجية شيشرون إنها منهجية صارمة منضبطة بقواعد البحث الأكاديمي وهذا طرف يشدنا إليه ويحملنا على الإحتفال به في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين .

والشاهد على ذلك إنه إستهل بحثه في هذا المحور بمجموعة من التعريفات الأولية ومن المعروف إن التعريفات هي مفاتيح العلوم وخصوصاً المنطقية والرياضية والتي هي موديلات لجميع العلوم .

وفعلاً فقد بحثت هذه التعريفات في إصول المجتمع ، والصور الأساسية أو أشكال الكومنولث[50]، وتبعها بدراسة للإشكال البسيطة من الدساتير وتحدث عن الفوائد من مزج الدساتير[51]. ومن ثم طالب بتقديم توسيع للموضوع الذي تناولته الدراسة وخصوصاً التوسيع الذي عرضه غايوس لايلوس [52].

    والشاهد الأخر على فكره الفلسفي السياسي المعاصر ، هو تركيزه على :

Advertisements

أولاً – حجج الديمقراطية [53].

ثانياً – حجج الإستقراطية [54].

ثالثاً – حجج الملكية [55].

ودقق في فضائل كل من حجج الديمقراطية والإرستقراطية والملكية ، ومن ثم مال نحو ضفاف الملكية ومن الملاحظ إن في إختياره النظام السياسي الملكي ، إنه وقع تحت تأثير تفضيل الجنرال ورجل الدولة الروماني سكيبيو الأفريقي (236 – 183 ق.م) [56]. ومن ثم قدم حجج الملكية ، ومن طرفي حكومة الألهة والحكومة الكونية (العالمية) [57]. وقدم الشاهد أو الدليل التاريخي عليها [58]، وأشار إلى بنية أو تركيب العقل في كل منهما [59]. وقام بفعل مقاربة قدم فيه مثال رب البيت [60]، والحاجة إلى المحافظة على الوحدة زمن الأزمة [61]، والحب للملك الجيد [62]. وكشف شيشرون عن حقيقة مهمة تُباطن أنواع الحكومات ، وذهب إلى إن الأنواع البسطة من الحكومات والتي هي عرضة إلى الفساد وبين بالمقابل محاسن الدستور المركب(الممزوج) [63].

ومسك الختام الخلاصة التي أعلن فيها شيشرون صراحة من إن روما هي من أفضل الحكومات [64]. ولعل من النماذج السياسية التي كانت متوافرة على طاولة بحث شيشرون تجربة كل من السياسيين والقائدين العسكريين الرومانيين سكيبيو وهو زميل طفولته وعضيده لايلوس وهذه قضية تحتاج إلى دراسة مقارنة مستقلة تكشف عن حجم الحاضر من آرائهما في نصوص شيشرون .

كتابات ماركوس شيشرون الفلسفية

كان شيشرون من فلاسفة القرنين الثاني والأول قبل الميلاد . فهو إضافة إلى كونه فيلسوفاً وسياسياً ، فقد كان خطيباً من الطراز الأول ومن هذا الطرف ترك تأثيراً كبيراً على تاريخ اللغة والثقافة اللاتينيتين (وبالطبع كانت اللاتينية لغة العصر) [65] ومن خلالهما نشر الثقافة الفلسفية.

ولعل أهمية شيشرون في تاريخ الفلسفة ، تعود إلى أنه أول من قدم للرومان المدارس الفلسفية اليونانية المشهورة وعرفهم بالإتجاهات الأكاديمية الفلسفية اليونانية .

كما وطور جهازاً لغويا فلسفياً لاتينياً ووضعه في متناول طلاب المعرفة والمثقفين الرومان ومن هذا الطرف يمكن الحديث عن جهوده من زاويتي الترجمة الفنية واللنكوستيكا (فقه اللغة) . ولاحظنا إن هناك عدداً من الأكاديميين الغربيين من تصور حركة الرينسانس (النهضة) الأوربية هي عملية  ” إحياء لتراث شيشرون ” وخصوصاً بعد إن أكمل النهضويون الأوربيون نهضتهم ” لاحظنا إنهم ضموا شيشرون إلى معاقل الكلاسيكيات القديمة ” .

بل ووجدنا إن هناك من يرى إن تأثير شيشرون إمتد إلى أبعد من عصر الرينسانس حتى وصل إشعاعه إلى عصر التنوير ، حيث ذهبوا إلى إن شيشرون ترك أثاراً واضحة على كل من الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1632 – 1704) والفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) والفيلسوف الفرنسي شارلز مونسكيو(1689 – 1755) [66].

ونحن نحتفل بالفيلسوف شيشرون من طرف إهتمامنا بكتاباته الفلسفية والتي مست أطراف من علوم الفلسفة [67]مثل الأخلاق والسياسة والمنطق واللاهوت أو الميتافيزيقا والتي ظهر فيها أثر فلسفي رواقي واضح المعالم . ونحسبُ إن الموضوعات التي تناولها يراع شيشرون هي موضوعات فلسفية سبق إن تناولها فلاسفة اليونان في كتبهم ، والتي كانت من مثل موضوعات الموت والألم والعواطف والسعادة.

والشاهد على ذلك مجموعة كتب شيشرون السبعة ، وبالطبع الستة الأولى منها حملت عنوان ” حول الخطابة ” . أما الكتاب السابع فقد جاء بعنوان ” حول الفلسفة ” [68].

ولعل الحديث عن شيشرون مؤرخاً للمدارس الفلسفية اليونانية يكون ممكناً وخصوصاً بعد عثورنا على كتاب له بعنوان ” حول الشكية الأكاديمية ” وهو كاف للإستشهاد . إضافة إلى مساهمة في عملية التدوين في مضمارالسياسة [69]، فقد كان له كتاباً بعنوان ” حول الجمهورية ” وله كتاب قانوني وهذا هو تخصصه وجاء بعنوان ” حول القوانين ” وكتب في مضمار اللاهوتوبإصطلاحات الفلاسفة يُرادف أطرافاً من مضمار الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة وهو مضمار فلسفي عتيد .

وفعلاً فقد لاحظنا إن شيشرون خصص ثلاثة كتب من كتبه لمعالجة موضوعات فلسفية بحتة ، منها كتابين درس فيهما موضوع اللاهوت وبالإصطلاحات الفلسفية موضوعات الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) . وكان كتابه الأول بعنوان ” حول التأملات الإلهية ” .

في حين كان كتابه الثاني كتاباً خص فيه العقيدي اليوناني وبالتحديد آلهة اليونان وكان بعنون ” حول طبيعة الآلهة ” [70]. أما كتابه الثالث فقد درس فيه أطراف من موضوع فلسفي عتيد وهو علم الأخلاقوالذي جاء بعنوان ” الغايات الآخلاقية [71].

تعقيب ختامي :

كما وكتب فيلسوف السياسة والخطيب السياسي ماركوس شيشرون العديد من الخطابات السياسية والقانونية (بعضاً منها في مضمار الدستور) حتى بلغ عددها إلى ثمانية وثمانينخطاباً . صحيح إن بعضاً منها تعرض للإندثار والضياع ، إلا إن البعض الآخر بقي حياً خالداً وبلغ بتقديرات الأكاديميين الغربيين بحدود ثمانية وخمسين خطاباً وهي بتقديرنا تكون مضمار ثرياً في ما يمكن أن نطلق عليه ” الفلسفة السياسية عند شيشرون ” .

ولعل من الشواهد على خطاباته السياسية ؛ خطابه الأول وهو خطاب دفاع وكتبه وألقاه عام 81 ق.م . كما ونستشهد بخطابه السياسي الشهير عام 43 – 44 ق.م ضد الجنرال الإيطالي مارك إنثوني (أو ماركوس إنطونيوس) (83 – 30 ق.م) وهو السياسي والقائد العسكري الروماني والذي لعب دوراً حرجاً خلال مرحلة التحول نحو ضفاف الجمهورية الرومانية وكان هو السبب وراء موت الفيلسوف والسياسي شيشرون التراجيدي .

وبالطبع يومها كانت الجمهورية الرومانية في مرحلة تحول من حكومة أوليغارشية (حكومة الأقلية) إلى إمبراطورية الأوتقراط (الشخص الواحد) .

وكان إنتوني مسانداً ومتعاضداً مع يوليوس قيصر (100 – 44 ق.م) حينها وواحد من جنرالاته [72]. وبالمناسبة إن هذا الخطاب السياسي سبب أزمة سياسية للجنرال إنثوني وعائلته والشاهد على ذلك رد الفعل الدرامي الذي قامت به زوجة أنثوني حيث مثلت هي وزوجها بجثة الفيلسوف الخالد شيشرونبُعيد إعدامه .

————————————————————————————–

الهوامش افتح رابط مصدر المقال